للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 1 أغسطس 2012

صعود وسقوط أجهزة المخابرات العربية: الحلقة الثانية


صُعود وسقوط
امبراطورية المخابرات العربية(2)
                        (دراسة من أربع حلقات)
الحلقة الثانية: دور الجيوش والتوسّع الانفجاري لأجهزة الأمن:
                 هل أصبحت اجهزة الامن "طبقة" بحد ذاتها؟

خلاصة: تطرقنا في الجزء الأول من هذه الدراسة المقتضبة إلى تاريخ نشأة أجهزة المخابرات في المنطقة العربية منذ عهد الدولة العثمانية حتى حقبة الاستقلال. وفي هذا الجزء، سنتناول بالبحث مسالة الصعود الكاسح لهذه الأجهزة إلى رأس هرم السلطة في كلٍ من الأنظمة الجمهورية والملكية.

- 1 -
بعد حقبة التحرر من الاستعمار، برز الدور الكبير للمؤسسة العسكرية (الجيش) ، سواء كقوة تحديثية للدولة والمجتمع تعمل على تسهيل الاندماج الوطني والتنمية السريعة، أو كمجرد ديكتاتورية عسكرية تحكم باسم/أو بالمشاركة مع طبقات اجتماعية جديدة وقديمة، كما حدث في معظم دول أميركا اللاتينية.
التبرير الذي استند إليه القادة العسكريون في العالم الثالث للاستيلاء على السلطة السياسية، (وقع 200 انقلاب عسكري بين 1960 و1972) قام على دعامتين إثتين: الأولى، أن النظام السابق خان الأمانة الوطنية والاجتماعية، والثانية أن الجيش يخدم الشعب أو الأمة وليس الحكومة أو النظام.
ويجادل الباحث هوروفيز بأن الجيش "بطرده "الأوغاد" المُمسكين بالسلطة، زعم أنه يؤدي خدمة ذات قيمة عليا للأمة. إنه يُنظّف البلاد من الفساد، والطغيان، والمصالح الأنانية. وهو بتمزيقه الدساتير، وطرد أو حتى قتل الملوك، واعتقال أعضاء الحكومة، وحل البرلمانات، وقمع الأحزاب السياسية، وفرض الأحكام العرفية،  كان بذلك يضع حداً للديموقراطيات البرلمانية الزائفة التي استخدمها المتلاعبون للبقاء في السلطة من خلال تزوير الانتخابات والتعدي على القوانين" (1)".
وإلى الفساد والطغيان، أضاف الضباط العرب إلى اللائحة نكبة فلسطين العام 1948، التي احتلت المرتبة الأولى في سلسلة الانقلابات التي دشّنتها سورية ثم لحقت بها مصر والعديد من الدول العربية الأخرى.
جمال عبد الناصر كان الأوضح في التشديد على هذا "الدور الثوري" والتغييري للمؤسسة العسكرية، حين أعلن أن كل ضابط في الجيش "يُشكّل خلية ثورية في حد ذاته بين جماهير الشعب".
بيد أن دور الجيش في الفضاء السياسي العربي شهد تحولاً بارزاً في العقود الثلاثة الأخيرة، بفعل التغيّر الذي طرأ على طبيعة التحديات الأمنية التي تواجهها كل بلد عربي. فالصراعات بين الدول انحسرت إلى حد كبير وأصبحت نادرة، فيما باتت الصراعات الأهلية شائعة. وهذا أدى إلى توسّع كبير في دور  أجهزة الأمن العربية على حساب القوات المسلحة.
ثم جاء دخول الإرهاب على خط المعادلة السياسية ليفاقم كثيراً من هذا التوسّع.  فقد تعرضت الأنظمة العربية إلى ضغوط محلية ودولية قوية كي تطوّر مروحة واسعة من المهارات والقدرات الجديدة التي تشمل تأسيس وتدريب وحدات أمنية خاصة لمكافحة الإرهاب، وقوات تدخل سريع،  وعمليات استخبار متمددة، وتحسين وسائل الاتصالات بين  مختلف أجهزة الأمن المحلية وبين المخابرات الخارجية، والسيطرة على دفق الأموال ومراقبة نشاطات كل الجمعيات الخيرية. (2).
