للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 26 أبريل، 2013

الانشوطة السورية تشتد حول عنق أوباما


- I -
"اعتراف البيت الأبيض الأميركي بأن النظام السوري ربما استخدم بالفعل الأسلحة الكيمائية ضد شعبه هو الاول من نوعه، وقد يكون نقطة انطلاق نحو تدخل أميركي أوسع في سورية".

هكذا أطلت صحيفة "فايننشال تايمز" الرزينة، في افتتاحيتها اليوم، على رسالة إدارة أوباما إلى الكونغرس حول مسألة استخدام النظام السوري الأسلحة الكيمائية. لكن هل استنتاجها في محله حول احتمال تغيُّر الموقف الأميركي إزاء سورية من "النأي بالنفس" إلى بدء خطوات التدخل المباشر؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك تذكير بأن الرئيس أوباما كان يكرر طيلة الأشهر القليلة المقبلة بأن قيام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيمائية "هو خط أحمر ومغيّر للعبة" بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
لكن إدارة أوباما لم تتحرّك قيد أنملة حين كانت التقارير تتوالى في الأسابيع الأخيرة من هنا وهناك، خاصة من قبل حليفتيها فرنسا وبريطانيا، عن قصف القوات السورية قوات المعارضة بغاز السارين المدمّر للأعصاب. فلماذا قررت الإدارة الخروج عن الصمت الآن؟ وإلى أين يمكن أن يقودها ذلك؟
- II -
الأرجح أن المسألة تتعلق بالدرجة الأولى بالضغوط التي تعرّض إليها أوباما مؤخراً في الكونغرس وفي الداخل الأميركي. فالشيوخ الجمهوريون، وفي مقدمهم جون ماكين، انطلقوا من التقارير البريطانية والفرنسية والدولية حول استخدام الأسد لغاز السيرين، ليتهموا أوباما بالتنكر لمواقفه هو نفسه حول كون الأسلحة الكيمائية خطاً أحمر، وبتعريض صدقية ومصداقية الولايات المتحدة إلى الخطر.
وحتى أقطاب حزب أوباما الديمقراطي كانوا هم أيضاً يتململون ويشتكون من تأخر الولايات المتحدة عن حلفائها الأوروريين في تتبع مسألة الأسلحة الكيمائية الخطيرة، على الرغم من أنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه الجمهوريون من مطالبة برفع وتيرة التدخل الأميركي في سورية. وقد تصلّب موقف الديمقراطيين أكثر بعد أن أشارت استطلاعات الرأي العام الأميركي إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد الأميركيين الذين يؤيدون التدخل العسكري الأميركي في سورية.
كل ذلك دفع إدارة أوباما على مايبدو إلى استباق جلسات الكونغرس لاستجواب وزير الخارجية كيري حول هذه المسألة، بتوجيه رسالة سريعة مسبقة إلى الكونغرس تتضمن الموقف الأميركي التصعيدي الجديد.
كما قد يكون  هناك سبب آخر هو البيان المفاجىء الذي أصدره رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية أتاي برون قبل أيام، والذي اتهم فيه لأول مرة النظام السوري بالمسؤولية عن كل الهجمات التي وقعت بالأسلحة الكيمائية مؤخراً .
وعلى رغم أن الغموض لايزال يلف أسباب هذا البيان الذي جاء من طرف (إسرائيل) يفترض أنه أوفى أصدقاء النظام السوري الراهن، إلا أن تأثيراته لم تتأخر في التفاعل، خاصة في الكونغرس الاميركي الذي تهيمن عليه القوى الموالية لأسرائيل هيمنة تكاد تكون كاملة. إذ هو كان بمثابة الضوء الأخضر لها كي تتحرك للضغط على أوباما.
- III -
الرئيس الأميركي، إذا، يواجه ماقد يكون "ثورة صغيرة" في الداخل الأميركي تطالبه بتغيير وجهة سير السفينة الأميركية إزاء سورية. وهذا يعيدنا إلى سؤالنا الأولي: هل يبدأ أوباما بالتخلي عن سياسة النأي بالنفس إزاء سورية؟
من المبكر القفز إلى مثل هذا الاستنتاج، على رغم أن رسالة البيت الأبيض إلى الكونغرس تضمنت في ثناياها بالفعل روائح تغيير أميركي ما.
فأباما سبق له أن حدد قبل أربع سنوات هدفاً ثابتاً له هو إقفال ملف الحروب الأميركية التي استمرت 12 عاما في العالم الإسلامي (أفغانستان والعراق)، وهو لم يتدخل في ليبيا إلا بعد  تردد كبير وسوى كطرف ثانوي وراء حليفتيه بريطانيا وفرنسا.
وعلى رغم أن كل مساعديه ومستشاريه بلا استثناء كانوا يحثونه على رفع وتائر التدخل في سورية، إلا أنه كان يرفض بعناد، ويدعوهم إلى ترك هذه القضية للقوى الإقليمية والدولية الحليفة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
بيد أن تضخّم أعداد التقارير التي تتحدث عن بدء استخدام النظام السوري للأسلحة الكيمائية، وإن بشكل محدود، وضع إدارة أوباما في وضع صعب في الداخل الأميركي والعالم: إذ بات عليها أن تثبت أنها تقرن أقوالها بالأفعال حين تتحدث عن الخطوط الحمر، وإلا فقدت هيبتها ومصداقيتها كقوة عظمى في كل أنحاء العالم.
وهذا يصح، أكثر ما يصح، في العلاقة مع إيران، حيث أن تراخي واشنطن في التعاطي مع الملف الكيمائي "الصغير" في سورية، سيضرب كل استراتيجية أوباما وتكتيكاته في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني "الكبير".
بيد أن الطريق لايبدو مسدوداً أمام أوباما للإفلات من الضغوط المتصاعدة عليه لحمله على التدخل أكثر في سورية. ففي وسعه الآن (وهذا ماسيفعل على الأرجح) التحرك في الأمم المتحدة للمطالبة بإجراء تحقيق دولي حول الاسلحة الكيمائية. وهذا ما سيعطيه فسحة وقت قد تطول أو تقصر للتفلت من الضغوط. كما في وسعه تطوير خيارات أخرى للتعامل مع الأزمة السورية تقل عن درجة التدخل المباشر، وتكون محددة أمنياً وغير محدودة دبلوماسيا.
بيد أن هذا المخرج قد لايكون كافياً إذا ما تراكم المزيد من "الحقائق" (وليس فقط تقارير أجهزة المخابرات) عما يجري كيمائياً في سورية، أو إذا ما ارتكب النظام السوري الحماقة الكبرى وواصل استخدام هذه الأسلحة.
إذ حينها سيكتمل التفاف الانشوطة الداخلية الأميركية والدولية حول رقبة أوباما، وسيجد نفسه شاء أم أبى في قلب الأتون السوري، تماما كما حدث في ليبيا. وهنا، سيكون البنتاغون جاهزا: إذ هو أتم وضع خطط عسكرية تتراوح بين شن عمليات كوماندوس أميركية داخل الأراضي السورية للسيطرة على مخزون الأسلحة الكيمائية، إلى قصف الطائرات والمطارات العسكرية، وصولاً في وقت لاحق إلى إقامة منطقة حظر جوي قرب الحدود الأردنية.

سعد محيو