للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الربيع العربي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الربيع العربي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 9 أبريل 2014

انقلابات الربيع العربي:(2) وداعاً للهوية، أهلاً بالصراع الطبقي




قلنا بالأمس (راجع اليوم، غداً- 8-4-2014) أن شعارات الديمقراطية والحريات لن تختفِ، وأن قوى الاسلام السياسي ستعيد في نهاية المطاف، وبعد أن تفيق من صدمة الخروج من جنة الحكم إلى جحيم السجون مجدداً، النظر في أسباب تناقض أولوياتها مع الأولويات الشعبية، كما حدث لأسلاميي أردوغان بعد سقوط تجربة أستاذهم أربكان العام 1997، إلا أن هذا لن ينفِ الحقيقة بأن الدولة الأمنية عادت بقوة إلى الساحة بدعم شعبي واضح.
ثم تساءلنا: هل سيعني هذا "نهاية التاريخ" بالنسبة إلى أولوية الديمقراطية؟
الدولة الأمنية
الحال أن الدولة الأمنية، خاصة في مصر، سنتنشط من الآن فصاعداً لتثبيت أقدام شرعيتها على محاور ثلاث: الحرب ضد "الإرهاب"، والضرب على وتر الوطنية المصرية وانتهاج سياسة خارجية نشطة لتغذية هذه الوطنية خصوصاً في منطقة منابع النيل وسيناء وربما أيضاً في المجابهة الشكلية مع الولايات المتحدة، وطرح مشاريع اقتصادية كبرى كبناء مليون شقة سكنية وتطوير قناة السويس.
نظام حسني مبارك أفاد أيما إفادة من المحور الاول، حين حظي بشرعية قتاله ضد الإرهاب الأصولي طيلة عقد كامل من التسعينيات. والأرجح أن النظام الجديد برئاسة المشير السيسي سيراهن على الأمر نفسه، خاصة وأن الأمن باتت له الأولوية لدى قطاعات واسعة من المصريين.
بيد أن مسألة الأمن والإرهاب، وعلى رغم أنها ستمنح النظام الجديد فرصة كبيرة لالتقاط الأنفاس، ستكون في الواقع أشبه بمعالجة مرض السرطان بالاسبيرين. هذا ناهيك عن أنها مؤقتة. فسكان مصر، الذين تجاوز تعدادهم الـ86 مليون نسمة، نصفهم تحت خط الفقر وثلاثة أرباعهم تحت سن الخامسة والثلاثين، يحتاجون إلى ثورة انتاجية حقيقية وشاملة قادرة وحدها على "توفير فرص العمل، والتعليم، والمسكن، والغذاء، والعلاج"، وهي أمور وعد بها المشير السيسي المصرييين في خطاب الترشيح للرئاسة (16-3-1014).
بيد أن اللايقين يهيمن على قدرة السيسي على تنفيذ هذه القفزة الانتاجية لسبيين رئيسيين: وجود طبقة كومبرادورية قوية، وظاهرة العولمة التي ترتبط بها هذه الطبقة.
بالنسبة إلى السبب الأول، معروف أن الطبقة المهينة حالياً على مصر، هي طبقة رجال الأعمال الجدد الكومبرادوريين الذين برزوا في عهدي السادات-  مبارك، والتي تضم أيضاً كبار رجال بيروقراطية الدولة وأجهزة الأمن والجيش. وكل هذه القوى ستقاوم بشراسة إعادة بناء الدولة على أسس جديدة وحديثة وانتاجية، ناهيك عن معارضتها البديهية لأي فكرة حول العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الدخل، وتوجيه الدولة للاقتصاد والاستثمارات نحو القطاعات الانتاجية والاستراتيجية.
لقد أشار السيسي في خطاب الترشيح إلى "ضرورة إعادة بناء جهاز الدولة الذي يعاني من الترهل، بحيث يتحدث بلغة واحدة ويصبح وحدة واحدة" (وهذه إشارة إلى صراع "إقطاعيات" القضاء والشرطة ودوائر الاقتصاد)". لكن، هل هذا ممكن من دون مجابهة مايسميه سمير أمين "الكتلة الرجعية بقيادة البورجوازية الكومبرادورية"؟
أمين يعرف هذه الكتلةعلى النحو التالي:
 " إنها (الكتلة) برزت خلال الأربعين سنة الماضية، من خلال صعود البورجوازية الغنية التي كانت المستفيد الوحيد من اللامساواة الفضائحية التي ترافقت مع النموذج الليبرالي المعولم. وهي تضم بضع عشرات الآلاف ليس من "منظمي المشاريع المبتكرين، كما يسميهم البنك الدولي، بل من أصحاب الملايين والمليارات الذين يعود الفضل في ثرواتهم إلى التواطؤ مع جهاز الدولة ضمن منظومة الفساد. هذه البورجوازية الكومبرادورية (التي يسميها المصريون طبقة الطفيليين الفاسدين) تنشط بحماسة لضم مصر إلى النظام الامبريالي المتعولم من دون شروط. وهي تشمل في صفوفها العديد من جنرالات الجيش والشرطة، و"مدنيين" لهم روابط بالدولة، وشخصيات دينية والشيوخ البارزين في الأزهر".
ويقول عبد الحكيم عبد الناصر، نجل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر،  أنه رغم دعمه ترشيح السيسي للرئاسة، إلا أنه يخشى أن تبتلع هذه الطبقة الكومبرادورية، والتي قال أنها تسيطر عملياً على الإعلام والاقتصاد في مصر، الجهود الاصلاحية التي قد يقوم بها السيسي.
جدار العولمة
لكن، حتى لو نجح الرئيس المصري الجديد في تجاوز بعض العقبات الكأداء التي تضعها هذه الطبقة في وجه التنمية الانتاجية في مصر، إلا أنه سيصطدم في النهاية بجدار السبب الثاني الذي أشرنا إليه وهو نظام العولمة.
فهذا النظام، الذي استند منذ أربعة عقود إلى النظريات الليبرالية الجديدة (أو مايسميه اليساريون "الرأسمالية المتوحشة")، سيفرض على السيسي أن يضع إصلاحاته إيضاً في الإطار النيو- ليبرالي. وهذا يشمل رفع الدعم عن مشتقات الوقود والغذاء، وإصلاح الخلل في ميزانية الدولة، ومكافحة التضخم، ومواصلة مشاريع الخصخصة. وكل ذلك سيفرض تدابير تقشفية قاسية على شعب يعاني أصلاً من أزمات معيشية خانقة. هذا علاوة على أن إسرائيل، التي تتمتع بنفوذ خاص وبارز في نظام العولمة، كانت ولاتزال ترفض إقامة أي مشاريع انتاجية في مصر لأن ذلك سيشكل، كما سبق لديفيد بن غوريون أن قال، "خطراً على موقع الدولة العبرية وأمنها القومي في الشرق الأوسط".
الحل الوحيد الذي يبدو ممكناً لتحقيق التنمية الذاتية في مصر هو ما أسماه خبير اقتصادي يساري "العمل على الانفكاك أو الخروج من النظام العالمي". بيد أن هذا بالطبع يتطلب قماشات سياسية غير متوافرة حتى الآن لا في المنطقة العربية ولا في بقية مناطق الجنوب في العالم.
وبالتالي، سيجد النظام المصري الجديد، وفي الواقع أي نظام عربي آخر في منظومات الربيع العربي، نفسه متنازعاً بين عولمة مدمرة تفرض ذاتها بالقوة العارية، وبين تنمية اجتماعية- إنسانية حقيقية مستحيلة.
وبين الواقع والاستحالة، ستكون الثورات الشعبية المتجددة والمتتالية في مصر وبقية المنطقة العربية، هي على الأرجح الحاضر والمستقبل الوحيدين لشعوب المنطقة.
* * *
إن عوامل الهوية والصراع الاجتماعي والعولمة ستواصل التفاعل العنيف في المنطقة، جنباً إلى جنب مع ظواهر التطرف الأصولي، والتفكك الاجتماعي والطائفي- الاثني، والحروب الأهلية في المجتمعات العربية التعددية.
لكن سيف الحسم، في نهاية المطاف، سيكون لصالح الصراع الطبقي بين كثرة الفقراء الكاسحة، التي تقودها الآن "الطفرة الشبابية" الكبرى، وبين الواحد في المئة من الاغنياء المنتمين إلى بيروقراطية العولمة.
وهذا يذكرنا بالمناخات الشعبية التي سبقت الثورة الفرنسية الكبرى العام 1789 ومهّدت لها، قبل أن تتسلم قيادها البورجوازية الفرنسية. هذا بالطبع مع الفارق الكبير أن هذه الأخيرة كانت ثورية مناقضة للإقطاع، فيما البورجوازيات العربية رجعية مستسلمة لبيروقراطية العولمة ومراكزها وشركاتها وجيوشها.
سعد محيو
..






