للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

السبت، 25 أغسطس 2012

لبنان: تفجير طرابلس مُقدمة لتقسيم سورية؟ -



- I -

هل يكون شمال لبنان أولى المحطات الإقليمية المُحتملة لتمدد "الانفجار العظيم" السوري نحو باقي مناطق المشرق، كما حذّر وزراء خارجية الغرب، وحتى روسيا، مؤخرا؟
ثم: إذا ما كان الأمر على هذا النحو، لماذا شمال لبنان بالتحديد قد يكون محطة التفجير التالية ، وما السيناريوهات التي قد تنتظر لبنان ككل حينذاك؟
من معارك طرابلس أمس (غوغل




قبل محاولة الإجابة على هذه الأسئلة، إشارة أولاً إلى أن ثمة إجماعاً في لبنان على أن الاشتباكات العنيفة التي شهدتها مدينة طرابلس مؤخراً،  كانت حصيلة مباشرة لمضاعفات الأزمة السورية التي بدأت تلقي بظلالها الكثيفة على لبنان.
صحيح أن هذه المجابهة اتخذت بعداً مذهبياً واضحاً بين بعل محسن (العلوي) وباب التبانة (السني)، إلا أن امتدادتها السياسية كانت واضحة هي الأخرى. فبعل محسن يحظى بدعم علني، مالي وتسليحي وإعلامي، من حزب الله وبقية سرب تيار 8 آذار/مارس/، فيما يقف وراء باب التبانة مروحة واسعة من القوى (وأيضاً مالياً وتسليحياً) على رأسها تيار المستقبل والقوى السلفية الإسلامية الصاعدة في شمال لبنان.
وبالطبع، وكما في أي شيء يحدث في بلاد الأرز، كل من هذه القوى المتصارعة في طرابلس تحظى بدعم وتمويل ومساندة قوى خارجية (ودولية بشكل غير مباشر): علويو طرابلس و8 آذار/مارس من إيران وسورية، وسلفيو المدينة من السعودية وقطر وبقية دول الخليج.
كل طرف من هذه الأطراف يتهم الأخر بأنه يقف وراء التفجيرات لتحقيق أجندة خاصة به: 8 آذار/مارس يقول أن الهدف النهائي للطرف الأخر هو إقامة "إمارة سنّية" في الشمال تكون ليس فقط بمثابة "ضاحية شمالية" مدججة بالسلاح لمواجهة الضاحية الجنوبية التي يسيطر عليها حزب الله، بل أيضاً لتكون منطقة آمنة للجيش السوري الحر ينطلق منها للقيام بعملياته في الداخل السوري. هذا في حين أن قادة 14 آذار/مارس، وفي مقدمهم سعد الحريري وفق تصريحاته الأخيرة/ يتهم السلطة السورية (ومعها حلفاءها في 8 آذار/مارس) بتفجير الوضع في الشمال ولاحقاٌ في بيروت وباقي أنحاء لبنان "بهدف نقل الحرب الأهلية إلى لبنان وحرف الأنظار عن الثورة السورية"".
- II-
نعود الآن إلى السؤال الأول: هل يكون شمال لبنان أولى المحطات الإقليمية المُحتملة لتمدد "الانفجار العظيم" السوري، ولماذا؟
ثمة عاملان جيو- استراتيجيان يجعلان طرابلس والضنية ومناطق عكار ووادي خالد في شمال لبنان محط أنظار العاصفة السورية العاتية التي لم يسبق لها مثيل في الواقع في تاريخ سوريا، سواء القديم منه أو الحديث.
الأول، يمكن لحظه بسهولة من خلال إي إطلالة سريعة على خريطة لبنان وسوريا. إذ سيتبيّن أن شمال لبنان يشكّل في الواقع الضلع الثالث من مثلث المنطقة الجغرافية العلوية الذين يضم، إلى اللاذقية وطرطوس وجبالهما، مناطق حمص وحماه. هذا الموقع الجغرافي هو الذي دفع المؤرخين إلى إطلاق اسم "طرابلس الشام" على عاصمة الشمال اللبناني، ليس فقط لتمييزها عن طرابلس شمال إفريقيا، بل أيضاً للإشارة إلى مدى ارتباطها العميق والوثيق بالعمق السوري. وهو ارتباط كان ديموغرافياً حيث العائلات واحدة على جانبي الحدود، وتجارياً، والأهم: أمنيا."
 البعد الأهم، أي الأمني، كان دوماً على رأس أولويات أي نظام سوري مهما كان لونه. لكنه يرتدي هذه الأيام أهمية أكثر خطورة بسبب فشل الحلول السياسية الدولية للأزمة السورية، الأمر الذي يفاقم مخاطر تقسيم سورية على نحو مافعل الفرنسيون في أوائل القرن العشرين، حين قسموا البلاد إلى دولة علوية وأخرى درزية ودولتين سنيّتن. وفي حال وقع هذا المحظور، فسيكون الضلع الثالث من "المثلث العلوي" (أي شمال لبنان) أحد المواقع الرئيسة لرسم الخطوط الدموية الجديدة  للتقسيم.
