للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علوم. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علوم. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 6 فبراير 2014

لماذا فشل الغرب "المنتصر" في تحقيق السعادة للبشر؟



- I -
يحق للغربيين أن يفخروا بأنهم  حققوا أعظم ثورتين في التاريخ البشري : ثورة العلم والتكنولوجيا  في القرنين التاسع عشر والعشرين، وثورة النهضة والأنوار في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

فلا أحد يستطيع أن يشكك بروعة إنجازات الثورة الاولى، بما في ذلك حتى الأصوليين المنغلقين على الماضي بكل ألوانهم الهندوكية واليهودية والمسيحية والأسلامية. كل شيء في حياتنا المعاصرة، من الإبرة إلى الطائرة، ومن لقمة العيش إلى لغة التواصل، يعتمد بكليته على الثورات العلمية الغربية.
 لا احد أيضاً يمكنه أن يرفض إنجازات عصر الأنوار، خاصة خلال الفترات التي سبقت إستيلاء الرأسمالية والبورجوازية على مفاتيحه الرئيسة. فحقوق الإنسان وسيادة القانون، ومفهوم المواطنة، وحريات الفرد والمجتمع المدني، والمساواة والأعتراف بالآخر، وصولاً إلى الديمقراطية الليبرالية، كلها مكتسبات حضارية- إنسانية لا يمكن لأي كان القفز فوقها.
- II -

 لكن الثورة الإيجابية الغربية تعثرَت أمام سلبية كبرى لم تستطع تجاوزها بسبب إغراقها في النزعة المادية، من جهة، ولأنها إستسلمت للعلم القائم على تجزئة الحقيقة بوصفه المفتاح الوحيد لفهم الكون والوجود وإدراك السعادة في آن، من جهة أخرى. هذه السلبية عبًرت عن نفسها في سلسلة من التطبيقات المخطئة: فالطب الغربي، مثلاً، يقوم برمته تقريباً على العقاقير الكيماوية التي تعالج مظاهر المرض لا المرض نفسه. وعلم النفس الغربي، خاصة في فرعه الأميركي المتطور، يهتم بنتائج المشاكل النفسية لا بأسبابها، بجانبها السلوكي الإجتماعي لا بتفاعلاتها العقلية الداخلية. وقل الأمر نفسه عن علوم الفيزياء واليبولوجيا والكيمياء والبيوتكنولوجيا التي إهتمت في معظم الأحيان بوضع نفسها في خدمة الإنسان الإقتصادي( الرأسمالية) لا الإقتصاد الإنساني.
الحضارات الشرقية القديمة، من الإسلام إلى البوذية والهندوكية والكونفوشيوسية، لم تقع في هذا الفخ، برغم إنبهارها الراهن المفهوم والمتوقع بإنجازات الحضارة الغربية. فالروح لديها بقيت بأهمية الجسد، والطاقة بأهمية المادة. وهذا جسَد نفسه في إطلالة هذه الحضارات على مسألة السعادة التي ترتبط بها بشكل محكم مسألة وعي الوجود، الأمر الذي دفعها إلى التركيز الشديد على العمل الداخلي للعقل البشري، لا على تجلياته الخارجية كما في الفكر الغربي.
- III -

مقاربة الشرقيين سارت على النحو الآتي:
1-   عقولنا، وليس الادوية والعقاقير، هي التي تجعلنا سعداء أو تعساء. لا أحد أو شيء في العالم كله يستطيع أن يفعل ما تفعله عقولنا لنا وبنا. وهذا يحدث بدون إنتباه منا. ولذا، الحاجة ماسة لأن نطَور إنتباهنا لما يجري داخل عقولنا، إذ كما نَفكر نكون.
2-   كلما راقبنا عقلنا لمعرفة ما يفعله بنا ولنا، كلما أصبحنا اكثر إستعداداً للإهتمام به وإحترامه، وكلما كسبنا بعض السيطرة عليه.
3-   أعظم إنجاز يمكن أن بفعله الإنسان هو " الوعي اليقظ " ( Mindfulness) الذي يعني أن يعي المرء كل لحظة من لحظات حياته. لا يجب أن تجد عقولنا فرصة واحدة لتحرفنا عن هذا الوعي، عبر إختلاق القصص عن الظلم واللاعدل في هذا العالم، وعن الذكريات السيئة التي تسمم حياتنا بالأحقاد والكراهية بلا إنقطاع.
الان، فلنقارن هذه المقاربة الشرقية التي تجعلنا على تماس كامل مع ذواتنا ووعي تام بها، مع المقاربة الغربية التي تخرجنا من ذواتنا لتدخلنا في عالم الأدوية والعقاقير والحلول المادية الخارجية لأزماتنا الداخلية، فماذا سنجد؟
شيء واحد:  السعي للسعادة والإندماج مع الذات والوجود والطبيعة هنا( الشرق)، والتعاسة والغربة مع الذات والوجود والطبيعة هناك( الغرب). الإنتباه والوعي اليقظ هنا، ونقص الإنتباه  والوعي الإستهلاكي هناك.
هل، بعد كل ذلك، ثمة مبالغة إذا ما قلنا ان ظاهرة " إضطراب عجز الإنتباه والنشاط الزائد "
( Attention deficit  and hyperactivity) التي تضرب 5 في المائة من اطفال الغرب وبالغيه، هي في الواقع حالة متمددة لدى كل مواطني حضارة مادية التي  فقدت الإتصال بالروح؟
لا نعتقد.

