للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 18 نوفمبر، 2012

ما بعد بعد غزة: الأردن ولبنان وسورية!






العديد من المحللين العرب يعتقدون أن الربيع العربي غيّر اللوحة الاستراتيجية لغير صالح تل أبيب، لكن الإسرائيليين يرون العكس:  صحيح أن الفرصة سانحة لتغيير هذه اللوحة، ولكن لصالحهم هم في غزة والأردن ولبنان وسورية.

- I -

لا أحد يشك بالطبع أن إدارة أوباما تدعم، وبقوة، حرب غزة-2 التي تشنّها إسرائيل هذه الأيام. وهذا على أعلى المستويات.
فالرئيس أوباما نفسه أعلن أن "من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها". وبن رودس، نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، الذي رافق أوبما في الطائرة التي أقلته إلى آسيا، أعلن أن الإسرائيليين "تحملوا كثيراً كثيراً هذه الصواريخ ولفترة طويلة للغاية من الزمن". وكل هذا كان بمثابة ضوء أخضر أميركي باهر لتل أبيب كي تواصل حربها الجديدة على القطاع، على رغم الضجيج الدبلوماسي المصري والتركي والقطري الراهن.
لكن، لماذا هذا الموقف الصارم الذي تتخذه واشنطن، على رغم أنها تعلم أن هذه الحرب، والتي يفترض أنها تجري في مناخات جديدة في الشرق الأوسط، قد تؤثّر بقوة على نفوذها في عواصم الربيع العربي وشعوبه ؟
- II -
لايبدو أن هناك سوى تفسير مقنع واحد: ثمة مايشي بأن هناك صفقة ما بين واشنطن وتل ابيب، تسمح فيها الأولى للثانية بمحاولة ترتيب أوضاعها الأمنية والاستراتيجية في "امبراطوريتها الصغيرة" في الهلال الخصيب (أي غزة والضفة، والأردن، ولبنان وسورية) وإنهاء النفوذ والسلاح الإيراني فيها، في مقابل وضع الحرب العسكرية مع طهران على الرف ومنح الحرب الاقتصادية الأميركية والغربية عليها، والتي تبدو ناجحة حتى الآن، فرصة النضوج والإثمار.
إذا ماكانت هذه الفرضية صحيحة، والأرجح أنها كذلك، سيكون علينا التطلُّع إلى ماهو أكبر وأبعد حتى من العملية العسكرية الإسرائيلية الكبيرة في غزة. وهذا يفترض أن يشمل في وقت ما ليس فقط صواريخ حزب الله في لبنان، بصفتها الامتداد الأبرز للنفوذ الإيراني في الشرق الأدنى، بل أيضاً الأردن التي باتت الحركة الإسلامية فيه بقيادة جماعة الإخوان المسلمين تشكّل بقوتها الاعتراضية الجديدة امتدادا طبيعياً لحركة حماس في غزة.
السيناريو الذي يطرحه المحللون (ليس الآن مع اندلاع الاضطرابات في الأردن، بل حتى قبل أشهر عدة) هو أن تساعد الولايات المتحدة وإسرائيل على تقويض العرش الهاشمي وتسليم السلطة، ربما بعد حرب أهلية فلسطينية- شرق أردنية، إلى الإسلاميين. وحينها ستفتح الأبواب والنوافذ على مصراعيها أمام تنفيذ الشعار الأسرائيلي القديم: الأردن هو الدولة الفلسطينية.
هذا السيناريو لايتطلب إنهاء حكم حماس في غزة، بل ربما كان العكس صحيحا، حيث أن وجود هذه الحركة الإسلامية سيكرّس أمرين في آن: استمرار انفصال الضفة الغربية عن القطاع، وبالتالي تسهيل مواصلة ابتلاع الضفة من قّبِل إسرائيل تحت مسميات مختلفة، وفي الوقت نفسه ربط غزة سياسياً وإديولوجيا بالأردن الجديد.
أما سورية، فالأمور الأميركية تجري فيها كما تشتهي السفن الإسرائيلية، حيث أن الدعم الإسرائيلي المستمر لنظام الرئيس الأسد، وأيضاً للحرب الأهلية فيها، لايزال يمنع واشنطن من الأفصاح عن دعمها للمعارضة السورية قبل أن تضمن أمن الدولة العبرية أولا.
- III -
هل تبدو هذه السيناريوهات مغالية في تكهناتها؟
ربما.
لكن، لا يجب أن ننسى هنا أمرين:
الأول، أن الصراع الإيراني- الإسرائيلي على النفوذ في الشرق الأوسط، خاصة في شطره الأدنى الذي هو "الحديقة الخلفية" للامبراطورية الإسرائيلية، هو صراع دموي وحاد وشامل.
والثاني، أن إسرائيل، وعلى عكس كل الانطباعات عن تغيّر مناخات المنطقة بعد ثورات الربيع العربي لغير صالحها، تعتقد أن مصر المُنهكة اقتصاديا واجتماعيا، وسورية المُمزَّقة بالحرب الاهلية، والعراق المقسَّم عمليا، يوفّر لها فرصاً استراتيجية نادرة لإعادة تركيز وتثبيت امبراطوريتها الصغيرة في الشرق الأدنى، في انتظار إسقاط الثمرة الإيرانية في الشرق الأوسط الكبير.
وهذه اعتقادات جدّية يجب وضعها في الاعتبار.

سعد