للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 9 أغسطس 2012

هل حزب الله قادر على "اللبننة"؟


دراسة
قراءة أخرى في خطاب نصر الله
حزب الله: نزاع ولاية الفقيه
 مع "ولاية الوطن"


-I-
خطاب زعيم الله السيد حسن نصر الله في حفل إفطار الهيئات النسائية الثلاثاء الماضي، لم يحظ بالاهتمام الإعلامي ولا السياسي المطلوب.

                                                  نصر الله يقبل يد المرشد خامنئي (عن غوغل)
فقد ركَّز معظم السياسيين والصحافيين على الحديث المكرور لنصر الله حول رفض التفاوض على سلاح حزب الله في إطار استراتيجية دفاع وطني، وأسقطوا الفقرات الهامة في الخطاب التي تتناول مسائل كبرى مثل الهوية الوطنية، والانتماء الوطني، والدولة الحديثة.
بعض هذه الفقرات :
- هناك زعامات في البلاد لاتقدر أن تكون وطنية، ولاتقدر إلا أن تكون طائفية ومذهبية.
- من يريد أن يبني دولة، أول شيء يتعيّن عليه القيام به هو تعزيز الانتماء الوطني والشعور الوطني.
- نحن نريد إقامة دولة حقيقية، لابل نحن أكبر المستفيدين في لبنان من قيام دولة حقيقية واقعية. دولة لااستئثار فيها ولا حرمان ولاتجويع ولاتهجير للبنانيين. دولة تمنع النزاع المذهبي والطائفي وتمنع التحريض المذهبي والطائفي.
- واقعيتنا تدفعنا إلى رفض أن نكون الطائفة القائدة أو الحاكمة في لبنان.
أين وجه الغرابة في هكذا نصوص؟
إنها تكمن في طبيعة هوية صاحبها. فالسيد نصر الله ليس رجل دين فقط، بل هو أيضاً زعيم حزب إديولوجي يقوم برمته على فكرة "الأمة الإسلامية"، وليس على أساس الوطنيات والقوميات التي يعتبرها الإديولوجيون الإسلاميون مناقضة للمباديء الأممية الإسلامية.
ولذا، وحين يدعو نصر الله إلى بناء الهوية الوطنية والدولة الوطنية والحديثة، يكون بذلك قد قطع شوطاً بعيداً في الابتعاد عن الإديولوجيا وفي الاقتراب من المفاهيم البراغماتية الحديثة لمفهوم الدولة بوصفها "أميرة المواطنين"، كل المواطنين بغض النظر عن دياناتهم، وليس "أميرة المؤمنين". وهو، بالمناسبة، شوط يجب أن تقطعه جماعات الإخوان المسلمين التي تصل إلى السلطة الآن في العديد من الدول العربية.

