للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 2 يوليو، 2012

إيران: من " الإسلام الجمهوري " إلى "جمهورية الكازينو"






سعد محيو
إيران من "الجمهورية الإسلامية" إلى "جمهورية الكازينو"؟
هذه ليست مزحة. فما يجري الآن في بلاد الخميني، لايقل عن كونه انقلاباً كاسحاً وفق كل المعايير: من أرض الحليب والعسل والمساواة التي وعدت بها الثورة الإسلامية، إلى أرض العوز والفروقات الطبقية الصارخة بين طبقتي الحكام والمحكومين.



الصرخة الأخيرة التي حاولت إعادة إيران إلى عالم المُثُل الخمينية، انطلقت من حنجرة محمود أحمدي نجاد حين تسلّم صولجان سلطة الرئاسة في 3 آب/أغسطس 2005، ووعد الإيرانيين برفع مستوى معيشتهم، وتوزيع الثروة النفطية عليهم، ومكافحة الفساد.  
بيد أن أياً من هذا الحصرم  لم يتحَول إلى عنب. فالبؤساء إزدادوا بؤساً. والتضخم الفعلي تجاوز نسبة الـ 25 في المائة التي تتحدث عنها الحكومة. ونسبة الفقر المُطلق بين سكان المدن إرتفعت إلى 30 في المائة، والفساد بقي مستشرياً في معظم دوائر الدولة والإدارات. هذا في حين قفز عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 7 ملايين. وفي ظل الحصار الإقتصادي الدولي الراهن، ليس من المتوقع أن يغامر أحد بالإستثمار في إيران( بما في ذلك حتى في قطاع النفط)، ما يعني أن الإقتصاد قد ينتقل من سيء إلى أسوأ، مضاعفاً صعوبات الوضع المعيشي لغالبية المواطنين.
وجاءت العقوبات الأوروبية الأحد الماضي على صادرات النفط الإيرانية لتزيد الضغوط الهائلة على كلٍ من الاقتصاد والعملة الإيرانية. فقيمة الريال انخفضت بمعدل شاهق هو 50 % مقابل كل العملات الأجنبية خلال عام واحد، وسعر الخبر قفز 18 ضعفاً منذ رفع الدعم عنه العام 2010.
والآن، بعد أن شوّه التضخم والفساد عملية التنمية، بات الاقتصاد الإيراني يعتمد هذه الأيام على المضاربات، ويتحوّل إلى كازينو حقيقي يُحقق فيه النافذون وأتباعهم (المطلعون على المعطيات المتعلقة بتذبذب الريال) ثروات فورية طائلة، فيما يخسر العديد من المحكومين جنى أعمارهم بين ليلة وضحاها.
الرابحون من اقتصاد الكازينو يقتنون سريعاً سيارات "البورش" التي سُمح للموسرين باستيرادها، فيما الخاسرون ينضمون إلى صفوف الجائعين والعاطلين عن العمل. ويعلّق حسين راغفار، وهو اقتصادي في جامعة الزهراء بطهران، على هذه الظاهرة بالقول:" سيارات البورش هي أكبر دليل على أن بعض الناس يستفيدون من الأوضاع السيئة للاقتصاد. الكل في إيران أصبحوا مضاربين".

"إيران الخفية"
حسنا. إلى أين من هنا؟
"إيران الخفية" * ( Hidden Iran )  كتاب قيَم لراي تقيه ، الباحث الاميركي من أصل إيراني في "مجلس العلاقات الخارجية"، تتمحور فكرته الرئيسة حول مسألة واحدة: كيف تفسَر التنافسات الداخلية الإيرانية سلوكيات هذه الدولة في المجالين الإقليمي والدولي؟ .
يقول تقيه، في مقدمة كتابه: "هناك إيران خفية تختفي وراء إيران الظاهرة التي نرى إليها أو نسمع عنها. إيران تتنافس فيها الفصائل السياسية- الإيديولوجية المختلفة على السلطة والنفوذ والثروة، ويفقد خلالها السياسيون حظوة القيادة العليا ليعادوا الظهور بعدها يسنوات أقوى مما كانوا، ويقوم بموجبها المتشددون والبراغماتيون والإصلاحيون بموازنة بعضهم البعض داخل السلطة".
إنها نفسها لعبة الشطرنج التي يقال أن الفرس إخترعوها، لكن هذه المرة الرقعة الشطرنجية تشمل كل الوطن الإيراني بكل مقوماته ومؤسساته.
لكن إيران الخفية هذه قد لاتبقى "خفية" طويلا. إذ  أن تضعضع المُثُل الثورية الإسلامية شيء يمكن التسامح معه، وإن على مضض. لكن انقلاب هذه المُثُل- الحلم إلى كوابيس اقتصاد الكازينو، هو أمر قد لاتتساهل معه الأمة الإيرانية بسهولة. إذ هي لم تقم بثورتها الملايينية العام 1979 كي يغتني بضع أفراد على حساب هؤلاء الملايين.
* * *
خلال ندوة عقدت في واشنطن مؤخراً حول النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، اشترك فيها كاتب هذه السطور مع أحد مستشاري الإمام خامنئي، جرى الحوار التالي على طاولة عشاء على هامش المؤتمر:
قلت له" هل ماتفعلونه في إيران صائب؟
- ماذا تقصد؟
اقصد: ألم يكن أفضل لكم أن تركزوا على التنمية الداخلية، كما فعلت الصين، بدل الدخول في "سباق تسلح" وصراع على النفوذ الإقليمي مع دولة عظمى تساوي ميزانية أجهزة المخابرات فيها ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لديكم؟ ألم تتعظوا من تجربة الاتحاد السوفييتي الذي خاض غمار تجربة مماثلة لتجربتكم؟
- ثمة تيار في السلطة الإيرانية (وأنا منهم) يرى ماتقول. لكن، يبدو أن المجابهة مع الغرب خلقت مصالح خاصة بها في الداخل الإيراني بحيث بات من الصعب العودة إلى الخيار الذي تتحدث عنه.
بعد سنتين من هذا الحوار مع المسؤول الإيراني، أدركت ما كان يعنيه بحديثه عن "المصالح الخاصة". إنه كان يعني على الأرجح تحوّل الثورة الإسلامية إلى "جمهورية كازينو".
_________
(*)
HIDDEN IRAN: PARADOX AND POWER IN THE ISLAMIC REPUBLIC. RAY TAKERH. TIMES BOOKS, 2006
.

________________________________________________________