للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 3 أغسطس، 2012

لاديمقراطية عريبة قبل "إلقاء القبض" أولاً على أجهزة المخابرات





صُعود وسقوط
امبراطورية المخابرات العربية
(الحلقة الرابعة والأخيرة)
                     
الحلقة الرابعة: تجارب الإصلاح الأمني: نموذجا اندونيسيا وتشيلي.
لاديمقراطية قبل إلقاء القبض" على أجهزة المخابرات، وترويضها

خلاصة: تطرقنا في الجزء الثالث من هذه الدراسة إلى علاقة أجهزة المخابرات العربية بالقوى الغربية والنظام العالمي. وسنتناول في هذه الحلقة الرابعة والاخيرة تجارب الأصلاح الأمني خلال مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية في إطار نموذجي اندونيسيا وتشيلي.


- I -

  من المفيد، في هذه العجالة، الاسترشاد بتجارب دول أخرى في العالم الثالث خاضت، ولاتزال، غمار الإصلاحين الأمني والديموقراطي السياسي، وهما إندونيسيا وتشيلي، خلال مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية.
في إندونيسيا، لعب الجيش وأجهزة دوراً مهيمناً منذ استقلال البلاد العام 1945. لكن أجهزة الأمن لم تتضخم وتبرز لتصبح القوة الرئيس في السلطة إلا بعد انقلاب سوهارتو الدموي المدعوم أميركياً والذي ذهب ضحيته نحو نحو نصف مليون مواطن. فالأجهزة الأمنية التي هيمنت على إندونيسيا في عهده، صادرت معظم مناحي الحياة السياسية، واخضعت قطاعات واسعة من السكان إلى رقابتها القوية، ومارست "الهندسة الاجتماعية" على نطاق واسع، وسيطرت على كل التعيينات من أصغر موظف في الخدمة المدنية والحكومية إلى أعلى الرتب العسكرية.
في ظل هذه الظروف، كان من الصعب إصلاح قطاع الأمن الإندونيسي، وتطلب الأمر انتظار رحيل سوهارتو وتدشين المرحلة الانتقالية إلى الديموقراطية للبدء به. ومن ثم، كان هذا الإصلاح جزءاً من عملية أوسع لدقرطة النظام ونزع عسكرته، وهي العملية التي بدأت بعد الأزمة المالية الآسيوية في تموز/يوليو العام 1997، والتي لم تكن لتُقلع لولا دعم ضباط عسكريين إصلاحيين اقتنعوا بأن سيطرة أجهزة الأمن والجيش والشرطة الوطنية (في المقاطعات) على الحياة السياسية لم يعد ممكنا.
بالطبع، مدى  نجاح الإصلاحات في إندونيسيا في قطع العلاقة بين الجيش وبين السياسة، لاتزال موضع تساؤل. فمع أن الجيش تخلى عن مقاعده في البرلمان وبقي محايداً في الانتخابات (عدا انتخابات العام 1999)، إلا أنه احتفظ بدوره ووسّعه في المناطق الإندونيسية المضطربة أمنياً، وأبقى نفوذه في الشؤون المحلية، ولايزال قوة يُعتد بها في السياسة المحلية. ومع ذلك، الأصلاحات شكّلت القاعدة التي تم الانطلاق منها لإعادة تعريف أجهزة المخابرات ودورها. وهذا سجّل بداية حقبة جديدة انحسرت فيها الممارسات شبه التوتاليتارية لهذه الأجهزة.
التغييرات المؤسسية الرئيسة تمت في عهد الرئيس عبد الرحمن وحيد الذي عمل على إخضاع أجهزة الأمن إلى سلطة الحكومة المدنية، ومكّن البرلمان من مراقبة أعمالها وتمويلها. وقد قام هذا الأخير بتشكيل ثلاثة لجان هامة من وجهة نظر السيطرة الديموقراطية على أجهزة الأمن: اللجنة المشرفة على الدفاع والشؤون الخارجية والمخابرات، ولجنة تطبيق القانون، ولجنة الإشراف على الشرطة الوطنية.
بالطبع، الأجهزة لم تقف مكتوفة الأيدي حيال هذا الانقضاض على سطوتها ودورها. ويعتقد الكثيرون في إندونيسيا بأن الأجهزة، خاصة جهاز المخابرات العسكري (BIAS) ، قامت بإثارة الإضطرابات الأمنية في البلاد بهدف أحياء دور الجيش في الحياة السياسية، وانتهجت أجندة لاستعادة هيمنتها وسيطرتها على المجتمعين المدني والسياسي. كما أنها تحاول الإفادة حتى الثمالة من تفاقم ظاهرة الإرهاب الأصولي الإسلامي في البلاد لوضع القادة السياسيين بين خيار من إثنين: إما الأمن بإشرافها أو اللاإستقرار.
ومع ذلك، ثمة مؤشرات عديدة على أن أجهزة الأمن الأندونيسية لن تستطيع استعادة العديد من مواقعها السابقة، لأنها باتت تعمل في مجتمع أكثر تعددية وانفتاح وشفافية؛ مجتمع بات يرفض بقوة كل خروقات حقوق الإنسان والحريات المدنية. وهذا الرفض يقيّد بشدة قدرات الأجهزة. ومع أن هذا التقييد ليس مطلقاً، إلا أنه أفضل ضمانة حتى الآن ضد عودة الممارسات اللاديموقراطية السابقة.

