للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بوتين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات بوتين. إظهار كافة الرسائل

السبت، 22 ديسمبر 2012

سورية بين تباطؤ واشنطن وعجلة موسكو




إلى أن تصل واشنطن وموسكو إلى اتفاق على ضبط توقيت ساعتيهما على إيقاع الحل المشترك( وهو حل آتٍ لامحالة)، سيكون ثمة فسحة قليلة أخرى من الوقت أمام عائلة الأسد لمواصلة مسلسل الدمار، وفي الوقت نفسه لحزم أمتعها استعداداً للرحيل.
اوباما- بوتين: ضبط الساعات السورية- الصورة من غوغل


- I -
لم يعد ثمة شك (كما أشرنا في مقال أمس) أن روسيا باتت جاهزة لإبرام صفقة حول سورية تتضمن، في محصلاتها النهائية، وضع حد لحكم عائلة الأسد المستمر منذ 40 سنة. لكن، هل الولايات المتحدة مستعدة لملاقاتها في منتصف الطريق؟
ضع جانباً البيانات الدبلوماسية الأميركية، التي تلهج بالحديث عن ضرورات التسوية السياسية وعن مامعاناة الشعب السوري، فتكتشف فوراً أن ماتريده واشنطن غير ماتقوله. إذ يبدو أن ذلك الجناح في الإدارة الأميركية الداعي إلى مواصلة القتال حتى سقوط النظام, لاتزال له اليد العليا في البيت الأبيض.
ويبقى الانتظار لمعرفة ما إذا كان ترشيح جون كيري كوزير للخارجية، بما عُرف عنه من اتصالات وثيقة مع الروس وتمسّك بالحلول الدبلوماسية (كان أول من وصف حرب فيتنام العام 1960 بأنها "خطأ")، قد يغيِّر مواقف البيت الأبيض.
لكن، حتى الآن، تبدو واشنطن سعيدة بغرق أيران في الوحول السورية، الأمر الذي يستنزف اقتصادها على نحو خطير (مليار دولار شهرياً لدفع رواتب موظفي الدولة السورية)، ويدمّر ماتبقى من نفوذ سياسي- إديولوجي لها في الشرق العربي. كما أنها (واشنطن) تشعر الراحة لتآكل مواقع موسكو الأخلاقية في العالم، بسبب دعمها لرئيس سوري يصفه المسؤولون الروس أنفسهم في مجالسهم الخاصة بأنه "جزار". (وفق معلومات نيويورك تايمز).
وفوق هذا وذاك، يشكّل تقدُّم المعارضة المسلحة السورية مؤخراً على جبهات قتال عدة، مبرراً لواشنطن كي تقول أن التدخل العسكري الغربي في سورية، لم يعد ضرورياً، ولتروِّج أيضاً (وإن كجزء من الحرب السايكولوجية) أن سقوط النظام بات وشيكا.
- II -

ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
أمراً واحدا: واشنطن تحبذ تسوية مع موسكو لحل الأزمة السورية، كما دلّت على ذلك المفاوضات الخاصة الروسية- الأميركية الأخيرة، لكنها ليست مستعجلة لإبرامها بسرعة. فيما موسكو باتت الآن تريد هذه التسوية بسرعة، بعد أن بدا واضحاً أن كل وعود النظام السوري بحسم الأمور عسكرياً باءت بالفشل وأن سيطرته على البلاد تتآكل ببطء ولكن بثبات.
وهكذا، تبادل الطرفان المواقف، بعد أن كانت واشنطن هي التي على عجلة من أمرها، فيما كانت موسكو قبل أشهر غير مستعجلة البتة لاعتقادها أن الأسد سيفوز.
وإلى أن يصل الطرفان إلى اتفاق على ضبط توقيت ساعتيهما على إيقاع الحل المشترك( وهو حل آتٍ لامحالة)، سيكون ثمة فسحة قليلة أخرى من الوقت أمام عائلة الأسد لمواصلة مسلسل الدمار، وفي الوقت نفسه لحزم أمتعها استعداداً للرحيل.