هذا عن أهمية شمال لبنان من زاوية سورية. أما من الزاوية اللبنانية فالمسألة لاتقل أهمية. إذ يجب أن نتذكّر هنا أن الطرابلسيين كانوا حتى فترة متقدمة بعد استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1943 يعتبرون أنفسهم جزءاً من سورية، وكانوا يتظاهرون في كل حين رافعين العلم السوري مطالبين (من موقع قومي عربي آنذاك) بالعودة إلى الكنف السوري.
صحيح أن الصورة تغيّرت مع وصول النظام السوري الحالي إلى السلطة ومع انحسار موجة القومية العربية، إلا أن هذا عبّر عن نفسه طرابلسياً في تحوّل "الانتماء السوري" من رابطة العروبة إلى رابطة الإسلام، على الأقل بالنسبة إلى حركات الإسلام السياسي.
العامل الجيو- الاستراتيجي الثاني عملاني، إذا جاز التعبير. فقد تحوّل شمال لبنان خلال الأشهر الأخيرة إلى مقصد للاجئين والجرحى السوريين المعارضين للنظام، سواء من المدنيين أو المسلحين، الذين حظوا بعناية خاصة من الأهالي وحركات الإسلام السياسي. وهذا ما جعل المعارضة السورية ترى في شمال لبنان ملاذاً شبه آمن، مع أن السلطات الأمنية اللبنانية (خاصة منها الأجهزة القريبة من دمشق) كانت تنشط لمراقبة السوريين اللاجئين وتحاول أحياناً التضييق عليهم أو حتى تسهيل اعتقالهم.
من جهتها، لم تخف مختلف القوى السياسية اللبنانية في الشمال، من حركات الإسلام السياسي إلى التيار السنِّي الرئيس "المستقبل"، دعمها الكامل للثورة السورية. لكن هذا الدعم  تباين بين فصيل وآخر. ففي حين حرص تيار المستقبل أن يبقي عملية المساندة في الأطر التي لاتضر بعلاقته مع الدولة اللبنانية وموقعه الأساسي والمؤسس فيها، كان العديد من الحركات الإسلامية تذهب إلى النهاية في مثل هذا الدعم وعلى كل الصعد تقريبا.
والأمر الذي يجعل هذا التباين مهماً هو أن حركات الإسلام السياسي في شمال لبنان شهدت خلال السنوات الأخيرة صعوداً مميزاً على الصعيد التمثيلي للجماعة السنّية في لبنان بفعل عوامل متشابكة عدة، منها:
- عجز تيار المستقبل عن الوقوف في وجه حزب الله حين اجتاحت قوات هذا الاخير بيروت العام 2008، ماجعل العديد من الشبان السنّة الشماليين يتحوّلون من دعم تيار المستقبل إلى مساندة الحركات الإسلامية الأكثر تشددا.
- عجز آخر للمستقبل عن إيجاد حلول لمسألة الفقر المدقع في العديد من مناطق الشمال، حيث أفاد تقرير لمجلس الإنماء والإعمار حول الفقر في لبنان أن الدخل الشهري لنصف العائلات التي تقطن باب التبانة السنّية (المواجهة لبعل محسن العلوية) في طرايلس لايتعدى الـ130 دولاراً. وقدّر تقرير آخر أن 23 في المئة من فقراء لبنان يعيشون في عكار. وحين لم تف حكومات الحريري المتعاقبة بوعودها للحد من الفقر في المنطقة، تقّدمت الحركات الإسلامية، خاصة السلفية منها، (بدعم جمعيات خاصة خليجية) وأقامت شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والصحية والمدارس الدينية، ما ساهم إلى حد بعيد في زيادة نفوذها في الشمال.
- III -
ربما بات واضحاً الآن، بعد هذه العجالة، أن شمال لبنان بوضعتيه الجغرا- سياسية، وتاريخه الإسلامي المديد، وتركيبته المذهبية، والصعود السريع للحركات الإسلامية فيه، فضلاً عن تنامي مختلف التأثيرات الإقليمية عليه من السعودية وتركيا وبقية دول الخليج السنّية إلى إيران والعراق الشيعيين، يعتبر فريسة مُثيرة للعاب الوحش العنفي المنطلق من النظام السوري.
وهذا ماسيضع الشمال، ومعه كل لبنان، أمام سيناريوهات أحلاهما مر، أبرزها الضغوط الهائلة التي سيواصل بذلها النظام السوري إما لتفجير كل لبنان عبر شماله، للأثبات بأن غرق سفينته ستعني غرق كل سفن المنطقة، أو لاستكمال حلقات الدولة العلوية المفترضة أو على الأقل "المنطقة الآمنة العلوية"، والتي يشكِّل فيها هذا الشمال عنصراً مكملاً ورئيسا.
وفي كلا الحالين، سيبدو أن لبنان هذه الأيام يتراقص على شفا مرحلة خطرة، خاصة وأنه يبدو واضحاً من المخططات التخريبية الخطيرة التي كانت سينفذها الوزير السابق ميشال سماحة أن النظام السوري لم يعد مكتفياً بسياسة النفس اللبنانية ولاحتى بوجود حكومة موالية له في الداخل وداعمة له في الخارج.

                                                                                سعد