للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 14 يوليو، 2012

السعودية والإخوان: "حرب" أم "سلام" (1)





                                                  سيد قطب في السجن (غوغل) 
     

- I -
ثلاثة أسئلة كبرى دفعة واحدة فرضتها زيارة أول رئيس من الإخوان المسلمين في أكبر دولة عربية إلى المملكة العربية السعودية:
الأول، هل ستتمكِّن المملكة من إحتواء خلافاتها الإديولوجية- السياسية مع جماعة الإخوان، وإن على قاعدة المصالح المتبادلة (الاقتصادية- التجارية للإخوان، والسياسية للرياض)؟
والثاني: حتى لو تمكّنت المملكة من ذلك مع الإخوان المصريين، ماذا عن بقية الإخوان في تونس والمغرب (وقريباً في سورية والأردن)، وأيضا (وربما هنا الأهم) مع "الإخوان" العثمانيين الجدد الذين تدفعهم إديولوجيتهم الصوفية- العلمانية المنتفحة إلى التحالف مع جماعات الإخوان، خاصة في سورية، لا مع الحركات السلفية على النمط الوهابي؟
والثالث، هل اتِّباع الرياض لسياسة خارجية هجومية نشطة، كما تحاول أن تفعل الآن مستخدمة عضلاتها المالية، سيمكّنها من تحصين مملكتها السياسية في الداخل ضد أعاصير الربيع العربي الكاسحة في الخارج، أم أن هذا المشروع برمته سيكون أشبه بفقاعة صابون تُطلق في قيظ الصيف؟
لنبدأ مع السؤال الأول:

- II -
يمكن القول الآن، وبعد يومين من انتهاء زيارة الرئيس محمد مرسي للمملكة، أن هذا الأخير استخدم كل مافي ترسانته السايكولوجية من تطمينات لتقديم أوراق اعتماد مقبولة إلى القادة السعوديين.
فهو أكد حتى قبل أن تطأ قدماه أرض السعودية أن مصر الإخوانية :"لاتنوي تصدير ثورات الربيع العربي" إلى الخليج العربي.
وهو قسّم "العمل الإسلامي" بين الإخوان وبين السعودية لصالح هذه الأخيرة (من حيث الشكل على الأقل)، حيّن "عيّنها" راعية الإسلام فيما مصر حاميته.
ثم أن ركّز على النقطة الرئيس التي تهم القيادة السعودية هذه الأيام: مسألة الاستقرار في كل من السعودية ومصر في آن. قال:" استقرار المنطقة يستلزم استقرار مصر واستقرار الخليج، وعلى رأس دول الخليج المملكة العربية السعودية".
بيد أن حُسن الكلام، على أهميته، لايعني بالضرورة حُسن الخواتيم.
 لماذا؟
أساساً بسبب التاريخ المُثقل بين الطرفين.
فجماعة الإخوان المسلمين منذ أن أسسّها حسن البنا العام 1928، كانت منظمة سياسية من ألفها إلى الياء. منظمة تعتبر أن الإديولوجيا الإسلامية بمثابة علاج سياسي للأمراض التي فتكت بالعالم الإسلامي طيلة القرون الماضية. وهي في خضم تبينها لهذا المبدأ، عمدت إلى دمج الفكر الغربي السياسي الحديث بالتقاليد الإسلامية، كما رضعت من ثقافة جيلين من الفكر السياسي الإسلامي في الحقبة الأخيرة من عهد الدولة العثمانية، لم تر بالتالي تناقضاّ بين الحكم الإسلامي وبين المباديء الجمهورية والبرلمانية (ولاحقاً الديمقراطية والتعددية).
في المقابل، كانت الطبعة السعودية من الإسلام تقوم على الفكر السلفي اللاسياسي، الذي يُعطي قيصر السعودي السلطة السياسية، ويخوِّل آل الشيخ وأتباعهم التصرُّف بما لله: السلطة الدينية وأحوال الآخرة، شريطة ألا يتدخلوا بشؤون الدنيا.

- III -
هذا الشرخ الإديولوجي- السياسي  بين الطرفين ظل نائماً عقوداً طويلة بفعل عاملين إثنين:
الأول، زواج المصلحة الذي أبرمه الإخوان والسعوديون غداة بروز حركة القومية العربية العلمانية واليسارية منذ مطلع الخمسينيات بقيادة جمال عبد الناصر، والذي دفعهم إلى شن حرب مشتركة ضدها وهم يرفعون رايات الإسلام السياسي. وهكذا، وجد قادة الإخوان المصريين ملاذاً آمناً وخزينة مالية وفيرة لهم في المملكة، فيما اكتشفت فيهم هذه الأخيرة كنزاً  أحسنت استخدامه في حربها العامة ضد القومية العربية العلمانية.
والثاني، نجاح الرياض في احتواء الإخوان المسلمين غداة هزيمة حرب 1967، من خلال تحالفها مع الأنظمة الجديدة التي برزت في مصر (حسني مبارك) وسوريا (حافظ الأسد) وتونس (زين العابدين بن علي) والأردن (الملك حسين) والتي جهدت لإبقاء حركات الإخوان داخل القفص.
الأخوان المسلمون لم يردّوا مباشرة حين انتقلت علاقتهم مع السعودية من التحالف إلى الاحتواء. لكن بعض أجنحتم كانت تفعل ماهي أكثر بكثير من الرد: اختراق السلفية الوهابية نفسها.
حدث هذا أساساً في أفغانستان، حين قام القائد الإخواني البارز عبد الله عزام وبعده أيمن الظواهري بجذب المقاتلين السلفيين السعوديين، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، إلى إديولوجيا سيد قطب الجهادية، الأمر الذي خلق أزمة شرعية كبرى في المملكة طيلة حقبة التسعينيات أنحى فيها السعوديون باللائمة على "القطبيين والإخوانيين" كما أسموهم.
والآن، وبعد أن بات واضحاً أن الربيع العربي له قسمات إخوانية فاقعة في مصر وتونس والمغرب وسورية (والعد مستمر)، سيكون على القادة السعوديين مواجهة المقلب الآخر من التحدي الإخواني: الطبعة الليبرالية والديمقراطية المُفترضة من الإسلام.
فهل يؤدي ذلك إلى مجابهة جديدة بين جماعات الإخوان والمملكة، أم تنجح استراتيجية "شراء الخلافات نقداً" (ومعها شراء الوقت)؟

                                                                                          (غدا نتابع)

                                                                                                سعد