للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

الامبراطورية الإسرائيلية "تعتقل" الربيع العربي





وضوح استراتيجي إسرائيلي وضياع استراتيجي عربي- إسلامي (الصوة من غوغل


دول الربيع العربي، ومعها تركيا وقوى "الممانعة والمقاومة"، أثبتت أنها خالية الوفاض من أي استراتيجية يُعتد بها في الشرق الأوسط، في مواجهة استراتيجية إسرائيل الواضحة، والمُحددة، و"القاطعة".
- I -
أغمض عينيك. اترك لخيالك أن يسرح ويمرح قليلا في طول الشرق الأوسط وعرضه، فماذا ستجد؟
ستجد، للأسف، إسرائيل في كل مكان، ولن تجد الربيع العربي، الذي عُلِّقت عليه كبار الآمال بإحياء الكرامة والحقوق العربية، في أي مكان.
هذه هي الحقيقة الحزينة التي تكرّست على نحو اكثر حزناً في حرب غزة-2 الأخيرة.
فعلى رغم صيحات النصر التي خرجت من حناجر حركة حماس وأنصارها حتى قبل أن يجلو غبار المعارك العسكرية، كانت محاولة لأضفاء غلالة النصر السياسي على عجز عسكري. وهو نصر سيتبيّن سريعاً أنه مطابق تماماً للقرار 1701 في لبنان الذي حوّل حزب الله منذ 2006 إلى حركة مقاومين من دون مقاومة.
أجل. حماس أطلقت صواريخ باتجاه تل أبيب والقدس. لكنها تعلم قبل غيرها أن هذه الخطوة لن تقدِّم أو تؤخر في شيء في مجال الاستراتيجيات العسكرية، خاصة مع النجاح النسبي للقبة الحديدية الإسرائيلية. أما حديث حماس عن توازن الرعب، فهو قد يبقى تحليلاً من جانب واحد طالما أن الجانب الإسرائيلي لم يشعر بعد بالرعب.
الأمر نفسه ينطبق على إخوان مسلمي مصر. فهم أيضاً أعلنوا النصر السياسي وقالوا أنهم أعادوا إلى أرض الكنانة دورها الإقليمي القيادة والمركزي القديم. لكنه نسوا أن هذا النصر تم في إحضان إسرائيل لا خارجه، وبمباركة أميركا لا غصباً عنها. وهذا ماجعل مصرهم نسخة غير منقَّحة من مصر مبارك، وقد يجعلهم قريباً (بعد أن ضمنوا اتفاق وقف النار) حرس حدود جدد لإسرائيل.
- II -
من أيضا؟
هناك إيران، زعيمة الممناعة والمقاومة في الشرق الأوسط، التي كان في وسعها أن تحرّك حزب الله في لبنان لـ"فتح أبواب جهنم" إقليمياً على إسرائيل دعماً للمقاومة في فلسطين. لكنها لم تفعل، والأسباب واضحة: هدفها الاستراتيجي الأول هو الحفاظ على نظامها وأوراق ضغطها اللبنانية، أما محو إسرائيل من الخريطة فيمكن أن ينتظر نصراً إلهياً مهدياً سينبثق من أحد آبار  المساجد القريبة من طهران.
ثم هناك بالطبع النظام السوري المُمانع الذي بدل أن يخلق أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، يهدد الآن بتقسيم سورية إلى دولتين أو ثلاث، ومن ثَمَ سيطلب على الأرجح الحماية الإسرائيلية لإحدى هذه الدول، كما فعل بعض السوريين في أوائل القرن العشرين حين رفضوا الوحدة السورية وناشدوا الاستعمار الفرنسي وضعهم تحت وصايته وحمابته.
هذه هي الخلفية الحقيقية للصورة في الشرق الأوسط الجديد. وهي، كما هو واضح، صورة  نجح فيها الربيع العربي في استنهاض إرادة الشعوب العربية، لكن النخب الحاكمة فيه فشلت حتى الآن في بلورة أي استراتيجية لتحويل هذه الإرادة في الداخل إلى مشروع نهضة إقليمية ودولية في الخارج، على رغم كل أحاديث الإخوان عن أولوية الأمة العربية- الإسلامية على كل ماعداها.
وهذا ما جعل من السهل للغاية على إسرائيل أن تستعيد خلال ثمانية أيام فقط من الحرب، صورة دورها المركزي والمُهمين والمُسيطر في الشرق الأوسط.
سيكون في وسع الدولة العبرية الأن، وبعد حرب غزة، الإشراف على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية فلسطينيين، عبر دعم صعود حماس على حساب فتح، وبالتالي كسب خمس إلى عشر سنوات أخرى إلى أن تبدأ هذه الحركة الإسلامية رحلتها البطيئة للاعتراف بإسرائيل. وخلال هذه المرحلة، ستُكمل تل أبيب ابتلاع الضفة الغربية، وستنشط لتدمير المملكة الأردنية لتحويلها إلى "دولة فلسطينية ثالثة".
كما ستشرف إسرائيل على تقسيم سورية و"رعاية" إحدى دويلاتها، وستعمل على إعادة تفجير العراق، وستنشط بقوة لتحريك الأكراد والعلوييين في تركيا، لحمل هذه الأخيرة على طي حلم العثمانية الجديدة على الأقل داخل أراضي "الامبراطورية الإسرائيلية" في المشرق العربي.
لقد أشار تقرير أخير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي تحت عنوان "ميزان القوى العسكرية العربي- الإسرائيلي"، إلى أن إسرائيل تتفوّق على كل الدول العربية مجتمعة في مجالات النمو الاقتصادي، والقوة التكنولوجية، والجهوزية العسكرية المتطورة، والأسلحة النووية والتقليدية، وامتلاك أكبر جيش حديث في المنطقة (على رغم صغر عدد سكانها). هذا فضلاً عن تمتعها بالدعم الكامل والمطلق للدولة العظمى الوحيدة في العالم.
كل هذه العوامل تجعل من السهل على الدولة العبرية فرض جدول أعمالها الخاص على كل دول الشرق الأوسط، والتي يمكن تلخيصها في ثلاثة ممنوعات وثلاث مسموحات: ممنوع قيام أي دولة قوية في المنطقة، ناهيك بالطبع عن أي وحدة عربية أو إسلامية. ممنوع التقدم الاقتصادي الانتاجي في أي منها. ممنوع التطور التكنولوجي بكل أشكاله. أما المسموحات فهي: قيام دوليات إثنية وطائفية في كل مكان؛ وإقامة اقتصادات خدماتية وسياحية؛ وتبعية كل الدويلات للقوة الإسرائيلية.
- III -

هذا، بالمناسبة، هو الشرق الأوسط الجديد الذي خطّه شيمون بيريز وغيره من المخططين الإسرائيليين، والذي يفرض وجوده الآن على شرق أوسط الربيع العربي، بدعم (أو رضوخ لافرق) من الولايات المتحدة.
لكن،  وطالما أن الصورة على هذا النحو، هل هذه الكلمات هي دعوة إلى الاستسلام أو قبول هذا السلام الإسرائيلي الكارثي؟
كلا. إطلاقا.
(غدا نتابع)

سعد