للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 18 يوليو، 2012

هل مناف طلاس "العاقل الوحيد"؟






- I -
هل بات مناف طلاس العاقل الوحيد في جوقة جنون لايقودها أي مايسترو، وتشترك فيها على قدم المساواة قوى المعارضة المتطرفة كما غُلاة عناصر النظام؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة سريعة مع لقاء  تم مع طلاس قد يُلقي بعض الأضواء على طبيعة الرجل وتوجهاته.



- II -
قبل أكثر من سنة من اندلاع الانتفاضة السورية الراهنة، توجهنا بمعية نجاح واكيم رئيس حركة الشعب اللبنانية ونائبه إبراهيم الحلبي إلى مكتب العميد مناف طلاس، قائد اللواء 105 في فرقة الحرس الجمهوري المنوط بها حماية العاصمة دمشق. هدف الزيارة: عرض الخط السياسي القومي واليساري لمجلة "الرأي الآخر" ، وطلب المساعدة في توفير إعلانات لها في سوق عربي محظور على هكذا مطبوعات.
مكتب طلاس متواضع لا أثر فيها لـ" فخامة الحرس الجمهوري". مكتب هنا. بضع مقاعد هناك. حفنة لوحات وشهادات. السمة الوحيدة ربما التي توحي لنا نحن الشرقيين بالترف، كانت السيكار الفاخر الذي يحبه طلاس ويتعلّق به.
بدأ طلاس الحديث، فيما هو يجري اتصالات لتأمين بعض الإعلانات للمجلة، مستفيضاً في التغزُّل بلبنان الذي يعشق كما قال، ومستعجلاً الوصول إلى كورنيش البحر في المنارة الذي يعني له الكثير كمشهد ومتنفّس (هل كان يقصد آنذاك المتنفس السياسي أيضا؟).
لكن العميد انتقل فجأة إلى توجيه الانتقادات إلى النظام السياسي اللبناني، مشدداً على التشويهات الكبرى التي تغشى الديمقراطية اللبنانية بسبب هيمنة قوى الطائفية السياسية عليها.
لم يتمالك كاتب هذه السطور نفسه وهو يسمع هذا النقد، فانبرى قائلا:
- نقدك في محله السيد العميد. لكن، مارأيك أن تفيد التجربة الديمقراطية اللبنانية بشيء من خبرات تجربتكم الديمقراطية السورية؟ ما رأيك أن تعلِّمونا!
سادت لحظات صمت ثقيلة شعرت خلالها من قسمات وجوه الحاضرين أني ذهبت بعيداً في إبداء الرأي، أو أني نسيت أني في كنف نظام يُحصي على المرء أنفاسه، وفي غالب الأحيان "يعتقل" هذه الأنفاس أو حتى يخنقها.
بيد أن طلاس كسر لحظات الصمت الثقيلة هذه بإطلاق ضحكة مجلجلة، ثم قال: "أنت على حق. نظامنا يحتاج إلى قفزات تغيير حقيقية، وبأقصى سرعة".
بعد أشهر عديدة من اللقاء، انتظرنا من دون جدوى وصول الإعلانات الموعودة. ثم جاءتنا الرسالة التوضيحية: المدخل هو بوابة أجهزة المخابرات. هي السلطة ولاأحد غيرها له سلطة. لامخابرات، لا إعلانات.