سعد




الخميس، 8 نوفمبر 2012

أوباما "سيجبن" في إسرائيل وإيران، و"يتشجّع" في سورية



 - أوباما- بوتين: بانتظار الصفقة السورية - الصورة من غوغل



العوامل الموضوعية لن تساعد أوباما في إيران وفلسطين وبقية الشرق الأوسط، سوى ربما في سورية.


- I -
حين أراد ديفيد أغناتيوس، الكاتب الأميركي (في واشنطن بوست، 8-11-2012)، تقديم النصح إلى الرئيس أوباما بعد فوزه بولاية ثانية، لم يجد في السياسة الخارجية سوى قضايا الشرق الأوسط كوسيلة لتحقيق الانجازات التي وضعها كلها في إطار "الصفقات":
صفقة مع إيران لإخضاع برنامجها النووي إلى المراقبة بهدف تجنُّب الحرب؛ صفقة في أفغانستان تساعد على تخطي الحرب الأهلية بعد مغادرة القوات الأميركية لهذه البلاد العصية على السيطرة العام 2004؛ صفقة لتحقيق انتقال سياسي في سورية، عبر تنظيم المعارضة السورية كي تصبح قوية بما فيه الكفاية لتقوم بالمساومات، ثم منح فلاديمير بوتين جائزة نوبل للسلام لمساعدته على تحقيق التسوية؛ وصفقة لإقامة دولة فلسطينية تحقق أمن إسرائيل وتعطي العالم العربي فرصة للمضي قدماً في عملية التحديث والدمقرطة.
أغناتيوس، المقرَّب من دوائر البنتاغون الأميركي، يريد من أوباما أن يكون "شجاعاً ومقداما" في ولايته الثانية للقيام بهذه "الصفقات"، بعد أن أثبت في ولايته الأولى أنه يفتقد إلى الحسم والكفاءة الاستراتيجية ويميل إلى التفاعل مع الأحداث بدل خلق الحدث، وإلى تجنُّب الخسارة بدل العمل على الربح.
لكن، هل أوباما في هذا الوارد؟.

