للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العراق،. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العراق،. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 12 يونيو 2014

هل يُنهي هجوم داعش عهد المالكي؟



(ينشر هذا المقال في "سويس إنفو")
أسئلة كثيفة أطلقتها التطورات الضخمة المتلاحقة في العراق:
- كيف ولماذا انهارت وحدات القوات المسلحة العراقية (الجيش وقوى وأجهزة الأمن) على هذا النحو السريع والمدهش في الموصل؟
- كيف تسنى لتنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش) أن يتحوّل خلال فترة قصيرة من تنظيم يعتمد أساساً حرب الغوار، إلى تشكيل عسكري أشبه بالجيوش التي تعمل أساساً على احتلال الأراضي والسيطرة عليها؟ وما الأهداف التالية للتنظيم، وهل بغداد من ضمنها؟
- مامضاعفات هذه الأحداث المتلاحقة على مواقع كل من رئيس الوزراء نوري المالكي والجيش العراقي والموازين السياسية العامة في البلاد بين السنّة والشيعة وفي داخل البيت الشيعي السياسي نفسه؟
- وأخيراً، ما تأثير هذه التطورات على القوى الإقليمية المعنية بالأزمة العراقية، خاصة إيران التي تتمتع (أو كانت تتمتع قبل الأحداث الأخيرة) بالنفوذ الأقوى والأول في بلاد الرافدين؟
لنبدأ مع مسألة الجيش العراقي.

