للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 4 يوليو، 2012

أسلحة الطاقة، الجزيئيات، ووحدات إمبراطورية "رومانية": هكذا ستُخاض حروب القرن 21




  



ما نوعية الحروب المستقبلية التي يعدها البنتاغون للعالم خلال السنوات القليلة المقبلة؟
إنها، ببساطة، تلك التي تبدأ بالعلم وتنتهي بالتكنولوجيا، أو ما يسمى الان بـ " الأسلحة الموجّهة بالطاقة ( القنابل الكهرومغناطيسية(E-bomb   ، سواء أكانت اللايزر، أو الموجات بالغة القصر، أو أشعة الجزيئيات.
هذه الأسلحة، كما يقول الخبير العسكري الأميركي دوغلاس بيزون، ( *)  " درامية ومدمِّرة وعميقة، إلى درجة انها ستغيّر الطريقة التي تشن فيها الحروب". وهي تتميز بالآتي:


n  السرعة الفائقة التي تمكنّها من الدوران حول الأرض أكثر من سبع مرات خلال ثانية واحدة. وهذا ما سيحيل كل أنواع الأسلحة الأخرى إلى متاحف التاريخ.
n  الدور الكبير الذي يمكن ان تلعبه ضد الثورات الشعبية. وهذا صحيح على الأخص بالنسبة إلى سلاح يدعى " النفي الفعال"   ( Active denial  ) . هذا السلاح، المستند إلى موجات الجزيئيات الدقيقة، يخترق جلد الثوار أو المتظاهرين في مساحة تبلغ 700 متر، ويجعلهم يشعرون بأن جسمهم كله يحترق، مع أن الحقيقة ليست كذلك، الأمر الذي يدفع الثائر إلى ترك كل شيء وإطلاق ساقيه للريح. البنتاغون يدعّي أن " النفي الفعال"  لايسبب أمراضاً سرطانية، لكنه لم يقدم دلائل حسية على ذلك.
n  القدرة على إسقاط الصواريخ البالستية التكتيكية مثل " سكود" ، كما الأمر مع سلاح اللايزر " كويل" الذي يمكن إطلاقه من طائرات بوينغ 747 المعدلّة.

اسلحة الطاقة
 خبراء وزارة الدفاع الأميركية يقولون أن التجارب على الأسلحة الموجّهة بالطاقة تجري على قدم وساق، وأن هناك الان بالفعل  سبعة أسلحة لايزر،  وسلاح " نفي فعال " واحد. ويضيفون أن الدول الأخرى لن تكون قادرة على اللحاق بسباق التسلح الجديد هذا قبل عقود.
إلى ذلك، يضيف الخبراء انه بعد نهاية الحرب الباردة، اكتشفت الولايات المتحدة ان غياب العدو الرئيس الوحيد عن ساحة المعركة ( الاتحاد السوفييتي) ، لم يعن تبخر التحديات التي  قد تبرز في أي مكان  بما في ذلك الداخل الاميركي ضد المصالح والزعامة الاميركية في العالم.
وهنا ولدت إستراتيجية الامن القومي الجديدة، والتي تطلبت في الدرجة الاولى بدء تغيير الجيش الاميركي من قوة نظامية الى وحدات إمبراطورية،  شبيهة الى حد ما بوحدات الحرس الامبراطوري الروماني التي كانت تتنقل في كل انحاء العالم لقمع تمردات "البرابرة ".
القوة الموضوعية
الجيش الاميركي بات يطلق على نفسه الان إسم " القوة الموضوعية "، ( للتمّيز  عن القوة الذاتية النظامية السابقة ) ، وهو يضع لنفسه الاهداف الاتية :
1-   العمل على نقل فرقة عسكرية اميركية الى أي مكان في العالم خلال 96 ساعة، لأن التحديات الامنية غير المتوقعة في العالم تتطلب مثل هذه السرعة. والنموذج هنا هو حرب أفغانستان.
2-   إتباع المرونة في التعاطي مع الانماط المختلفة من الحروب، حيث أن بعض  المجابهات تتطلب وحدات عسكرية كبيرة (العراق)، في ما تكفي مع  بعضها الاخر  الوحدات الصغيرة ( أفغانستان ، الصومال، الفيليبين  .. ألخ ) .
3-    بغض النظر عن طبيعة المهمة او المكان، يتعّين على وحدات الجيش الصغيرة التي ترسل بشكل روتيني الان الى ما وراء البحار، أن تتمتع بجهوزية  للتحرك في أي وقت، وإلى أي مكان.
4-   العمل على تطوير قدرات قوات الاحتياط الاميركية، كي تتمكن من مشاركة قوات الجيش في التدخل السريع في كل انحاء  العالم.
5-   وأخيرا، الحرص على خوض المعارك في إطار تحالفات عسكرية مع أصدقاء اميركا وحلفائها. فهذا لن يخفف فقط أعباء واكلاف التدخلات، بل سيسّهل أيضا على القوات الاميركية الحصول الى الشرعية الدولية الضرورية .