- II -
ربما. فالرؤساء الأميركيون في ولايتهم الثانية يكونون متحررين عادة من الضغوط الانتخابية الخاصة بإعادة انتخابهم التي تمارسها مختلف لوبيات الضغط. لكن، مع ذلك، أي رئيس لايستطيع أن يتحرّك إلا في إطار ظروف موضوعية تساعده على تحقيق الانجازات في السياسة الخارجية.
فنيكسون وكيسينجر، على سبيل المثال، لم يكن في مقدورهما تحقيق الاختراق التاريخي مع الصين، لو لم تكن هذه الأخيرة جاهزة للقطيعة النهائية مع الاتحاد السوفيتي. والرئيس كارتر لم يكن لينجح في استيلاد السلام المصري- الإسرائيلي لولا وجود الرئيس أنور السادات في قصر الرئاسة الناصري.
هذه المعطيات غير متوافرة الآن في كلٍ من إيران وإسرائيل.
 فالأولى يسيطر عليها هذه الأيام صقور الحرس الثوري الذين "يعتاشون" اقتصادياً على شعارات التصعيد ضد أميركا، ولايبدون أي استعداد لإبرام صفقات تؤدي إلى وقف البرنامج النووي الذي يشرفون عليه، وإلى الحد من مصالحهم الاقتصادية الضخمة.
فضلاً عن ذلك، أميركا لن تقبل بأي صفقة كبرى مع إيران، لاتتضمن ليس فقط الحد من برنامجها النووي، بل أولاً وأساساً وقف طموحاتها الإقليمية في المنطقة العربية و"تناسي" رغباتها في محو إسرائيل من الخريطة، مقابل إعادة دمجها في النظام العالمي. وهذه أثمان فادحة لايبدو أن إيران مستعدة لدفعها. ليس بعد على الأقل.
والثانية (إسرائيل)، التي يسيطر عليه صقور الليكود، ليست جاهزة هي الأخرى لأي صفقة "كارترية" جديدة تؤدي إلى ولادة دولة فلسطينية، فيما هي تشعر بسعادة غامرة لقيام دويليتين فلسطينيتين متصارعين في كلٍ من غزة والضفة.
الصفقة الوحيدة التي يمكن أن ينجح فيها أوباما- 2 قد تتوافر في الوضع السوري، والتي يجب أن تتم بالطبع مع روسيا. إذ ثمة فرص قوية بإمكان إبرام مثل هذه الصفقة لجملة عوامل أهمها أن واشنطن لاتريد طرد النفوذ الروسي من سورية، بل المشاركة فيه في حد أدنى يتلخّص في جعل "سورية الجديدة" تبتعد عن إيران (من دون أن تقطع العلاقة معها)، وتقترب من المحور الأميركي- التركي- السعودي ( من دون أن تندمج فيه).
بالطبع، رأس بشار الأسد يجب أن يسقط حتماً في مثل هذه الصفقة. كما يتعيّن إعادة تنظيم الجيش السوري، من خلال "تنظيف" الفرقتين الرابعة والحرس الجمهوري من القيادات التي أشرفت على المذابح، ودمج قطاعات الجيش الحر في الجيش النظامي. وهذا أمر تستطيع روسيا القيام بها بسبب نفوذها الكبير على كبار الضباط العلويين، ولأن الجيش السوري من دون واردات السلاح السوري سيكون أشبه بفرقة موسيقية من دون أدوات موسيقية.
- III -
كما هو واضح، المسألة لاعلاقة لها بشجاعة أوباما أو جبنه في الشرق الأوسط، ، بل بالمصالح المتضاربة وطبيعة موازين القوى المحلية والإقليمية المتناقضة، كما بمآل الأزمات الاقتصادية الطاحنة في الداخل الأميركي.
وكما اعتاد نيقولو ماكيافيلي أن يقول:"النجاح نصفه موهبة، لكن نصفه الثاني يعتمد برمته على الحظ".
وأوباما يحتاج هذه الأيام إلى حقنات كبيرة من الحظ في الشرق الأوسط.

سعد


السبت، 21 يوليو 2012

السعودية: حول "صقورية" الأمير بندر





- I -
العنوان الرئيس الذي استُخدم على نطاق واسع في الغرب لوصف صعود نجم الأمير بندر في مدارج السلطة السعودية هو: " "شخصية صقرية لسياسة خارجية صقرية".
لكن، هل هذا التعبير دقيق؟


                                  بندر مع بوتين: البراغماتية اولا(غوغل)