لماذا الانهيار؟
يُجمع معظم المحللين الغربيين والشرقيين على حد سواء، على أن انهيار وحدات الجيش العراقي في مدينة الموصل، حيث تخلى آلاف الجنود والضباط عن أسلحتهم وعتادهم وحتى زيّهم العسكري لمجرد انتشار الشائعات بأن مقاتلي داعش يقتربون من المدينة، كان مدهشاً لكنه لم يكن مفاجئا.
لماذا؟
لأن معظم وحدات هذا الجيش الذي يناهز تعداده (مع قوى الأمن الأخرى) المليون عسكري والذي أنفق الأميركيون زهاء 15 مليار دولار على بنائه وتدريبه، أقرب إلى الميليشيا منه إلى الجيش النظامي. فعناصره إما جاءت إليه من ميليشيات شيعية تشكّلت مع بداية الغزو الاميركي العام ،2003 أو من شبان عاطلين عن العمل مهتمين أصلاً بالحصول على راتب ثابت ويفتقدون إلى أي انتماء وطني عراقي عام. والتالي، ماتهتم به هذه العناصر ليس كسب المعارك بل الحصول على المغانم والمكاسب.
يقول أحمد العطار، من مؤسسة دلما للأبحاث في أبوظبي:" الجيش العراقي يمثِّل في الواقع ميليشيا سيئة القيادة، ويهتم أكثر بحماية مصالحه الخاصة كمنظمة وليس بالقتال من أجل فكرة مجردة هي العراق".
ويضيف فنار حداد، وهو باحث في شؤون الشرق الأوسط في الجامعة الوطنية في سنغافورة:" الأميركيون ركَّزوا (في عملية بناء الجيش العراقي) على الكمية لا النوعية، وعلى التدريبات العاجلة وغير المناسبة إلى حد كبير، ما ترك المجندين من دون انضباط ونظام، وجعلهم عُرضة إلى الذعر بسرعة، إضافة إلى التهرُّب الدائم من الخدمة العسكرية".
وقد فاقم المالكي كل هذه المشاكل بلجوئه إلى تغيير قادة الجيش باستمرار، ربما خوفاً من قيامهم بانقلاب عسكري، وأيضاً لأنه أمضى الشهور الماضية وهو يضخم من خطر داعش بهدف تعبئة أصوات انتخابية شيعية، ما جعل الجنود في حالة ترقب وقلق سرعان ما تحوّلا إلى ذعر وهرب مع اقتراب مقاتلي داعش من الموصل والمدن الأخرى.
والآن، وبعد معركة الموصل، التي وصفها المحللون العراقيون بأنه "فضيحة"، سيكون السباق واضحاً بين المالكي، بوصفه قائداً أعلى للقوات المسلحة ووزيراً للدفاع والداخلية، وبين قادة الجيش على إنحاء اللائمة على بعضهم البعض: الاول من خلال اتهام الضباط بالاهمال والوهن والعمل (كالعادة) على عزل بعضهم ومحاكمتهم، والضباط ربما عبر تحرك ما ضد المالكي نفسه. هذا بالطبع إضافة إلى تحرّك القادة الشيعة المناوئين للمالكي ضده، وإن لاحقاً بعد جلاء الصورة العسكرية.في كل من الموصل وبغداد.
بيد أن الخطر الأساسي بالطبع هو أن تؤدي الصراعات الداخلية إلى تكريس تحوّل العراق إلى "دولة فاشلة" أخرى في الشرق الأوسط بعد الدول الفاشلة في سورية وليبيا واليمن.
نشوء داعش
هذا عن الجيش. أما بالنسبة إلى السؤال عن داعش، فالأمر قد يتطلب بعض التفاصيل التاريخية أولا.
تأسس هذا التنظيم في أوائل الحرب العراقية باسم "جماعة التوحيد والجهاد"، وأعلن ولاءه للقاعدة وأسامة بن لادن العام 2004. وقد تكوّن من العديد من الفصائل المسلحة الصغيرة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، الذي عمد لاحقاً إلى تغيير اسم مجموعته ليصبح "تنظيم قيادة الجهاد في بلاد الرافدين" أو، كما عُرِف في الإعلام، "القاعدة في العراق". وفي كانون الثاني/يناير العام 2006، اندمج هذا التنظيم مع مجموعات عدة أصغر وشكل معها مجلس شورى المجاهدين، ثم أعلن هذا التنظيم في تشرين الأول/أوكتوبر 2006 عن تأسيس "الدولة الإسلامية في العراق" التي تسعى إلى بسط سيطرتها على بغداد والأنبار وديالا وصلاح الدين ونينوى وأجزاء من بابل. وبعد توسعه في سورية العالم 2013، تغيّر الاسم مرة أخرى ليصبح الاسم الحالي: الدولة الإسلامية في العراق والشام، التي أدعت سيطرتها على 16 "ولاية" في العراق وسورية.
أما أهداف داعش الاستراتيجية، علاوة على إقامة دولة إسلامية في العراق وسورية ولبنان (أساساً في المناطق السنيّة من هذه الدول التي يطلق عليها اسم "بادية الشام" الممتدة من صحراء النفوذ في شمال شبه الجزيرة العربية إلى الفرات )، فهو إعادة  الخلافة الإسلامية، وانهاء تقسيمات سايكس بيكو الفرنسية- البريطانية التي قسمت المشرق العربي في أوائل القرن العشرين إلى الدول الراهنة، وفرض صيغة متشددة للغاية من الشريعة تقترب من صيغة طالبان الأفغانية.
