للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 9 يوليو 2012

الربيع العربي في حضن.. امبراطورية العولمة



سعد محيو
" ... ولكن نحن ندرك أيضاً أنه إذا ما برزت حكومات تمثيلية حقيقية في مصر والسعودية وباكستان واماكن اخرى في هذه اللأراضي المضطربة ، فليس محتماً انها ستتصرف بشكل متطابق مع مصالح أممنا القومي . لذا ، يجب على الادارة ان تبذل على الأقل الجهود نفسها لتشكيل سياسات هذه الديموقراطيات المستقبلية، كما تبذل الان الجهود لأخراجها إلى الوجود .  الرهان على الديموقراطية هو أفضل رهان متوافر ، لكنه ليس رهاناً مضمونا ".


هكذا تحدثت " واشنطن تايمز " الناطقة باسم اليمين المتطرف الأميركي، قبل وقت غير قصير من اندلاع موجات الربيع. وهو نص كان مفاجئاً بالطبع.
إذ هو يؤكد بشطحة قلم واحدة كل اضبارات الاتهامات  لأميركا بانها لاتسعى في الواقع إلى نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط، بل إلى تغليف مصالحها الأمبريالية بورق سوليفان ديموقراطي . وإلا ما معنى هذه الدعوة الفجة لإخضاع الديموقراطية في الشرق الأوسط إلى مصالح الأمن القومي الأميركي؟.
هل يعني ذلك أن الديموقراطية في الشرق الأسلامي في اوائل القرن الحادي والعشرين  محكوم عليها بالاعدام سلفاً، كما كان الامر مع التجرية الليبرالية- الديموقراطية العربية في أوائل القرن العشرين ؟.
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل . لكن قبل ذلك لابد من وضع الأمور في نصابها قليلاً حيال هذه المسألة. إذ أن تبني الولايات المتحدة لعملية تشر الديموقراطية في الشرق الأوسط الموّسع، ليس هدفاً مثالياً نظرياً بقدر ما هو خطة عملية عملانية تصب مباشرة في حضن مشروع أضخم بكثير هو ثورة " إمبراطورية العولمة ".
كيف ؟
الدور الأول
هنا يطل  الباحث توماس بارنيت،  أبرز محلل إستراتيجي في وزارة الدفاع الأميركية
 (البنتاغون)، برأسه ليرسم الصورة  الحقيقية لما يجري الأن في الشرق الأوسط الكبير وبقية انحاء العالم .
يقول، في كتابه الأخير "خريطة البنتاغون الجديدة: الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين"، بوضوح  أن دور الامبراطورية الأميركية الأول والأخير ليس المباديء الديموقراطية ولا قيم حقوق الأنسان، بل هو نشر العولمة الرأسمالية وفرضها بقوة السلاح في كل انحاء العالم إذا إقتضى الامر .
ويضيف: " ثورة المعلومات والاتصالات غيّرت معالم الصورة الدولية. لكن الولايات المتحدة كأمة لما تفهم بعد مضاعفات هذا التطور الكبير. فقواتها العسكرية لاتزال تعمل على أساس ردود الفعل على الأزمات. صحيح أنها تدخلت عسكرياً في حقبة التسعينيات بأكثر مما فعلت طيلة الحرب الباردة، إلا أن البنتاغون صنّف هذه التحركات تحت خانة "العمليات العسكرية " لا تحت خانة " الحرب " ، وكأنه يريد ان يقول انها لامعنى إستراتيجياً لها.
وهذا ليس صحيحاً، برأي الكاتب. فالعمليات العسكرية وحالات الانتشار الحربي تركزت في تلك الاجزاء من العالم المستبعدة مما يسميه "مركز العولمة الفاعل" . وهو يعرفّ هذا المركز كالآتي :
1-أي  دولة أو منطقة تكون فاعلة إذا ما كانت تتفاعل مع مضمون التدفقات التي تتأتى  من خلال إدماجها ما هو قومي بما هو إقتصاد عالمي (الأفكار، المال، الاعلام).
2- أي دولة أو منطقة تكون فاعلة حين تسعى الى تنسيق " قواعد حكمها الداخلي " مع الحكم العالمي الصاعد للديموقراطية، وحكم القانون، والأسواق الحرة ( مثلاً عبر الانضمام الى منظمة التجارة العالمية) .
ومَنْ هي  الدول او المناطق التي  تقطن الان مركز العولمة ؟. إنها برأيه  اميركا الشمالية، اوروبا، روسيا، اليابان، الصين (عدا ريفها)، الهند، أستراليا، نيوزيلندا، جنوب إفريقيا، والأرجنتين والبرازيل وتشيلي. مجموع سكان هؤلاء يبلغ 4 مليارات نسمة .
ومن خلال مسحه لـ 140 عملية عسكرية أميركية في فترة التسعينيات، يكتشف بارنيت أن القوات الأميركية ذهبت بالتحديد الى الدول الواقعة خارج مركز العولمة التي يسميها " الفجوة غير المندمجة "، وهي: حوض الكاريبي ، إفريقيا ، البلقان ، القوقاز ، آسيا الوسطى ، الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا والكثير من جنوب شرق آسيا. في كل هذه المناطق التشابك المتعولم ضعيف أو غائب .
الدول  تكون " غير متصلة "، حين تفشل في كسب ثقة الشركات متعددة الجنسيات بها ، الأمر الذي يحد من الأستثمارات الخارجية . وهذا يمكن ان يحدث لان الدولة تكون ثيوقراطية ، او معزولة جغرافياً ، أو مرتبطة بالعالم عبر دولة فاسدة .
ويرى المؤلف ان 11 سبتمبر كانت " هبة من السماء" على رغم قسوتها " . فهي كانت دعوة من التاريخ للولايات المتحدة كي تفيق من حلم التسعينيات وتبدأ في فرض قواعد جديدة للعالم. العدو في العالم الجديد ليس الأسلام ولا المكان، بل عدم الأرتباط بالعولمة الذي يعني العزلة، والحرمان ، والقمع ، وعدم التعليم. وهذه كلها علامات خطر. وبالتالي ، إذا فشلت دولة ما في الانضمام الى العولمة، أو رفضت الكثير من تدفقاتها الثقافية، فإنها ستجد في النهاية القوات الأميركية على أراضيها .
وفي هذا الاطار يرى بارنيت أن تدخلات التسعينيات لم تعكس لا الفوضى ولا العشوائية بل تحديدات جديدة  لطبيعة الصراع في عصرنا . وهو صراع تاريخي يصرخ مطالباً برؤية اميركية جديدة لعالم يستاهل خلقه .
ويشدد  على أن لدى الولايات المتحدة مسؤولية إستخدام قوتها الهائلة لجعل العولمة عالمية حقاً . وإلا فإن أجزاء من البشرية ستدان بصفتها خارج النظام وستعرّف على انها عدو . وحالما تحدد الولايات المتحدة أعداءها ، فإنها ستشن الحرب عليهم ،  مطلقة الدمار والقتل . وهي حين تتذكر بأن اللاإرتباط بالعولمة هو العدو النهائي ، فأنها ، بتمديدها العولمة ، لا تهزم فقط الاعداء الذين تواجه اليوم ، با تزيل أيضاً جيلاً كاملاً من التهديدات التي قد يواجهها الآحفاد .
الحقبة الجديدة
كتاب بارنيت هذا، الذي حظي بتأييد معظم صانعي القرار الأميركيين، وضع الامور في نصابها في ما يتعلق بمسألة الديموقراطية. فهي ليست " بناء فوقياً " للعولمة بل البناء التحتي لها ، لأنها باتت المدخل الرئيس لتحرير الأقتصاد والأسواق، وأيضاً لنشر القواعد الرأسمالية الكبرى الخاصة بحرية إنتشار الفكر والأعلام والمال .
الديموقراطية وظيفة ودور هنا، لا  مثل عليا ومباديء.
وهي في هذا الأطار يجب أن تصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي ، الذي يصب بدوره في مصلحة العولمة العالمية ، او في مصلحة ما يسميه سمير أمين " الأمبريالية الجماعية " التي تقود هذه العولمة ،  والتي تضم اميركا واوروبا واليابان بزعامة الأولى .
وهذا ما يعيدنا إلى سؤالنا الاولى: هل الديموقراطية في الشرق الاوسط محكوم عليها بالأعدام ، او على الأقل بالأعتقال في سجن مصالح العولمة الاميركية؟.

