للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 19 يوليو 2012

سورية: إنقلاب علوي أم تقسيم فيدرالي؟






- I -
هل هي حقاً بداية النهاية للنظام السوري؟
الجيش السوري الحر والمجلس الوطني السوري يؤكدان ذلك. لابل ذهب الأول إلى حد القول بأن هذه النهاية ستأتي في نهاية شهر رمضان المقبل.
والخبراء الغربيون ليسوا بعيدين عن هذا المنطق.
 فصحيفة فانينناشال تايمز الرزينة عنونت افتتاحيتها اليوم (19-7-2012) بهذه الجملة نفسها: بداية النهاية، وقالت:"لن يطول الوقت قبل أن يرحل بشار الأسد نفسه - بهذا الشكل أو ذلك- عن المشهد السوري". وصحيفة نيويورك تايمز قالت أن الولايات المتحدة بدأت تضع الخطط لمرحلة مابعد الأسد، متوقعة أن يكون سقوطه وشيكا. هذا في حين كان الكاتب في واشنطن بوست ديفيد أغناتيوس يقول أن الأزمة السورية تسير بشكل حثيث نحو نقطة التحوّل النهائية.


- II -
بالطبع، كل هذه التوقعات لها مايبررها. وهنا لانتحدث فقط عن الانجاز الضخم الذي حققته المعارضة المسلحة باختراق مقر الأمن القومي السوري ونسفه، مودية بحياة أقوى شخصية أمنية في النظام، آصف شوكت، إلى جانب وزير الدفاع ورئيس الأمن القومي ومسؤولين آخرين، بل أيضاً عن قدرة المقاتلين المعارضين على اجتياح أحياء عدة في العاصمة دمشق التي تعتبر العرين الرئيس والحرز الحريز للنظام.
والحال أن اختراق المقاتلين لدمشق فاجأ الجميع بلا استثناء، سواء أكانوا من قادة النظام أم من المحللين والمراقبين الخارجيين. إذ لم يكن أحد يتوقع أن تكون قوات المعارضة قد وصلت إلى هذا الحد من التطور في قدراتها العملانية وفي عملية الضبط والقيادة، إلى درجة توجيه ضربات مباشرة إلى رأس النظام وفي عقر داره.
كما لم يكن أحد يتوقع أن تكون الهيكلية الأمنية للنظام قد وصلت إلى هذه الدرجة من الهشاشة، بحيث تفقد في ضربة واحدة جل قادة خلية إدارة الأزمة التي كانت تقود الحرب طيلة الأشهر الـ16 الماضية.
الكثيرون أنحوا هذا التطور النوعي في عمل المعارضة المسلحة إلى استلام هذه الأخيرة لأجهزة اتصالات متطورة أميركية وأوروبية، مكَّنتها من تنسيق العمليات بين أكثر من 300 مجموعة مسلحة معارضة في البلاد، هذا إضافة إلى التضخم الكبير الذي طرأ على عديد الجيش الحر (ومن يعلنون الانتماء إليه)، حيث يقال أن العدد تجاوز الآن المئة ألف مقاتل.
قد يكون هذا صحيحا. لكن ثمة أيضاً ماقد يكون أهم: إرادة القتال والتضحية التي تبلورت لدى الشبان السوريين طيلة مرحلة الانتفاضة، والتي عبّرت عنها أم سورية لجأت مؤخراً إلى لبنان بقولها:" لدى خمسة شباب أبناء. وقد قالوا لي أني عليّ ألا أحزن إذا ما خسرتهم جميعاً في المعركة، لأنهم قرروا أن يعانقوا الحرية أو الموت. لقد استشهد حتى الآن إثنان منهم وأنا راضية عنهما".
هذه المعطيات لايبدو أنها تدخل في حسابات أركان النظام السوري الرئيسيين، الذين لازالوا بعد سنة ونصف السنة من الانتفاضة يقاربون الأزمة من زاوية أمنية بحتة، ويرفضون أن يروا العوامل الاجتماعية والطبقية والثقافية والديمغرافية (طفرة أعداد الشباب ) التي تحرّك هذه الثورة.