ربما هو كذلك في ما يتعلق بسورية هذه الأيام. فهذا الرجل، الذي انهمك أكثر من غيره في الجهود لـ"ترويض الأسد" حتى حين اتُهِم هذا الأخير باغتيال أهم أتباع بندر (الرئيس رفيق الحريري)، يعرف أن هذه المحاولات لاطائل منها، وأن الحسم هي اللغة الوحيدة التي يفهمها هذا الرجل.
لكن، هل الوصف الصقوري ينطبق أيضاً على باقي مناحي السياسة الخارجية؟
البعض يتوقع أن يكون الأمر كذلك، خاصة بالنسبة إلى الصراع الراهن المكشوف على النفوذ بين السعودية وإيران. إذ أن تراقص نظام بشار الأسد على شفير السقوط، وبالتالي احتمال خسارة طهران لأهم نفوذ استراتيجي لها منذ أيام قورش الكبير قبل نيف وألفي سنة، لابد أن يدفعها إلى التخندق في أماكن في المنطقة، في مقدمها العراق ولبنان.
كيف؟
لا أحد يستطيع أن يجزم بعد ما إذا كانت إيران ستتصرف كذئب جريح أو كلاعب بوكر حاذق. إذ على رغم الباع الطويل لبلاد الخميني في التقية الباطنية والخبث الفارسي، إلا أن أوضاعها الاقتصادية- الاجتماعية المتدهورة بشدة في الداخل، قد تدفعها إلى التصعيد في الخارج. وهذا قد يأخذ شكل دفع قوى الشيعية السياسية في العراق إلى مواصلة فرز الألوان مذهبياً وتحويل "ديكتاتورية" نوري المالكي الفردية الناشئة إلى ديكتاتورية مذهبية عامة (في حال وافق على ذلك وقرر التخلي عن حليفه الرئيس الأميركي). كما قد تأخذ شكل لعب ورقة حزب الله في لبنان، إما عبر تشجيعه على إعادة فتح الجبهات مع إسرائيل، أو محاولة القفز إلى السلطة السياسية المباشرة في بيروت. وهذا يمكن أن يتم من خلال المطالبة بنظام سياسي جديد يقوم على المُثالثة وعلى تناوب رئاسة الحكومة بين السنّة والشيعة، أو حتى على سيطرة الشيعة على رئاسة الوزراء.
احتمال التصعيد الإيراني، إذا، وارد. لكن التاريخ الدبلوماسي للأمير بندر لايشي بأنه قد يرد فوراً بشكل "صقري" عليه، قبل أن يحاول إعادة طهران إلى القفص الحواري. وهنا يجب ألا ننسى أن الطرف الذي عرقل حصول إدارة بوش السابقة على تفويض من مجلس الأمن لضرب إيران، كان هو نفسه بندر حين طار إلى موسكو وطلب منها عرقلة هذا المسعى. آنذاك، لم يكن من مصلحة الرياض نشوب حرب كبرى جديدة في منطقة الخليج.
البراغماتية هنا هي على الأرجح التي ستحكم سعيدا العلاقات السعودية- الإيرانية، سواء أكان ذلك باتجاه التبريد أو التسخين.
لكن، هل "المسألة الإيرانية" هي كل جوهر السياسة الخارجية السعودية في هذه المرحلة؟

- II -

إنها جزء كبير منها، لكنها ليست كلها. لا بل يشك الكثيرون بأن ثمة قاسماً مشتركاً ما بين الطرفين في هذه الأيام، يتمثّل في التوجس من مضاعفات الربيع العربي.
موقف السعودية من هذا الربيع اتضح منذ اللحظة الأولى لاندلاعه. لكن موقف طهران بدأ ينجلي الآن بعد أن اكتشفت أن الصعود الإسلامي في المنطقة العربية، بدأ يصب في خانة الإسلام التركي الصوفي والديمقراطي، لا في خانة الثورية الشيعية الخمينية. وبالطبع، هذا قد ينعش في وقت قريب آمال الثورة الخضراء الإيرانية بالخروج من معتقل ولاية الفقيه إلى رحاب الحرية والديمقراطية.
هذه الحقيقة، أي كون الربيع العربي، بكل مكوناته وانقلاباته الإديولوجية والثقافية والاجتماعية، عنصراً استراتيجياً في أي سياسة خارجية لأي دولة، لن تنفع معه السياسات الصقورية، بل هو سيحتاج إلى فكر جديد، و أنموذج(Paradigm) جديد، ومقاربة تنطلق من الداخل إلى الخارج، لا فقط من الخارج إلى الداخل.
صحيح أن بإمكان المملكة أن تؤثِّر على مسار عمليات الانتقال إلى الديمقراطية، عبر تمويل ودعم الحركات السلفية (كما فعلت في مصر خلال الانتخابات).  لكن السلفيين لن يكونوا قادرين لا الآن ولا غداّ على تشكيل بديل حقيقي يكون مقبولاً من الغرب وقابل للحياة، عن القوى الإسلامية التي نضحت خلال العقود الثلاثة الأخيرة في مجال الحياة السياسية والانتخابية والديمقراطية.
وصحيح أن المملكة، ومن خلال استخدام عضلاتها المالية الضخمة، في وسعها "شراء" عدم دعم الأنظمة الإسلامية للقوى الإسلامية والإصلاحية السعودية والخليجية المطالبة بالمشاركة في السلطة، لكن هذا لن يؤدي إلى وقف التأثر الذاتي لهذه القوى بكل مايجري من تمخضات ديمقراطية في تونس ومصر وليبيا، وقريباً في السودان وسورية والبحرين، وربما في الكويت وعُمان.