خطط داعش
على الصعيد العملاني، توضح "مؤسسة دراسات الحرب" الغربية الخطط العسكرية الراهنة لداعش على النحو الآتي:
- الهجوم على الموصل هو جزء من حملة شاملة في كل منطقة الشمال العراقية بدأت معالمها تتضح في العام 2013 حين هاجمت داعش منطقتي أبو غريب وزيدان غرب بغداد.
- العمليات حول مدينة سامراء ستكون مؤشراً مهماً للغاية حول الأهداف النهائية لداعش. فإذا ما أرادت مواصلة هجومها الخاطف للوصول إلى بغداد، فسيكون عليها تجاوز سامراء للحفاظ على زخم الهجوم.  لكن سامراء مهمة بحد ذاتها، لأن داعش نجحت العام 2006 في إشعال أتون الحرب الأهلية السنّية- الشيعية انطلاقا منها حين دمّرت ضريح الإمام العسكري، ولأنه يعتقد أن هناك قوات إيرانية ترابط قرب الضريح.
- يبدو واضحاً أن داعش، التي يُقال أنها تتضمن أكثر من 15 ألف مقاتل من العراق والعديد من دول العالم ويبلغ دخلها الشهري 50 مليون دولار من الخوات وبيع نفط دير الزور والتبرعات (أساساً من أفراد خليجيين)، لديها قيادة ميدانية منظّمة وقادرة على التخطيط الدقيق، وأسلحة يتفوق بعضها تقنياً على أسلحة الجيش العراقي (مثل الصواريخ الأوكرانية المضادة للدبابات، والتي لاتباع في السوق السوداء).
- لم يسبق لداعش أن شنّت قبل الآن مثل هذا الهجوم الكاسح، والناجح، في العراق. ولذلك يُحتمل أن يسقط التنظيم ضحية التمدد الاستراتيجي الزائد إذا ماواصل هجماته، الأمر الذي سيجعله عرضة إلى هجمات مضادة سريعة، أو  حتى إلى تمردات في المناطق التي سيطر عليها. هذا ناهيك عن أنه من المشكوك به أن تتمكن داعش من مواصلة السيطرة على الموصل، التي هي ثاني أكبر مدينة في العراق بتعداد مليوني نسمة (نزح منهم حتى الآن نحو نصف مليون)، أو على بعض أحياء بغداد.
معضلة إيران
نأتي الآن إلى المضاعفات الإقليمية.
ضربة الموصل دقّت أجراس الإنذار في كل الشرق الأوسط والعالم: من أنقرة وظهران ودمشق إلى واشنطن وبروكسل. لكن صوت الأجراس كان يصم الآذان في إيران التي سارعت إلى حشد قواتها على الحدود العراقية، وبدت متأهبة للتدخل لانقاذ النظام المدعوم شيعياً في بغداد.
بيد أن أي تدخل إيراني كثيف في العراق سيكون كارثة محققة لإيران، التي تعاني الآن من استنزاف مالي واقتصادي مريع في سورية بسبب تمويلها الكامل لحرب النظام السوري بمبالغ بات مؤكداً أنها تتراوح بين 15 إلى 20 مليار دولار سنويا. والآن، إذا ماتطلبت "معركة العراق"، التي هي أكثر أهمية بكثير من معركة سورية بالنسبة إلى طهران، أموالاً أخرى فإن الاستنزاف الإيراني سيتحوّل إلى عاصفة كاملة ومطلقة من المستبعد أن يستطيع الاقتصاد الإيراني المنهك تحملها.
ولعل هذه الحقيقة ترسم الآن على شفاه المسؤولين السعوديين ابتسامة رضى، وهم يرون خصومهم الفرس يغرقون في مستقع تلو الآخر في المشرق العربي. وهي (بالمناسبة) ابتسامة قد تلقي بعض الأضواء على الابعاد الإقليمية بعيدة المدى لهذه التطورات الدراماتيكية في بلاد العباسيين.
* * *
إلى أين الآن من هنا؟
انتصار داعش ليس وارداً، ولا مسموح به. لكن هذا التنظيم قد ينجح حتى ولو فشل هجومه الحالي، إذا ماتمكّن من إعادة إشعال الحرب الأهلية في العراق. وهو احتمال وارد بعد أن أدت سياسات المالكي الاقصائية إلى وضع تحويل المناطق السنّية العراقية إلى بيئة حاضنة، أو على الأقل قابلة تكتيكيا، لوجود داعش بين ظهرانيها.
وهذا أمر كان واضحاً في الموصل وتكريت، حين وافق "جيش الطريقة النقشبندية" الذي يقوده القائد البعثي عزة الدوري على خوض المعارك بشكل مشترك مع داعش، وحين لم تحرّك العشائر السنّية، التي سبق لها أن طردت القاعدة من مناطقها، حين دخلت داعش هذه المناطق الآن.
وبالتالي، أي مشروع حل للأزمة الطاحنة الراهنة لايتضمن إنهاء سياسات المالكي الإقصائية وإبرام عقد تاريخي- اجتماعي وطني جديد بين مكونات الشعب العراقي، سيكون هدية ممتازة لحرب داعش ومشروعها في كل المشرق العربي المتفجِّر.

