للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأحد، 17 يونيو، 2012

السعودية مابعد نايف: مرحلة خطيرة؟





مع رحيل ولي العهد السعودي الأمير نايف، تعود الأسئلة القديمة قِدَم الدولة السعودية الأولى منذ القرن الثامن عشر، لتكون جديدة كما لو أنها طُرحت بالأمس:
هل يؤدي الغياب الوشيك لمن تبقى من أولاد الملك عبد العزيز المؤسس للدولة الوهابية الحديثة، إلى صراع على السلطة بين الأحفاد؟ وإذا ماكان هذا صحيحاً (والأرجح أنه صحيح)، ما طبيعة هذا الصراع المحتمل: هل سيقتصر على النفوذ الشخصي وعلى التسابق على السلطة بين الأفخاذ العديدة للعائلة المالكة، أم سيتخذ كذلك شكل الاشتباك والكباش بين القوى الحديثة والتقليدية في صف الأمراء؟  ثم: إلى أي مدى ستؤثر الانقلابات الخارجية الكاسحة في المنطقة (الربيع العربي) على التطورات الداخلية في نجد والحجاز والمنطقة الشرقية وبقية مناطق المملكة؟
هذه الاسئلة، كما قلنا، ليست جديدة. لكنها قد تكتسب أهمية اكثر الآن، لأن الأمير نايف كان يعتبر السد المحافظ المنيع ضد أي إصلاحات اجتماعية وسياسية في البلاد، في حين أن خليفته المحتمل في منصب ولي العهد، الأمير سلمان، يصنَّف نسبياً في خانة الإصلاحيين كما الملك عبد الله. وهذا قد يشجِّع أنصار التحديث داخل العائلة وخارجها على الإطلالة برأسهم أكثر قليلاً، من دون كبير خوف من قطعها كما كان يحدث في السابق.
ومع ذلك، لن تكون هذه نزهة سهلة للمعتدلين داخل الأسرة وخارجها. فالمشكلة الحقيقية في المملكة لاتكمن فقط في مسألة التطوير السياسي، ولا حتى في فك القيود القروسطية عن المرأة السعودية، ولا في توفير العمل لمئات آلاف الشبان (على رغم أن هذه مسألة خطيرة)، بل هي تكمن أولاً وأساساً في بناء عرى توازن جديد بين التحديثات المادية الكاسحة التي طرأت على المجتمع السعودي (في التعليم، وأنماط الفكر، وبروز طبقة وسطى كبيرة.. ألخ) والتي وضعت هذا المجتمع في قلب العصور الحديثة، وبين مؤسسات إديولوجية- ثقافية لاتزال تفرض على المواطنين نمط حياة انقرض منذ رحيل إبن تيمية عن هذه الدنيا الفانية في القرون الوسطى.
ولعل أبرز تمظهرات تكليس التقليديين للحياة السعودية يتجلى في طبيعة النقاشات حول مسألة السماح للمرأة بممارسة أبسط حقوقها الإنسانية: سياقة السيارة. فالحجة التي يطرحها المحافظون التقليديون هي أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى "سقوط عذرية النساء في البلاد"، وفق تقرير رُفع مؤخراً إلى مجلس الشورى. قد يبدو هذا المنطق مضحكاً للكثيرين، لكنه يجسّد في الواقع طبيعة الأمراص النفسية التي يتسبب بها التقليديون في الحياة الاجتماعية والتي تتمثّل، من ضمن ما تتمثل، في ظواهر انتشار السحاق على نطاق واسع بين الفتيات، وتبوؤ البلاد المراتب الأولى في أعداد الداخلين إلى المواد الإباحية على الانترنت (على رغم الرقابة الشديدة)، ومعاقرة الخمرة في المنازل. وهذه كلها أمراض يرفض التقليديون الاعتراف بها أو حتى مجرد مناقشتها.
هذا الخلل الفادح بين عالم حديث يولد  وبين عالم تقليدي يرفض أن يموت، خلق إزدواجية خطيرة ليس فقط في شخصية المواطن السعودي (الذي يعيش حياتين داخل منزله وخارجه، وداخل البلاد وخارجها، والتي كان أسامة بين لادن في الواقع أحد تجليات أزمتها) بل أيضاً في بنية الدولة السعودية نفسها. فالدولة بطبيعتها المؤسساتية، تنحو إلى الحداثة، ولها مصلحة في بلورة انتماء لها وللوطن يتخطى الروابط ماقبل الحديثة (أول قرار للدولة التي أقامها الملك عبد العزيز في العشرينيات كان ضرب جماعات "الإخوان" وكبح رفضهم للدولة). لكن الدولة السعودية عاجزة عن القيام بهذا الدور التاريخي بسبب الكوابح الضخمة التي تضعها المؤسسة التقليدية الوهابية، التي تعتبر أن مبرر وجودها هو مواصلة وضع حركة التاريخ في ثلاجة الجمود المطلق.
الحل الذي تطرحه الدولة السعودية لهذا التناقض الخطير هو نثر الأموال على المشكلة، وشراء الصراع الطبقي (والطبقات) نقدا. وهو مخرج كان ناجحاً حتى الآن. فالحكومة السعودية دفعت للمجتمع130 السعودي مليار دولار فور اندلاع الربيع العربي لمنع تمدده إلى حدودها. وهي أعادت تفعيل كل سياستها الخارجية في كل الاتجاهات خدمة لهذا الغرض.
بيد أن الريح قد لاتجري هذه المرة كما تشتهي سفن الحلول. وهي حلول مؤقتة بطبيعتها وتقوم على مجرد شراء الوقت.
فعلى الصعيد الخارجي، سيفرض صعود تيارات إسلامية غير وهابية في المنطقة العربية، خاصة في مصر وتونس والمغرب والأردن وسورية (ناهيك عن تركيا) تحديات لم تعهدها الدولة السعودية من قبل، حين كانت هي التي تستخدم الإسلام السياسي كأداة في الحرب ضد خصومها (القوميين العرب واليساريين). هذه المرة الصراع سيجري داخل البيت الإسلامي نفسه، حيث سيقوم الأخوان المسلمون والإسلاميون الليبراليون والعثمانيون الجدد بطرح فكرة المصالحة التاريخية بين الديمقراطية والإسلام، وبين الفرد والأمة، وبين المواطن والوطن. وهذا تطور بدأ يؤدي إلى قرع الكثير من الأجراس في المملكة.
وعلى الصعيد الداخلي، قد يؤدي نثر الاموال في نهاية المطاف( وبسبب موجات الربيع العربي) إلى عكس المفعول المأمول. إذ قد يشعر المواطنون السعوديون بالتمكين لحصولهم على هذه المكافآت (لولا الخوف منّا لما نثروا الريالات)، وربما يتحركون لاحقاً لطلب مايترافق عادة مع الخبز: الحرية. وهذا أمر متوقع بسبب التغييرات الحداثية الكاسحة التي شهدها المجتمع السعودي والتي عبّر عنها عبد الرحمن منيف بشكل مبدع في "مدن الملح".
الاسئلة القديمة، إذا، عادت جديدة في المملكة. وما لم تعثر هذه الأسئلة على إجابات جديدة او غير تقليدية، وبسرعة تواكب الأعاصير التي تعصف بكل المجتمعات العربية، سيكون كل المصير السعودي على المحك.