للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 2 أغسطس، 2012

صعود وسقوط امبراطورية المخابرات العربية (الحلقة الثالثة)

صُعود وسقوط
امبراطورية المخابرات العربية(3)
                      (دراسة من أربع حلقات)
الحلقة الثالثة: دور أجهزة المخابرات في إطار النظام الدولي الحالي

خلاصة: تطرقنا في الجزء الثاني من هذه الدراسة المقتضبة إلى مسالة الصعود الكاسح لأجهزة المخابرات إلى رأس هرم السلطة في كلٍ من الأنظمة الجمهورية والملكية. وسنتناول في هذه الحلقة علاقة هذه الأجهزة بالقوى الغربية والنظام العالمي.


- I -
 قوة الثالوث الذي أشرنا إليه بالأمس(تحالف  أجهزة المخابرات، والمؤسسة العسكرية، ورجال الأعمال الجدد بقيادة أجهزة المخابرات) لاتقتصر على توجهاته الداخلية التي طوّرها خلال السنوات الثلاثين الماضية، بل باستناده أيضاً إلى دعم القوى الدولية المُسيطرة على المنطقة (كما سنرى بعد قليل)، خاصة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر. فأميركا جزء عضوي رئيس في القطاع الأمني في المنطقة (بفعل نشاط استخباراتها، وتواجد قواتها العسكرية ومقاوليها الأمنيين في العديد من الدول العربية)، وهي كانت ترفض بقوة أي إصلاح يضع الأجهزة الأمنية تحت رقابة ديمقراطية. كما أن المبادرات الاوروبية المتوسطية الثلاث تجنبت أي إشارة إلى مايمكن أن يمس سلطة الأجهزة الأمنية في الدول العربية. وهذا مامنح هذه الأجهزة سطوة مضاعفة في الصراعات على السلطة داخل بلدانها.
 وعلى أي حال، هذا النمط من التحالفات كانت له تجلياته الواضحة في معظم الدول العربية، وهو بنى جزءاً كبيراً من "شرعيته النسبية" من ناحية على تخويف القوى الدولية من بدائل النظام الأصولية الإسلامية، ومن ناحية أخرى على ترهيب مواطنيه من أنه الضمانة الوحيدة للأمن والاستقرار، خاصة في ضوء تجارب اللاأمن المُرعبة في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة والجزائر وغيرها. وهذا ماجعل تعريف مسألة الشرعية هنا أقرب إلى تعريف سيمون ليبست الذي يحددها كالآتي: " قدرة نظام سياسي ما على توليد الاعتقاد بأن المؤسسات السياسية القائمة هي الأكثر ملاءمة أو الأكثر تناسباً للمجتمع". لكن، في حسابات المجتمعات المدنية العربية، تعبير الأكثر ملائمة أو تناسباً لم يكن يعني الأفضل، بل هو الأقل شراً. فدهر من الاستبداد ولاليلة واحدة من الفوضى الأمنية، كان هو الشعار السائد في معظم المجتمعات العربية منذ ألف سنة وحتى الآن.
الدور الذي كانت تلعبه التحالفات الخارجية، خاصة الأميركية منها، في تعزيز وديمومة النظام الأمني العربي بدا كبيراً وأساسياً. أو هذا على الأقل مايعتقده أرنولد لوتهولد: "إن المصالح الأميركية وما تعتبره الولايات المتحدة تهديدات لها، كان ولايزال عاملاً حاسماً في تشكيل البُنى الأمنية الوطنية في العديد من الدول العربية. وعلاوة على ذلك، لاتزال الولايات المتحدة القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، ولذلك يجب اعتبارها جزءاً لايتجزأ من قطاع الأمن في المنطقة".(1).
في الثمانينيات، وبالتحديد بعد حرب الكويت العام 1991، تحوّلت موازين القوى العسكرية في منطقة الخليج بقوة لصالح الولايات المتحدة، وباتت الدول العربية المُطلة على الخليج معتمدة بكثافة على القوات الأميركية للحفاظ على أنظمتها، ولبناء وتطوير وتدريب أجهزتها الأمنية. وهذا أثار رد فعل معارضاً عنيفاً في السعودية على وجه التحديد، مادفع ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله إلى إصدار مرسوم في شباط/فبراير 2003 لفك الارتباط العسكري مع الولايات المتحدة. بيد أنه من الوهم الاعتقاد بأن انسحاب القوات الأميركية من المملكة شكّل تخلياً عن السياسة الأمنية السعودية، فمثلها مثل دول الخليج الأخرى، ليس للسعودية على المدى القريب على الأقل أي بديل عن مواصلة الاعتماد على الولايات المتحدة في مجال التعاون الأمني في شتى المجالات. كل ما في الأمر أن سحب القوات الأميركية إلى قَطَر، أخرج هذا التعاون الأمني من دائرة الضوء.