الثلاثاء، 8 أبريل 2014

انقلابات الربيع العربي:(1) وداعاً للهوية، أهلاً بالصراع الطبقي


ثلاث سنوات عجاف مرّت الآن على موجة ثورات الربيع العربي، من دون أن تتوضح تماماً بعد طبيعة هذه الثورات، أوديناميكياتها، وبالتالي مآلها.
بالطبع، دوافع هذه الانتفاضات معروفة. وقد تحدثت عنها باسهاب التقارير المتلاحقة عن التنمية البشرية العربية التي أصدرتها الأمم المتحدة: عجوزات المعرفة، والحرية، واللامساواة بين الرجل والمرأة. هذا بالطبع إضافة إلى وصول التحديث الاقنصادي- الاجتماعي والسياسي (ومعه مسألة الهوية) في كل الدول العربية تقريباً إلى طريق مسدود، وغياب مفهوم الأمن الإنساني بفعل سيطرة الدولة الأمنية (المخابرات والجيش) على مقدرات الأمور.

3 مسائل
ويمكن تلخيص هذه العوامل في ثلاث: مسألة الهوية، والصراع الاجتماعي (الطبقي) والعلاقة مع ظاهرة العولمة بصفتها أحد المحددات الكبرى الجديدة ليس فقط للاقتصاد والسياسة، بل أيضاً للثقافة والفكر في كل دول العالم.
كل هذه العوامل مجتمعة كانت حاضرة خلال اندلاع الثورات. لكن الطريقة التي تفاعلت بها هذه العوامل في الشارع المنتفض، كانت غامضة إلى حد كبير ومتناقضة (تبعاً لتناقض القوى الاجتماعية التي تحملها) إلى حد أكبر.
فالقوى الإسلامية، مثلاً، اعتبرت أن هذه الثورات هي في الواقع انتفاضة الهوية على ما اعتبرته تهميشاً للإديولوجية الإسلامية ليس فقط مع الدولة الحديثة العربية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، بل أيضاً منذ انهيار الخلافة العثمانية العام 1924. وجاءت المكاسب الانتخابية الكاسحة التي حققتها هذه القوى في مصر وتونس، ولكن ايضاً في المغرب، لتؤكد لها صحة تحليلها، ولتركز كل جهودها بالتالي على بناء دولة إسلامية بأقصى سرعة ممكنة، مستفيدة من الدعم الأميركي لها.
بيد أن سنة واحدة من تجربة سلطة الإخوان في مصر، سرعان ما اثبتت خطل هذا التحليل. فقد تجاهلت كثرة واسعة من فئات المجتمع المصري جهود الإخوان لـ"أسلمة" الدولة والمجتمع تطبيقاً لشعار "الإسلام هو الحل"، ونزلت بكثافة إلى الشوارع في 30 حزيران/يونية ليس لإعلان رفض الهوية بل للتشديد على أولوية الشأن الاجتماعي، أو بالأحرى، صراع الطبقات، على ماعداه.
الأمر نفسه تكرر مع القوى العلمانية والقومية والوطنية (وإن بشكل أقل حدة بسبب ضعفها، من جهة، ولأنها ليست في السلطة، من جهة أخرى)، والتي أعطت الأولوية للحرية والديمقراطية، أي عملياً للهوية السياسية، فإذا بها تفاجأ بأن غالبية المجتمع تنحاز عملياً إلى ما هو ضد هذه الأخيرة، أي لصالح سلطة الدولة العميقة التس نشبت ثورة 25 يناير أصلاً ضدها، على اعتبار أنها قد تحقق ماقفزت عليه دولة الأخوان: الأمن والخبز. وقد اتخذ هذا التطور شكلاً ضبابياً من الوطنية المصرية المتطرفة المتمحورة حول الدولة (أياً يكن شكلها).
في تونس، كادت التطورات تصل إلى الحصيلة نفسها، لولا أن تدارك حزب النهضة الأمر وسارع إلى استيعاب الانتفاضات الشعبية المطلبية المحتملة، من خلال تقديم تنازلات سريعة في الدستور وفي العلاقة مع الاحزاب العلمانية على حساب الهوية والإديولوجيا.
جلاء الغموض
الآن، وقد اتضح أن الأولوية القصوى في المجتمعات العربية هي للشأن الاقتصادي- الاجتماعي، أي عملياً لصراع الطبقات، فإن العديد من قسمات الغموض التي أحاطت بهذه الثورات قد تنجلي. ولن يكون من العسير بعد الآن استطلاع ماقد تؤول إليه التطورات، على الأقل في بلدان الربيع العربي.
صحيح أن شعارات الديمقراطية والحريات لن تختفِ، وصحيح أن قوى الاسلام السياسي ستعيد في نهاية المطاف، وبعد أن تفيق من صدمة الخروج من جنة الحكم إلى جحيم السجون مجدداً، النظر في أسباب تناقض أولوياتها مع الأولويات الشعبية، كما حدث لأسلاميي أردوغان بعد سقوط تجربة أستاذهم أربكان العام 1997، إلا أن هذا لن ينفِ الحقيقة بأن الدولة الأمنية عادت بقوة إلى الساحة بدعم شعبي واضح.
فهل سيعني هذا "نهاية التاريخ" بالنسبة إلى أولوية الديمقراطية؟
(غدا نتابع)