- III -
ماذا يعني كل ذلك؟
أمراً واحدا: مالم تكن السياسة الخارجية في هذه المرحلة امتداداً للسياسة الداخلية الإصلاحية، فإنها ستكون مجرد صرح كرتوني سرعان ماستجرفه تطورات محلية مفاجئة. وإذا ما كان البعض يعتقد أن بلاده ستكون الاستثناء في الربيع العربي، فعليه أن يتذكّر أمرين. الأول، أن مبارك والقذافي والأسد كلهم أجمعوا على أن دولهم ليست تونس. والثاني، أن الربيع العربي ليس بعيداّ البتة في الواقع عن إرادة واشنطن والعولمة. وهذان الطرفان الأخيران، وكما دلّت صراعات مصر الأخيرة بين الإخوان والجيش، لن يقبلا بأي "تسوية خلافات" مع السعودية وبقية دول الخليج، ما لم تتضمن هذه التسوية خريطة طريق واضحة للإصلاح والتغيير، خاصة بعد أن تضع الأزمة السورية أوزارها.
* * *
هل تلمسنا الآن لماذا السياسة الصقرية وحدها لن تكون كافية ، في هذه المرحلة الصاخبة من تاريخ الشعوب العربية؟
سعد
___________

 (*) ملاحظة: سقط سهواً أمس اسم كتاب وليام سيمبسون عن الامير بندر، وهو:
The Prince
The secret story of the world's most intriguing royal
Prince Bandar Bin Sultan
ًWilliam Simpson
Regan- An imprint of Harpercollins publications - 2006
__________________________________

                                                                                 


الثلاثاء، 19 يونيو 2012

قمة بوتين- أوباما: "رحيل مشرِّف" للأسد؟





هل كان أول بيان مشترك بين الرئيسين بوتين وأوباما حول سوريا، مفاجئا؟
أجل. ولكن فقط لأولئك المحلليين من أنصار النظام السوري الراهن، الذين رسموا صورة زاهية خيالية ومبكرة للغاية لنظام عالمي جديد وُلد وانقضى الأمر. نظام تقف فيه الصين وروسيا وبقية دول البريكس ( الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا) إلى جانب سورية وإيران، في حرب باردة جديدة مع الغرب.