سعد محيو- بيروت





الثلاثاء، 7 يناير 2014

المالكي يدفع العراق إلى حافة "الانفجار النهائي"


استخدام رئيس الوزراء العراقي لكلٍ من ورقتي التطرف السنّي والتعصب الشيعي في آن، قد يسفر في نهاية المطاف عن انهيار الوطني العراقي نفسه.

- I -
قد لايكون من المغالاة في شيء القول أن رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي قرر على مايبدو ممارسة أخطر وأسوأ لعبة في كل تاريخه السياسي: استخدام ورقة التطرف السنّي، بعد أن أوغل في استعمال التعصب المذهبي الشيعي، لأغراضه السياسية الآنية.

فالمالكي هو الذي سحب الجيش العراقي فجأة من الفلوجة، الأمر الذي سهّل إلى حد كبير على تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" (داعش) السيطرة على هذه المدينة التي لعبت مرتين الدور الأكبر في التصدي للاحتلال الاميركي. وبعد أن انتشرت داعش في الفلوجة، عاد المالكي عن قراره وأمر الجيش بالاستعداد لاقتحامها.
وفي هذه الأثناء، كان رئيس الوزراء يقطف سريعاً ثماراً دسمة: من الدعم الأميركي والروسي له بالسلاح والتغطية الدولية، إلى استنفار مشاعر الشيعة العراقيين (ومخاوفهم) من التطرف الأصولي السنّي، مروراً بمواصلة الإطباق على كل معارضيه السياسيين من شيعة وسنّة واكراد تحت شعار أولوية الحل الأمني في محافظة الأنبار.
بيد أن هذه الانجازات قد تثبت قريباً أنها قصيرة العمر، تماماً كما أثبتت سياسة الغزل التي مارستها أميركا وقوى إقليمية عدة أخرى مع غول التطرف الأصولي بأنها تكتيك قصير النظر ويُنذر بكوارث كبرى لاحقة.
وهذا ينطبق على العراق أكثر بكثير مما ينطبق على سورية، التي عمد فيها رئيسها بشار الأسد هو الآخر إلى تسهيل ولادة الوحش العنفي، بهدف تقديم نفسه للعالم على أنه فارس المعركة الاول ضد الإرهاب.
لكن، لماذا العراق؟
- II -
لأن هذا البلد مستهدف منذ زمن ليكون نقطة التفجير الرئيس للفتنة الكبرى- 2 بين السنّة والشيعة في الشرق الأوسط الإسلامي، تمهيداً لإقامة   دويلات جديدة على أسس مذهبية وطائفية وعرقية في المنطقة.
وهذا رأي أكده في 8 آذار/مارس الماضي المحلل البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر، حين ركَّز على النقاط التالية:
- التحالف الغربي، بدخوله العراق وتفكيكه، قلب موازين القوى في أكثر مناطق العالم التهابا، ليس لأنه أطاح نظام حسين، بل لأنه أوصل الأقلية الشيعية في داخل العالم الإسلامي (والتي هي أغلبية في العراق) إلى السلطة في قلب المنطقة العربية للمرة الأولى منذ سقوط الخلافة الفاطمية العام 1171.
- وهذا، إضافة إلى أنه أسفر عن حمام دم في العراق، أشعل مجدداً نزاعاً عمره ألف سنة بين السنّة والشيعة، امتد من المشرق العربي إلى شبه القارة الهندية.
- أحداث العراق غيَّرت بالفعل مقومات المنطقة، وهي كانت أخطر بكثير من مضاعفات حرب السويس العام ،1956 لأنها أعطت زخماً لكل ألوان وأنواع الحركات الإسلامية.
تحليل دقيق؟
أجل. لكن، المحلل الاستراتيجي يضيف إليه عاملاً آخر لايقل أهمية.