سعد محيو

السبت، 18 مايو 2013

الربيع ينتظر طنجرة البريستو العربية



- I -
قلنا بالأمس أن الانفجار والدمار اللذان تشهدهما المجتمعات العربية هذه الأيام هائل بالفعل. لكن، مايغفله الكثيرون هو أن الحدث أمر طبيعي في الواقع، لا بل قد يثبت أنه في خاتمة المطاف صحي ومثمر.
لكن كيف؟
قبل الثورات، كانت المجتمعات العربية أشبه بطنجرة الضغط (البريستو) التي أحكمت الأنظمة السلطوية إغلاقها بدعم كامل من الغرب، فخلق ذلك استقراراً وهمياً ظن الكثيرون، بما في ذلك  هذا الغرب نفسه، أنه ثابت ودائم.
بيد أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر في واشنطن ونيويورك أسفرت عن إرخاء القبضة الغربية الداعمة، فبدأ غطاء البريستو يترنح. وترافق ذلك مع صعود هائل في طفرة أعداد الشباب، وفشل مشاريع التنمية والنهوض الاقتصادي في العديد من الدول العربية، والفراغ الإيديولوجي الناجم عن إفلاس الطبعة الفاشية من القومية العربية ومن وطنية الدولة- الأمة في كل بلد عربي، فبات كل شيء جاهزاً للانفجار.
بالطبع، تباينت درجة التشظي في كل دولة. لكن الحصيلة في الواقع كانت، وستكون أكثر، واحدة: إعادة بناء المجتمعات العربية على أسس وتوازنات وقواعد جديدة، تبعاً للخصوصيات التاريخية والراهنية لكلٍ من هذه الدول.
ففي مصر وتونس والمغرب، ستعتمد إعادة البناء هذه على مدى قدرة الحركات الإسلامية على بلورة هوية وطنية جديدة قادرة على حل التناقضات بين أطياف المجتمع، من ناحية، وبين الإسلام السياسي والديمقراطية، من ناحية أخرى. وأيضا(وربما هنا الأهم كما تدل التجربة التركية) على تحقيق نهضة اقتصادية شاملة.
ومالم تنجح الحركات الإسلامية في تحقيق هذه الأهداف، ستتواصل التمخضات العنيفة داخل طنجرة البريستو، وقد يسفر ذلك عن استيلاد ليس ثورة واحدة جديدة بل سلسلة من الثورات الاجتماعية المتواصلة.
وفي سوريا وليبيا، اتخذ الانفجار شكل الوعاء الذي نشأ منه، وهو وعاء يعج بالتظلمات الطائفية والقبلية والإثنية. فنَحَتْ الامور في كلا البلدين منحى تصفية الحسابات بين الريف السنّي وبين العلويين في سورية، وبين القبائل المتنافسة وغلاة الزيديين والسنّة في اليمن.
 وهكذا، باتت إعادة البناء تتطلب إعادة النظر في الكيانات السياسية نفسها، لا في الأنظمة السياسية وحدها كما في مصر وتونس. وهذه عملية قد تستغرق ردحاً من الزمن قبل أن تصل النخب المتصارعة إلى الاقتناع بضرورة تطوير نظام سياسي جديد أكثر تعددية وأقل عسفاً في العلاقة بين الطوائف والقبائل.
صحيح أن هذه العملية دموية للغاية وقاسية للغاية، إلا أنها لابد أن تصل في لحظة ما إلى نهايات سياسية تعيد البناء من جديد، سواء كان ذلك في إطار دولة سورية ويمنية وليبية موحّدة وديمقراطية أو دولة فيدرالية على النمط العراقي أو اللبناني.

