للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 3 نوفمبر، 2012

لماذا التغيير مطلوب وحتمي في السعودية والإمارات وبقية الخليج؟





برز في كل بلدان الخليج في العقود الأخيرة "مجتمع ثان" غير مرئي سيؤدي، في حال لم تلب مطالبته واحتياجاته، إلى مفاجآت قد لاتخطر على بال.

- I -
تلقَّى هذا الموقع ( www.saadmehio.com) وصفحتيه في تويتر وفايس بوك، سلسلة من انتقادات بعض القراء، وحتى بعض الأصدقاء، في منطقة الخليج، بسبب المقولة بأن الأمر الواقع الراهن في أنظمة المنطقة، التي تزاوج بين الحداثة الاقتصادية ((على رغم كونها استهلاكية لا انتاجية) وبين البنى السياسية التقليدية، لم يعد قابلاً للاستمرار.


بعض هذه الانتقادات جاءت في شكل شتائم  شخصية انفعالية وعنيفة. وهذه باتت ظاهرة معقّدة وشائعة في وسائط التواصل الاجتماعي. وهي تعبِّر في آن عن مكبوتات اجتماعية حادة، وفي الوقت نفسه عن انبثاق حرية تعبير لاسابق لها، وإن كانت تصب بالطبع في خانة السلطات الحاكمة التي تضع سقوفاً جامدة وخطوطاً حمراء على مدى حرية التعبير. وفي بعض الأحيان(كما في حالة الانتقادات من الإمارات)، قد يكون السباب تعبيراً، وإن فظاً، عن نبض وطني حقيقي.
نعود إلى موضوعنا لنقول أن بعض هذه الانتقادات يبدو صحيحا، لأنها تستند إلى الحقيقة بأن أنظمة الخليج ككل تمتعت بقدر من الشرعية لم تحظ به الجمهوريات "الثورية" العربية. فالأسر الحاكمة لها باع وتاريخ طويل في السلطة قد يصل أحياناً إلى قرون عدة، وكانت هي وراء تأسيس معظم الدول بحدودها الحالية. كما أن هذه الأنظمة، وعلى رغم أنها أوتوقراطية وعائلية، أقل قمعاً من الأنظمة الجمهورية وأكثر حرصاً على التواصل مع مجتمعاتها الأهلية (نقول هنا الأهلية وليس المدنية، للتمييز بين القطاعات الاجتماعية الحديثة والقطاعات التقليدية). وثروة النفط جاءت لتعزيز هذا المنحى، ولم تخلقه كما ذهب إلى القول المفكر الراحل عبد الرحمن منيف. وساعدها في ذلك قلة عدد سكان دولها، خاصة الإمارات وقطر.
- II -
لكن، وبعد قول كل شيء عن الخصوصيات الحقيقية لأنظمة الخليج، لا بد من الاعتراف أيضاً بأن التاريخ والاجتماع البشريين ليسا البتة قوالب جامدة لا تتغير، مهما كانت هذه القوالب قوية. فهذه سنّة الحياة والكون التي عبّر عنها ابن خلدون بدقة رائعة حين قال: " إذا ما تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنه ولد من جديد".
حسناً. الأحوال تغيّرت بعمق في منطقة الخليج بفعل وتائر التحديث الاقتصادي والثقافي السريعة، التي نقلت مجتمعاتها من البداوة والفقر المدقع إلى المدينية والغنى الواسع. ومثل هذه النقلة، التي أفاضت "مدن الملح" في الحديث عنها، كانت تُبرز الحاجة إلى تطوير البنى السياسة التقليدية على قدم المساواة مع البنى البيروقراطية والاقتصادية الحديثة. أي: الانتقال من "الديمقراطية القبلية الأوّلية" إلى الديمقراطية الشعبية. وهذه مرحلة مرّت بها كل الديمقراطيات الغربية التي انتقلت هي الأخرى من التركيبة القبلية ثم الاقطاعية، وبعدها (مع ثورة الحداثة منذ القرن 16) إلى حكومة  ديمقراطية من الشعب للشعب.
بالطبع، التغييرات التي طرأت على مجتمعات الخليج لاتشبه الانقلابات الصناعية والبورجوازية في أوروبا، لكنها مع ذلك تغييرات عميقة بسبب ترافق التحديث الاقتصادي والإداري مع ثورة تكنولوجيا المعلومات. وهذا أدى إلى خلق ما أسماه عالم الاجتماع المجري إيلمر هانكيس "المجتمع الثاني" المستقل عملياً عن السلطة السياسية، والذي يستند إلى المكونات التالية(*):
- الطفرة الهائلة في عدد الشباب (Youth Bulge ) دون سن الخامسة والعشرين، الذين يعيش معظمهم في المدن. وقد سجّل تقرير للأمم المتحدة أن البلدان التي تشهد طفرة شبابية، تتوافر على احتمالات تفوق الـ80 في المئة من بقية الدول بأن تحدث فيها ثورات اجتماعية أو انتفاضات عنفية.
- الانتشار السريع للفضاء الأثيري الذي خلقته ثورة المعلومات والاتصالات ( Ict)، والتي أطلقت فرصاً هائلة للترابط الاجتماعي، والتواصل، وتبادل الأفكار بين ملايين الشباب.
- الطفرة الكبرى الأخرى في أعداد خريجي الجامعات (العديد منهم عاطلون عن العمل)، خاصة منهم الذين تلقوا دروسهم في الجامعات الغربية، وباتوا قادرين على التمييز بين حقوق الإنسان (والمرأة ) في الغرب وبين محدودية هذه الحقوق في بلدانهم.
- توسّع عضوية المنظمات غير الحكومية ومنظمات القطاع الثالث، والتي لعبت فيها وسائط الإعلام الاجتماعي الدور الأول.
وأخيراً، وربما الأهم، بروز ما أسماه زبغنيو بريجينسكي "اليقظة السياسية العالمية" للمرة الأولى في التاريخ، والتي حولّت العالم بالفعل إلى "قرية سياسية " حقيقية في الزمان الحي بعد أن أُلغيت حواجز المكان عبر الانترنت والهواتف النقالة ومجانية الاتصالات الدولية، والفضائيات التلفزيونية.(**)