                                                                         سعد محيو


السبت، 2 نوفمبر 2013


كيف نخرج من الجحيم الأرضي؟

- I -
تساءلنا بالأمس: كيف الخروج من "الجحيم الأرضي"؟


ثمة طريقان: أحدهما مستحيل والآخر لامفر منه.
الطريق الأول هو الخلاص الفردي، أو القومي، أو حتى الإقليمي. وهو كان ممكناً في الماضي القريب والبعيد، لكنه بات مستحيلاً الأن بعد أن استحال العالم إلى ما يشبه خلية نحل واحدة. فالروابط بين التغيرات فيه بات متشابكة إلى الدرجة التي لم يعد في المقدور معها تمييز ماهو محلي فيه بما هو عالمي، وماهو فردي بما هو جماعي. وهذا على كل المستويات: الاقتصادية، والتكنولوجية، والاجتماعية، والديموغرافية، والثقافية التي تحدد نمط وجودنا اليومي على هذا الكوكب.
والطريق الثاني، القائم على الخلاص العالمي الجماعي، لم يعد ثمة مفر منه ليس للأسباب أعلاه وحسب، بل أيضاً لأن نمط حياتنا اليومية سيقرر مصير الوجود البشري نفسه، وربما ديمومة الحياة نفسها على الأرض. وهنا نقصد بالطبع التأثّر المشترك لكل الدول والأمم والقارات بظاهرة تغيّر المناخ وارتفاع درجة حرارة الأرض.
لكن، ما الشكل المُحتمل لهذا النوع من الخلاص؟
إنه ذاك الذي يستند إلى الإفادة من كل سقطات الجنس البشري، منذ بدء تأريخ الحضارات قبل عشرة آلاف سنة إلى "نهاية التاريخ" في القرن الحادي والعشرين.
وهي، بالمناسبة، سقطات مريعة.
فقد فشل معظم الحضارات في إقامة التوازن الدقيق والمطلوب بين المادة والروح، وبين المصالح والقيم، وبين الفردي والجماعي. وهذا انطبق على الحضارات الشرقية التي غلبّت كفة الروحانيات على المادة فخسرت في العصور الحديثة لعبة موازين القوى. كما انطبق على الحضارات الغربية التي تسربلت حتى النخاع بالنزعة المادية فخسرت روحها.
- II -

وما جرى على مستوى الحضارات، سرى على جبهة الإديولوجيات.
فـ"الاشتراكية العلمية"، التي علّق عليها الكثيرون كبير الآمال بأن تُنهي الحروب وتؤسس لنهاية تاريخ حقيقي، اسقطت من اعتبارها الجوانب الإيجابية في كلٍ من التجربة الرأسمالية ( الديمقراطية) والحضارات الشرقية (الروح)، فسقطت في لجج الديكتاتوريات على أنواعها.
والرأسمالية الليبرالية، وعلى رغم أنها نجحت في امتحان النمو الاقصادي والهيمنة (بدل السيطرة) الثقافية والفكرية، تسير الآن على الطريق نفسه الذي سبقته إليها الاشتراكية: ديكتاتورية السوق الأعمى والتدمير التدريجي للديمقراطية.
ثم جاءت السقطة المريعة الأخرى، حين حوّلت القوى الرأسمالية الثورة الكبرى في مجالي البيوتكنولوجيا وتقنية الاتصالات، إلى وسيلة  لإغناء الأغنياء وإفقار الفقراء. وهكذا قسمت العالم برمته إلى قسمين: قسم لايتجاوز عدده الستة آلاف شخص يقوم على خدمتهم 20 في المئة من المجتمع، ويسيطرون وحدهم على كل مفاتيح هذه التكنولوجيا واستهدافاتها. وفريق يشمل ثلاثة أرباع البشرية يتم طرحه الآن بوحشية على ناصية التاريخ.
وبالطبع، لايجب أن ننسى الكارثة البئيية التي ولدت أساساً في حضن فكر مادي بحت، يرى إلى الطبيعة بوصفها بقرة يجب تقطيع أوصالها، لا أمّاً رؤوم يتعيّن الحنو عليها والتأقلم مع قوانينها.
أضف إلى ذلك ما أشرنا إليه بالأمس من تحوّل كل الأديان من نزعات روحية- أخلاقية إلى إيديولوجيات مغلقة لا تستولد سوى الهويات القاتلة والحروب.
هذه هي المعاصي الكبرى التي وقع فيها الجنس البشري. وهي تتشابك الآن للمرة الأولى في التاريخ مع بعضها البعض لتشكل تهديداً مباشراً لوجود هذا الجنس نفسه.
ولكي نطرق طريق الخلاص، علينا أن نعمل معاً لنحل كل هذه الرزايا معاً، عبر الانتقال من "صراع البقاء" إلى "صراع النقاء".
 ماذا يعني ذلك؟
- III -