- II -
بيد أن تمخضات طنجرة البربستو لاتقتصر على العوامل الداخلية في بلدان الربيع العربي. إذ هناك أيضاً الحدث الجلل المتمثّل في الصعود الهائل والسريع لتركيا إلى قمرة القيادة الإقليمية والعالمية، والذي سيترك بصمات واضحة على الوجهة التي ستسير فيها الثورات العربية. كما هناك أيضاً عوامل أخرى لاتقل أهمية:
- تقلُّص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط وتفاقم الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية في البلاد نتيجة لكلٍ من السياسات المخطئة واستنزاف الغرب لإيران في سباق على التسلح والنفوذ الإقليمي شبيه بذلك الذي تعرّض إليه الاتحاد السوفييتي السابق. وهذا سيسفر في مرحلة ما عن انفجار جديد لطنجرة البريستو الإيرانية، بما لذلك من تأثيرات أخرى ضخمة على المنطقة لاتقل عن تأثيرات الصعود التركي؟
- بدء إنحسار النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، بفعل كلٍ من الأزمة الاقتصادية الداخلية واستراتيجية الاستدارة شرقاً التي تنتهجها حالياً إدارة أوباما. وهذا ماسيعطي أهمية مضاعفة للتمخضات المحلية والإقليمية في الشرق الأوسط على حساب الأدوار الدولية المُقررة المعهودة.
- وأخيراً، تراجع قدرة إسرائيل الاستراتيجية على توجيه دفة الأحداث في المنطقة، بعد أن انتقل الوزن التاريخي الفاعل في بلدان المنطقة من مؤسسات الدول والنخب الحاكمة إلى المجتمعات المدنية والأهلية. صحيح أن الدولة العبرية قد تفيد من تفكك الكيانات في الهلال الخصيب وتشتق لنفسها مناطق نفوذ بين بعض الطوائف والإثنيات، إلا أن السياق العام للتطورات في كل المنطقة، مترافقاً مع انتقال مركز الثقل العالمي إلى آسيا/الباسيفيك ومعه محط التركيز الأميركي وصعود تركيا، سيسفر في نهاية المطاف عن تآكل الهيمنة الضمنية الإسرائيلية على نظام كامب ديفيد الشرق أوسطي.

- III -
كل هذه المعطيات تكسي لحماً وعظماً الفرضية التي تقول إن المرحلة الانتقالية العربية الراهنة، على رغم كل آلامها (في مصر وتونس) ومآسيها المُروِّعة (في سورية) ومعاناتها القاسية (في ليبيا)، ستؤدي في خاتمة المطاف إلى ولادة جديدة في المنطقة. وعلى أي حال، بعد كل حرب هناك سلام، وبعد كل دمار هناك إعادة بناء، وبعد كل هبوط صعود.
ربما توقّف الكثيرون عن وصف الثورات العربية بالربيع، وباتوا أقرب إلى نعتها بالشتاء. بيد أن هذه نظرة تفتقر إلى العمق التاريخي.
صحيح أن هذه الثورات لم تقد إلى أنظمة ديمقراطية مستقرة، كما ثورات ربيع أوروبا الشرقية خلال الموجة الثالثة من الديمقراطية، لكن الصحيح أيضاً أن الثورات العربية فتحت باباً لم يعد في الوسع إغلاقه بعد الآن، وهو سيقود في نهاية المطاف إلى حياة جديدة و"عرب جدد".
كل ما في الأمر أن التناقضات غير المحلولة التي تراكمت في طنجرة البريستو العربية طيلة نيف و60 عاما(والبعض يقول ألف عام!)،  لما تنفجر كلها بعد.

سعد محيو





الخميس، 16 مايو 2013

من يسيطر الآن على تاريخ الشرق الأوسط؟





- I -
للمرة الأولى في التاريخ الحديث، وربما حتى أيضاً في التاريخ القديم منذ العصر العباسي، تطغى العوامل الداخلية على العوامل الخارجية في تشكيل الحدث العربي.
قد لايكون هذا التطور كاملاً او تاماً، في عصر تحوّل العالم فيه إلى قرية واحدة، لكنه حقيقي. صحيح أن قوة جاذبية الدول الكبرى لاتزال موجودة بكثافة، لكن إلى جانبها الآن نبض الشارع العربي الذي يخفق بشدة هذه الأيام.
 العامل الداخلي الذاتي حظي فجأة بقصب السبق واحتل سلم الاولويات. وهو إن لم يكن قادراً على أن يصنع التاريخ وحده، إلا أنه سيؤثر حتماً فيه وفي توجهاته.
الأمريكيون أول من أدرك هذا التطور الجديد والكبير في السياسات العربية، ولذلك تحركوا بسرعة لمحاولة فهمه أولاً، ولتحديد الموقف منه ثانياً. هذه بعض العيّنات:
-       ستيفن هايدمان( نائب رئيس مؤسسة الولايات المتحدة للسلام): المنطقة العربية تهتز بعنف، ويتعيّن على الولايات المتحدة الآن ان تعترف بعمق مشاعر الغضب لدى المواطنين العرب، وأن تقيم علاقة واضحة بين مصالحها وبين مسألة الشرعية في الشرق الأوسط.
-       أرون ديفيد ميلر( باحث في مركز وودرو ويلسون): إدارة أوباما ستكون ذكية إذا ما تجنّبت الانغماس في الأجندة الإديولوجية لسلفها إدارة جورج بوش، خاصة وأنه قد برزت على الساحة أجندة حرية محلية خاصة بالشعوب العربية. الولايات المتحدة لم تعد تُسيطر على تاريخ الشرق الأوسط.
-       دانيال بليكا (نائب رئيس في مؤسسة أمريكا أنتربرايز): ثمة خيارات ثلاثة الآن أمام الولايات المتحدة: أن تقود، أو أن تقوم برد فعل، أو أن توحي بأنها لامبالية. في ضوء التطورات الراهنة في الشرق الأوسط، الأفضل الانحياز إلى الخيار الثالث .
-       حسين آغا وروبرت مالي(باحثان أميركيان بارزان حول الشرق الأوسط): عقود من السياسة الأميركية في المنطقة تلاحق واشنطن كالشبح. ولذا، عليها الآن أن تنتظر لتر ما ستتكشف عنه التطورات في المنطقة.