العرب وأوروبا الشرقية
تاريخ العقد الأخير من القرن العشرين قد يساعدنا على الأجابة على هذا السؤال ، حيث يتبدى سريعاً أنأن الشعوب العربية دخلت الحقبة التاريخية الجديدة من العولمة ، وهي في وضع أسوأ كثيراً من ذلك الذي كانت عليه شعوب أوروبا الشرقية .
صحيح أن السياسات الامبراطورية السوفييتية صحّرت المجتمعات المدنية في محمياتها الاوروبية الشرقية، لكنها على الأقل تركت فيها أيضا العديد من البنى التحتية اللازمة لأعادة النهوض : الصناعة والزراعة والانتاج التكنولوجي ( وإن البدائي ) ، إضافة إلى ترسيخ قواعد الحداثة في طبعتها الشيوعية .
لم يحدث شيء من هذا القبيل في الدول العربية ، عدا ربما في مصر الناصرية خلال حفبة الخمسينيات والستينيات ، حين شهدت أرض الكنانة ثورة إقتصادية – تكنولوجية شبيهة بتلك التي ادخلها الأتحاد السوفييتي في أجرامه الاوروبية. ولو قدّر لهذه الثورة الناصرية ان تستمر ، لكانت مصر الأن نمراً آسيوياً متقدماً.
لماذا تأخرت المجتمعات العربية على هذا النحو ؟
لأسباب عدة :
n  الامبراطورية الأميركية ، التي كانت تتبع لها العديد من الدول العربية طيلة النصف الاول من القرن العشرين ، لم تهتم البتة بتشجيع الحداثة في هذه الدول . فهي إكتفت بتحويلها إلى أسواق إستهلاكية ، وتركت أنظمتها  السلطوية تتكفل بتحقيق " الأستقرار "  السياسي بالقوة في مجتمعاتها .
n  تجربة الاتحاد السوفييتي في تحديث بعض الدول العربية ، لم تعش طويلاً . وهي إنهارت تماماً بعد حرب 1967 وما تلاها من خروح مصر من فلكها . وحين سقط الاتحاد السوفييتي نفسه العام 1989 ، بدت هذه الدول ( العراق ، سوريا ، ليبيا ، الجزائر ، اليمن الجنوبي ) أشبه بمدن دمرتها الحرب ،  تسيطر عليها عصابات مسلحة أو قراصنة مسلحين يحملون أعلاماً .
n  طيلة الفترة بين 1967 و1989 ، كانت كل الشعوب العربية بلا إستثناء عالقة في آلة زمن متوقفة عن العمل : لا هي قادرة على التقدم قليلاً  إلى امام ، ولا في مستطاعها التراجع  كثيراً إلى الوراء.