- I I -
صحيح أن الاستهدافات السياسية البعيدة لكلام نصر الله عن الوطنية اللبنانية، من المطالبة بـ"مؤتمر تأسيسي" لإيجاد صيغة جديدة للنظام اللبناني إلى الدعوة إلى المثالثة السنيّة- الشيعية- المسيحية بدل الثنائية المسيحية- الإسلامية، قد تكون هي الدافع إلى كل هذه الأحاديث الوطنية، إلا أن هذا لاينفي الحقيقة بأن تركيز نصر الله الجديد على الهوية الوطنية ربما يشير إلى تمخضات داخل حزب كبير يحاول التوفيق بين واقعه اللبناني وبين طموحاته الاديولوجية.
والواقع أن هذه المحاولات ليست جديدة.
فوثيقة المؤتمر العام لحزب الله في العام 2009 (والتي وقعت في 34 صفحة)، تدفع المرء إلى أن يخرج فوراً بانطباعين إثنين متضاربين:
الأول، أن ثمة جهد حقيقي ناجم عن تمخضات حقيقية داخل الحزب لبلورة "لبننة" ما (من لبنان) لا تتناقض مع إسلاميته أومع ولائه لمبدأ ولي الفقيه الإيراني.
والثاني، أن هذه الحصيلة التوفيقية ستكون عرضة في قادم الأيام إلى اختبارات عملية حادة، سيتبين معها ما إذا كان هذا الجهد سيتكلل بالنجاح أم أنه سيؤدي إلى أزمات إديولوجية- سياسية داخل الحزب، ومن ثم بين الحزب والأطراف اللبنانية الأخرى.
جهد "التلبنن" في الوثيقة يتجلى ليس فقط في النصوص بل أيضاً وأساساً في المقارنة التاريخية لهذه الوثيقة مع الوثيقة الأولى التي أصدرها الحزب في 16 شباط/فبراير العام 1985 ليعلن فيها عن وجوده. آنذاك، تضمنت هذه الأخيرة التالي:
-       "إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم. ونحن نلتزم بأوامر قيادة واحدة وحكيمة وعادلة تتمثّل بالولي الفقيه الجامع للشرائط.
-       "نعلن عداءنا لـ"النظام الكتائبي المجرم" وللمتحالفين مع إسرائيل، وهدفنا في لبنان إخراج إسرائيل منه كمقدمة لإزالتها من الوجود وتحرير القدس الشريف، إضافة إلى خروج أميركا وفرنسا وحلفائهما منه ورضوخ الكتائبيين إلى الحكم العادل.
-       "نترك للبنانيين كامل حريتهم في اختيار شكل نظام الحكم الذي يريدون، علماً أننا لانُخفي التزامنا بحكم الإسلام وندعو الجميع إلى اختيار النظام الإسلامي.
أما وثيقة 2009 فقد ركز جلّها، أو على الأقل أكثر من نصفها، على "لغة لبنانية" جديدة هدفت في شكل رئيس إلى مواجهة المُشككين بلبنانية حزب الله. وهكذا أعلنت الوثيقة بلغة جازمة بأن "لبنان هو وطننا الذي قدّمنا من أجل سيادته وكرامته وتحرير أرضه أغلى التضحيات. ونحن نريده وطناً لكل اللبنانيين، واحداً موحَّداً ونرفض كل أشكال التقسيم أو الفدرلة الصريحة أو المقنّعة". كما شددت الوثيقة على تبني الديمقراطية التوافقية اللبنانية إلى حين إلغاء الطائفية السياسية، وبناء الدولة اللبنانية القوية والعادلة، والتركيز على القطاعات المُنتجة في الاقتصاد، وضرب الفساد والفاسدين.
في مقابل هذه "اللبننة" الواضحة، كان الحزب يُثبّت أكثر أوراق اعتماده الاستراتيجية والإديولوجية السابقة. فهو اعتبر وجود المقاومة إلى جانب الدولة "ضرورة وطنية دائمة دوام التهديد الإسرائيلي ودوام غياب الدولة القوية القادرة". وهو أكد أن ولاء الحزب لولي الفقيه "هو موقف فكرب وعقائدي وديني وليس موقفاً سياسياً خاضعاً إلى المراجعة".
هذه النقاط الأخيرة تقودنا إلى السؤال الثاني: هل سيتمكّن الحزب من النجاح في "خلطة" اللبننة- الأسلمة هذه؟
أنصاره يجيبون بنعم. ودليلهم أن الحزب تلبنن بالفعل منذ 17 عاماً، حين قرر خوض المعارك الانتخابية النيابية والبلدية وحين شارك في الحكومات المتعاقبة.