- II -
خلاصات خطيرة؟
حتماً. إذ هي دليل إضافي على أن حيزاً لابأس به من مستقبل المنطقة بات في أيدي أبناءها. وهذا، كما ألمعنا في البداية، يحدث للمرة الأولى، بعد أن كانت المصائر والمقادير رهن بغرف العمليات الغربية ورهينة لها.
الآن سيتوجب على شعوب المنطقة أن تنظر ملياً في المرآة لترى نفسها فقط وليس "الأخر" الغربي المتفوّق الذي لطالما أربك هويتها. وهذا سيُرتب على هذه الشعوب، نخباً ومواطنين، تحمّل مسؤولية تاريخية كبرى في اتجاهين:
الأول، منع هذه المسؤولية التاريخية الكبرى والجديدة من الانزلاق إلى الفوضى أو الصراعات الداخلية، التي تؤدي في نهاية المطاف إلى تآكلها أو تضعضع مقوماتها.  وهذا أمر ممكن لأن المطلوب في هذه المرحلة ليس "الفوضى الخلاقة" المُدمّرة، بل "البناء الخلاّق" لمجتمع جديد ولديموقراطية متقدمة.
والثاني، العمل على إعادة ترتيب علاقات المجتمع، بكل مكوناته المدنية والعسكرية، على أسس عقلانية وغير متهورة. فالسرعة مطلوبة، لكن التسرّع أحياناً يؤدي إلى عكس النتائج المتوخاة.
لقد اكتشف ابن خلدون مبكراً أنه " إذا ما تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنه ولد من جديد"
الأحوال تبدّلت بالفعل بعد أن باتت العوامل المحلية هي الأكثر حسماً. بقي أن يُواكب الخلق ذلك، بحكمة وتؤدة.
- III -

لكن، هل هذه الحكمة متوافرة، وبالتالي هل لايزال في المستطاع الإفادة من هذه "الحرية النسبية" التي يوفرها النظام الدولي للشعوب العربية؟
البعض يرد سريعاً بالنفي. لابل يقفزون إلى القول فوراً أن هذا بات مستحيلاً بعد أن انقلب الربيع العربي إلى شتاء.
ويورد هؤلاء لتعزيز وجهة نظرهم، الحرب الأهلية الدموية في سورية، وانهيار الدولة المتواصل في ليبيا واليمن، وتفاقم الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية والسياسية في تونس ومصر، ثم يضيفون بأن كل ذلك يشي بأن العوامل الذاتية العربية غير قادرة بنفسها على تجنُّب الفوضى غير الخلاقة.
حسناً. هذا الرأي صحيح جزئياً. لكن جزئياً فقط ومؤقتاً أيضا.
فالانفجار والدمار اللذان تشهدهما المجتمعات العربية هذه الأيام هائل بالفعل. لكن، مايغفله الكثيرون هو أن الحدث أمر طبيعي في الواقع، لا بل قد يثبت أنه في خاتمة المطاف صحي ومثمر.
كيف؟
(غدا نتابع)

سعد محيو


                                                                               




  

الاثنين، 25 فبراير 2013

ما "السر الدولي" وراء انفجار المنطقة العربية؟ (الحلقة-3)



- I -
استعرضنا بالأمس الأفكار الرئيسة في كتاب إيمانويل تود "مابعد الامبراطورية"، وأبرزها قوله:  "كل شيء يدل على أن الولايات المتحدة ، ولسبب غامض ، تعمل للحفاظ على درجة من التوتر الدولي : حالة حرب محدودة ولكن دائمة".
مخططون استراتيجيون أميركيون يدرسون خريطة أوراسيا(الصورة من غوغل

واليوم، سنكتشف أن لتود على مايبدو العديد من الأنصار في هذا التحليل.
فمركز الأبحاث "غلوبال ريسشرش" عزف الأنغام التودية نفسها مؤخراً، حين اعتبر أن نار  الحرب الأهلية السورية هي مجرد جزء من حريق ضخم في العديد من مناطق قارة أوراسيا، هدفها الرئيس تغطية الانحدار الاقتصادي الأميركي وتبرير استمرار الهيمنة الأميركية على العالم.
الدراسة كانت بعنوان: سيناريو إسرائيلي- أميركي: قسِّموا سورية، قسِّموا كل شيء" (*)، وهي تضمنت الأفكار الرئيسة التالية:
- عدم ممانعة أميركا لتقسيم سورية، هو جزء من محاولاتها لتقسيم قارة أوراسيا والحفاظ على تفوقها كقوة عظمى. واشنطن لارحمة لديها لا لأصدقائها ولا لخصومها، وبلدان مثل تركيا والسعودية ستستخدم في خاتمة المطاف كجنود يمكن الاستغناء عنهم.
- الاستراتيجيون الأميركيون يريدون أن تتحوّل المنطقة الممتدة من شمال إفريقيا والشرق الأوسط إلى القوقاز وآسيا الوسطى والهند، إلى ثقب أسود من الحروب، أو لما وصفه بريجنسكي بـ"بلقنة أوراسيا".
- العرب والإيرانيون والأتراك يتجهون إلى نزاع رئيس، لأن الولايات المتحدة تخسر وضعيتها كقوة عظمى. إذ كل ماتبقى من عناصر القوة لدى هذه الدولة العظمى هي القوة العسكرية. وهكذا كان الأمر نفسه في الاتحاد السوفييتي في أيامه الأخيرة، فهو امتلك القوة العسكرية لكنه كان يعاين اضطرابات اجتماعية وانحداراً اقتصادياً قبل انهياره.
 الوضع في أميركا الآن غير مختلف كثيراً عن الوضع السوفتييتي، إن لم يكن أسوأ: فواشنطن مفلسة، ومنقسمة اجتماعياً، ويزداد فيها الاستقطاب العنصري، ونفوذها الدولي ينحدر بسرعة. لكن النخب الأميركية مصممة على مقاومة مايبدو أكثر فأكثر أنه خسارة لوضعية القوة العظمى وللإمبراطورية الأميركية.
- يبدو أن إشعال النيران والفتن في أوراسيا هو رد واشنطن على وقف انحدارها. وهي تخطط لحرائق كبرى تمتد من المغرب وحوض البحر المتوسط إلى حدود الصين. وهذا التوجّه بدأ حتى قبل ثورات الربيع العربي، حين عمدت الولايات المتحدة إلى خلق عدم الاستقرار في ثلاث مناطق: آسيا الوسطى (مع حروب أفغانستان)، والشرق الأوسط(مع حصار ثم غزو العراق)، وشمال إفريقيا(مع تقسيم السودان).
- II -
هل ثمة مبالغات ما في هذه المحصلات؟
لايبدو أن الأمر كذلك.
فعلى رغم أن الولايات المتحدة انسحبت من العراق وتستعد للخروج العسكري نهائياً من أفغانستان، إلا أنها تستعيض عن ذلك بتوجهين إثنين: الأول، الاستعداد لمجابهات عامة في منطقة آسيا- الباسيفيك من خلال استراتيجية "الاستدارة شرقاً" (Pivot strategy ) التي أشرنا إليها قبل أيام في هذه الزاوية. والثانية، "النأي بالنفس" عن أي سياسات قد تؤدي إلى الاستقرار في الشرق الأوسط، سواء من خلال تسوية النزاع العربي- الإسرائيلي المديد، أو عبر مساعدة ثورات الربيع العربي على تخطي المراحل الانتقالية الصعبة إلى الديمقراطية، أو أخيراً من خلال العمل على إطفاء الحريق السوري الذي قد يتحوّل قريباً إلى حريق إقليمي شامل يبتلع العراق ولبنان وبقية المشرق وربما أيضاً إيران وتركيا.
وفي حال تواصلت هذه التطورات على هذا النحو، ستتتراقص كل قارة أوراسيا بالفعل على شفير ذلك الحريق الكبير الذي اتهم تود وغلوبال ريسيرش الولايات المتحدة بإشعاله، كوسيلة للحفاظ على دورها العالمي.
لا بل أكثر: ألمحت صحيفة "فايننشال تايمز" الرزينة مطلع هذا الشهر (4 شباط/فبراير الحالي) إلى أن واشنطن تبدو غير متضايقة من تصاعد النزعات القومية المتطرفة في كل من اليابان والصين، "الأمر الذي جعل ظلال الحرب العالمية الأولى العام 1914 تخيّم فوق منطقة الباسيفيك"، على حد قولها.
- III -