هذا النمط من التعاون الأمني ينطبق أيضاً على العديد من الدول العربية خارج منطقة الخليج، كمصر واليمن والأردن ودول المغرب العربي وبالطبع العراق والضفة الغربية المحتلين. الأردن على وجه التحديد يُشكّل، بعد مصر، الطرف الأوثق علاقة مع الأجهزة الأمنية الأميركية، وهو يُعتبر ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية والأمنية الاميركية بعد مصر.
ليس من السهل تحديد طبيعة التعاون بين الأجهزة الامنية الأميركية والأجهزة الامنية العربية. فالامر كله محوط بستار من السرّية التامة التي لم يشكّل فيها كتاب مايلز كوبلاند "لعبة الأمم" سوى رأس جبل الجليد المختفي تحت سطح البحر. لكن حدث 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة وما تبعها من حرب عالمية أميركية على الأرهاب، ثم تحرّك واشنطن لتشجيع عمليات تحوّل ديموقراطي في الأقطار العربية، قد يضيئان بعض جوانب هذا التعاون.
ففي مجال مكافحة الإرهاب، لم تتأخر أي دولة عربية، بما في ذلك سوريا، عن التنسيق الأمني وتبادل المعلومات مع الأجهزة الأميركية. وهذا، إضافة إلى الجهود المكثفة التي بذلتها واشنطن لإقامة أجهزة أمنية جديدة في بعض الدول العربية وتعزيز الأجهزة القائمة في دول أخرى، شكّل دفعة قوية للغاية لتوسّع قطاع الأمن العربي، بحيث أصبح هذا الأخير لاعباً في الساحة الدولية وأحياناً محدداً أوحدَ للسياسات الخارجية في بعض هذه الدول.
ثم أن الصورة تصبح أوضح بكثير، حين نأتي إلى مسألة الأصلاحات الديموقراطية. فحين وصلت الضغوط الأميركية لتحقيق الإصلاحات في المنطقة العربية إلى ذروتها في الفترة بين 2003 و2007، بقيت هذه الجهود محصورة في الشأنين السياسي نسبياً والاقتصادي أساساً، ولم تتطرق البتة إلى مسألة الإصلاح الأمني الذي تدل تجارب فلسطين وأوروبا الشرقية وإندونيسيا وتشيلي، كما سنرى لاحقاً، أنها عامل حاسم في إطلاق الدمقرطة السياسية وتعزيز مسيرتها. لابل هي شرط مُسبق لازب لها.
هذان العاملان المتقطاعان، أي المتطلبات الأمنية الأميركية لمكافحة الإرهاب، وغياب الإصلاح الأمني عن أجندة الإصلاحات الديموقراطية العامة، قد يُفسّران أمرين إثنين في آن: الأول، أسباب استمرار توسّع وصعود الأجهزة الأمنية العربية، والثاني طبيعة المقاربة الأميركية للحياة السياسية العربية والتي يبدو ان الطابع الغالب عليها، على رغم كل اللغة التبشيرية الديموقراطية الأميركية، هو ما يسميه فريدريك غرير "العائق السايكولوجي" المتمثّل في الاعتقاد بأن سيطرة وتفوّق الأجهزة الأمنية (في العالم الثالث) هي حقيقة من حقائق الحياة التي لايمكن تغييرها".
بيد أن هذا التحليل الصحيح، المستند إلى الأطلالة الاستشراقية الغربية على دول الجنوب، قد يكون منقوصاً إذا لم نضع في الاعتبار أن الديموقراطية الوحيدة التي تقبل بها الولايات المتحدة في الشرق الإسلامي هي تلك التي تتوافق مع مصالحها، وإلا فإنها ستنقلب ضدها. وهذا، على أي حال ما دلّت عليه تجارب كلٍ من فلسطين، ومصر، والجزائر، والعراق.
ثم أن هذا "العائق السيكولوجي" أثبت )كما سنرى بعد قليل) أنه واهٍ في بلدين من بلدان العالم الثالث يمران في المرحلة الديموقراطية الانتقالية أحدهما مسلم والثاني مسيحي: إندونيسيا وتشيلي اللتين مرتا هما أيضاً في الحكم العسكري  الذي لعبت فيه أجهزة الأمن دوراً رئيسا. (2)