- II -
في تشيلي، حدث تطور مماثل للتجربة الإندونيسية. فلأن أجهزة المخابرات لعبت في عهد الجنرال  بينوشيه الذي نفّذ انقلاباً دموياً ضد الحكم الديموقراطي العام 1973، الدور الرئيس في القمع السياسي، كان إصلاح قطاع الأمن هو الأولوية ليس فقط لتصحيح العلاقات المدنية- العسكرية بل أيضاً لاثبات مدى صدقية الحكومة المدنية وشرعيتها. وهنا أيضاً، كان ثمة تغيّر في موقف الجيش من العملية السياسية، ماسهل اندفاع الحكومة المُنتخبة إلى الإسراع بإصلاح قطاع الأمن. وبالتالي، لايمكن فهم كيفية فرض السيطرة المدنية التدريجية على أجهزة الأمن من دون أن نضع بعين الاعتبار أولاً تطور العلاقات المدنية- العسكرية في حقبة ما بعد ديكتاتورية بينوشيه لصالح المدنيين وإن بالتدريج.
الدروس المستقاة من التجربتين الإندونيسية والتشيلية هي كالتالي:
-        إقامة السيطرة المدنية الديموقراطية على أجهزة الأمن هي عملية طويلة المدى, فهي استغرقت في تشيلي، على سبيل المثال، 14 سنة، وهي لم تتحقق إلا بعد أن نجح المدنيون في تعديل موازين القوى مع العسكر. ولذلك، الوقت عامل هام في نجاح وديمومة أي إصلاح.
-       إصلاح المؤسسات يجب أن يكون متطابقاً مع حقائق النظام السياسي. إذ يجب أن يكون هناك تمييز بين العملية الديموقراطية وبين حقيقة موازين القوى بين المدنيين والعسكريين. فمن دون أخذ هذه الحقيقة بعين الاعتبار، قد تتمكن الحكومة المدنية من فرض السيطرة المؤسسية على أجهزة الأمن، لكن الفعالية العملية لذلك ستكون محدودة وغير ذي ديمومة.
-       الجيش يجب أن يتعاون: لم تنجح أي عملية دمقرطة من دون موافقة ومشاركة القوات المسلحة. وبالتالي، لم يحدث أبداً ان تمت السيطرة على أجهزة الأمن من تعاون الجيش أو على الأقل موافقته. وهذا ما دلّت عليه تجربة إندونيسيا حيث كان الجيش وراء "إقناع" الجنرال سوهارتو بالاستقالة، وفي تشيلي حين أعدّت القوات المسلحة نفسها عملية الانتقال إلى الديموقراطية.
-       المجتمع المدني ضروري لتحقيق السيطرة الديموقراطية على قطاع الأمن. وحين يتوقف هذا المجتمع عن التغاضي عن تجاوزات الأجهزة الأمنية، يصبح الطريق ممهداً أمام تفكيك أكثر الأجهزة قمعا.
وأخيراً، يعتبر الإطار الدولي عاملاً حاسماً في عملية الانتقال الديموقراطي، وبالتالي، لتحقيق السيطرة الديموقراطية على الأجهزة الأمنية. وهذا العامل يمكن ان يكون إيجابياً كما يمكن ان يكون سلبياً أيضا. وعلى سبيل المثال، لولا نهاية الحرب الباردة، لما كان في إمكان الحركات الديموقراطية في أميركا اللاتينية تحقيق هذا الكم الهائل من الانتصارات والانجازات في طول القارة وعرضها.

