للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

هؤلاء المرضى علموني.. فآمنت


  


أربعة مبدعين جدد كانوا على شفير الانتحار أو الموت، فقاوموا الإثنين بالإبداع، وانتجوا سوسنة رائعة من وسط الركام. إنها ملحمة خلق حقيقية، وخريطة طريق الإنسان المتفوّق الذي يتأهب للولادة.
( الانسان المتفوّق: الولادة آتية ( الصورة من غوغل
- I -
"هؤلاء المرضى علموني" كتاب شهير لمربي الأجيال سلامة موسى، الذي أطلق من مصر في الخمسينيات ثورة تبسيط العلوم: من نظرية التطور لداروين، إلى نظرية النسبيبة لأنشتاين، مروراً بفرويد وأدلر في علم النفس، وهيغل وماركس في دياليكتيك الروح والمادة، وبرنارد شو في اشتراكيته الفابية وحلمه بـ"السوبرمان".


في "هؤلاء المرضى علموني"، يستعرض مربينا الكبير عشرات الشخصيات التي لمعت في التاريخ، والتي لولاها لما وُلدت عصور الأنوار الحديثة، ليكتشف أن كلاً منها اندفع إلى العطاء والأبداع بحفز من مرض نفسي أوعضوي. المرض هنا يصبح نعمة بدل أن يكون نقمة، ودافعاً للحياة لا حافزاً على  الانتحار.

- II -
لماذا تذكّر سلامة موسى الآن؟
لأن ثمة  أربعة مُبدعين جدد برزوا مؤخراً دفعة واحدة لتأكيد نظريته.
فهناك إيكهارت تول الذي حاول الانتحار ثلاث مرات بسبب غرقه في مشاعر اللاجدوى، فإذا به يخرج من هذا المرض النفسي العضال الذي فشلت عقاقير الاكتئاب والانهيارات النفسية في علاجه، ليصبح كاتباً عالمياً بيع كتابيه "قوة الآن" و"أرض جديدة" بملايين النسخ. كل مافعله تول هو تحويل أزمته الخاصة إلى حل عام وشامل لكل البشرية، عبر الدعوة إلى وعي جديد متصالح مع الله والطبيعة والحياة التضامنية بين البشر. (سنستعرض الكتابين قريباً في هذه الزاوية).
وهناك الأنكليزية كارول شيلدز التي كانت تحتضر من جراء اصابتها بالسرطان. لكنها بدل الاستلام إلى مشاعر الموت، قررت مقاومة الاحباط بالابداع، والمرض العضوي بالصحة النفسية، فكانت الحصيلة رواية جميلة حققت نجاحاً باهراً بعنوان "ما لَمْ". (أطباء كارول أكدوا أن مناعتها قويت أضعافاً مضاعفة خلال وبعد وضعها الكتاب).
كريستوفر بوتر نموذج ثالث. فهو أمضى سنوات عمره الخمسين يتنقّل من نجاح إلى نجاح في مجال عمله كمدير في إحدى دور النشر الكبرى. لكنه على رغم ذلك كان تعيساً ويتخبط في أحاسيس اليأس والقرف. وما لبثت هذه الأحاسيس أن انفجرت في شكل نوبات خوف ورعب شديدين أدّت إلى توقفه عن العمل وانسحابه من الحياة الاجتماعية.
بيد أن هذا الانهيار النفسي أثبت لاحقاً أنه كان في الواقع عملية بناء. إذ هو دفعه إلى البحث عن العلاج ليس في الطب والتحليل النفسي، بل في العلم والكتابة. وهكذا انكب بوتر على وضع كتاب عن تاريخ الكون من اللحظة الأولى لـ"الانفجار العظيم"(BIG BANG) إلى اللحظة الأخيرة المحتملة لنهاية العالم. وقد حقق الكتاب شهرة فائقة على رغم أن الكاتب لم يكن لاعالماً ولاحتى باحثاً في العلم. كل مافعله هو أنه قارب العلم بشكله التبسيطي ثم نقل هذا التبسيط إلينا.
ثم هناك بالطبع ستيفن هاوكينغ الشهير، الذي أدى مرض في جهازه العصبي إلى شل كل عضلات جسمه بلا استثناء، ولم يبق له سوى دماغه كعضو نشط. لكنه مع ذلك نجح في تبوؤ رتبة خليفة أينشتاين، وكان القوة المحركة وراء نظرية الثقوب السوداء(BLACK HOLES) التي تم اثباتها لاحقاً.

- III -
كل هؤلاء كانوا مرضى. وكل هؤلاء تغلّبوا على المرض بالخلق، والإبداع، والتجديد، فقلبوا النقمة إلى نعمة.
وهذا لايذكّرنا بسلامة موسى وحسب، بل في ذلك الشاعر الرائع الذي قال: "رأيت إمرأة قبيحة تصدح بصوت جميل، ورأيت سوسنة حمراء نضرة تنبت وسط ركام من الأوساخ، فآمنت".
إنها حقاً ملحمة خلق حقيقية، وخريطة طريق واضحة للإنسان المتفوق الذي يتمخض للولادة من أتون الآلام البشرية الراهنة.

                                                                                        سعد