وبالتالي، بات الاعتماد التقليدي على البنى القائمة داخل وزارة الداخلية غير كافٍ للرد على التحديات الجديدة. وفي دول، كالمملكة العربية السعودية، حيث تنتهج المعارضة الأصولية الإسلامية استراتيجية استمالة قطاعات قوية من الجيش ودفعها إلى التحرّك ضد النظام، باتت النخب الحاكمة معتمدة أكثر من أي وقت مضى على أجهزة الأمن المتوسّعة. وهكذا بلغت موازنة الأجهزة الأمنية السعودية 5،5 مليار دولار في العام 2003، أي نحو ثلث موازنة الدفاع، ثم ازدادت بنسبة 50 في المئة العام 2004. أما في العام 2010 فليس من المعروف بعد الزيادات التي طرأت على هذه الموازنة بسبب استمرار طوق السرية التامة حولها، لكن كل المؤشرات تدل على أنها شهدت قفزات نوعية مماثلة.
صحيح أن الجيش، سواء أكان محترفاً أو غير مُسيّس، لايزال يحتفظ بسيطرة قوية على العملية السياسية ولايزال الحامي النهائي للنظام في العديد من الأقطار العربية، إلا ن أجهزة الأمن رأت دورها وأعدادها تتزايد بشكل هائل خاصة خلال العقد الماضي، ما زاد العلاقة تعقيداً وتشابكاً بين المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية. وهكذا، بات لقطاع الأمن مدارسه الخاصة، وكلياته الخاصة، وتعليمه العالي الخاص، والخدمات الاجتماعية التي تعطيه استقلالية ذاتية تساهم في زرع ثقافة خاصة للأمن تشكّل عقبة أمام أي إصلاح.
 التغيّر في دور الجيش، من الفعل السياسي المباشر إلى الجلوس خلف الستار، شقّ هو الآخر طريقاً خاصاً يستند إلى منحه حيزاً من السيطرة على الاقتصاد الوطني. وقد اعتمدت معظم الأنظمة العربية على المزيج التالي من الاستراتيجيات (3):
-       تمديد المنافع التجارية والخاصة لسلك الضباط في مقابل الولاء.
-       تناغم مصالح الجيش مع مصالح النظام، من خلال التعيينات المستندة إلى القرابة أو الانتماء إلى أقليات محددة.
-       التحكّم بالجيش عبر عمليات التطهير، والمناقلات، والمراقبة الدقيقة من جانب مختلف الأجهزة الأمنية.
-       الحد من نفوذ الجيش في السياسة، من خلال منهجية التنويع التي تسعى إلى تعزيز دعم النظام بين مختلف الأقليات والمجموعات و الدينية والاقتصادية والاجتماعية.
ونتيجة  لهذه الاستراتيجيات، تزعزعت فعالية القوات المسلحة في العديد من الأقطار العربية، كما تراجعت مستويات الاحتراف العسكري بفعل الانهماك في النشاطات التجارية.
 ففي مصر، التي بقيت حتى اندلاع ثورة الربيع العريبي فيها في ظل نظام سياسي بناه نحو ألف ضابط في الجيش العام 1952، تم منح القوات المسلحة التي يبلغ تعدادها 430 ألف جندي وضابط السيطرة على قطاعات كبيرة من الاقتصاد لقاء ولائها للنظام في حلّته الأمنية- السياسية الجديدة. ووفق مصادر رسمية بلغت عائدات قطاع الانتاج التابع للجيش المصري 6،1 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية، وهو رقم قياسي. هذا إضافة إلى أن توافر اليد العاملة الرخيصة من خلال نظام التجنيد العام، وفّر للقوات المسلحة ميزة تفاضلية على القطاع الخاص عزز توسّعها في انتاج مروحة واسعة من السلع والخدمات المدنية التي شملت المنتوجات الزراعية، والمستشفيات، والمؤسسات السياحية، والأجهزة الألكترونية المتطورة، والمشاريع المشتركة مع القطاع الخاص.
وكما يلاحظ سبرينغبورغ (4) فإن الجيش "لديه موارد دخله الخاصة التي لايسائله فيها أحد ولاهي عرضة إلى أي ضغط سياسي مرئي". لكن حتى هذه المعادلة القائمة على مقايضة اللاتسييس بالمنافع الاقتصادية والتجارية تتعرض إلى ضغوط شديدة، خاصة في الجمهوريات العربية التي كانت تننهج سياسة نيولبيرالية. ففي خضم العمل لتطوير الاقتصاد وفق هذه السياسة المعتمدة على "إجماع واشنطن"، يصبح دور الجيش في الاقتصاد والقطاع العام عقبة أمام "الإصلاحات الاقتصادية"، وتزيد الضغوط من أجل خصخصة مؤسساته. وهذا بدوره سيصب في صالح الأجهزة الأمنية التي سيتعيّن تعزيز نفوذها لمواجهة أي تمرد أو معارضة من جانب بعض قطاعات وقطع القوات المسلحة.