- II -
قلنا في البداية أن الهدف من هذه الدراسة ليس تضخيم نظرية المؤامرة التي قد ترى إلى أشباح أجهزة المخابرات العربية على أنها بيت داء كل الصعوبات العربية، كما ليس الهدف أيضاً حض المجتمعات العربية على إعلان الحرب على هذه الأجهزة، بل الدعوة إلى تصويب توجهاتها وتسهيل السيطرة المدنية على نشاطاتها.
وعلى أي حال، مثل هذه المقاربة وطنية وقومية بقدر ماهي براغماتية. فهي وطنية وقومية بسبب التحديات الكبرى التي تتعرض إليها الامة العربية في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة (التفتيت والاحتلال كما أشرنا في المقدمة) والتي باتت تتطلب الإعلاء من شأن الأمن الوطني لا إضعافه أو تشتيته. وهي براغماتية لأن بعض الأنظمة العربية أثبت خلال العقود الثلاثة الأخيرة قدرة فائقة على البقاء(الربيع العربي لم يغيّر هيكلية أنظمة مصر وتونس واليمن). ولذا، الحكمة الواقعية تدعو إلى رفع شعار إصلاح قطاعات الأمن، التي هي العصب الرئيس لهذه الأنظمة، لا تغييرها أو نسفها.
لكن، ما الأسس التي يجب إرساءها اتحقيق هذه الاصلاحات؟
إنها عديدة:
أولاً، العمل على تغيير مفهوم "ثقافة الأمن" السائدة حالياً في كل الوطن العربي عبر طرح السؤال: من الفئات التي يجري ضمان أمنها حالياً وما نسبتها من عدد السكان، ومن الفئات الاجتماعية التي يحتاج أمنها إلى ضمانات؟ في الوقت الراهن، لاتزال ثقافة "الأمن الخشن"، (Hard Security)  أي الذي تُستخدم فيه أساليب قمعية وعنفية شديدة، هي المُهيمنة بسبب انسداد التطور الديموقراطي، من جهة، وتجارب الصراعات الأهلية والحروب الإقليمية، من جهة أخرى.
إصلاح الثقافة هنا يتطلب سد الفجوة الهائلة الحالية بين أمن الحكام والمحكومين، وبين أمن النظام والدولة، وبين أمن المواطن والمجتمع. وهذا يمكن أن يتم عبر الإعلاء من شأن ثقافة الأمن الإنساني" Human security " وموازنتها مع مفهوم "الأمن القومي او الوطني". هذه الثقافة تتطلب أن يكون المواطن او الفرد محور الأمن لا النظام أو الدولة، وهي تعتبر أن هذا أمر ضروري للغاية للحفاظ على الاستقرار الوطني والإقليمي والعالمي.
برز مفهوم الأمن الإنساني بعد نهاية الحرب الباردة، وكان حصيلة تقاطع جهود قامت بها الفروع العلمية التالية: دراسات التنمية، العلاقات الدولية، الدراسات الاستراتيجية، وحقوق الإنسان. وكان برنامج التنمية للامم المتحدة العام 1994 وتقرير حقوق الإنسان نقطة تحوّل في مجال الأمن الإنساني، حيث جادلا بأن "الحرية من العوز" و"الحرية من الخوف" لكل الناس هما الطريق الأنجع لمواجهة مشكلة اللاأمن العالمي. والأن، يُدرّس هذا المفهوم في الجامعات كجزء من العلاقات الدولية، والعولمة، ودراسات حقوق الإنسان، لكنه من أسف كان غائباً عن العديد من الأقطار العربية.
تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2009 شدّد على أن الأمن الإنساني يوازي التنمية البشرية، وهو ضروري لمخاطبة العجوزات الثلاثة التي تقف حجر عثرة في طريق تحقيق القدرات الإنسانية في الوطن العربي، وهي عجوزات المعرفة، والحرية، و اللامساواة بين الجنسين.( 17).
الخطوة الاولى، واللازبة، لتحقيق الأمن الإنساني هي فرض سيادة القانون بهدف ضمان حقوق وحريات الفرد، وحل الصراعات على السلطة بالطرق السلمية. فالوطن العربي يضم الآن نحو 400 مليون نسمة، وهو عدد يُنتظر ان يتضاعف بعد أربعة عقود أي العام 2050. وما يسوده حالياً هو الخروج على القانون، وفقدان حقوق كل المواطنين العرب، خاصة النساء والأطفال والأقليات وأولئك الذين يعيشون في فقر مدقع. وهكذا فإن نصف سكان العالم العربي لاتُوفّر لهم فرص متساوية وحقوق متساوية، "هذا في حين كان يتوجب ضمان حماية الكرامة الإنسانية لهم من المؤسسات نفسها (أي أجهزة الأمن) التي تحمي أمن الأنظمة". (3).

