للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 4 يونيو، 2012

"أنا الشعب" في خطاب الرئيس الأسد


من يقرأ بتمعُّن خطاب الرئيس السوري بشار الأسد الأخير أمام مجلس الشعب، يذهل بالكم الهائل من الإشارات إلى تعبير "الشعب"  (وبدرجة أقل "الجماهير"):
- فالشعب "تمكّن من استيعاب حجم وأبعاد المخطط الذي رُسم لسورية والمنطقة، وواجهه بتصميم ووعي وطني كبيرين.
- والشعب "احتقر ونبذ إلى غير رجعة من وضع جسده في الداخل وعقله في الخارج، ونحن في حاجة إلى أن نتعلّم من الشعب الذي تمكّن من فك رموز المؤامرة منذ بداياتها (...) ومن حل شيفرة التزوير مستنداً إلى حسّ شعبي لايخطيء.
- والشعب "نزل بالملايين إلى الشوارع ليعبِّر عن رفضه التدخل الخارجي والمساس بوحدة الوطن والأرض والنسيج الاجتماعي، كما عبّر عن نفسه في الانتخابات الأخيرة.
- أي عمل سياسي نقوم به يجب أن يرتكز على الأسس التي حددتها "الجماهير" (...) ومنها الحوار الوطني. ولذا (مخاطباً النواب) يجب عليكم التعلُّم من الشعب بدل أن تعلموه، فهو الأكثر ثقافة ومعرفة والأصوب رؤية. سيروا وراءه كي لاتضلوا طريق الوطنية. تعلموا من إحساسه الفطري كيف توضع الأولويات.
- الشعب السوري ذكي، وهو يمتلك حضارة منذ آلاف السنين تدفعه إلى ألا يقلِّد بشكل ببغائي كل ما يأتيه من الخارج.
هذا غيض مما فاض به خطاب الرئيس الأسد حيال مفهوم الشعب. ولو أن الكلام يمكن أن يؤخذ على عواهنه، لتوجّب اعتبار قائله فيلسوفاً من فلاسفة السيادة الشعبية في القرن الثامن عشر الأوروبي، الذين أسبغوا هم أيضاً على الشعب سمات القداسة وصفات منبع الشرعية.
لكن الأمر ليس على هذا النحو بالطبع في الخطاب البعثي القديم والحديث. فالشعب، أو الجماهير، هي مادة هلامية يمكن أن يشكّلها الرئيس، أو الزعيم، أو القائد المعلّم كيفما يشاء، ووفق مصالحه السياسية الآنية. إنها هيولى موجودة بالقوة، ولاتتجسد بالفعل إلا في شخص الرئيس أو الزعيم. وحين يحدث ذلك، تقفز فوراً شعارات "الأبدية": "حافظ الأسد زعيمنا إلى الأبد". والآن: " بشار الأسد رئيسنا إلى الأبد". وقبلهما "أبدية" صدام حسين ومعمر القذافي وحسني مبارك.
المفاجأة الكبرى في حديث الأسد عن "الشعب"، والتي يمكن تلمسها بوضوح في كل ثنايا الخطاب، هي أنه يؤمن بالفعل وبعمق بكل ما يسرده ويقوله عن الشعب. فهو حسم أمر هذا الشعب بشكل نهائي حين اعتبر أن "الجماهير" برمتها أدركت المؤامرة، وتجسّدت التاريخ، وعرفت الطريق بحسّها العريق، فباتت هي القائد الذي يجب أن يتبعه الجميع.
لكن، ما المعايير الذي استخدمها الرئيس الأسد كي يعرف أن الشعب اكتشف، وجسّد، وخط الطريق؟ ثم: من هو هذا الشعب حقا؟ هل هو تلك الكتلة المتجانسة والمطلقة التي تقف بكل جوارحها وراء النظام الحالي؟ وإذا ما كان الأمر على هذا النحو، ماقصة الملايين الذين تظاهروا، ولازالوا، وقضى منهم حتى الآن أكثر من 15 ألفا وجرح واعتقل وهجِّر مئات الآلاف؟ وما قصة الملايين الآخرين الذين "يتظاهرون" سراً داخل متاجرهم ومنازلهم وجامعاتهم؟
الجواب في الخطاب واضح: الشعب يريد الرئيس. وبالتالي، الرئيس هو الشعب. هو روح الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة. ولذا، حين يكتشف الرئيس إلى الأبد المؤامرة والطريق، يكون الشعب هو الذي اكتشفهما.
إنه المنطق نفسه الذي تعثّر به غابرييل غارسيا ماركيز في "خريف البطريرك"، حيث تؤدي عزلة "الجنرال الأبدي" إلى رؤيته للأحداث كما يريدها هو لا كما تتجسد في الواقع. وهو المنطق نفسه أيضاً الذي حدا بالعقيد معمر القذافي إلى دعوة "الشعب" إلى النزول بالملايين للدفاع عن "روح الجماهير" وقائدها السرمدي عشية سقوطه المروِّع.
هل تنتهي القصة هنا؟
كلا. ثمة الوجه الأخر لفلسفة "الشعب" الميتافيزيقية هذه. فإذا كانت الجماهير العبقرية تقف بقوة وحزم إلى جانب النظام والرئيس، فهذا يحتّم أن يكون المعارضون، كل المعارضين لهما، أرهابيين، أو قتلة، أو مجرمين. هذه تستدعي تلك.
وحينها تنغلق الدائرة، ويصبح أي حديث عن أي حل سياسي خارج مايراه النظام دعماً للإرهاب، أو كما قال الرئيس الأسد في خطابه: "من يدعو إلى الحل السياسي عليه أن يطرح العلاقة بينه وبين الإرهاب".
حينها، لايبقى سوى العنف حلاً وحيداً للأزمة السورية. العنف العاري بالتحديد.