للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 21 أبريل، 2013

قصة حروب الخليج تتكرّر في شرق المتوسط؟


              (الحلقة الرابعة والأخيرة من "حروب طاقة طاحنة في شرق المتوسط")
- I -
ماذا إذاً، كما تساءلنا بالأمس، عن احتمالات الحرب والسلام في ما يتعلّق بموارد الطاقة في شرق المتوسط؟
لولا التقارب التركي- الإسرائيلي الأخير، الذي أشرف عليه باراك أوباما، لقلنا ببساطة أن شرق المتوسط يجلس ببساطة فوق برميل بارود وسط غابة من عيدان الثقاب القابلة للاشتعال. وهو بذلك يشبه إلى حد كبير وضعية منطقة الخليج العربي، التي تشهد هي الأخرى كل عشر سنوات تقريباً حرباً كبرى أو أزمات أكبر بسبب مواردها النفطية.
فأساطيل تركيا وروسيا وأميركا وأوروبا وإسرائيل واليونان، والتي تتضمن أحياناً مئات السفن البحرية، تجوب مياه شرق المتوسط جنباً إلى جنب بشكل خطر، إلى درجة أن أي حادث صغير أو استفزاز قد يعتبر على نحو مخطىء أنه عمل عدواني. كما من المحتمل في مقبل الأيام أن تصبح المناورات البحرية التي تجريها هذه الأساطيل لإثبات الحقوق البحرية أكثر خطورة وتكرارا.
وفي مناخ من انعدام الثقة المتبادلة وعدم اليقين بين دول شرق المتوسط، يمكن أن تتحوّل الاستفزازات المفترضة ببساطة إلى صدامات.
خذوا، مثلاً، نموذجاً بسيطاً عن ذلك: علاقات لبنان وإسرائيل في مجال الغاز.
فلبنان، الذي لم يسو أبداً خلافاته مع إسرائيل حول الحدود البحرية، أعلن أن جزءاً من حقل ليفياثان يقع ضمن مساحة الـ330 ميل مربع التابعة له. وهذا الخلاف، إضافة إلى تهديد حزب الله اللبناني بشن هجوم على منصات الغاز الإسرائيلية، زاد من الأعباء التي تتحملها البحرية الإسرائيلية الصغيرة. فحتى وقت متأخر، كان التركيز الاستراتيجي الرئيس لهذه البحرية هو الدفاع عن السواحل ومواصلة حصار قطاع غزة، لكن بروز مسألة منصات الغاز دفعها إلى إقرار خطة لإضافة أربع سفن حربية إلى أسطولها، وإلى توسيع نطاق تحالفاتها العسكرية البحرية والسياسية مع أطراف متوسطية أخرى مثل قبرص واليونان.
- II -
بكلمات أخرى: بدأت إسرائيل تعد العدة لحروب بحرية محتملة في شرق المتوسط، بعد أن كان جل اهتمامها في السابق منصباً على الحروب البرية. وما ينطبق على إسرائيل يسحب نفسه أيضاً على باقي الاطراف المهتمة بموارد الطاقة الجديدة في هذه المنطقة.
سورية تقدم نموذجاً آخر. فما بدأ كانتفاضة شعبية لها مطالب إصلاحية محدودة فيها، تحوّل بسرعة إلى صراع دولي- إقليم للصراع على الطاقة فيه دور كبير. فسوريا لديها على مايبدو احتياطي غاز ونفط كبير قبالة شواطئها. وعلى رغم أن الأزمة الراهنة فيها منعتها من بدء التنقيب عنه، إلا أنها في وقت ما ستبدأ العمل في البحر، وحينها ستجد نفسها وجهاً لوجه مع كلٍ من قبرص وإسرائيل بسبب فقدان الاتقاقات البحرية مع كليهما. هذا علاوة على أن بروز نظام موالٍ لتركيا في دمشق، سيسدد ضربة قوية لكل مشاريع الطاقة الروسية في المنطقة.