- III -
هذه هي تركيبة "المجتمع الثاني" الذي وُلِدَ في منطقة الخليج، والذي كان وراء ثورات الربيع العربي في مصر وتونس ولبييا والبحرين واليمن وسورية. وأخطر ما هذا المجتمع أنه "غير مرئي" على رغم أن آثار أقدامه وبصماته مبعثرة في كل مكان.
ومالم تتأقلم أنظمة الخليج مع متطلبات المجتمع الثاني هذا، ستفاجأ بتطورات قد لاتخطر على بال (كما نشهد الآن في البحرين والكويت)، وستعرّض شرعيتها المكتسبة تاريخياً إلى التآكل التدريجي ولكن الثابت.
هذا الأمر ينطبق على كل دول الخليج. لكنه يحظى بنكهة خاصة في السعودية الإمارات، كلاً لأسبابها الخاصة: الأولى، لأن "المجتمع الثاني" ينمو فيها بشكل هائل بفعل غياب أي وسائل أخرى لحرية التعبير والتنظيم ولانتشار أدوات ثورة الاتصالات فيها؛ والثانية، لأن توسيع المشاركة السياسية للمواطنين باتت حاجة ملحة (بل وتاريخية) بهدف إشراك كل الشعب في بلورة استراتيجية قابلة للتنفيذ، تنقذ البلاد من الخلل المخيف في التركيبة السكانية، والتي جعلت المواطنين أقلية الأقلية في الوطن، وتكاد الآن تدمّر الهوية الوطنية والعربية فيه.
* * *
هذه بعض الأسباب التي تدفع إلى التشديد على أن التغيير مطلوب آت لامحالة في أنظمة الخليج.
وإذا ما كان بعض القراء والاصدقاء لازالوا يعتقدون أنه يمكن تأبيد الأمر الواقع الراهن، على رغم كل المتغيرات العميقة في الداخل وأعاصير الربيع العربي (والدولي!) التي تعصف في الخارج، فليطرحوا أفكارهم على بساط البحث بكل شفافية وموضوعية، لأن الوصول إلى قواسم مشتركة ليس أمراً مستعصياً في الخليج (كما هو في سورية هذه الأيام مثلاً).
لماذا؟
لأن الثورة غير مطروحة في هذه المنطقة، بل الإصلاح والتطوير التدريجيين والتحديث السياسي.

سعد
لمن يستزيد:
 (*)Sami Mahroum: Rab youths, Revolutions, and the rise of the "second society". Business intelligence- Middle east. March 14, 2011.
(**) Zbigniew Brezeninski: Strategic Vision- America and the crisis of global power.Basic books, New York 2012.208 pages