للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 1 يوليو، 2012

لماذا انفجر الصراع المفتوح بين السعودية وإيران؟






حرب باردة حقيقية في منطقة الخليج
لماذا المجابهة المفتوحة
 بين السعودية وإيران؟

سعد محيو
هل ثمة علاقة ما بين إندلاع مايمكن ان يكون "حرباً باردة" بين السعودية وإيران على ضفاف الخليج، وبين الربيع الديموقراطي في الشرق الأوسط؟
السؤال، للوهلة الاولى، قد يبدو غريبا. وهذا أمر متوقع: فالصراع بين البلدين كان مستعراً أصلاً، منذ ان انتقلت إيران من كونها الحليف الأكبر للولايات المتحدة في منطقة الخليج إلى عدوها الأكبر بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها العام 1979. ومنذ ذلك الحين، انغمست الرياض وطهران في حمأة مجابهات تراوحت بين الحروب بالواسطة، كما حدث إبان الحرب العراقية- الإيرانية (198-=1988) التي دعمت فيها السعودية بقوة الرئيس صدام حسين، وبين "المجابهات الودية" في عهدي الرئيسين رفسنجاني ونجاد.




بيد أن العلاقات تدهورت مع وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة، بعد ان ارتدت السلطة الإيرانية حلّة إيديولوجية دينية كاملة، فردت عليها مملكة السعوديين بالمثل. وهكذا تبلورت حرب باردة حقيقية بين الطرفين على النمط الأميركي - السوفييتي، تضمّنت العدة الكاملة لمثل هذه الحرب: الجواسيس ضد الجواسيس؛ حملات التضليل الإعلامي؛ الصدامات بين القوى التابعة لهما (في لبنان والعراق، والآن في سوريا)؛ اتهامات سياسية متبادلة وحادة؛ وتراقص على حافة صدامات لايستبعد البعض ان تصل حتى إلى المستوى العسكري.
وعلى الصعيد الإديولوجي، كانت الحرب الباردة لاتقل حدّة وعنفاً. فقد لاحقت المخابرات السعودية "المبشّرين الشيعة" الإيرانيين في المغرب وأبلغت السلطات في الرباط عنهم، فأدى هذا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية المغربية- الإيرانية. كما وصلت المجابهات إلى إندونيسيا حيث يتسابق الطرفان السعودي والإيراني الآن على كسب قلوب وعقول المواطنين الإندونيسيين، عبر ضخ مئات ملايين الدولارات في المجتمع المدني الإندونيسي للترويج للصيغتين السنيّة والشيعية للإسلام.
بيد أن نقطة الصدام التي دفعت الحرب الباردة إلى السطح، كانت الانتفاضة الشعبية في البحرين. إذ كانت الثورة الشعبية في بلاد القرامطة انطلقت مع غياب ملحوظ للشعارات الطائفية ومع تركيز على الإصلاحات الدستورية. لكن، حين أوحت بعض جهات في السلطات البحرينية أنها على وشك الرضوخ للعديد من مطالب المُنتفضين، على غرار ماحدث في تونس ومصر، تدخلت قوات درع الجزيرة  فتحوّلت الانتفاضة الشعبية بين ليلة وضحاها إلى عراك إقليمي علني وعنيف بين الرياض وطهران.
وقبل البحرين، كانت السعودية ترى أصابع إيرانية واضحة في الثورة الشعبية اليمنية، خاصة في أوساط الحوثيين، فتحرّكت للإمساك بمفاصل الوضع هناك لمنع التمدد الإيراني، عبر توثيق العلاقات المالية مع العديد من القبائل اليمنية ولعب دور الوسيط بين الرئيس السابق علي صالح والمعارضة.
ثم هناك بالطبع لبنان، الذي ترتدي فيه المجابهة بين تياري 8 و14 آذار/مارس، طابع الصراع الصريح والمباشر بين السعودية وإيران، منذ أن نجح حزب الله في إطاحة حكومة سعد الحريري الموالية للرياض.
ويبقى الانتظار لمعرفة كيف ستكون خواتيم هذا التنافس السعودي- الإيراني في سوريا، التي  تحوّلت هي الأخرى إلى نقطة صدام كبرى بين الطرفين تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، بسبب الدور المحوري الذي تلعبه بلاد الشام في استراتيجيات الشرق الأوسط.