تجمد الزمن
الكثيرون أطلقوا على هذه الحقبة إسم  " فترة الانحطاط الثانية "  ، بعد فترة الانحطاط الاولى التي تلت سقوط عقلانية  إبن رشد وإنتصار " وسطية " الغزالي ثم " نصوصية "  إبن تيمية . بيد ان التسمية الادق هي الجمود في الزمن ، لان ثورة المعلومات والاتصالات حجبت إمكانية " الانغلاق الانحطاطي " الكامل .
هكذا كان حال الشعوب العربية ، حين حدث الانقلاب العالمي الكبير في 1989 . وهكذا بقي الحال  بعد مرور عشر سنوات على التحولات السياسية والأقتصادية الكبرى في اوروبا الشرقية وروسيا والصين والهند وبقية آسيا ، لان الامبراطورية الأميركية ( كما أشرنا) لم تر ضرورة ملحّة آنذاك لتغيير الامر الواقع الشرق اوسطي بشكل جذري .
بيد ان أسامة بن لادن دخل على الخط العام 2001 ليقلب هذه الصورة الراكدة رأساً على عقب.
فقد إنهار فجأة  الزمن المتجمد في المنطقة العربية  مع إنهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ، وهبّت على البيت العربي ذي المنازل الكثيرة عواصف عاتية إقتلعت كل نوافذه والأبواب ، ووضعته  في قلب تغيرات العصر.
وما هي هذه التغيرات ؟.
إنها ببساطة الثلاثي تفسه الذي غيّر دول أوروبا الشرقية غداة إنهيار الأتحاد السوفييتي : الليبرالية ، حكم القانون ، الأسواق الحرة . وهذا جنباً إلى جنب مع الثلاثي الآخر الضروري في سيرورة العولمة،  والمستند إلى إدماج ما هو قومي بما هو عالمي : الأفكار ، المال ، الاعلام .
هل نسف الزمن المتجمد ،  إيجابي بالنسبة للشعوب العربية ؟.
حسناً. في الامر فرص ومخاطر .
المخاطر كبيرة : تقسيم المنطقة مجدداً ، مصادرة القرار الوطني والقومي ، هيمنة الأمبراطورية الأسرائيلية ، تضعضع الهوية العربية ، الحروب الاهلية .. الخ .
لكن الفرص كبيرة أيضاً : الخروج من حال الجمود القاتل. إستعادة الحريات وحقوق الأنسان . إعادة الاعتبار لـ " سلطة الشعب ". مشاركة المجتمع المدني في صياغة القرارات الأفتصادية والسياسية والأجتماعية. وأخيراً ، ثورة فكرية جديدة تستخدم الديموقراطية والحريات الفردية جسراً للنهوض بالامة ، ومنع التقسيم ، ومصادرة القرار ومواجهة الهيمنة الأسرائيلية والخارجية .
من غير المعروف حتى الان لمن ستكون الغلبة : للفرص ام المخاطر . لكن ثمة شيء آخر معروف: عقارب الساعة في الشرق الاوسط العربي لن تعود إلى الوراء بعد الان، ولن تراوح مكانها بعد الان. الساعة عادت للتكتكة، وسيكون على الشعوب والنخب العربية التأقلم بسرعة مع هذه التكتكات،  إذا ما أرادت نصرة الفرص وإلحاق الهزيمة بالمخاطر.
وفي حال نجحت الشعوب والنخب العربية في تغليب الفرص على المخاطر ، فإنها حينها ستنعم بالديموقراطية من دون أن تخسر الأستقلال (ولو النسبي) ، وستحقق ما يصفه علماء الأجتماع بـ " المضاعفات غير المحسوبة " التي تسفر بموجبها سياسية ما عن عكس ما هو مستهدف منها.
هذه المضاعفات غير المحسوبة هي  ماكانت تخشاه " واشنطن تايمز " والمحافظون الجدد الأميركيون والإسرائيليون . لكن هذا أيضاً ما يجب ان يشجع الشعوب العربية على تحويل هجوم العولمة عليهم إلى هجوم لصالحهم .
فالديموقراطية سيف ، ولكنه ذو حدين .
___________________________________________