على أي حال، الرئيس الأميركي أوباما آت إلى الشرق الأوسط خلال الشهر المقبل. وهذه ستكون مناسبة جلى لاختبار مدى صحة أو خطل كل هذه الاستنتاجات.
فإذا ما أدّت الجولة إلى دفع المنطقة نحو الحلول السياسية والتهدئة، ستكون هذه إشارة إلى أن الاتهامات لواشنطن بإشعال الحرائق في أوراسيا لاتعدو كونها صفحة أخرى من كتاب نظرية المؤامرة. أما إذا حدث العكس، فستكون الاتهامات لها صفحة أخرى ولكن من كتاب آخر يدور حول "مؤامرة" حقيقية لانظرية.
( *) Global research: Israeli- us script: Divide Syria, Divide the rest.
14 August 2012

سعد محيو

السبت، 23 فبراير 2013

ما "السر الدولي" وراء انفجار المنطقة العربية؟



بين أيدنا ثلاث دراسات استراتيجية قيّمة يمكنها أن تسكب الكثير من الضوء على خفايا وأسرار مايجري هذه الأيام في المنطقة العربية، من تفكك دول كسورية والعراق ولبنان والسودان، إلى انهيار دول أخرى كمصر وليبيا إلى حد ما تونس، في إطار ماأطلق عليه المفكر جورج قرم في وقت مبكر "انفجار المشرق العربي".
الدراسة الاولى للفرنسي إيمانويل تود، والثانية نشرت في دورية "فورين أفيرز" والثالثة في موقع "غلوبال ريسيرش".
نبدأ مع الدراسة الأولى:
- I -
إيمانويل تود فيلسوف وعالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الفرنسي  كان أول من تنبأ بأنهيار الاتحاد السوفييتي في وقت مبكر من حقبة السبعينات . وهو إستند في ذلك الى معطيات ديموغرافية  أهمها ملاحظة التزايد النسبي لوفيات الأطفال في الاتحاد السوفييتي  الأمر الذي دفعه الى مراكمة سلسلة ملاحظات اخرى حول مناحي الضعف في الأقتصاد والمجتمع السوفيتيين .
في كتابه الجديد " ما بعد الأمبرطورية : إنهيار النظام الأميركي" (*)  يتقدم تود بنبوءة أخرى  لكنها تتعلق هذه المرة بالولايات المتحدة وبدورها كقوة عظمى وحيدة في العالم
1-   فهو يرى ان الولايات المتحدة تحولت منذ ثمانينيات القرن العشرين، ثم بالتحديد في الفترة بين 1990 و2000، من دولة منتجة وصناعية ومكتفية ذاتياً، الى دولة مستهلكة غير منتجة ومعتمدة على العالم صناعياً ومالياً.
2-   وهو يفسر المحاولات الاميركية لأقامة إمبراطورية عسكرية وسياسية على أنها دليل ضعف لا قوة . إنحدار لا صعود . فأميركا تحاول عبر سلسلة الحروب التي تشنها ضد الأطراف الضعيفة في العالم ( أفغانستان  العراق  تنظيم " القاعدة " ) إرهاب القوى الكبرى الرئيسة في العالم ( أوروبا  اليابان  روسيا  الصين )  والأثبات لها بأنه لا غنى عن دورها للحفاظ على أمن النظام الأقتصادي
 العالمي .
3-   وهو يقول أن أميركا لن تنجح في النهاية في إقامة هذه الأمبراطورية لأنها تفتقد الى اهم عناصر بناء الأمبرطوريات: القدرات المالية والأقتصادية الكافية لتمويل التوسع الأميراطوري ؛ الأيديولوجيا العالمية القادرة على إستيعاب كل دول العالم الأخرى بوصفها قوى  متساوية الحقوق  كما فعلت الأمبراطورية الرومانية ؛ وأخيراً العجز عن إرضاء القوى الكبرى الأخرى.
وتبعاً لذلك  يتوقع تود إنهيار النظام العالمي الاميركي عبر أحد طريقين : إنفصال محور فرنسا- المانيا واليابان وروسيا ( أي القوى الرئيسة في قارة أوراسيا ) عن الزعامة الأميركية وتشكيل تحالف مستقل ضدها . أو كساد كبير في البورصة المالية الاميركية سيكون أضخم بكثير من إنهيار العام 1929 .
هل تنبؤات هذا الفيلسوف في محلها هذه المرة ؟.
سنأتي الى ها السؤال بعد قليل . لكن قبل ذلك  فلنستعرض معاً الأفكار الرئيسة في فصول هذا الكتاب المهم .
- II -