- III -
السؤال الذي يُطرح كلما برزت مسألة الإصلاح الأمني هو: هل يمكن تحقيق هذا الإصلاح من دون تهديد الاستقرار والتماسك الوطنيين في البلد المعني، خاصة وأن النسيج الاجتماعي هش في معظم الأقطار العربية؟
وهذا السؤل يزداد أهمية بعد أن دلّت الحروب الأهلية والصراعات العنيفة في العديد من الإقطار العربية (الجزائر، سوريا، مصر، العراق قبل غزوه العام 2003، الاردن..ألخ) على أن قطاع الأمن هو الذي أبقى هذه الدول متماسكة، فيما دُمّرت المؤسسات السياسية والاجتماعية الأخرى.
الجواب يصب تماماً في ماتدعو إليه هذه الدراسة: إصلاح المؤسسات الأمنية لاتدميرها، مما يمكنِّها من لعب الدور المزدوج الذي يجب أن تلعب: الحفاظ على الاستقرار، من جهة، وحماية أمن المواطن واحترام حقوقه من ناحية ثانية. ومثل هذه المعادلة ستكون بطاقة تأمين بالغة القوة لتحقيق ليس فقط الاستقرار على المدى الطويل بل أيضاً لإفساح المجال أمام التفتح السياسي والتطور الاقتصادي في الأنظمة القائمة التي تمر في مرحلة انتقالية إلى الديمقراطية.
وهذا يعني أن إصلاح أجهزة الأمن يجب أن يكون جزءاً من الإصلاحات الديموقراطية العامة، على أن تُحدد لمن ستكون الاولوية في البداية: للإصلاح الأمني أم السياسي، وفق ظروف كل دولة الخاصة وتاريخها وتركيبتها الخاصة. 
بالطبع، أجهزة الأمن، وبسبب ثقافة "الأمن الخشن" والمصالح الاقتصادية الضخمة والنفوذ السياسي (والثقافي والفكري) الهائل الذي باتت تمتلك، ستقاوم بضراوة أي إصلاحات لقطاع الأمن، كما يمكن أن تقف بالمرصاد أيضاً لبرنامج الإصلاح الديموقراطي طالما أنه سيؤدي في خاتمة المطاف إلى تقنين وترشيد دورها.
فما الحل إذا؟
(الحلقة الرابعة والأخيرة غدا: تجارب الإصلاح الأمني: نموذجا اندونيسيا وتشيلي، والخلاصة)


                     ___________________________________________


هوامش
1-  Luethold, IBID, P4
2-  Fredric Grare,ibid,81
3-  Arab Human Report 2009: Challenges to Human Security in the Arab Countries.(UNDP)
____________________________________________________________-





-