لكن أي قراءة مُدققة للبيان المشترك في القمة الروسية- الأميركية التي عقدت على هامش قمة العشرين، والتي احتلت فيها المسألة السورية ثلث وقت المحادثات بين الرئيسين، تشي بأن موسكو وبكين أبعد ماتكونا عن "الحرب الباردة" واقرب ماتكونا إلى البحث عن "التعاون الحار" لتحقيق مصالح مشتركة.
 إنه نظام عالمي جديد حقا، لكنه نظام متعولم بين قوى عظمى متعولمة، قد تتنافس في ما بينها على قطعة حلوى الأسواق والموارد، لكنها لاتبدو مستعدة لقلب الطاولة على رؤوس الجميع كما كانت تفعل امبرياليات القرن العشرين. فكما يقول المفكر نيغرو عن حق (في كتابه "الأمبراطورية")، عصر الأمبرياليات المتصارعة ولى ليحل مكانه عصر امبراطورية العولمة، الذي تتقاسم فيه الذئاب الدولية الكبرى الشاة حتى وهي تتصارع في ما بينها.
نعود إلى البيان المشترك.
هذا البيان لم يكن في الواقع حول سوريا وحسب بل أيضاً (وربما قبل ذلك) حول الولايات المتحدة.
عما نتحدث هنا؟
عن معركة انتخابات الرئاسة الأميركية. إذ أن موافقة بوتين على دعم جهود أوباما لمنع تحوّل الأزمة السورية إلى مادة ساخنة في هذه الانتخابات، كما يريد بقوة المنافس الرئاسي الجمهوري مبت رومي، يعني أن روسيا رمت بثقلها كاملاً إلى جانب أوباما. وهذا أمر متوقع، على أي حال، من جهة لأن ميت رومي صرح علناً بأنه يعتبر روسيا "العدو الجغرا- سياسي" الأول للولايات المتحدة"، ومن جهة أخرى لأن موسكو كانت ولاتزال تخشى تطرف الجمهوريين الأميركيين في مجالي الأمن والسياسة الخارجية (حرب النجوم وسباق التسلح الريغانيين أديا إلى إفلاس الاتحاد السوفييتي وساهما في إسقاطه).
هذا الاقتراع البوتيني لصالح أوباما، قابله على مايبدو دعم أميركي، رسمي وعلني هذه المرة، للنفوذ الروسي في سورية. فالبيان المشترك كرر حرفياً تقريباً موقف موسكو الداعي إلى وقف العنف، والانتقال السلمي إلى الديمقراطية بـ"قيادة السوريين أنفسهم" والعمل مع الأطراف الدولية الأخرى لتسوية الأزمة.
وبهذا، تكون موسكو قد نالت من واشنطن الضوء الأخضر الكامل لترتيب المرحلة الانتقالية في سورية، بما في ذلك احتمال عقد مؤتمر دولي برعاية روسية وربما حتى إرسال قوات دولية إلى بلاد الشام بمشاركة وإشراف عسكريين روسيين أيضا.
إين بشار الأسد في هذا التطور الانقلابي؟
من حق الرئيس السوري أن يقلق. إذ حتى لو حصلت موسكو على كل ماتريد كاملاً من واشنطن، إلا أنها لاتستطيع أن تدير ظهرها للمصالح والهيبة الأميركيتين في الشرق الأوسط، في إطار مايمكن أن يكون كوندومينيوم (حكم مشترك) روسي- أميركي لسورية. وهذا يعني ضرورة وضع حد لولاية الأسد وربما أيضاً عائلة الأسد المباشرة في السلطة.
لكن، كيف يمكن التوفيق بين رغبة روسيا بعدم إضعاف النظام السوري عبر إذلاله من خلال إخراج الأسد بالقوة من السلطة، وبين شرط واشنطن بأن تتم مقايضة بقاء النظام برحيل رئيسه؟
ثمة حاجة إلى حل وسط. والأرجح أن هذ سيأتي في صيغة "الخروج المشرّف" للأسد من القصر الرئاسي خلال بدء المرحلة السياسية الانتقالية، أي لامع بدايتها كما كان يريد الأميركيون، ولامع نهايتها كما كان يرغب الروس.
لكن، ماذا لو اعترض الرئيس الأسد على هذه الصيغة؟
حسناً. سيكون على موسكو حينها التفاهم مع كبار الجنرالات العلوييين (الأمنيين والعسكريين) الذين تدرّب وتخرج معظمهم من الاكاديميات العسكرية الروسية.
وماذا إذا بقي هؤلاء الجنرالات في خندق واحد مع الأسد وعائلته؟
آنذاك، ستكون الحرب الأهلية الشاملة حتمية. وحينها قد يفتقد النظام السوري ككل الحليف الروسي  الذي لن يكون من مصلحته الغرق في الوحول نفسها التي كانت، جزئياً، مسؤولة عن إفقاده امبراطوريته في أفغانستان.
* * *
بيان مشترك روسي- أميركي حول سورية؟
هذا البيان لم يكن غير مفاجيء وحسب، بل هو سيكون خطوة أولى لها ما بعدها حتما. فالنظام العالمي الحقيقي ليس البتة ماتخيّله، لايزال، أنصار النظام السوري الحالي.

            ___________________________________