- II -

أ‌-   أجهزة الأمن كطبقة اجتماعية؟
السلطة السياسية، إذاً، باتت بالفعل في العقود الثلاث الأخيرة، وإلى حد كبير نسبياً، في عهدة أجهزة المخابرات العربية أو بقيادتها. وهذه الأخيرة ما انفكت منذ ذلك الحين تلعب  دوراً يشبه دور النخب التوتاليتارية في أنظمة الحزب الواحد، وهو الدور الذي يستند إلى السيطرة السياسية على الدولة والجيش من قِبَل نظام حزبي سلطوي واحد. الجيش هنا يدين بالولاء للنخبة التوتاليتارية (إقرأ هنا أجهزة المخابرات) لأنها تضع موارد اقتصادية كبرى بتصرفه، فيما تكون السيطرة السياسية للأجهزة السرّية التي تتغلغل في الجيش وتدير عملية تعيين الضباط أو ترقيتهم أو عزلهم.
علاوة على ذلك، لم تعد الأجهزة الأمنية تقصر نشاطاتها على الأمن أو السيطرة الأمنية، بل مددت "هيمنتها" من المجتمع السياسي إلى المجتمع المدني: إلى الإعلام والثقافة، والسينما والمسرح، والنقابات والاقتصاد، وخلقت ما اسماه أحد الباحثين "ثقافة الأمن" في المجتمعات العربية.
وهنا نستذكر مقولة أنطونيو غرامشي بأن "أي طبقة ترغب في السيطرة في ظل الظروف الحديثة، عليها أن تتحرّك إلى ما هو أبعد من مصالحها الاقتصادية الضيّقة لتمارس قيادة فكرية وأخلاقية، ولتبرم تحالفات وتسويات مع مختلف القوى لتشكّل الكتلة التاريخية".
ويقول أنصار الإصلاح الديموقراطي في الوطن العربي أن "الدور المركزي للشرطة السرية في كل بلد عربي، مع قدراته الخفية والأخطبوطية، أصبح الآن اكبر العوائق في وجه الإصلاح. ففي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وفيما كان القادة العسكريون يخمدون ويخنقون الحياة الديموقراطية، أصبحت أجهزة الامن قانوناً بحد ذاتها".(5) ويقول لبيب قمحاوي، وهو رجل أعمال أردني ناشط في مجال حقوق الأنسان: "الحقيقة هي أن أجهزة المخابرات أصبحت منغمسة في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية، علاوة على الأمن. فهي تدقق في تعيين كل أستاذ في الجامعة، وكل سفير وكل رئيس تحرير، وهي تتجسس عبر آلاف المخبرين الأردنيين الذين يتقاضون منها الرواتب تماماً كما كان يحدث في الكتلة السوفييتية" (6). ويضيف إلى ذلك محمود خرباشه، وهو نائب أردني انضم إلى المخابرات الأردنية في العام 1974 وتقاعد كرئيس لها العام 1991، أن "بعض أعضاء البرلمان يسمحون للمخابرات بالتدخل في كيفية تصويتهم، لانهم يعتمدون عليها في إعادة انتخابهم.  المخابرات تدخل إلى 90 في المئة من القرارات السياسية في البلاد، كما أنها مددت نشاطاتها إلى الاقتصاد، حيث تموّل شركات مثل زراعة الحق وهي مؤسسة زراعية كبرى تستثمر في ما وراء البحار أموالاً تبلغ مئات ملايين الدولارات مع جيش من آلاف الموظفين التابعين لها"."
قادة أجهزة الأمن العربية باتوا فوق القانون. وهذا ما اعترفت به وزارة الخارجية الأميركية نفسها التي اعتادت ان تغض الطرف عن ممارسات حلفائها، خاصة أولئك الذين يُوفّرون للولايات المتحدة دعماً واسعاً في الحرب على الإرهاب. ففي تقريرها السنوي حول حقوق الإنسان للعام 2005، قالت الوزارة أن نقص المحاسبة والمساءلة في داخل أجهزة المخابرات والشرطة الأردنية "خلق جواً من الحصانة وأسفر عن تقييد كبير لحرية التعبير والصحافة والتجمع، والتوسع في ممارسة التعذيب الجسدي والنفسي".
ويخلص المحلل الفلسطيني داوود كتاب إلى أن "أجهزة المخابرات هي الصانع الرئيس للسلطة في العالم العربي، بغض النظر عما إذا كان البلد المعني مَلَكِياً أو جمهورياً. (7)
هل يعني ذلك أن أجهزة المخابرات، بما تمتلكه من سلطة سياسية وسطوة اقتصادية وهيمنة ثقافية، أصبحت طبقة في ذاتها ولذاتها في الأقطار العربية؟
الباحث في الشؤون الأمنية والعلاقات العسكرية- المدنية يزيد الصايغ لايرى ذلك، إلا إذا ما كان بالمستطاع، في رأيه، الحديث عن ولادة بورجوازيات دولة في الدول العربية. لكنه في ختام بحث مستفيض بعنوان "إصلاح القطاع الأمني في المنطقة العربية" يستطرد ليقول التالي:
" يرى لوكهام أنه لايجب الأطلالة على القطاع الأمني على أنه قطاع موحّد ومُتسّق، بل هو "أرض" متقلبة من التحالفات الأمنية التي تنشأ مع الأزمات أو الإصلاحات. وهذا صحيح، ولكن تمركز السلطة  السياسية وسلطة "البنى التحتية" في  معظم المنطقة العربية، يشي بأن سياسة التحالفات هذه يُرجّح أن تحدث داخل حلقة ضيقة من المُستفيدين الرئيسيين، خاصة في الأنظمة السلطوية وأيضاً في الأنظمة شبه الليبرالية".(8)