الامبراطورية تتكلم
في أي إطار يجب وضع هذا المشروع العسكري العالمي الطموح الذي تضعه الولايات المتحدة لنفسها ؟.
في إطار المفهوم الإمبراطوري بالطبع.
 ومع أن بعض  الأميركيين ما زالوا مترددين في وصف " القوة المفرطة " الأميركية على أنها إمبراطورية، إلا أن هذه التحفظات بدأن تنحسر بالتدريج لصالح ما يصفه محللون في واشنطن "حق الولايات المتحدة بأن تكون إمبراطورية عالمية ، بسبب قيمها ومبادئها إضافة الى قوتها" .
هذا، على سبيل المثال، ما يراه الجنرال وليان أودوم وروبرت دوجاريك ، مؤلفا كتاب "إمبراطورية اميركا غير المقصودة "، اللذان يشددان على أن الولايات المتحدة تهيمن على العالم بوسائل لم تعرفها الامبراطوريات السابقة أبدا. فالثقافة الاميركية تسيطر على كل مجالات الحياة في غالبية الدول. والقوة الاميركية هي قوة أكاديمية، وعلمية، واقتصادية، إضافة الى كونها عسكرية. وحقيقة أن الامبراطورية الاميركية برزت من دون قرار واع من جانب زعماء اميركا السياسيين، هو مايجعلها " إمبراطورية غير مقصودة "، لكنها في الوقت ذاته إمبراطورية "ضرورية" .
لا بل يقول محللون أميركيون آخرون أن الامبراطورية الاميركية ليست ضرورية وحسب ، بل لا غنى عنها أيضا. وهذه النقطة الأخيرة هي جوهر دراسة  نشرها المفكر الاميركي نيل فيرغوسون في دروية " فورين بوليسي  بعنوان " عالم من دون قوة  ".
فهو رسم صورة مخيفة عما  يمكن أن يحدث للعالم، إذا ما قررت الولايات المتحدة التخلي عن الزعامة  العالمية والعودة الى العزلة. وهو يرى ان البشرية ستعود حينذاك الى الحال الذي كانت عليه في القرنين التاسع والعاشر ميلادي، الذي شهد تراجع الامبراطوريات البيزنطية والاسلامية والصينية، وتفكك وتذرر العالم الى شظايا سياسية متحاربة  ومتقاتلة.
ويضيف (وهنا الأهم) ان السمة الرئيس لهذين القرنين، اللذين إنحسرت عنهما القوة الامبراطورية، هي غياب التوجهات العلمانية  وغلبة الصراعات الدينية على جداول الاعمال السياسية. ففي القرن التاسع، مزقّ الخلاف حول دور الايقونات في العبادة المسيحية الامبراطورية البيزنطية. وفي القرن الحادي عشر نشبت الحروب بين البابا وبين رأس الامبراطورية الجرمانية المقدسة حول من يحق له تعيين الاساقفة. وفي العالم الاسلامي حكم الأئمة ورجال الدين بشكل فعلي. وقد إنتهت هذه الحقبة  بحروب مقدسة غير عادية هي الحروب الصليبية  التي دشّنها الاوروبيون العام 1095.

الامتثال للقوة
الرسالة هنا واضحة: من دون هيمنة الامبراطورية الاميركية على العالم، وفي غياب أي بديل أو منافس جدّي  لهذه القوة المفرطة، سيغرق هذا العالم في ظلام قرون وسطى دامسة جديدة !.
ولتجنب هذا المصير ، سيكون على العالم الامتثال لأملاءات القوة الاميركية المفرطة، لا بل أيضا  الترحيب بالتدخلات الاميركية في كل مكان، بما في ذلك بالطبع التدخلات العسكرية.
والحال أن جميع فئات النخب الاميركية الحاكمة تبدو مقتنعة تماما بهذه الفكرة ، يستوي في ذلك الديموقراطيين كما الجمهوريين ، الليبراليين كما المحافظين، وحتى أيضا القوى اليسارية الاميركية المعادية للامبريالية التي ترى هي الاخرى ( كما في كتاب " الامبراطورية لنيغري) أن القوة الاميركية ليست لا إستعمارا جديدا ولا إمبريالية مستجدة ولا حتى طفرة قومية زائدة ، بل هي إمبراطورية من نوع جديد (عولمة) تدمج  العالم وتندمج به.
وبهذا المعنى، تصبح اميركا هي العالم، وتتحوّل قواتها الى فرق عسكرية في خدمة " إمبراطورية العولمة " في طبعتها الراهنة ، التي هي الوجه الآخر الحقيقي للأمركة.
قد يعجب هذا الكلام بعض أنصار العولمة ، وقد يثير غضب غالبية الاطراف  التي ترفض أن تكون " خدماً " في بلاط الامبراطورية الاميركية ( كما قال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ). لكن هذا لن يغّير من الأمر شيئا : القوة الاميركية المفرطة لن تقبل بأقل من الهمينة التامة على حديقتها العالمية الشاسعة. وبالتالي،   " الأف. بي. أي "  يجب أن ينظر أليها  من الان فصاعدا  على انها " أف. بي. أي " العالم ، وكذا الامر بالنسبة للجيش والمارينز وكل الفرق الامبراطورية الجديدة.
ومن لايعجبه ذلك، ستكون أسلحة اللايزر والجزيئيات والفرق الامبراطورية الرومانية جاهزة لاقناعه.
أو هذا على الأقل ما تلوِّح به روما القرن الحادي والعشرين؟

(* )Douglas Beason: E-bomb:  How America's new directed weapons will change the way future ways will be fought.