للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الجمعة، 30 نوفمبر 2012

بين الله والعلم.. وآلهة الإغريق


- I -
ماذا إذا؟
هل حان الوقت كي يُعلن الفلاسفة الماديون، انتصارهم النهائي على الفلاسفة المثاليين ومعهم الأديان السماوية وغير السماوية كافة؟

الصراع مستمر بين المادة والروح. لكن أين المادة؟- اللوحة من غوغل

هذا مايعتقده كلٌ من كريغ فينتور وفرانسيس كريك، اللذان أشرفا على تطوير أول حياة اصطناعية غير موجودة في الطبيعة من مواد كيمائية صرف. فالأول قال أن "البكتيريا التي تم تركيبها ونجحت في التكاثر كمادة حية لتصبح بالبلايين، ستغيّر نظرتنا إلى الوجود ونظرياتنا حول الحياة، وقد تكون لها منافع بيئية واقتصادية كاسحة" . والثاني، الذي سبق له أن رفض التعليم في جامعة كامبردج إذا ما كان فيها كنيسة، كرّس كل نشاطه العلمي لإثبات مادية الوجود عبر هذه التجربة.
حسناً. الانتصار العلمي واضح هنا ولايحتاج إلى إثبات. وكذا الأمر إذا ما ثبّت أن هذا النوع الاصطناعي من البكتيريا، أو غيرها من الأنواع التي سيتم تطويرها، ستكون قادرة على تحويل التلوّث إلى طاقة، وعلى امتصاص ثاني أوكسيد الكربون من الجو لصنع الوقود الحيوي وحتى الأدوية.
وكل هذا بالطبع إذا لم "تفلت" البكتيريا الجديدة من المختبر لتتكاثر في الطبيعة بشكل مُرَضِي، فتقضي على الحياة على الأرض كما نعرفها.

- II -
الآن، وبعد قول كل شيء عن الانجاز، نأتي إلى الإعجاز.
فما عقّب به  بعض المُعلقين على هذا الحدث بأنه سيحوّل البشر إلى آلهة إغريق حقيقيين، لا أساس له من الصحة. فلا البشر سيصبحون آلهة، ولا الفكر المادي سينتصر.
وهذا لمبرر مُقنع: ففينتور وكريك وبقية العلماء العشرين الذين شاركوا في هذا المشروع الذي كلّف 40 مليون دولار على مدى عشر سنين، لم يستخدموا أربع قوارير من المواد الكيمائية وحسب بل أيضاً (لابل أولاً وأساساً)  شيفرة المعلومات الموجودة في الخريطة الجينية الوراثية.
فمن أين جاءت هذه المعلومات؟
إنها حتماً ليس عنديات العلماء، كما انها حتماً ليس من الأمور العادية في الطبيعة. ففرص تكوّن هذه الخريطة عشوائياً او بالصدفة يكاد يكون مستحيلاً.
لقد اعترف العالِم فينتر بأن "الحياة هي أساساً عملية معلومات". بيد أن هذه المعلومات التي تُخلق عبرها المادة ليست هي نفسها مادية، ولاتخضع إلى قوانين الطبيعة. ثم أن كوناً من دون معلومات لايستطيع الوجود، وبالطبع من المستحيل أن يكون فيه علماء كفينتور وكريغ.
هذه نقطة.
وثمة نقطة أخرى لاتُقل أهمية.
في الوقت الذي يُصِر فيه العلماء الماديون على عدم وجود تخطيط إلهي، لازالوا يُطلّون على هذا الموضوع من زاوية تاريخية قديمة، حين كان القدماء يتخيلون الله إما صنماً أو قمراً أو في أحسن الاحوال متجسداً في صورة رجل جليل له ذقن بيضاء طويلة ويقطن في غرفة في السماء. هذا في حين أن العديد من الفلاسفة وكل المتصوفة، من شوبنهور، واسبينوزا، الإيليين، وبروفو، وأفلوطين، وأفلاطون، والصوفيين الإسلاميين، والفيديين والبوذيين،  ثبتّوا فكرة انتشار  الوعي في كل الكون: من أصغر نواة ذرة إلى أضخم المجرات، مروراً بالطبع بكل أشكال الحياة البيولوجية وغير البيولوجية. وهذا الوعي في نهاية المطاف ليس سوى "معلومات" غير مادية.

- III -

أجل. العلم يحقق كل يوم انجازات كاسحة. لكن العلم من دون فلسفة الوجود، هو وصفة للقفز نحو المجهول. فالعلم، كما يقول ويل ديورانت، يعطينا معرفة، فيما الفلسفة وحدها تعطينا الحكمة. العلم يعلمنا كيف نشفي وكيف نقتل، فهو يخفض من نسبة الوفيات، لكنه أيضاً يقتل بالجملة في الحرب.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية قد تكون أهم: من قال أصلاً أن المادة والحياة (أو الروح) أمران متناقضان؟ لا بل من قال أن المادة نفسها موجودة حقا؟ الفيزياء الحديثة تقول الآن أن المادة ليست أكثر من موجات احتمالية لاتننثق إلى الوجود إلا حين تتم "مشاهدتها". وفيلسوف العلم برتراند رسل قال أنه
"لولا الهوى والعادة، لقلت أن هذا العالم غير موجود".
كل هذا يجب أن يعني أمراً واحدا: كلما تقَّدم العلم، كلما تعيّن على العلماء أن يتواضعوا أمام لغز الوجود. وهذا لايعني إعلان العجز أو وقف طموحات المعرفة، بل هو على العكس يدفع إلى المزيد من المعرفة والتطويرات، ولكن من دون ذلك الاعتقاد المتهور والنرجسي بأن الإنسان (المحدود بأبعاده الثلاثة والمحصور عقله في جمجمته) هو مركز الكون.                                                                                                                   سعد  


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق