للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 3 أبريل 2013

كوريا الشمالية وإيران: من خَلَقَ هذه "الوحوش"؟



- I -
الصورة تبدو بسيطة:
كوريا الشمالية دولة مجنونة يقودها الشاب الغر كيم جونغ اون الأكثر جنونا. ولذا فهي ليست دولة مارقة (Rogue state ) وحسب بل قوة شر تهدد السلام العالمي برمته.
وكما كوريا الشمالية، كذلك إيران.
فهذه الدولة الأصولية لم تفعل شيئاً منذ انتصار ثورتها الإسلامية العام 1979 سوى زرع بذور الصراعات والشقاقات في المنطقة، وهي أيضاً تشكل شراً مستطيراً للسلام العالمي برمته.
هكذا تبدو هذه الصورة من واشنطن، خاصة هذه الأيام.
فكوريا الشمالية عادت لترغي وتزبد مهددة بشن الحرب على الجنوب، واستئناف العمل في محطة نووية لانتاج القنابل الذرية، ودفع شبه القارة الكورية وجنوب شرق آسيا برمتهما إلى أشداق حريق كبير. وهذا ما دفع الولايات المتحدة إلى المسارعة إلى وقف بيونغ يانغ عند حدها، من خلال إرسال الأساطيل وطائرات ستيلث-22 وجون كيري على عجل إلى كوريا الجنوبية.
وفي الوقت نفسه الذي كانت فيه كوريا الشمالية "المارقة" تؤرق نوم عالم كان عدا ذلك مسالماً وهادئاً ووادعا، كانت إيران تواصل مؤامرتها النووية السرية، حتى وهي تستعد لحضور مؤتمر كازاخستان يوم الجمعة المقبل للتفاوض مع الدول الكبرى الست حول وقف برنامجها النووي.
وهذا يعني في الواقع أن إيران وكوريا الشمالية وجهان لعملة واحدة، وإن كانت كل منهما بسحنة أخرى وأسلوب آخر.
- II -

من يستطيع أن يحاجج ضد هذا المنطق الأميركي السائد في العالم؟
لا أحد في الواقع. فالتاريخ يكتبه المنتصرون. وحين يفعلون، يحق لهم أن يصفوا المهزومين أو الضعفاء بأنهم شياطين وأبالسة وخارجين عن القانون.
لو أن ألمانيا النازية انتصرت في الحرب العالمية الثانية، لكانت أميركا هي الآن الدولة المارقة. ولو أن بريطانيا وفرنسا لم تسيطرا في الحرب العالمية الأولى على الشرق الأوسط، لما تمكّن الغرب من الترويج للصهيونية والوطن القومي اليهودي على أنهما تنفيذ حرفي لحق تقرير المصير القومي.
أجل. كوريا الشمالية ديكتاتورية عائلية- عسكرية سقيمة ومريضة لم تورث شعبها سوى الجوع والفاقة والعوز. أجل أيضا: إيران جمهورية شوّهت الدين بالفساد، والقيم الاسلامية بالتطرف القومي، وساهمت عبر نظامها الطائفي في إذكاء نيران الفتنة الكبرى-2 في الإسلام.
كل هذا صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أنه كان في وسع القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تجد حلولاً لهاتين الدولتين الإشكاليتين، لو أنها كانت جادة حقاً في إيجاد مثل هذه الحلول.
لكنها لاتبدو جادة. لا بالأمس ولا اليوم ولا ربما غدا.
الولايات المتحدة، كما يقول المفكر الفرنسي إيمانويل تود، في حاجة إلى بؤر توتر دائمة في العالم كي تبرر استمرار زعامتها العالمية عبر القوة العسكرية، خاصة بعد أن خسرت في العقد الأول من القرن العشرين موقعها كأقوى قوة اقتصادية كاسحة في العالم.
من دون التوتر في شبه القارة الكورية، سيكون من الصعب على واشنطن مواصلة جذب كوريا الجنوبية واليابان وتايوان وبقية النمور الآسيوية إلى كنف حمايتها الأمنية من هذا الوحش الكوري الذي يرضع من ثدي التنين الصيني المتضخم.
ومن دون التوتير مع إيران في الخليج، قد تجد دول الخليج العربية من مصلحتها محاولة إقامة نظام أمن إقليمي جديد مع طهران بدعم من قوى كبرى أخرى. وهذا من شأنه وقف صفقات الأسلحة الغربية الأسطورية مع هذه الدول، وإضعاف القبضة الأميركية على إمدادات النفط وأسواقه وبالتالي على قارة أوراسيا.
أميركا في حاجة إلى الجنون الكوري الشمالي بقدر حاجة كيم جونغ أون إلى هذا الجنون لإثبات وجوده أمام جنرالاته.
وأميركا في حاجة إلى استفزازات إيران اللامسؤولة، خاصة الآن في سورية والبحرين واليمن، لتدب الرعب في أوصال السعوديين وبقية الخليجيين بهدف دفعهم إلى الفزع إليها زرافات ووحدانا.
- III -

إنها اللعبة نفسها: أخلق الوحش المخيف، ثم استخدمه لإخافة الآخرين.
وعلى رغم أن هذه لعبة ذكية للغاية، إلا أنها أيضاً خطرة للغاية. ففي لحظة ما قد يخرج الوحش عن نطاق السيطرة، إما لسوء الحسابات او عن طريق الخطأ.
 وهذا ماقد يحدث اليوم في كوريا الشمالية، وربما غدا في إيران.
سعد محيو