- III -
إذا لم تكن أجهزة المخابرات طبقة، إلا أنها تمارس بالفعل مايُشبه دور الطبقة على مستويين إثنين: دور الهيمنة الإديولوجية (كما ألمعنا) ودور بلورة التحالفات الحاكمة بقيادتها. وهنا ربما يمكن الحديث عن "كتلة تاريخية" كانت حاكمة قبل الربيع العربي في المنطقة العربية تتكوّن من إئتلاف يضم أجهزة المخابرات، والمؤسسة العسكرية، ورجال الأعمال الجدد. كل فريق من هذا الثلاثي كان يؤمّن للنظام بعض مبررات الاستمرارية: الأول بتحالفاته الخارجية مع الغرب وبتمدده إلى المجتمع المدني وسطوته عليه، والثاني بقوته الخاصة والعامة في القطاع العام، والثالث بنفوذه المالي والاقتصادي.
-------
                       (الحلقة الثالثة غدا: دور أجهزة الأمن
                  في إطار النظام الدولي الراهن)

                     ___________________________________________

هوامش
1-  Luethold Arnold: Security sector reform in the Arab Middle east: A Nascent debate, in Alan Boyden and heiner Hanggieds. Reform and  reconstruction of the security sector, Yearbook 2. The Geneva Centre for the democratic control of Armed Forces, 2004, p 3
2-  IBID. p 11
3-  Springborg R: Military Elites and the polity In Arab States, Development Associates occasional paper no. 2 (Arlington,1998)p 6.
4-  New York Times: Heavy hand of the secret police Impeding Reform in Arab world. Nov. 14, 2005
5-  IBID
6-  Arab Intelligence services in the crosshairs. The Middle EAST, June 1, 2005
7-  Yezid Sayigh: Security sector Reform in the Arab Region. Thematic Paper, Dec 2007, P29
8-   
Luethold, IBID, P4







-