وخصومه يقولون لا، قائلين بأن ما قدّمته الوثيقة لايعدو كونه شاياً قديماً في أباريق جديدة، ومُشددين على القناعة بأن كفة الميزان بين اللبننة والأسلمة ستميل في نهاية المطاف لصالح الثانية، أساساً بسبب ولاء الحزب المُطلق لمسألة ولاية الفقيه.
أما المحايدون في هذا الجدل فيحيلون الأمر إلى التفاعلات داخل الحزب، انطلاقاً من اعتقادهم بوجود "تيار لبناني" منفتح فيه بقيادة حسن نصر الله ومستشاره البارز النائب علي فياض، وتيار إديولوجي مُنغلق ومتصلب.
من على حق في هذه الاجتهادات؟
حجة المحايدين تبدو أقوى. وهي تتعزز بالحقيقة بأن انغماس "حزب الله في السياسات الطائفية اللبنانية الفاسدة (تحت شعار الديمقراطية التوافقية)، لن يُسفر في خاتمة المطاف سوى عن تأزيم بنيته الإديولوجية- السياسية، خاصة إذا ما بقي سيف المقاومة في غمده كما الحال الآن( لم يقم الحزب بأي عملية عسكرية في الجنوب منذ  ست سنوات).
على أي حال، مسألة لبننة أو لا لبننة حزب الله  لم تبدأ مع مؤتمره الأخير ولن تنتهي به أو معه.
فالسؤال قبل المؤتمر لايزال هو السؤال بعده: كيف يمكن للالتزام بالولي الفقيه في إيران أن يتسق مع كون حزب الله لبنانياً ويفترض به، بالتالي، أن يلتزم بدستور الدولة- الأمة اللبنانية ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية؟
هذان السؤالان يطرحان على بساط البحث القضية التي ستبقى من الآن وحتى أمد غير منظور المسألة المحورية التي تتقاطع عندها كل التطورات السياسية والفكرية والإديولوجية في لبنان، والتي باتت تعرف بمسألة لبننة حزب الله، على رغم انتمائه الأممي الإسلامي الشامل ومرجعيته العقائدية والسياسية في كل من قم وطهران.
جاء في كتاب "حزب الله: المنهج والتجربة والمستقبل" للشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام لحزب الله، أن الركائز الرئيسة التي تشكل على أساسها حزب الله هي:
أولاً، مشروع الدولة الإسلامية، حيث (كما يقول الشيخ) "لا يمكن لأي ملتزم إسلامي يحمل العقيدة الإسلامية ويؤمن بشريعتها إلا أن يكون مشروع الدولة الإسلامية أحد التعابير الطبيعية لالتزامه الإسلامي". وعلى رغم أن قاسم يفصل بين الرؤية الفكرية والتطبيق العملي الذي يتطلب تقبّل الشعب، إلا أنه يضيف: " إذا ما أتيح لشعبنا أن يختار بحرية شكل نظام الحكم فلن يرجّح على الإسلام بديلاً".
ثانياً، الجهاد في سبيل الله، وهو مرتبط بالولي الفقيه. فالقرار يعود إليه وهو ملزم لكل المسلمين وليس فقط للشيعة.
ثالثاً، ولاية الفقيه الشاملة والمطلقة. فالفقيه، كما يقول الشيخ، هو الآمر الزمني والروحي، وقراره يطاع لايرد ويشمل المادة والروح وكل الناس في كل الأوطان. لاعلاقة لموطن الفقيه بسلطته، كما لاعلاقة لموطن المرجع بمرجعيته.
ويشير الشيخ قاسم هنا إلى أن الارتباط بولاية الفقيه تكليف والتزام يشمل حزب الله وكل المكلفين، لأن الأمرية في المسيرة الإسلامية العامةهي للولي الفقيه، على رغم أن الولي الفقيه يأخذ بعين الاعتبار عند التطبيق الطروف الموضوعية والخصوصية لكل جماعة.
وكما يوضح أحد قادة حزب الله، إبراهيم أمين السيد:" فنحن لانستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه الذي لاتعرّفه الجغرافيا بل يعرّفه الشرع. فنحن في لبنان لانعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران وخاصة في ما يتعلق بمسألة القدس، بل نعتبر أنفسنا جزءاً من الجيش الذي يرغب الإمام في تشكيله من أجل تحرير القدس الشريف. ونحن نطيع أوامره ولانؤمن بالجغرافيا بل بالتغيير".