لماذا الآن؟
 هذه المعطيات تشي أن السعودية وإيران كان لديهما منذ ثلاثة عقود كل الأسباب والمبررات كي تنغمسا حتى الثمالة في حمأة حرب باردة. بيد أن السؤال هنا هو: لماذا قرر الطرفان في هذه المرحلة بالذات تحويل الصراع الخفي بينهما إلى صراع علني، وأن يستخدما كل أسلحة الحرب الباردة الإعلامية والسياسية والاستخارية دفعة واحدة؟
نترك الإجابة للكاتبين الأميركيين بيل سبيندر ومارغريت كوكر ("وول ستريت جورنال"- 16 نيسان/إريل 2011)
قالا: " إذا ماكانت إيران والسعودية تريان نفسيهما تردان على تهديدات خارجية، إلا أن العديد من المحلليين والدبلوماسيين، وأنصار الديموقراطية، يرون مشهداً أكثر تعقيدا. فهم يقولون أن تصعيد التوترات الإقليمية له دافع آخر لدى الطرفين: الخوف من الديموقراطية.
فقبل وقت طويل من اندلاع الاحتجاجات التي أطاحت برئيسين في العالم العربي، خاض النظام الإيراني معارك شوارع طاحنة ضد المتظاهرين والمحتجين الإيرانيين المطالبين بالحرية قبل نحو السنتين. ومع أن السلطات الإيرانية إدّعت ان الثورات العربية هي نسخة عن ثورتها هي العام 1979، إلى أن أنصار الثورة الخضراء المعارضين نجحوا في الالتحام مع الثورات العربية وقاموا بأكثر تظاهرات لهم منذ أكثر من سنة.
السعودية، من جهتها، تحرّكت بسرعة لتجنّب وصول مد الثورات المدنية إليها، فنثرت فوق المجتمع السعودي أكثر من 230 مليار دولار، وأبقت عينها ساهرة على المنطقة الشرقية الغنية بالنفط التي تتواجد فيها أقلية شيعية ولكن نشطة، وأتبعت ذلك بحملات إعلامية واسعة النطاق لتؤكد أن النظام السعودي محصّن ضد الثورات على النمطين التونسي والمصري والليبي، وأخيراً السوري.
لكن، يبدو أن الخطوة الأهم التي اتخذها النظامان السعودي والإيراني معاً هو تغيير النقاش: من الحرية والثورات الديموقراطية، إلى الصدامات الإقليمية والصراعات الطائفية السنّية- الشيعية.
لكن، هل ينجح هذا التكتيك  في تجنيب النظامين رياح التغيير العاتية في الشرق الأوسط؟

.. ولكن؟
ربما، في حال استمر تصعيد الحرب البادرة وتحولّت في بعض الأحيان إلى حروب صغيرة أو كبيرة ساخنة.
لكن حتى مع ذلك، فإن الصراع الإقليمي لن يوقف عجلة التغيير ولو أخّره بعض الوقت. فالقرار بتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط والانتقال من مرحلة الاعتماد على استقرار الأنظمة السلطوية إلى الاعتماد على استقرار المجتمعات المدنية (عبر الديموقراطية وحكم القانون)، هو قرار دولي اتخذ على أعلى المستويات، وتشارك فيه ليس كل أو معظم الدول الكبرى وحسب، بل أيضاً قوى العولمة المتمثّلة في الشركات متعددة الجنسيات التي تريد ان ترى سوقاً شرق أوسطياُ واحداً له 750 مليون مستهلك. وهذا لايكون إلا بإعادة تنظيم المنطقة على أسس ديموقراطية وليبرالية جديدة.
وتبعاً لذلك، الحرب الباردة بين السعودية وإيران، قد تثبت في نهاية المطاف أنها ليست أكثر من سحاب صيف عابرة، دخلت خطأ المجال الجوي لربيع شرق أوسطي عابق بالتحولات والتغيرات المتواصلة، أو أنها زوبعة في فنجان واحد فيما المنطقة تموج بآلاف الفناجين الداخلية المُتمخِضة والمُتفجِّرة.