- III -
عود على السؤال: هل مناف طلاس هو العاقل الوحيد في جوقة الجنون؟
يبدو أن الأمر كذلك. والأسباب لاتتعلَّق فقط بالدوافع الإنسانية- الأخلاقية التي ترى شلال الدم والدمار في سورية على ماهو عليه: أي شلال دم ودمار، بل تتعلق أولاً وأساساً بالتحليل العقلاني والمنطقي حول الطريقة التي يمكن أن تنتهي بها الأزمة السورية. وهو تحليل يقود إلى التالي:
 السباق بين الحرب الأهلية السورية وبين الحل الدولي- العربي انتهى على مايبدو لصالح الأولى، التي أصبح لها اليد العليا الآن، بقرار مشترك من غلاة النظام والمعارضة معا. إذ أن الرئيس بشار الأسد أبلغ التلفزيون الإيراني مؤخراً أنه لن يقبل حلاً خارجياً "حتى لو أتى من دول صديقة". وهذا يعني، في الظروف الراهنة، مواصلة الحرب حتى الرمق الأخير. والمعارضة قالت أنها لن تقبل بأي حل دولي يتضمن شراكة مع الاسد وفريق عمله في أي مرحلة انتقالية. وهذا يعني، في الظروف الراهنة أيضا، مواصلة الثورة المسلحة حتى تغيير موازين القوى الحالية بالقوة.
هذه الحالة الاستقطابية الحادة بين النظام والمعارضة، تجعل الحرب الأهلية هي "الحل" الوحيد لحسم الأمور أو إيصالها إلى خواتيم ما. أو هذا على الأقل ماتشي به كل تجارب الحروب الأهلية بلا استثناء تقريباً في العالم: فحين يُغلق باب الحوار وتُسد آفاق الحل السياسي، لايبقى سوى تفجير المجتمع عبر العنف من داخله لاستيلاد واقع جديد.
 إنه "التدمير الخلاّق".
لكن في سورية، سيكون هذا التدمير غير خلاّق.
لماذا؟
لأنه سيؤدي إلى  تفكك الكيان السياسي السوري، بسبب التلازم الذي خلقه الرئيس السابق حافظ الأسد بين النظام الذي أقام وبين الدولة . فالأجهزة الأمنية باتت طبقة- سلطة، بالمعنى الغرامشي، تدير الدولة كإقطاع خاص بها، بحيث إذا ما سقط النظام سقطت معه الدولة. وحينها، سيقيم العلويون دولتهم المستقلة، ويتبعهم الأكراد، وربما الدروز، فيعيد تاريخ الانتداب الفرنسي لسورية نفسه حين قسم البلاد إلى ربع دول، لكن هذه المرة بإرادات سورية لا استعمارية.
مناف طلاس لامس في بيانه الباريسي كل هذه الهواجس (التي قد تصبح حقائق قريباً) حين ركّز على النقاط الرئيسة التالية:
- المسؤولية الكبرى (لما يحدث)  تقع على عاتق السلطة التي كان من واجبها صون الوطن وحماية الشعب باحتضان معاناته، ضمن سياسة عقلانية، توافقية، بناءة، تمتد الى جذور المشاكل، لا بمواجهته بعنف لم نشهده من قبل أياً كانت الاسباب".
-  الاضرار والفوضى والمآسي تتزايد مع مرور الزمن. اتمنى وقف اراقة الدماء والخروج من الازمة من طريق مرحلة انتقالية بناءة تضمن لسوريا وحدتها.
-أنا هنا اليوم من دون أجندة، وجاهز كأي فرد سوري عادي من دون اي طموح آخر لتأدية واجب المواطن كاملاً في المساهمة بما في وسعي، كسائر الذين يبحثون عن حل يتناسب مع قناعات وتطلعات هذا الشعب الذي قدّم الكثير من التضحيات للوصول الى مستقبل افضل.
- اتحدث اليوم وانا أعلم جيداً أن كلامي هذا لن يرضي اي متطرف في العقل والمنطق... ولو أردت ارضاء اي قطب من قطبي التطرف، لكان من السهل جداً ان أكون كبعض أبطال هذه الازمة الذين اتخذوا مواقف اقصائية وإلغائية تجاه الطرف الاخر".
منطق سليم؟
أجل. لا بل هو يبدو المقدمة الضرورية لبرنامج وطني سوري يتجاوز طروحات "قطبي التطرف" على حد تعبير طلاس (أي غلاة النظام الراهن والمعارضة)، ويوفّر بديلاً عن المصير التقسيمي (أو الفديرالي شكلاً) للوطن السوري.
لكن، هل في الوسع الوثوق برجل كان حتى ماقبل سنة الصديق الشخصي للرئيس بشار الأسد، واحد سدنة النظام الرئيسيين؟
طرحت هذا السؤال على الشخصية الوطنية والقومية اللبنانية نجاح واكيم، فأجاب بلا تردد: أعرف مناف جيدا. إنه صادق حقاً ووطني حقا،ً ولاطموحات شخصية لديه.
 وطرحت هذا السؤال على نفسي، فتذكرت كلاماته في اللقاء اليتيم معه قبل الانتفاضة بردح طويل من الزمن: أجل. نظامنا يحتاج إلى قفزات تغيير حقيقية، وبأقصى سرعة".
                                                                                سعد محيو