- III -

خلاصة:

ربما اتضح في متون هذه الدراسة أن الإصلاح الديموقراطي في المنطقة العربية   مُتعذر أو على الأقل  سيكون "خارج السياق"، مالم يتطرق أولاً إلى مسألتي إصلاح الأجهزة الأمنية وإعادة تصويب توجهاتها كي توازن بين استقرار النظام وبين أمن المواطن وحرياته. كما من الضروري أولاً أيضاً التركيز على طبيعة العلاقات المدنية – العسكرية في البلدان العربية، مع تشديد خاص على حفز القوات المسلحة على لعب دور داعم أو مُسهّل للإصلاحات.
أما بالنسبة إلى المقولة بأن فتح ملف قطاع الأمن في مثل ظروف التفتيت والتشظي التي تمر بها العديد من الأقطار العربية، قد يؤدي إلى الفوضى واللااستقرار، فهي لاتبدو لامنطقية ولاواقعية. العكس هو الصحيح، حيث يؤدي إصلاح هذا القطاع إلى ضمان الاستقرار على المديين المتوسط والطويل، لأنه يُوفّر للأنظمة المعنية مشروعية ومقبولية أكبر بكثير من الضمانات الآنية التي تقدمها ثقافة أمن تستند إلى القمع والعنف ومصادرة الحريات.
تجربة العراق في عهد الرئيس صدام حسين قد تكون نموذجاً كاملاً لصحة هذه الفرضية. فحين وهنت سطوة الأجهزة الأمنية بفعل الغزوات الخارجية، لم يكن البديل هو التكاتف الوطني القائم على المصالح المتبادلة في الدفاع عن الحقوق والحريات، بل كان انهيار النسيج الوطني برمته.
اليمن نموذج آخر، حيث أدى القمع الأمني- العسكري للجنوب والشمال إلى دفع مشروع الوحدة اليمنية إلى شفير الانتحار، ووضع الكيان السياسي اليمني نفسه في خانة "الدول الفاشلة".
وقل الأمر نفسه عن فلسطين، حيث أجهزة الأمن المُمّولة أميركياً في الضفة وأجهزة الأمن التي كانت مدعومة إيرانياً في غزة، تهيمنان على الحياة السياسية وتعززان تشظي حركة التحرر الوطني الفلسطينية.، وعن الأردن والسودان والجزائر وغيرها.
لكن، هل إصلاح اجهزة الأمن ممكن حقاً؟
إنه ممكن، مع أنه ليس سهلاً، بسبب العوائق التالية:
-       المصالح الاقتصادية والتجارية الكبيرة التي أشرنا إليها لكلٍ من الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتي  يجب وضعها في عين اعتبار الحسابات السياسية حين تتم المطالبة بإصلاح الأجهزة. فالحرب على هذه الجبهة تبدو طبقية وفق كل المعايير.
-       الإدراك بأن تصويب عمل الأجهزة الأمنية سيكون مستحيلاً ما لم يُحسم أولاً دور الجيش في هذه العملية. فهذا الأخير، وعلى رغم النفوذ الكبير للأجهزة فيه، لايزال هو خط الدفاع الأول والأخير عن أجهزة المخابرات، ومن دونه ستفقد هذه جُلّ قدرتها وسطوتها.
-       دور العوامل الدولية، الخفية كما العلنية، في ترسيخ دعائم ما يمكن أن نُسميه "النظام الأمني الإقليمي" في الشرق الأوسط العربي، والذي يستند أساساً إلى العلاقات الوثيقة (لا بل الأحلاف الحقيقية) بين واشنطن وبين هذه الأجهزة.
كما هو واضح، العقبات ليست بسيطة. لكن، حين ينجح المرء في تحديد طبيعة المشكلة، يصل سريعاً إلى ثلاثة أرباع الحل.
بكلمات أوضح: إذا ما أدركت حركات الإصلاح الديموقراطي العربية طبيعة الدور الذي باتت تلعبه أجهزة الامن العربية في الحياة السياسية العربية، فوضعته على رأس جدول أعمالها، وأيضاً إذا ما شدّدت على تصحيح وترشيد العلاقة بين المدنيين والعسكريين وكذلك العلاقة بين أجهزة الأمن العربية والغربية، واستخدمت سلاح ضغط المجتمعات المدنية لإعادة التوازن إلى هاتين العلاقتين، فإن الأبواب ستكون مشرعة أمام وضع مشروع الأصلاحات الديموقراطية العربية على الصراط المستقيم، هذه المرة.
وحينها، لن يكون اجتماع كوندوليزا رايس مع قادة أجهزة الأمن العربية في القاهرة في شباط /فبراير 2007، أهم من مؤتمر قمة الملوك والرؤساء العرب في العام نفسه في الرياض.
                     ___________________________________________