في المقدمة  يسارع المؤلف الى الاعلان بأن الولايات المتحدة التي كانت تعتبر حلالة المشاكل خلال سنوات طويلة  باتت الان هي المشكلة بالنسبة لباقي العالم. إذ بعد أن كانت الضامن للحرية السياسية والنظام الأقتصادي لمدة نصف قرن  يبدو الأن أكثر فأكثر أنها تساهم في خلق الفوضى العالمية عبر الحفاظ حيثما إستطاعت على الشكوك والنزاعات.
فهي تواجه دولاً صغيرة كأيران والعراق وكوريا لا تشكل خطراً عليها. وهي تستفز روسيا في الشيشان وجورجيا وأوكرانيا  وتقيم قواعد عسكرية لمحاصرتها في آسيا الوسطى. هذا في حين يهدد البنتاغون بإستخدام الأسلحة النووية التكتيكية لفرض الأرادة الاميركية على الجميع . بإختصار، أميركا تمارس سياسة " الرجل المجنون " لأرهاب الجميع .
الاوروبيون لا يفهمون أسباب رفض أميركا حل النزاع الفلسطيني – الأسرائيلي  برغم مقدرتها التامة على ذلك . وهم بدأوا يتساءلون ما إذا كانت واشنطن تتعمد إبقاء بؤرة توتر دائمة في الشرق الاوسط  ودفع العالم الأسلامي لمعاداة الغرب . وهم يرون في تضخيم حجم تنظيم " القاعدة "  مجرد تبرير لشن العمليات في أي مكان في العالم . إن رفع الأرهاب الى درجة القوة العالمية  يبرر مأسسة حالة حرب دائمة في كل أنحاء الكرة الأرضية . حرب عالمية رابعة  وفق بعض المحللين الأميركيين . كل شيء يدل على أن الولايات المتحدة  ولسبب غامض  تعمل للحفاظ على درجة من التوتر الدولي : حالة حرب محدودة ولكن دائمة .
- III -
أين يتركنا كل ذلك في المنطقة العربية - الإسلامية ؟.
(غدا نتابع)

سعد محيو

(*) Emamnuel Todd. After The Empire: The Break Down of The Amercican Empire.Columbia Unibersity Press.NewYork.)

          

الجمعة، 1 فبراير 2013

لماذا ستفشل "الثورة المضادة" الثانية السعودية؟ (الحلقة الثانية)



- I -
تساءلنا بالأمس (راجع "اليوم، غدا"، 31-1-2013): هل ينجح مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية في ثورته المضادة الثانية (ضد الربيع العربي) كما نجح في الأولى (ضد القومية الناصرية)؟ وهل الظروف مؤاتية لهما كما في الخمسينيات والستينيات؟.
قطار الربيع العربي انطلق ولن يتوقف(الصورة من غوغل

الأرجح أن الأمور لن تكون على هذا النحو. والاسباب عديدة:
أولها أن مملكة السعوديين ستكون قادرة على استخدام عضلاتها المالية الضخمة للتأثير على مسار عمليات الانتقال إلى الديمقراطية في المنطقة، لكن لن يكون في وسعها وقف هذا المسار. فالقطار الديمقراطي انطلق، وهو لن يتوقف إلى حيث يجب أن يتوقف، أي في المحطات التي تتطلبها ظروف الانتقال هذه.
تستطيع الرياض أن تراهن على أن عمليات العنف والفساد والاضطرابات التي ترافق عادة مراحل الانتقال، ستوفّر مادة دسمة لها للقول بأن الديمقراطية لاتلائم المجتمعات الإسلامية. لكن هذا بات منطقاً ضعيفاً الآن بعد أن أثبتت تركيا وإندونيسيا وماليزيا (التي تضم أكثر من نصف مليار مسلم) أن الإسلام صديق ودود لكلٍ من الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحداثة.
فضلاً عن ذلك، المتاعب والعقبات التي تواجهها البلدان المنتقلة إلى الديمقراطية ليست دليلاً على وجود مشكلة في الديمقراطية أو في الشعوب المنتقلة إليها، بل هي إثبات بأن هذه البلدان تخوض معارك صحّية للتخلص من كوارث وموبقات الديكتاتورية السابقة  بهدف بناء أنظمة إنسانية جديدة . الديمقراطية الليبرالية، كما تقول شيري بيرمان، برفسور العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، تتطلب ما هو أكثر من مجرد تغيير الأشكال السياسية: تتطلب استئصال الإرث اللاديمقراطي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي للنظام القديم. ومثل هذه العملية تستغرق وقتاً وعرقاً وأحيانا دما. وهذا مامرّت به تاريخياً كل الديمقراطيات الناضجة.
- II -

هذا سبب أول.
وثمة سبب ثانٍ لا يقل أهمية: السعودية لا تستطيع أن ترفع لواء الدين والإسلام في وجه ثورات الربيع العربي، كما فعلت في السابق مع حركة القومية الناصرية، إذ أن القوى الأساسية في هذا الربيع هي إسلامية أساسا. وسيكون من الصعب للغاية على الرياض كسب السباق على قلوب وعقول العرب، حين تضعهم في موقع الاختيار بين "إسلام سعودي" يرفض مشاركة الشعب في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية، ويصادر الحريات وحقوق الإنسان، ويواصل سجن المرأة، وبين إسلام ليبرالي ديمقراطي منفتح ومتسامح ومتصالح مع العصر والحداثة.
منطق الديموغرافيا الإسلامية الذي أشرنا إليه أعلاه، يقف في غير جانب السعودية. وكذا منطق التاريخ، والعولمة، وموجات الديمقراطية المتلاحقة التي تضرب العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والتي كانت ثورات الربيع العربي رابع أكبر تجلٍ لها.
ثم هناك سبب ثالث: استحالة الحفاظ على الأمر الواقع الراهن في السعودية وبقية دول الخليج الأخرى، مهما بذلت الرياض من جهود بترودولارية لنقل الصراعات إلى دول الربيع العربي. فالمواطن الخليجي نضج بما فيه الكفاية كي يطالب بأن يعامل وفق أسس المواطنة وحقوقها، لا وفق منطق الرعية والراعي، والأب والأطفال.
صحيح أن دول الخليج تمتلك ورقة ثمينة تشجعها على رفض المشاركة الشعبية في الحكم، وهي عدم وجود نظام ضريبي يمنح المواطنين حقوقاً تمثيلية. بيد أن ثورات المعرفة والاتصالات والتواصل الاجتماعي قد تضعف هذه الورقة كثيراً، فتجعل من شعوب الخليج أول الشعوب في العالم التي تنجح في فرض التمثيل الشعبي من دون وجود الضرائب.
- III -