إنه يعني، ببساطة، أننا يجب أن نعيش "موسم الثورة العالمية".
الثورة على ماذا؟
على كل شيء، وفي كل شيء:
على ذاتنا البشرية، في المرتبة الأولى، التي آن لها أن تُغادر ذهنية صراع البقاء العنيف، هذا الصراع الذي حوّل تاريخ الإنسان إلى سجل جرائم متصلة، بعد أن انتفت الحاجة إليه. البشر لازالوا يعتقدون أنهم يعيشون في العصر الحجري حيث الحيوانات الضارية والمفترسة، والبرد أو الحر القاتلين، والندرة في المأكل والمشرب. وهذا مايدفعهم إلى وضع  صراع البقاء أو البقاء للأصلح (Survival of the fittest) على رأس جدول أعمالهم.
الظروف الخارجية تغيّرت كلياً، لكن الساعات البيولوجية لأدمغتنا لاتزال متوقفة عند السنة المليون قبل الميلاد. هذا بالطبع عدا قلة قليلة كانت هي الناجية من هذا الجحيم الأرضي، لأنها اكتشفت أنه لايتعيّن عليها لكي تحصل على الخبز والسعادة أن تخوض الحروب الضروس، أو تنغمس في لجج الأحقاد الاجتماعية القاتلة.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية، قج تكون الأهم، هي ضرورة تشكيل كتلة تاريخية كبرى جديدة تمهد الطريق أمام "أرض جديدة" و "حياة جديدة" و"مجتمع إنساني جديد"، ويتم في إطارها الخروج من "جهنم" إلى "الجنة". أي:
- من الصراعات والقتل الجماعي والدمار إلى السلام والتضامن والتعاون؛
-  ومن إعلان الحرب على أمنا الطبيعة  إلى عودة الاندماج معها والاتصال الوثيق بها؛
 - ومن تسييد نزعة التنافس الضاري والاستهلاك المنفلت من عقاله والنمو الاقتصادي المدمر لتوازنات البيئة، إلى مجتمع التعاون ووضع النمو في خدمة البيئة لا العكس، والمساواة وسد الفجوة الهائلة من القلة الغنية والكثرة المفقرة؛
- ومن الفلسفة المادية الفردية القاتلة لكل روح، إلى فلسفة وحدة الوجود التي تعيد تصويب مسار الحضارة الإنسانية وتضع البشر في موقعهم الطبيعي كجزء بسيط، مجرد جزء بسيط، من وجود حيث الكل فيها واحد، والجزء موجود في الكل والكل موجود في كل جزء. وهذا مايسمى الآن في العلوم الفيزيائية الحديثة " الكون الهولوغرامي".
- ومن عولمة الرأسمالية المتوحشة إلى عولمة إنسانية جديدة، اشتراكية وديمقراطية في آن.
من هم المرشحون لهذه الكتلة التاريخية؟
إنهم كل الأطراف التي ترفض النظام العالمي الراهن، والفلسفة المادية الحالية، وتدعو إلى إنقاذ الحياة على كوكب الأرض من الأنقراض. وهي تشمل: الحركات البيئة والإيكولوجية، والمنظمات الاشتراكية الديمقراطية الجديدة خاصة في أميركا اللاتينية، وحركات السلام، وأنصار "الأرض الجديدة" الداعين إلى بناء وعي إنساني جديد ومتجاوز، والعلماء الرافضين لنظرية النمو الرأسمالية ولتحويل هذه الأخيرة التكنولوجيا والعلم إلى أداة لأخطر قسمة في التاريخ البشري بين "جنس جديد" متجاوز للإنسان بفعل زواج البيولوجيا والتكنولوجيا وبين غالبية البشر، وأنصار الفلسفات الشرقية والحركات الصوفية النقية الداعين إلى وقف الانقسام المدمر (في العقل البشري) بين المادة والروح.
توحُّد هؤلاء في مشروع حضاري جديدة، وحده القادر على إنقاذ الجنس البشري من الانقراض، أو على الأقل إخراجه من أتون الجنون الجماعي الراهن الذي يعيشه حاليا.
لكن، هل هذه الكتلة قابلة للولادة حقا؟
حسنا. في القرن الماضي كان الكثير من المفكرين اليساريين يرفعون الشعار: إما الاشتراكية أو البربرية. لكن الآن بات الشعار أكثر خطورة بكثير: إما "الأرض الجديدة" او الحضارة الجديدة، أو الانقراض.
وعلى البشر أن يختاروا الآن، وبسرعة.


سعد محيو

الجمعة، 1 نوفمبر 2013

كيف "تآمروا" على الله؟!


- I -
التقرير في صحيفة "النهار" اليوم للزميلة هالة حمصي كان موجزاً للغاية لكنه بليغ للغاية أيضا: انفجار صراع شرس على كل السطوح بين الكنائس الأرثوذكسية في روسيا والقلسطنطينية واليونان والقدس، مايهدد بنسف المجمع المسكوني الأورثوذكسي الكبير المتوقع وبقطع "الشراكة" بين هذه الكنائس.
جهنم كما يتخيلها الانسان( اللوحة من غوغل

سبب الخلافات: صراع على نفوذ التبشير في الصين واليابان والقارة الأميركية، ورغبة الرئيس الروسي بوتين الواضحة في تحويل المسيحية الأورثوذكسية إلى أداة رئيسة من أدوات السياسة الخارجية الروسية الجديدة.
قبل هذا التقرير وبعده، كان المطارنة والآباء الموارنة في لبنان يدأبون على نشر بيانات شهرية تعج بكل المواقف السياسية الممكنة، ويختفي منها أي أثر لله أو الروحانيات أو أخلاقيات سلم المسيح. ويذكر كاتب هذه السطور أنه أمضى مع الزميلة جمانة نمور زهاء أربع ساعات في حوار تلفزيوني لم يبث مع بشارة الراعي حين كان مطراناً قبل أن يصبح بطريركاً، قلنا له في نهايته:" هل انتبهت إلى شيء يا مولانا؟ طيلة هذه الساعات الأربع كنا نحن نسأل عن فلسفة الوجود والحياة والمعنى الروحاني للدين، وكنت أنت لاتتحدث إلا عن السياسة".
وقل الأمر نفسه عن معظم الباباوات الذين تعاقبوا على الفاتيكان كورثة للرسول بطرس الذي قيل أنه الصخرة التي أراد يسوع بناء كنيسته (الروحية) عليها، فلم يفعلوا شيئاً سوى قيادة الحروب بأنفسهم والدعوة إلى "قتل الأعداء بمحبة".