مراجع عامة
1-  Issaner el Armrany: Security policy and Foreign Ploicy. March 31 2007
http://www.arabist.net/blog/2007/3/31/khouri-on-arab-security-services-and-foreign-policy.html
2-  عبد الإله بلقزيز: أزمة الشرعية في النظام السياسي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية. (بيروت- 2010 )
3-  Kodmani and May ZVhartouni- Dubarry: The security sector in Arab Countries: IDS bulletin volume 40, March 200,P2.
4-  Fredric Grare: Reforming the intelligence agencies in Pakistan’s Transitional Democracy. Carnegie Endowment for international peace,2009, p,1.
5-  Patrick Adamson, :some comments on the origins of the Police,”Police studies(spring 1991).
6-  المعلومات التاريخية عن نشأة الأجهزة الأمنية مستقاة من:
Hesham Nasr, Jill Crystal, and Nathan J. Brown:   Criminal justice and Prosecution in the Arab world. A study prepared for the U.N Development program,  Oct.2004,pp2-

7-  Hurewitz, J,C: The Middle East Politics: The Military Dimension. Fredrick a. Praeger Publishers, Washington. !969
        





8-  Luethold Arnold: Security sector reform in the Arab Middle east: A Nascent debate, in Alan Boyden and heiner Hanggieds. Reform and  reconstruction of the security sector, Yearbook 2. The Geneva Centre for the democratic control of Armed Forces, 2004, p 3
9-  IBID. p 11
10-         Springborg R: Military Elites and the polity In Arab States, Development Associates occasional paper no. 2 (Arlington,1998)p 6.
11-         New York Times: Heavy hand of the secret police Impeding Reform in Arab world. Nov. 14, 2005
12-         IBID
13-         Arab Intelligence services in the crosshairs. The Middle EAST, June 1, 2005
14-         Yezid Sayigh: Security sector Reform in the Arab Region. Thematic Paper, Dec 2007, P29
15-         Luethold, IBID, P4
16-         Fredric Grare,ibid,81
17-         Arab Human Report 2009: Challenges to Human Security in the Arab Countries.(UNDP)
18-         Human SECURITY IN THE Arab world: Defining A role for Europe>Development Policy Forum, March 9, 2010, p 7
19-         Kodmani and May ZVhartouni- Dubarry. IBID. P 3
20-         Fredric Grare, pp76-79



_________________________________________________________________





-