للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 28 أبريل 2013

لا للتقدم.. فليسقط" الحيوان الانساني " !





( I )

نادرة هي الكتب التي تتمّرد على الحاضر كلّي الحضور ، فتكسر قيوده لترى ما بعده.

ونادرة  أكثر  تلك الافكار الكبرى  التي تتجاوز ،  هي الاخرى ،  قوانين الواقع الجامدة لتحاول الامساك بروح المستقبل المتحركة .
الرساّم  العبقري غاري لارسون ، لديه رسم كاريكاتوري رائع  لحقل ترعى فيه أغنام بسلام ، عدا خروف واحد حكيم يرفع رأسه فجأة بدهشة كبيرة ويصرخ : " إنتظروا ! . هذا عشب. ما نأكله هو عشب !  ".
المفّكر جون غراي كان دوما مثل خروف لارسون المتمرد ، الفخور بلونه الاسود بين قطعان الخرفان البيض. فهو يهوى السباحة عكس التيار ، ويعشق قول  " لا "  حين يقول الجميع  " نعم " . وهذا ليس من باب إثبات الوجود ( فهو لا يحتاجه بسبب شهرته ) ، بل من موقع التشديد على ان الحقيقة لا يمكن ان تكون ذات وجه واحد ،  او بعد واحد ، او مذاق واحد .
في كتابه ما قبل الاخير  " فجر كاذب " ، كان غراي  أول من حذّر من مخاطر العولمة الرأسمالية المنفلتة من عقالها. آنذاك ، إنصبت عليه الاتهامات وإنهالت عليه اللعنات ، لكونه يعارض " نهاية التاريخ " ، تلك النظرية التي تحولّت ال دين جديد في  التسعينات . لكن بعد فترة قصيرة ، إنقلبت الاتهامات الى إعترافات بالخطأ ، واللعنات الى إشادات ببعد الرؤيا.
والان ، يتقّدم غراي بما هو أكثر بكثير من نقد الظواهر الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات البشرية . إنه يوجّه سهامه هذه المرة الى البشر أنفسهم ، مدينا ما يسميه " الحيوان الانساني ".
لماذا ؟.
قبل  الاجابة  ، فلنتوقف قليلا  امام الافكار الرئيسة في كتابه الجديد " الهرطقات : ضد التقدم والاوهام الاخرى " ( * ) .
( II )

يحمل غراي بشّده، في  " هرطقاته  "  على المحافظين الجدد في إدارة بوش ويطلق عليهم
 " يعاقبة واشنطن الذين يعتقدون انه من الممكن إستئصال الشر من العالم " .
 يقول : " الخطر في السياسة الخارجية الاميركية لا يكمن في انها مهووسة بالشر ، بل بأنها تستند الى الاعتقاد بأنه يمكن إزالة الشر . ومثل هذا الغباء بعيد كل البعد عن حكمة الاباء المؤسسن الاميركيين الذين كان  هدف الحكومة بالنسبة لهم  ليس  قيادتنا الى الارض الموعودة ، بل جعلنا نتحاشى الشرور المتكررة التي تتعرض لها الحياة البشرية " .
ويشدد  على ان تنظيم " القاعدة " يشكل  بالفعل تهديدا لأستمرارية القيم الليبرالية الغربية نفسها ، لكن ذروة الغباء هو الادعاء بأنه في وسعنا هزيمته بالقوة العسكرية.
 بدلا من غزو العراق وإطلاق الضجيج التهديدي ضد إيران وسوريا ، كانت السياسة المنطقية تقتضي معالجة القضايا الاقليمية ، مثل الصراع الدموي الفلسطيني- الاسرائيلي ، والفصل بينه وبين نشاطات " القاعدة " ،  بهدف " إعادة الارهاب الى مستوياته التاريخية الطبيعية " . بيد أن  " صليبيي البيت الابيض والبنتاغون ( على حد تعبيره ) ،  يحتقرون بالطبع مثل هذه المقاربة التدريجية " .
غراي يعتبر نفسه " ما بعد إنسانوي " بشكل لا يتزعزع " .يقول : " حين كنا صغارا ، كان التعليم الشفوي الكاثوليكي يؤكد لنا ان العالم خلق من أجل فائدة الانسان وإستخداماته ، وبالتالي فإننا أسياد الخلق الذين تخضع لسيطرتهم كل الطبيعة بما فيها من نباتات وحيوانات . ويضيف  : بالنسبة للأنسانيين الليبراليين ، هذه الانباء الطيبة  لا تزال طيبة. بيد ان ما يسمى بالانظمة العلمانية التي تحكم الغرب ، ليست في الواقع سوى حصيلة ديانة مفككة تقوم على الاعتقاد بان حياة الانسان تصبح أفضل مع نمو المعرفة .
ويبدي غراي إحتقارا واضحا لمن يسميهم رجال الكهنوت العلماني الحديث . فهؤلاء  ورثوا فلاسفة عصر الانوار في  القرن الثامن عشر وهم يدعّون  أنهم يدشنون عهدا جديدا من الوثنية . في حين انهم، برأيه ،  كانوا في الواقع مسيحيين جدد .
 كل ما فعله عصر التنوير ، هو أنه عزز الدين المسيحي بوسائل أخرى .أما إيمان هذا العصر  بالتقدم  ، فلم يكن سوى الرسالة المسيحية نفسها وقد أفرغت من مضمونها الغامض والتجاوزي . لا بل  يقول غراي  أن أولئك الذين ما زالوا يحملون الايمان المسيحي ، أعمق تفكيرا واكثر ثقافة حتى  من أعتى خصومهم الانسانيين الليبراليين .
هذه المقدمات ،  تقود الى الاجابة على سؤالنا الاولي عن أسباب إدانة غراي للبشر .
إذ هو يعتبر أن الايمان  بالتقدم ، الذي يصفه بأنه " أفيون الطبقات المفكرة " ، ليس سوى أوهام  تخفي أكثر السياسات الاجتماعية والسياسية الصارخة في خطئها.
 بالطبع ، هناك شيء إسمه تقدم ، لكن هذا لا يوجد إلا في العلم ، فيما هو خرافة في الاخلاق والسياسات .
وفي كل متون الكتاب ،  يحمل غراي بشدة على الفكرة ، التي قدمت للمرة الاولى في عصر النهضة ثم كرّست في عصر الانوار ، وهي أن التاريخ يتحّرك بشكل حتمي في خط مستقيم ، وبأن الطبيعة البشرية ستتحّسن بالضرورة مع تراكم معرفتنا . يقول : " المعرفة الانسانية تكبر بالفعل ، لكن الحيوان الانساني ما يزال على حاله  ".
( III )

هل غراي على حق؟
أجل !. وعلى من  يرفض منطقه ، أن يفسّر لنا ،  أولا ، لماذا لم يكن هناك سوى عشر سنوات سلام فقط ، من إجمالي  تاريخ بشري عمره عشرة آلاف سنة من الحروب .


                                                                        سعد محيو
                 ________________________
(  * ) John Gray : Heresies : Against progress and other illusions.  Granta. 2004 )