II - -
لماذا هذا الحديث الأن عن تسييس المسيحية، فيما العالم بأسره يرتعد خوفاً من تسييس الأسلام وتحويله على يد الجهاديين إلى عبوة ناسفة ضخمة تزنر نصف كوكب الأرض؟
لتقرير حقيقة مشتركة غالباً ما يتم تناسيها: كل الأديان المعاصرة، بما فيها التوحيدية والبوذية والتاوية والهندوكية، تحوّلت من ومضات أخلاقية وروحية تبغي، كما أراد رسلها وفلاسفتها،  الارتقاء بالوعي البشري من صراع البقاء إلى صراع النقاء، إلى إديولوجيات مغلقة تبني هويات قاتلة ونفوس مريضة وتعصب أعمى.
الهدف التاريخي الأول المعلن للأديان كان تعريف الإنسان على الله الذي يُفترض أنه خلقه على صورته، لكن قيمها ومعانيها وأبعادها تدهورت بعد رحيل مؤسسيها إلى درجة أنها قلبت الصورة رأساً على عقب فجعلت الله على صورة الإنسان، وباتت المشيئة الإلهية في خدمة أمة بعنيها (كما لدى اليهود) أو طوائف بعينها وحدها الناجية من النار (كما لدى الطوائف المسيحية والإسلامية) أو رهباناً متعصبين ضد "الآخر" (كما لدى البوذيين) أو حتى شخص واحد بعينه (حيث يريد أن يوظف الله في كل مصالحه).
الإديولوجيا المنغلقة والقاتلة أصبحت هي الحاكم سعيداً لدى كل التيارات الدينية، حتى تلك التي تدعو إلى الحوار والتسامح. لماذا؟ لأن لاهوتها سار تاريخياً على الطريق الخطأ: بدلاً من العمل على جعل وحدة الله والوجود مدخلاً لوحدة البشر وتضامنهم وتآخيهم، حوّلت الآخر إلى كافر، أو مرتد، أو إحالت أوراقه (في حال ساد التسامح) إلى الله في الأخرة علماً أنه سيكون حتماً في جهنم إذا لم يتعمد (عند المسيحيين)،  أو ينطق بالشهادتين (عند المسلمين) ، أو يقر بوضع الله في خدمة الشعب المختار (كما عند اليهود).
لكن، لماذا انقلبت الأديان من حركات روحية- أخلاقية إلى تيارات إديولوجية مقفلة ومدمرة، على رغم ادعائها بأنها تدعو إلى إله واحد مُحب للجميع وراعٍ للجميع؟
احتكار معرفة الحقيقة المطلقة الوحيدة سبب. تشويه التعاليم الرئيسة بعد رحيل "المعلِّم" وفق المصالح والأهواء، سبب ثان. لكن يبقى أن السبب الرئيس هو أن الجنس البشري في مغامرته الوجودية الكبرى لم يستطع بعد بناء وعي جديد متعدد الأوجه يتجاوز فيه مرحلة صراع البقاء أو البقاء للأصلح والأقوى الدارويني المستند إلى الأنا الأنانية ( Ego) إلى مرحلة المصالحة الكبرى مع الذات والآخر والبيئة والطبيعة ووحدة الوجود.
الإنسان كان ولايزال في حالة حرب مع نفسه، حتى وهو في ذورة اندفاعه لخدمة هذه الذات عبر السيطرة والهيمنة ومراكمة السلطة والثروة. لكنه سرعان مايكتشف بعد حين أن الثروة لاتتضمن الخلود، وأن السلطة والشراهة لا تضمنان السعادة بل تؤديان على العكس إلى أمراض نفسية عضال، كما عرف هتلر وستالين وبول بوت والقذافي وشارون، وكما يعرف الآن بشار الأسد.
لو أن تاريخ البشرية يمكن أن يتجسد في تاريخ إنسان واحد، لكان التشخيص كالتالي: أوهام ارتيابية حادة (تتكرس في الإديولوجيات والهويات القاتلة)، ومنحى قوي لارتكاب الجرائم والعنف والقسوة المتطرفين ضد من يعتبرون "الأعداء" الذين هم ليسوا شيئاً آخر سوى عقل الإنسان الباطن وقد تجسد في الخارج".
III - -
أنها حقاً جهنم إنسانية على الأرض. لكن كيف الخروج منها؟

(غداً نتابع)
سعد محيو

الاثنين، 28 أكتوبر 2013

اللهم لا نسألك رد القضاء..