الآن، طالما أن الصعوبات تبدو جمة بالفعل أمام "الثورة المضادة" الثانية، فعلام الرهان السعودي إذا؟

(غدا نتابع)
سعد محيو

الخميس، 31 يناير 2013

السعودية والخليج والربيع العربي: "الثورة المضادة" الثانية (الحلقة الأولى)



)
- I -
السؤال الأبرز الذي طُرِح غداة اندلاع ثورات الربيع العربي كان: كيف ستتأثر منطقة الخليج العربي، أنظمة وشعوباً، بهذا الربيع.
لكن الآن، بعد مرور سنتين نجحت خلالها أنظمة الخليج في "شراء" رضا بعض مواطينها عبر الشيكات النفطية الضخمة، وبعد أن بقيت مطالب المواطن الخليجي (عدا المواطنيَن البحريني والكويتي) بالمشاركة والديمقراطية في سماء الانترنت الفضائية ولما تنزل بعد إلى أرض الواقع، فقد آن الأوان لعكس السؤال كي نقول: كيف ستؤثر أنظمة الخليج على الربيع العربي.

ناصر والحداثة: الثورة المضادة السعودية الاولى (الصورة من غوغل

السؤال الجديد في غاية الأهمية بالطبع، لأن هذه الأنظمة الغنية تمتلك البترودولارات التي تمكّنها من ممارسة نفوذ كبير على دول الربيع الفقيرة، عدا ليبيا، سواء من خلال تقديم يد العون إلى الحكومات الجديدة المعُوزة، أو عبر تمويل على نمط "A la cart"  (وفق الاختيار والمزاج) للقوى الإسلامية التي تعتبر حليفة لها وخصمة لغيرها (قطر للإخوان المسلمين، والسعودية للسلفيين)، أو عبر تقديم نفسها على أنها المتبرع الأول كما حدث في مؤتمر المانحين الأخير لسوريا.
سيث جونز، المدير المساعد لمركز الأمن الدولية وسياسة الدفاع في مؤسسة راند، تقدّم الصفوف لمحاولة الإجابة على هذا السؤال، في دراسة نشرتها مؤخراً دورية "فورين أفيرز" النافذة (عدد يناير/فبراير 2003)، على النحو التالي:
- الملكية السعودية أحكمت قبضتها على السلطة بعد الربيع العربي واستخدمت سطوتها المالية لتعزيز الأنظمة الأوتوقراطية المجاورة، كما فعلت مع البحرين في شباط/فبراير لقمع انتفاضة شعبية بذريعة أن دوافعها مذهبية.
- لكن في الواقع، ما كان يخشاه النظام السعودي وبقية أنظمة الخليج هو مطالب المتظاهرين بأن تصبح البحرين ملكية دستورية.
- ملكيات الخليج، التي لاتبدي قط أي ارتياح للربيع العربي، تماماً كما كانت مع القومية العربية قبل نصف قرن، تقوم مرة أخرى بـ"ثورة مضادة" كانت أزهى تمظهراتها عرض ضم الملكيتين الأردنية والمغربية إلى مجلس التعاون الخليجي.
- وهي الآن تنفق بسخاء كبير على أجهزة الأمن لديها، وتقوم في الوقت نفسه بشراء ولاء القواعد الشعبية الرئيس في بلادها.
- II -
تعبير "الثورة المضادة" الذي استخدمه سيث جونز يبدو في محله تماما. وكذا الأمر بالنسبة إلى تشبيهه الثورة المضادة الراهنة، بتلك التي شنتها دول الخليج بزعامة السعودية ضد مشروع الحداثة الذي أطلقته حركة القومية العربية الناصرية في الخمسينيات والستينيات، بهدف بناء اقتصاد انتاجي حديث وهوية مواطنية عربية موحدة لاعشائرية ولاطائفية.
في كلا هاتين الثورتين  المضادتين، كان الهدف واحدا: الدفاع عن أمن وسلامة أنظمة الحكم الملكية الفردية والعائلية والتقليدية (أو الرجعية وفق تعبير جمال عبد الناصر) عبر الهجوم على بديلها العروبي الحديث.
آنذاك، هبّت الرياح الدولية والإقليمية كما تشتهي سفن الثورة المضادة السعودية، فوقفت أميركا، أضخم قوة حديثة وديمقراطية في التاريخ، إلى جانب السعودية، أضخم قوة تقليدية ولاديمقراطية في التاريخ، ضد مصر الناصرية،(ما عدا أسابيع قليلة إبان عهد جون كينيدي)، بسبب الحرب الباردة؛ ثم أكملت إسرائيل المهمة بتدمير مصر في حرب 1967.
والآن، تسعى الثورة المضادة السعودية الجديدة إلى تقويض عمليات الانتقال إلى الديمقراطية في دول الربيع العربي، على رغم أن من يتزعم هذه العمليات هم حلفاؤها السابقون في الحرب على الحداثة القومية الناصرية: الإخوان المسلمون. لكن بالطبع، الإديولوجيا في الشرق الإسلامي، كما في كل التاريخ الإسلامي برمته، تملك ولاتحكم. من يحكم هو المُتغلّب القبيلي أو العسكري أو السياسي الذي يضع عربة الدين في خدمة جياد السلطة المطلقة.
- III -

لكن، هل ينجح مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية في ثورته المضادة الثانية كما نجح في الأولى؟ وهل الظروف الدولية والإقليمية، وكذا الظروف المحلية، ستكون مؤاتية لهما كما في الخمسينيات والستينيات؟
 (غدا نتابع)

سعد محيو