وعلى سبيل المثال، ظهر خالد الحمود، أمين سر مجلس الشعب السوري، على تلفزيون الدنيا اليوم (الخميس) وأمضى ساعة ونصف الساعة وهو يتحدث باستفاضة مذهلة عن الانتفاضة السورية بصفتها حدثاً أمنياً - استخبارياً لا يُواجه إلا بقمع أمني - استخباري. هذا الحديث تطرق إلى أدق التفاصيل المخابراتية من جانب طرف يفترض أنه يمثّل أعلى هيئة سياسية وتشريعية في البلاد، الأمر الذي ربما يفسّر في جانب منه أسباب استعصاء الأزمة السورية على  الحلول السياسية. فالسياسة، بما هي تسويات وصراع بلا عنف، انعدمت في بلاد الشام بعد أن أقام حافظ الأسد كل صرح دولته على هياكل أجهزة الاستخبارات، وقواعد العنف العاري، والثقافة الأمنية الكاملة.
هذا الصرح الذي يبدو قوياً من الخارج، يصبح هشاً للغاية من الداخل إذا ما فقدت الثقافة الأمنية أهم ركيزة لها: الخوف أو التخويف. وهذا بالتحديد ما حدث ويحدث في الانتفاضة السورية: سقوط عامل الخوف، الأمر الذي جعل من الحديث عن بداية النهايات بعد تدمير مقر الامن القومي تحليلاً واقعياً وموضوعيا.
- III-
لكن مهلا.
تهاوي ركائز أسس النظام قد لاتعني بالضرورة سقوطه السريع.
صحيح أنه يمكن من الآن فصاعداً توقع حدوث طفرة في الانشقاقات العسكرية والمدنية، بعد أن أدى تدمير مقر الأمن القومي إلى زلزال سايكولوجي ضخم هزّ، كل أركان النظام لكن الصحيح أيضاً أن النظام سيقاتل الآن بكل الشراسة الممكنة، وقد يستخدم أسلحة دمار كان يتجنَّب استخدامها حتى الآن خوفاً من التدخلات الخارجية.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية: ما لم يحدث انشقاق سريع في صفوف النخبة العسكرية- الأمنية العلوية الحاكمة، يمهِّد لتسوية تاريخية جديدة بين السنّة والعلويين في سورية، فإن الحصيلة الوحيدة المحتمة هي تراجع القوى العلوية إلى معاقلها الجغرافية في جبال العلويين واللاذقية وطرطوس، ومن ثم "عرقنة" كل الوضع السوري. وهكذا تقوم دول، فديرالية أسماً وانقسامية فعلاً، للعلويين والأكراد والدروز والسنّة، فيما يحدد مصير المسيحيين السوريين في إطار مصير الكيان اللبناني. (بالمناسبة، عرض الانتداب الفرنسي في أوائل القرن العشرين دمج نصارى سورية مع موارنة لبنان في دولة واحدة، لكن هؤلاء الأخيرين رفضوا آنذاك لأن الأوائل أرثوذكس).
الانشقاق العلوي يعني رحيل الرئيس بشار الأسد إلى موسكو. وعدم الانشقاق يعني انتقاله إلى مسقط رأس عائلته في قرية القرداحة في جبال العلويين. ومن هناك سيقاتل بشار لرسم حدود الدولة العلوية وهو يدّعي امتلاك شرعية الدولة السورية، الأمر الذي سيدشّن بدوره حروب تطهير طائفي ومعارك رسم حدود بين جميع مكونات الوطن السوري بإشراف تدخلات إقليمية ودولية واسعة.
هل لازال بالامكان تجنُّب هذا السيناريو الدموي؟
أجل. لكن فسحة الوقت باتت ضيقة للغاية. وهي بعد أحداث دمشق المفاجئة أصبحت تضيق كل يوم وكل ساعة بفعل التطورات المتسارعة في أرض المعارك.
فما لم يحدث الانشقاق أو الانقلاب العلوي خلال شهر من الآن، ستكون كل المداخل امام مرحلة انتقالية سلمية في البلاد قد أوصدت بإحكام، وستفتح أبواب جهنم على مصراعيها أمام حرب أهلية طائفية ترقص على إيقاع فيدرالية سورية دموية على النمط العراقي.
لقد دخلنا بداية النهاية بالفعل في سورية. لكن لاأحد في الواقع يعرف كيف ستكون طبيعة هذه النهاية.

                                                             سعد