- I -
هل ثمة حاجة للإثبات أن العالم، أو النظام العالمي، أو الجنس برمته، هو مشروع فاشل من ألفه إلى الياء؟ وليس الآن فقط بل منذ فجر التاريخ؟
لانعتقد. فمنذ أن اكتشف الإنسان أول أداة تكنولوجية، وهي العظمة المسننة التي مكّنته من من مد مخالبه وأنيابه عشرات الأمتار، إلى أن حوّل هذه العظمة إلى سفينة فضاء مدججة بأشعة اللايزر (كما في فيلم أوديسا الفضاء الشهير)، كانت الفطنة المادية تسيطر على الحكمة الروحية والعقلية. والحصيلة: تاريخ من الحروب الدموية المتصلة التي تخوضها مخلوقات مسها جنون وأمراض نفسية جماعية عضال، وبات تشبه إلى حد بعيد الفيروسات القاتلة التي تقتل بيئتها ومجالها الحيوي وأسس حياتها نفسها.
البشر كمشروع فاشل بات أمراً متفقاً عليه بين مروحة واسعة من الباحثين والأدباء والمفكرين، الذي أصبحوا مقتنعين بأن الحضارات البشرية كلها (عدا حفنة من القبائل البدائية المنقرضة التي كانت تعيش وفق قوانين "أفاتار")، ومعها التطور البشري، كانت برمتها خطأ تاريخياً وخطيئة بحق كوكب الأرض الذي تعتبر توافر ظروف الحياة فيه عملة نادرة في ما بين مليارات مليارات مجرات الكون.
كيف؟
- II -
فلنشر أولاً إلى أن دراسات السياسة عبر تشابكها مع علوم الحياة، هي فرع جديد من فروع العلوم، يستهدف تعميق فهمنا لتأثيرات ما يسمى " السلوكيات البيولوجية " البشرية والعوامل البيئية على مستقبل المجتمعات وتطورها.
أحد قباطنة هذا الفرع الجديد، البروفسور لينوتن كيث كالدويل، يرى أن المجتمعات البشرية الحديثة، وفي خضم إعادة تشكيلها للبيئة الطبيعية، فشلت في الأخذ بعين الإعتبار الاهمية الهائلة لمضاعفات عمليات التغيير هذه على ظروف الحياة على الأرض.
كتب، في دورية " السياسة وعلوم الحياة" : " البشر الحديثون حققوا بمساعدة العلم (والتكنولوجيا المستندة إلى هذا العلم) قدراً هائلاً من النجاح. لكنهم في الوقت نفسه، جعلوا الحياة نفسها مكشوفة أمام مخاطر ضخمة، وأحاطوا المستقبل بعلامات إستفهام وتعجب أضخم. وهكذا، فإن السلوكيات والإفتراضات التي خدمت الإنسانية لقرون طويلة، لم تعد مناسبة الان".
علماء إجتماع آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك. قالوا أن الفتوحات العلمية والتكنولوجية التي مكنّت البشر من إعادة تشكيل الطبيعة وتحقيق المستوى الراهن من الحضارة، لن تكون مجدية لأنقاذ الإنسانية. لماذا؟ لأن هذه الفتوحات دفعت هذه الأخيرة إلى القفز فوق المخاطر العميقة الكامنة في تجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها قوانين الطبيعة حول حدود إستخداماتنا للبيئة.
طيلة عهود سحيقة فيما قبل التاريخ، عاش البشر داخل الأطر الطبيعية لتوازنات البيئة، مستفيدين من كرمها، ومتناغمين مع إيقاعاتها، ومتأقلمين مع سلبياتها. بيد أن البشر المحدثين يعيشون الأن في بيئة إصطناعية مخترعة، تطورت بأسرع مما تستطيع القدرات البيو- إنسانية  التأقلم معها. وهذا ما تسبب بالتوترات الشديدة التي يعيشها البشر الان على الصعد النفسية والإجتماعية والجسدية كافة.
 لقد أطاحت هذه التطورات بالمفاهيم والسلوكيات القديمة، وبات من الحاسم لبقاء الحياة والبشرية تطوير سلوكيات جديدة تستند إلى الآتي:
1- إعادة تكييف المعطيات السايكولوجية- البيولوجية البشرية ، ومعها البيئة الإصطناعية التي خلقها البشر، مع البيئة الطبيعية.
2- الإدراك بأن وضع النفس في مواجهة الديناميكيات الأساسية للطبيعة الكونية، لعبة خاسرة سلفاً. وكما قال فرانسيس بيكون عن حق: " لكي نستطيع إدارة الطبيعة، يجب أولاً إطاعتها".
3- ثم اخيراً الوعي بمسألة أخرى لا تقل أهمية: إذا أراد البشر ضمان مستقبل مستدام لحياتهم على هذا الكوكب، فعليهم وقف إندفاعهم نحو نمو اقتصادي لا محدود يجري في بيئة طبيعية محدودة، وأيضاً وقف إستخدام إنشطارات الذرة ليس فقط كأسلحة دمار شامل، بل حتى أيضاً كطاقة سلمية .
- III -

أين نحن من كل هذه التحديدات والتعريفات التي إستحدثتها دراسات " السياسة وعلوم الحياة "؟
في لا مكان!
فلا قوانين الطبيعة في مجال المناخ( على سبيل المثال) تحترم، على رغم كل التحذيرات من كوارث إحترار المناخ الذي يتسبّب به البشر. ولا الدعوات إلى وقف التلاعب بنوات الذرات تستجاب. العكس يحدث، وعلى كل المستويات، خاصة منها الان إندفاع 40 دولة لحيازة الأسلحة النووية بوصفها " أسلحة عادية أو تقليدية".
إنه الجنون وقد بدأ يدّمر صاحبه، والأنانية وقد باشرت قضم " أناها". إنه خطر " التدمير الذاتي" نفسه الذي وقع على رأٍس كل الحضارات البشرية السابقة في التاريخ، والتي نسفت نفسها عبر نسفها البيئة التي منها تعيش.
هل أمامنا مخرج ما من هذه المصير "غير المشرق"؟
أمر وحيد على ما يبدو: التضّرع إلى الله، لا  لنسأله رد القضاء بل  اللطف به.. بقدر الإمكان!

سعد محيو

___________________________
                       



الخميس، 10 أكتوبر 2013

" المجرات الرضيعة:" أهلاً ، مرحباً !


المجرات "الرضيعة": أمل جديد؟ (الصورة من غوغل


( I )

الأعلان  كان مذهلاً بما فيه الكفاية :
علماء الفضاء الاميركيون يسجلون إكتشاف  مجرات " رضيعة " جديدة ، تشبه مجرتنا درب التبانة التي ولدت بعد  5 آلاف مليون  سنة إثر " الانفجار العظيم " الذي أفرز الكون وقواه الرئيسة الأربعة .
المجرات وصفت بانها رضيعة، لانها لاتزال في طور التكوين. فالنجوم الجديدة تبرز فيها بأعداد ضخمة ، برغم انها لن تبلغ ضخامة عدد نجوم مجرتنا التي يقدرّ عددها بنحو 200 مليار
 شمس .
وهذا الأكتشاف أكبر دليل على أن علمية الخلق في الكون ما تزال مستمرة . الامر ، كما قال الدكتور تيم هيكمان ، من جامعة جون هوبكينز، " أشبه بالنظر عبر النافذة ، ومشاهدة الديناصورات وهي تمشي خطواتها الاولى على الأرض ".
بكلمات أوضح : سيتمكن العلماء الان من رؤية عملية الخلق وهي قيد التنفيذ ، حيث تقوم غيوم هائلة من الغازات والأغبرة سحيقة القدم بتشكيل النجوم والاجرام السماوية الأخرى. وهذا قد يلقي بدوره بعض الأضواء عما جرى بعيد " الانفجار العظيم  " .