لا بل أكثر: في حال لم تتوصل تركيا إلى اتفاقات مع قبرص اليونانية حول تقاسم ثروة الطاقة مع قبرص التركية، فقد تجد نفسها هي الأخرى في مواجهة مع البحرية الروسية التي أعلنت صراحة أنها ستحمي إنتاج الطاقة القبرصي.
هذه بعض احتمالات الحرب في شرق المتوسط، فماذا عن فرص السلام، أو التسويات؟
الفرص موجودة، لكنها تبدو الآن صعبة المنال. فالنزاع قد يتقلّص، مثلاً، إذا ماتوصل لبنان وإسرائيل إلى اتفاق على حدودهما البحرية، أو إذا ما اتفق القبارصة اليونانيون والأتراك على تقاسم عائدات الغاز، أو إذا توصلت تركيا وإسرائيل إلى صيغة لتجنب المجابهات العسكرية في أعالي المتوسط.
بيد ان التوصل إلى مثل هذه الاتفاقات بحاجة إلى وسيط. وهذا دور حاولت روسيا القيام به، لكن انحيازها إلى قبرص واليونان وانخراطها في الدفاع عن نظام الأسد، أثارا الشكوك العميقة حول مدى صدقية هذا الدور وحياديته. الاتحاد الأوروبي يبدو هو الآخر غير مؤهل للعب هذا الدور، لأن مصالحه الخاصة في الحصول على غاز شرق المتوسط تضعه على طرفي نقيض مع قوى أخرى في المنطقة كروسيا التي تزوده بأكثر من 80 في المئة من حاجياته من الغاز الطبيعي.
تبقى الولايات المتحدة، لكن ليس كوسيط ولكن كمدير ومُدبِّر للأمن الإقليمي الخاص بالطاقة في هذه المنطقة، وكصاحب مصلحة في استثمارات الطاقة فيها (إنتاج الغاز الإسرائيلي مشروع مشترك بين الشركات الأميركية والإسرائيلية). فهل هي مستعدة للقيام بهذه المهمة؟.
دورية "فورين أفيرز" الاستراتيجية الأميركية ردّت على هذا السؤال في عدد آذا/مارس 2013 بالتالي: التركيز الاستراتيجي الأميركي الحقيقي لايزال منصباً على منطقة الخليج، والآن أيضاً على آسيا- الباسيفيك. ولذا من المستبعد أن تقرر واشنطن إعادة الأسطول السادس الأميركي إلى ماكان عليه إبان الحرب الباردة في البحر المتوسط حين كانت سفنه تسيطر عملياً على مياهه. وبالتالي، الأرجح أن تعتمد الولايات المتحدة أكثر على الأساطيل الأوروبية- الأطلسية لموازنة الأسطول الروسي ولإطفاء لهيب النزاعات بين حلفائها، خاصة تركيا وإسرائيل.
لكن، في حال عجزت فرنسا وبريطانيا عن القيام بهذا الدور، بسبب انغماسهما في نزاعات شمال إفريقيا ومالي وأيضاً بسبب أزماتهما المالية والاقتصادية، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها مرغمة على وضع الاسطول السادس قيد العمل مجددا، وإن بشكل انتقائي ومؤقت، كوسيلة لحل النزاعات بين حلفائها ولمنع الروس من ملء الفراغ في شرق المتوسط. وحينها ستصبح الحلول الإقليمية المحتملة قراراً دولياً من الطراز الأول.
- III -
على أي حال، الحروب كما الحلول في شرق المتوسط لن تبرز قريباً، لأن العمل لايزال في بداياته الأولى في مجال التنقيب والانتاج. لكن، إذا ما بدأ الغاز الإسرائيلي، على سبيل المثال، يتدفق على أوروبا، من دون اتفاقات شاملة بين دول شرق المتوسط، فهذا وحده سيكون كافياً لبدء قرع طبول الحرب في المنطقة.
وهي طبول يمكن ببساطة سماع تكتكاتها الآولى من الآن، لأنها تشبه كلياً تقريباً الطبول الخليجية.
إنها قصة الخليج العربي تتكرر بحذافيرها في شرق المتوسط.

سعد محيو