-III -
الآن، إذا ما كانت مسألة ولاية الفقيه على هذا النحو من الالزام والشمولية بالنسبة إلى حزب الله، فهل  عملية اللبننة ممكنة في إطارها؟
ثمة اجتهادان هنا تجسدا في كتابين صدرا مؤخراً. الاول للدكتور مسعود أسد اللهي، وهو باحث إيراني بارز بعنوان "الاسلاميون في مجتمع تعددي"، والثاني لفايز قزي بعنوان : " من حسن نصرالله إلى ميشال عون: قراءة سياسية لحزب الله".
في الكتاب الأول نلحظ أن حزب الله لم يحاول التلبنن وحسب بل هو نجح في ذلك أيضاً، بعد أن طوى في التسعينيات صفحة تاريخه الراديكالي السابق مع توقيع اتفاق الطائف ووصول البراغماتي هاشمي رفسنجاني إلى السلطة في إيران، وأحلّ مكانها صفقة جديدة واقعية أطلق عليها إسم اللبننة التي عرّفها الكاتب وائل الصغير بأنها تعني "عدم تصرف حزب الله على أنه حزب له دعائمه الإقليمية فقط بل هو منخرط في الاجتماع اللبناني".
زعيم حزب الله حسن نصر الله عبّر عن هذا التحول بقوله في العام 1997:" إن حزب الله لايأخذ قراراته من سفير إيران لدى لبنان، لكنه يفتخر بأن له علاقة بإيران. نحن نعترف أن الأمام الخميني هو ملهم المقاومة وملهم حزب الله في لبنان، لكن هذا لايعني أننا حزب إيراني".
إلى جانب هذا التصريح الصريح، خفف قادة حزب الله تدريجياً من الحديث العلني عن علاقتهم بإيران، وعبارة "الاتحاد مع إيران في إطار الوطن الإسلامي الأكبر" لم تعد تصل إلى الأسماع. وصار العلم اللبناني يرفع في البرامج والمهرجانات التي يقيمها الحزب بعد أن كان يتم حرقه سابقاً ويرفع مكانه العلم الإيراني.
 الباحث الأميركي ماغنوس رانتسروب يعتقد أن "مسيرة حزب الله في اللبننة، أظهرت مقدرته الكامنة على انتهاج الواقعية والتحرك على خيط رفيع وسط برامج متناقضة. لقد تمكن حزب الله، بتخفيفه من نهجه الثوري في إطار النظام السياسي اللبناني، من أن يظهر وجهاً حانياً وانعطافاً باتجاه الطوائف غير الشيعية". هذا في حين كانت  صحيفة "لوموند" تقول في العام 1995 أن "حزب الله الموالي لإيران صار حزباً لبنانياً حقيقة وفعلاً".
 ويقال في هذا الصدد أن أحد أهم المؤشرات على تحوّل حزب الله الملموس نحو اللبننة والواقعية هو مسألة علم الحزب الخاص، حيث غيّر حزب الله كلمة واحدة من الشعار المرفوع على العلم لكنها كانت ذات أهمية بالغة لجهة دلالتها، فتم إبدال عبارة "الثورة الإسلامية في لبنان"  إلى عبارة "المقاومة الإسلامية في لبنان". وقد جرى ذلك في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي من دون إعلان رسمي من قبل الحزب ومؤسساته.
ويستنتج د. مسعود أسد أن هذه التطورات تعني أن حزب الله "لم يعد يعتبر نفسه حركة ثورية تريد إسقاط النظام اللبناني بالقوة وإقامة نظام إسلامي مكانه، بل أصبح حركة مقاومة إسلامية تريد تحرير وطنها من الاحتلال الإسرائلي كهدف مركزي، مقابل اعتمادها الوسائل السلمية على اختلافها في التعاطي مع الواقع اللبناني التعددي والمتنوع".
هذا ما يقوله أنصار نجاح حزب الله في التلبنن. أما فايز قزي فيورد محاججات معاكسة تماماً:
-       فهو ينقل عن الشيخ قاسم قوله:" .. وما الحديث المتكرر عن لبننة حزب الله أو انخراطه في الحياة السياسية اللبنانية إلا عنواناً آخر لضرورة تخليه عن ثوابته وعن أولوية المقاومة وتوقفه عن قتال إسرائيل وتسليمه لسلاحه وأسباب قوته. من الخطأ تصنيف الحزب على أنه صاحب اتجاه واحد مرتبط بالمقاومة وإن كانت هذه أولويته.
-        يرى قزي أن الدور العقائدي لحزب الله يمنع التوصل إلى أي حل أو صيغة حل لمسألة سلاح حزب الله الحاسمة، حيث أن الحزب يربط مفهوم المقاومة بتحرير وتوحيد كل الأمة الإسلامية، والتمهيد لظهور الأمام المهدي.
كما هو واضح، هاتان المقاربتان لمسألة لبننة حزب الله على طرفي نقيض تماماً. فأيهما الأقرب إلى الصحة؟
الحال أن توجه الحزب نحو اللبننة حقيقي للعوامل التالية:
-       موافقة الولي الفقيه الإيراني على منح الحزب حرية حركة خاصة لحماية نفسه وسلاحه، خاصة في ضوء تجارب حربي 1996 و2006 اللتين أظهرتا أهمية انفتاح الحزب على الطوائف الأخرى، في ضوء الاجماع اللبناني على رفض الغزوات الإسرائيلية.
-       كون شيعة لبنان لبنانيين أولاً، والأكثر تمسكاً من غيرهم من الطوائف الإسلامية بالكيانية اللبنانية لأنهم يشكلون أقلية مذهبية في المحيط العربي والإسلامي.
-       ضرورة تمثيل حزب الله الشيعة في النظام اللبناني لضمان ولائهم له في مشاريعه الأخرى المتعلقة بتوجهاته الإسلامية والإقليمية والأممية.