( II )

ماذا يعني هذا الاكتشاف بالنسبة إلينا نحن البشر ؟.
الكثير.
فإضافة الى تقديمه فرصة ذهبية أخرى لتوسيع المعارف والمدارك البشرية، فإنه يناقض كل النظريات الفيزيائية الحالية التي " تبشرنا " بأن مصير كوننا هو إما الموت برداً ( مع تمّدد الكون ) أو حرقاً ( مع تقلصّه ) . الان ثمة مجال بأن تكون عملية الخلق المستمرة مدعاة أمل لحياة مستمرة في هذا الوجود العجيب.
اكثر منذ ذلك: المجرات الرضيعة وإستمرار الخلق  قد تعززان الامال بأنه لايزال امام البشر متسع من الوقت ( فلكياً )  كي يتمكنوا من الأنتشار في الفضاء وإستيطان المجرة .
أول من وضع هذا الأمل في صيغ علمية واضحة كان  عالم الفضاء البارز ايان كرافورد، الذي  يهتم بالفلسفة و" الماورائيات"  قدر إهتمامه بالعلم و " الأاماميات " " ( بالاذن من الاخوة  الفلاسفة  ) . وهو  نشر   دراسة ممتعة في " ساينتيفيك اميركان " ، قدّم فيها عيّنة عن معنى التاريخ والحضارات والزمن والحياة بالنسبة لعلماء الفضاء ، ثم توصل الى محصلات في غاية الاثارة والامتاع :
n                خلال السنوات الخمس الماضية ، أثبت العلماء وجود عشرات النجوم التي تشبه الشمس في مجرتنا والتي تدور حولها كواكب بحجم المشتري . وعلى غم أنهم لم يكتشفوا بعد كواكب تشبه الارض، الا انهم واثقون من وجودها وبكثرة .
n                لكن، وحتى لو كانت الكواكب الارضية موجودة ، فهذا لن يعني بالضرورة وجود حضارات تكنولوجية متطورة فيها . فالديناصورات سيطرت على كوكبنا لمدة 160 مليون سنة ، ومع ذلك لم تتمكن من التطور الى مخلوقات منتجة للتكنولوجيا . لا بل أن تطور الذكاء على الكوكب الازرق لم يكن ممكنا  لولا انقراض الديناصورات عن طريق الصدفة، اما بسبب عصر جليدي جديد أو لسقوط نيزك كبير على سطح الارض .
n                بما ان عرض درب التبانة يبلغ 100 ألف سنة ضوئية ، وبما ان متوسط بروز زمن ظهور  الحضارات الذكية هو 10 آلاف سنة ، فأن أي حسبة بسيطة تقود الى الاستنتاج بان اي حضارة تكنولوجية تحتاج الى 5 ملايين سنة لاستيطان المجرة كلها. وبرغم أن هذه فترة طويلة بالنسبة للبشر ، الا انها  لا تشكل سوى 5 0 ، 0 بالمائة من عمر المجرة .
ولو ان اي حضارة ذكية أخرى سبقت حضارتنا البشرية على الارض، وكانت ذات نزعة توسعية مثللنا ، لكانت قد استوطنت الان كل المجرة ووضعت كوكبنا تحت سيطرتها .
n                 لكن ، وطالما اننا لم نعثر بعد على مخلوقات ذكية أخرى في الفضاء ، فلا يسعنا الا الاستنتاج بأن الحياة المنتجة للتكنولوجيا على الارض كانت اسبق من غيرها من الحيوات الاخرى في مسيرة التطور والارتقاء .
ومن هذه المقدمات ، يصل كروفورد الى محصلته المثيرة : قدر الجنس البشري هو نقل الحياة الى كل المجرة واستيطانها. وهو يعتقد أن ذلك ممكن. أذ ليس ثمة مبدأ في الفيزياء او قواعد الهندسة يستبعد امكانية السفر بين النجوم . وحتى في أوائل عهد الفضاء أكد المهندسون أن استراتيجيات الدفع الذاتي الصاروخي يمكن ان تصل سرعتها الى 10 أو 20 بالمائة من سرعة الضوء . وهذا ما يسمح بالسفر الى أقرب النجوم في غضون عقود قليلة .
لا بل هو واثق من أن ترحال البشر بين مجموعات النجوم سيكون أمرا حتميا ، بهدف الحفاظ على الجنس البشري. أذ أن عمر كوكب الارض محدود، ناهيك عن انه مهدد بكوارث فلكية خطيرة كتساقط النيازك المدمرة أو عودة العهود الجليدية لسبب ما .
( III )
خلاصات مقنعة او مجرد خيالات علمية ؟.
نستطيع أن نختار ما نشاء من الاحكام بدون الخوف من أن نقع في خطا الحسابات. اذ أننا لن نكون موجودين لا بعد 50 سنة ولا بالطبع بعد 5 ملايين سنة لنتعرض الى التقريع بسبب سوء احكامنا!.
لكن  هناك شيء آخر قد يكون اكثر اهمية:  قبل فترة قصيرة كاد مذنب يصطدم بالارض. ولو فعل،  لكنا نحن البشر قد إنضممنا الان الى خبر كان الذي سبقتنا اليه    الديناصورات المنقرضة.
وهذا مايعطي نظريات ايان كروفورد صدقيتها: فإما ان يتنقل الجنس البشري الى الكواكب الاخرى، او يكون عرضة في أي حين للانتقال الى اليوم الآخر. وهي صدقية سيعززها الان  إكتشاف المجرات الجديدة ، الذي سيعني ان عامل الزمن ليس وراءنا بل لازال أمامنا .
 المجرات الرضيعة : أهلاً، مرحباً ! .

سعد محيو 

                                




الخميس، 1 أغسطس 2013

البشر كلهم داخل "صندوق أسود "!



