للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 19 أبريل، 2013

نحو "حروب طاقة" طاحنة في شرق المتوسط؟ (الحلقة الثانية)


- I -
تساءلنا بالأمس عن القوى الرئيسة اللاعبة في رقصة النفط والغاز الجديدة في شرق المتوسط، والتي يمكن أن تكون مدخلاً إلى الصراعات كما إلى التسويات.
البحرية الروسية في المتوسط: نحن هنا (الصورة من غوغل

أول من يبرز من بين هذه القوى هي إسرائيل، التي دشّنت دخول المنطقة إلى مرحلة إنتاج الغاز الطبيعي، وأطلقت سلسلة مبادرات دبلوماسية- أمنية واسعة لحماية وضمان وتسهيل تصدير غازها المكتشف حديثا.
نقطة البداية في هذه المبادرات الإسرائيلية كانت قبرص، المرشح الأقوى الثاني لإنتاج الطاقة في شرق المتوسط، وداعمها الرئيس اليونان. ففي تشرين الثاني/نوفمبر 2012، وقّعت إسرائيل وقبرص واليونان اتفاقية شكّلت بموجبها القوى الثلاث فرق عمل لمناقشة ما أُسمي "ممر الطاقة عبر شرق المتوسط" لنقل صادرات الغاز من إسرائيل وقبرص إلى اليونان.
آنذاك، جرى الحديث عن ولادة محور جديد إسرائيلي- قبرصي- يوناني في المشهد الجيو-سياسي الجديد لحوض البحر المتوسط، يشمل ليس فقط عنصر الطاقة بل البعد الأمني أيضاً. وبالفعل، أجرت اليونان وإسرائيل، ومعهما الولايات المتحدة، مناورات جوية وبحرية تحاكي عملية الدفاع عن آبار الغاز البحرية في شرق المتوسط. ومنذ ذلك الحين، بدأ التعاون العسكري بين إسرائيل وقبرص واليونان ينمو بشكل متسارع، بدعم ضمني من روسيا التي تعتبر نفسها "حامية" قبرص اليونانية.
بيد أن هذا المحور تعرّض إلى تحدٍ كبير من تركيا التي اعترضت عليه لسببين رئيسيين: الأول أنها تريد أن تضمن حصة قبرص التركية فيه، والثاني أنها تريد أن تكون هي، وليس اليونان، مركز تصدير غاز شرق المتوسط إلى أوروبا.

سنأتي إلى الدور التركي الضخم في ملحمة الطاقة المتوسطية بعد قليل. لكن، قبل ذلك فلنستعرض مواقف بقية أطراف اللعبة مبتدئين بأوروبا.
- II -
الاهتمام الرئيس للاتحاد الأوروبي بآفاق الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، ينبع من الحقيقة بأن الغاز سيواصل لعب دور هام ومتزايد في الاقتصادات الأوروبية لعقود عدة مقبلة. وقد أصدرت اللجنة الأوروبية مؤخراً تقريراً بعنوان "خريطة طريق الطاقة حتى العام 2050"، قالت فيه أن الغاز الطبيعي سيلعب دوراً حاسماً في التحولات التي ستطرأ على نظام الطاقة. كما توقّع التقرير أن يبقى الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي مرتفعاً، خاصة في مجال توليد الكهرباء.
 معروف أنه في العام 2010، جاء 80 في المئة من واردات الغاز الأوروبية من ثلاثة مصادر فقط: الاتحاد الروسي، النروج، والجزائر. وهذا الاعتماد الكثيف على مثل هذا العدد القليل من المصدِّرين، حفز اللجنة الأوروبية على تطوير مفهوم تنويع واردات الغاز ليكون حجر الأساس في استراتيجية الطاقة. ومن هنا نبع الاهتمام الأوروبي الشديد بغاز شرق المتوسط.
اللاعب الكبير الآخر في جيواستراتيجيا الطاقة المتوسطية هي روسيا، التي تريد هي الأخرى توفير حضور بارز لها في هذه المنطقة، رغم أنها أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم، لأسباب عدة منها: اولاً، أنها تريد الحفاظ على موقعها المهمين الراهن بصفتها المصدّر الأول للغاز إلى أوروبا. وثانياً أنها تريد إحباط جهود تركيا لتكون بلد الترانزيت الجديد والرئيس لغاز بحري قزوين والمتوسط.
هذه المعطيات تفسّر جزئياً أسباب الاندفاعة الروسية الكبيرة (حتى الآن على الأقل) للدفاع عن نظام الأسد في سورية. إذ أن سقوط هذا النظام في أيدي معارضة موالية لتركيا والغرب، لن يعني فقط حرمان موسكو من قاعدتها البحرية الوحيدة في البحر المتوسط في طرطوس، بل أولاً وأساساً تضعضع مواقعها التنافسية في الصراع على ممرات غاز شرق المتوسط. وهي لذلك كانت تحرص في كل حين على استعراض قوتها البحري في البحر المتوسط، خاصة قبالة السواحل القبرصية الحليفة لها، لتذكير تركيا على وجه الخصوص والآخرين بأنها مستعدة دوماً للدفاع عن مصالحها بالقوة.
- III -

ماذا الآن عن الولايات المتحدة؟
تتلخص مصالح هذه الدولة العظمى في شرق المتوسط في: حماية المصالح الإسرائيلية؛ تعزيز وجود شركات النفط الاميركية في خريطة الطاقة المتوسطية الجديدة، ودعم الجهود الأوروبية لتخفيف الاعتماد على الغاز الروسي.
لكن الأرجح أن يؤدي تزايد اكتشافات الطاقة في هذه المنطقة إلى دفع الولايات المتحدة إلى إعادة الاعتبار للوجود القوي الذي كان للأسطول السادس في البحر المتوسط، وإلى أن تعمل واشنطن على تحويل نفسها إلى "القاضي والحكم" في النزاعات التي ستنشب في المنطقة حتماً بسبب التنافس على الغاز وممراته.
لكن، كيف ستتوزع خريطة هذه النزاعات، وأين موقع تركيا على وجه الخصوص فيها؟

(غدا نتابع)
سعد محيو