- IV-
هذه النقطة الأخيرة قد تكون من اهم عوامل اللبننة. إذ من المعروف تاريخياً أن أحد مواقف حزب الله الرسمية التي لم يطرأ عليها أي تغيير وظل ثابتاً هو معارضة النظام الطائفي اللبناني.  كان حزب الله يطالب قبل اتفاق الطائف العام 1989 (الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية) وبعده باستمرار بالغاء الطائفية السياسية وقلب النظام السياسي اللبناني، ولكن ليس لصالح نظام لاطائفي علماني بل لصالح دولة إسلامية. لكنه بعد اتفاق الطائف بدأ يتقبل بالتدريج واقع التعدد الطائفي ويركّز جهوده على تعزيز وضعه داخل الطائفة الشيعية.
وهذا ما عبّر عنه نواف الموسوي، عضو المجلس السياسي لحزب الله، بقوله: " إن الشيعة يدققون في ما إذا كنا نسعى إلى التضحية بهم جميعاً في سبيل النضال ضد إسرائيل. لكننا نؤمن بأن تعزيز التواجد الشيعي في لبنان هو طريق أفضل لضرب إسرائيل. يجب أن يعمل حزب الله بحيث يشعر شيعة لبنان أنهم في حاجة إليه، ونحن يجب أن نستنخدم كامل طاقاتنا وإمكاناتنا لنصبح أقوى واكثر تجذراً في طائفتنا. يجب أن يستقر حزب الله في إطار الطائفة الشيعية لان وجوده خارجها سيسهّل ضربه".
هذا العامل كان على ما يبدو الدافع الرئيس للببنة حزب الله، أي في انخراطه  في اللعبة السياسية الطائفية اللبنانية. لكنه لم يكن في الواقع انخراطاً كاملاً، بل نصف انخراط. ففي مقابل الدفاع عن مواقع الشيعة ومصالحهم في السلطة السياسية وتوفير محتلف انواع الخدمات الاجتماعية (من مستشفيات ومدارس ووظائف ومعونات مباشرة)، كان حزب الله يريد الحفاظ على سلاحه المكرّس أساساً للمشروع  العام الخاص بالمقاومة الإسلامية في كل المنطقة.
هذه الازدواجية خلقت المعادلة التالية: حزب الله لبناني وأممي إسلامي في آن. هو لبناني مدنياً، من حيث انخراطه في تقاسم السلطة الطائفية اللبنانية المعتادة في مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيبذية والقضائية، وهو أممي إسلامي أمنياً- عسكرياً، حيث ان شعار المقاومة يطبق في لبنان ضد إسرائيل ولكنه يشمل أيضاَ مقاومة أي خلل في موازين القوى في العلاقات بين العالم الإسلامي بزعامة إيران وبين الغرب بزعامة اميركا.
بيد أن طرفي هذه المعادلة، أي اللبننة والأممية ليسا متعادلين، بل تميل الكفة بقوة إلى العامل الأممي الإسلامي.
لماذا؟
هنا تدخل مسألة ولاية الفقيه على الخط. فقرار الحرب والسلم هو في النهاية، وبسبب بعده الاستراتيجي –الأديولوجي الكبير والمتمثل بتحرير كامل فلسطين وكل الأراضي والمقدرات الإسلامية، في يد الولي الفقيه الإيراني ، الأمر الذي يفرض ان يجري أي حوار حول مسألة أو الحرب أو السلاح مع الولي في طهران أولاً وليس في قصر الرئاسة اللبنانية في بعبدا.
أولوية المقاومة الإسلامية دفعت بشعار تغيير السلطة في لبنان لدى حزب الله إلى الخلف، فبرزت الواقعية. لكن أي واقعية؟ أنها الحفاظ على الأمر الواقع كما هو. أي: ممارسة الفيتو السياسي داخل الدولة، وحرية قرار الحرب والسلم (بأمر الفقيه) في خارجها.
وهذا من شانه ربط لبنان ليس فقط بتحرير القدس والدولة الفلسطينية بل بكل أزمات الشرق الأوسط مجتمعة، إلى أن يتم تأسيس نظام إقليمي جديد، أو تحسم الحرب المأزق الراهن، أو يظهر الإمام المنتظر.
لكن هناك مخرج ثالث: قرار إيران، عبر اتفاق ما مع اميركا ، بتحويل حزب الله إلى حزب سياسي، كما أن الحرس الثوري الإيراني أسس الحزب العام 1982 كمؤسسة عسكرية. وهذا يفترض ان يكون على رأس جدول أعمال الحوار الأميركي- الإيراني العتيد، في حال إجرائه سراً أو علناً.

                                                                                        سعد

                         __________________________________________