- I  -
هل " رؤية المستقبل "  مهمة مستحيلة بالنسبة للبشر؟

كلا، يرد سريعاً العديد من علماء الفيزياء. لكنهم حين يفعلون، لا ينحازون بالطبع بأي حال للدجل  النابع من البلورة السحرية، بل إلى صندوق علمي له سمات علمية بحتة طوره علماء جامعة برينستون الشهيرة، ( التي أمضى فيها ألبرت أينشتاين جَل حياته العلمية) ، بالإشتراك مع عشرات علماء الفيزياء في انحاء العالم. 
هذا مشروع تم في إطار ما أطلق عليه إسم " مشروع الوعي العالمي "( GLOBAL CONSCIOUSNESS PROJECT  )، بهدف محاولة إثبات الفرضية بأن البشر متصلون بشكل وثيق ببعضهم البعض عبر عقل جماعي، قد يكون جزءاً من عقل العناية الإلهية.
 المشروع تمخَض عن ولادة طفل مثير هو " الصندوق الأسود الصغير" الذي لا يتجاوز حجمه حكم علبتي سجاير، والذي يتضمن رقاقات إلكترونية لا تختلف بشيء عن تلك الموجودة في الحاسوب المنزلي العادي. الصندوق يقوم بإستعراض الأرقام العشوائية بسرعة كبيرة وبشكل متصل، وهو يرتبط عبر الإنترنت بصناديق مماثلة يطلق عليها إسم " البيض "( eggs) في 41 دولة اخرى إضافة إلى الولايات المتحدة.
- II  -

الصندوق نجح، على ما يقال، في التنبؤ بأحداث 11 سبتمبر 2001 قبل 4 ساعات من وقوعها، وبكارثة التسونامي الآسيوي قبل 24 ساعة من حدوثها. وهو فعل ذلك حين سَحل ذبذبات قوية على شاشته جعلت العلماء يشكَون بأن شيئاً ما ضخماً سيحدث في العالم.
بيد ان التجارب لم تقتصر على مجرد التسجيل. فقد قام العلماء بإختبارات على اناس عاديين تم إحضارهم بشكل عشوائي إلى المختبر، فتبَين ان مشاعرهم أو إنفعالاتهم الدفينة التي كانت تسَجلها كومبيوترات شبيهة بتلك المستخدمة لكشف الكذب، كانت تصاب بإضطراب شديد حتى قبل ان تعرض عليهم صور مرعبة.
" ما هذا الذي يحدث هنا"، تساءل بذهول البروفسور روجر نيلسون رئيس مشروع الوعي العالمي، وهو يطلع على هذه النتائج، ليضيف :" الامر لا يكاد يصَدق، ولا نملك له حتى الان تفسيراً علمياً مقنعاً. إننا الان( العلماء) كمن يحارب الأشباح في غرفة مظلمة. لكن من الواضح أن البشر لا يستطيعون فقط الإطلاع على المستقبل بل أيضاً التأثير فيه إلى حد كبير".
لكن، كيف يحدث ذلك؟
- III  -
المسألة ترتبط بثلاث فرضيات.
الاولى، أن الزمن لا يتقدم إلى الأمام وحسب بل يتراجع كذلك إلى الوراء. وبرغم ان هذا غير مثبت علمياً، إلا انه جائز نظرياً في الفيزياء. وعلى أي حال، ثمة إجماع بين العلماء على ان الزمن في الثقوب السوداء( وهي نجوم عملاقة فقدت كتلتها ومساحتها وإحتفظت بوزنها) يعود القهقرى إلى الوراء مثله مثل المادة في هذه الثقوب. الزمن، بهذا المعنى، طريق بإتجاهين في آن  يتقاطع فيه الماضي والمستقبل عند نقطة واحدة هي الحاضر. ويبدو( كما يقول ويلسون) ان الوعي الجماعي الإنساني قادر على إلتقاط هذه النقطة.
الثانية، أن العقول البشرية قادرة على التأثير بالمادة وأيضاً بالزمن. وهذا ما بدأ يتم إثباته علمياً.
والثالثة، أن قدرات " الإحساس بالمستقبل " موجودة لدى كل إنسان، لكنه لا يدركها او يستخدمها. وحده الوعي الجماعي البشري، الذي هو بدوره حصيلة مجموع عقول البشر يبدو قادراً، ولسبب ما غير معروف حتى الان، على وضع هذه القدرات موضع التنفيذ.
مشروع الوعي الجماعي لايزال طفلاً يحبو، وقد يحتاج إلى بضعة عقود من الزمن قبل أن يصل إلى مرحلة النضج. لكنه حين يفعل( والأرجح أنه سيفعل) سيكتشف الجنس البشري أمرين متلازمين: مدى الوحدة العميقة بين كل أفراده، ومدى الإجرام العميق الذي يمارسه هذا الجنس ضد نفسه والطبيعة، بسبب  حروبه ونزقه وانانيته.
كما سيتم إكتشاف شيء آخر: البشر قادرون على صناعة مستقبلهم كما يشاؤون، ولو كره كهنة السحر والشعوذات!  

                                                                                سعد محيو


الأحد، 28 أبريل 2013

لا للتقدم.. فليسقط" الحيوان الانساني " !





( I )

نادرة هي الكتب التي تتمّرد على الحاضر كلّي الحضور ، فتكسر قيوده لترى ما بعده.

ونادرة  أكثر  تلك الافكار الكبرى  التي تتجاوز ،  هي الاخرى ،  قوانين الواقع الجامدة لتحاول الامساك بروح المستقبل المتحركة .
الرساّم  العبقري غاري لارسون ، لديه رسم كاريكاتوري رائع  لحقل ترعى فيه أغنام بسلام ، عدا خروف واحد حكيم يرفع رأسه فجأة بدهشة كبيرة ويصرخ : " إنتظروا ! . هذا عشب. ما نأكله هو عشب !  ".
المفّكر جون غراي كان دوما مثل خروف لارسون المتمرد ، الفخور بلونه الاسود بين قطعان الخرفان البيض. فهو يهوى السباحة عكس التيار ، ويعشق قول  " لا "  حين يقول الجميع  " نعم " . وهذا ليس من باب إثبات الوجود ( فهو لا يحتاجه بسبب شهرته ) ، بل من موقع التشديد على ان الحقيقة لا يمكن ان تكون ذات وجه واحد ،  او بعد واحد ، او مذاق واحد .
في كتابه ما قبل الاخير  " فجر كاذب " ، كان غراي  أول من حذّر من مخاطر العولمة الرأسمالية المنفلتة من عقالها. آنذاك ، إنصبت عليه الاتهامات وإنهالت عليه اللعنات ، لكونه يعارض " نهاية التاريخ " ، تلك النظرية التي تحولّت ال دين جديد في  التسعينات . لكن بعد فترة قصيرة ، إنقلبت الاتهامات الى إعترافات بالخطأ ، واللعنات الى إشادات ببعد الرؤيا.
والان ، يتقّدم غراي بما هو أكثر بكثير من نقد الظواهر الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات البشرية . إنه يوجّه سهامه هذه المرة الى البشر أنفسهم ، مدينا ما يسميه " الحيوان الانساني ".
لماذا ؟.
قبل  الاجابة  ، فلنتوقف قليلا  امام الافكار الرئيسة في كتابه الجديد " الهرطقات : ضد التقدم والاوهام الاخرى " ( * ) .
( II )

يحمل غراي بشّده، في  " هرطقاته  "  على المحافظين الجدد في إدارة بوش ويطلق عليهم
 " يعاقبة واشنطن الذين يعتقدون انه من الممكن إستئصال الشر من العالم " .
 يقول : " الخطر في السياسة الخارجية الاميركية لا يكمن في انها مهووسة بالشر ، بل بأنها تستند الى الاعتقاد بأنه يمكن إزالة الشر . ومثل هذا الغباء بعيد كل البعد عن حكمة الاباء المؤسسن الاميركيين الذين كان  هدف الحكومة بالنسبة لهم  ليس  قيادتنا الى الارض الموعودة ، بل جعلنا نتحاشى الشرور المتكررة التي تتعرض لها الحياة البشرية " .
ويشدد  على ان تنظيم " القاعدة " يشكل  بالفعل تهديدا لأستمرارية القيم الليبرالية الغربية نفسها ، لكن ذروة الغباء هو الادعاء بأنه في وسعنا هزيمته بالقوة العسكرية.
 بدلا من غزو العراق وإطلاق الضجيج التهديدي ضد إيران وسوريا ، كانت السياسة المنطقية تقتضي معالجة القضايا الاقليمية ، مثل الصراع الدموي الفلسطيني- الاسرائيلي ، والفصل بينه وبين نشاطات " القاعدة " ،  بهدف " إعادة الارهاب الى مستوياته التاريخية الطبيعية " . بيد أن  " صليبيي البيت الابيض والبنتاغون ( على حد تعبيره ) ،  يحتقرون بالطبع مثل هذه المقاربة التدريجية " .
غراي يعتبر نفسه " ما بعد إنسانوي " بشكل لا يتزعزع " .يقول : " حين كنا صغارا ، كان التعليم الشفوي الكاثوليكي يؤكد لنا ان العالم خلق من أجل فائدة الانسان وإستخداماته ، وبالتالي فإننا أسياد الخلق الذين تخضع لسيطرتهم كل الطبيعة بما فيها من نباتات وحيوانات . ويضيف  : بالنسبة للأنسانيين الليبراليين ، هذه الانباء الطيبة  لا تزال طيبة. بيد ان ما يسمى بالانظمة العلمانية التي تحكم الغرب ، ليست في الواقع سوى حصيلة ديانة مفككة تقوم على الاعتقاد بان حياة الانسان تصبح أفضل مع نمو المعرفة .
ويبدي غراي إحتقارا واضحا لمن يسميهم رجال الكهنوت العلماني الحديث . فهؤلاء  ورثوا فلاسفة عصر الانوار في  القرن الثامن عشر وهم يدعّون  أنهم يدشنون عهدا جديدا من الوثنية . في حين انهم، برأيه ،  كانوا في الواقع مسيحيين جدد .
 كل ما فعله عصر التنوير ، هو أنه عزز الدين المسيحي بوسائل أخرى .أما إيمان هذا العصر  بالتقدم  ، فلم يكن سوى الرسالة المسيحية نفسها وقد أفرغت من مضمونها الغامض والتجاوزي . لا بل  يقول غراي  أن أولئك الذين ما زالوا يحملون الايمان المسيحي ، أعمق تفكيرا واكثر ثقافة حتى  من أعتى خصومهم الانسانيين الليبراليين .
هذه المقدمات ،  تقود الى الاجابة على سؤالنا الاولي عن أسباب إدانة غراي للبشر .
إذ هو يعتبر أن الايمان  بالتقدم ، الذي يصفه بأنه " أفيون الطبقات المفكرة " ، ليس سوى أوهام  تخفي أكثر السياسات الاجتماعية والسياسية الصارخة في خطئها.
 بالطبع ، هناك شيء إسمه تقدم ، لكن هذا لا يوجد إلا في العلم ، فيما هو خرافة في الاخلاق والسياسات .
وفي كل متون الكتاب ،  يحمل غراي بشدة على الفكرة ، التي قدمت للمرة الاولى في عصر النهضة ثم كرّست في عصر الانوار ، وهي أن التاريخ يتحّرك بشكل حتمي في خط مستقيم ، وبأن الطبيعة البشرية ستتحّسن بالضرورة مع تراكم معرفتنا . يقول : " المعرفة الانسانية تكبر بالفعل ، لكن الحيوان الانساني ما يزال على حاله  ".
( III )

هل غراي على حق؟
أجل !. وعلى من  يرفض منطقه ، أن يفسّر لنا ،  أولا ، لماذا لم يكن هناك سوى عشر سنوات سلام فقط ، من إجمالي  تاريخ بشري عمره عشرة آلاف سنة من الحروب .


                                                                        سعد محيو
                 ________________________
(  * ) John Gray : Heresies : Against progress and other illusions.  Granta. 2004 )