فأرض العراق في الواقع تعتبر رأس جسر ممتازاً ونموذجياً لتفجير العالم الأسلامي من داخله، لأنها كانت المسرح الرئيس للمأساة التاريخية لآل البيت على يد الأمويين. كما أنها كانت ساحة المعركة الرئيس بين العثمانيين والصفوفين طيلة قرنين من الزمن ( العراق آنذاك  كان يصبح صفوياً فارسياً في الشتاء، وسنّياً تركياً في الصيف! ) .
وأضاف: القسمة الدموية السنية – الشيعية انطلاقاً من العراق منذ غزوه العام 2003، حققت، وستحقق أكثر، جملة أهداف إستراتيجية غربية  دفعة واحدة. فهي شطرت الشرق الاوسط الكبير الى شطرين كبيرين متناحرين. وهي جعلت إيران في مواجهة ليس مع أميركا وحسب، بل (مجدداً ) أيضاً مع تركيا وباقي اطراف الغالبية السنّية في العالم الإسلامي. وبالطبع، حين تحاصر جمهورية الخميني على هذا النحو، لن يطول الوقت ( مجدداً أيضاً ) قبل ان تبدأ البحث في وقت ما عن حلفاء لها في الغرب. وهذا بالتحديد  ما فعله الصفويون طيلة القرنين 18 و19. وهذا مايبدو أن الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني يحاول أن يفعله الآن.
- III -
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية بالنسبة إلى مخاطر سياسات المالكي.
 فالسياسات الطائفية الفاقعة التي مارسها المالكي بعد الانسحاب الأميركي ، بدأت تؤتِ أكلها الآن: شعور كبير بالامتعاض والتهميش بين العرب السنّة، الأمر الذي يهدد بتحويل حركاتهم الاحتجاجية الراهنة إلى ثورة مسلحة مكتملة النمو، ستكون أخطر بكثير مما حدث العام 2003.
 كما أن التأخر في تحقيق مصالحة سياسية حقيقية، وتلبية حاجات السكان الاجتماعية والتنموية، وتسوية القضايا العالقة في مجالات النفط والأراضي المتنازع عليها، كل ذلك جعل "الحل الأمني" يفرض نفسه كمقاربة حكومية وحيدة للأزمات الراهنة. وإذا ماوضعنا في الاعتبار الخلل الديمغرافي- الطائفي الراهن في تركيبة قوات الجيش وأجهزة الأمن لغير صالح السنّة، فقد لايكون من الخطأ الاستنتاج بأن تفاقم الأوضاع في المحافظات السنيّة سيؤدي في نهاية المطاف إلى فشل النموذج العراقي الراهن لإعادة بناء الدولة- الأمة.
والآن، دخلت الحرب الأهلية السورية على خطوط الصدع العراقية الجديدة لتكون بمثابة الصاعق الذي قد يفجّر بلاد العباسيين مرة أخرى، وربما أخيرة. فحكومة المالكي، بسماحها بتحوُّل العراق إلى ممر للمساعدات الإيرانية للنظام السوري، خلقت الظروف الملائمة لتقاطع مصالح السنّة العراقيين مع ثورة السنّة السوريين. وهذا ما دفع العديد من العشائر السنيّة العراقية، ناهيك بالطبع بالحركات الإسلامية المتطرفة إلى رفع شعار: اليوم دمشق وغداً الزحف على بغداد.
رب متسائل هنا: كيف يمكن أن يكون انقسام العراق هو المدخل لتقسيم المشرق؟
 الصورة تبدو بسيطة وواضحة: الحرب الأهلية العراقية الجديدة، في حال نشوبها، ستؤدي إلى انفصال المحافظات السنيّة الأربع عن الكيان العراقي، وربما انضمامها إلى الأردن في إطار مملكة أردنية هاشمية جديدة. وهذا بات أمراً وارداً بعد أن أعاد الرئيس الأميركي أوباما نسبياً إحياء المحور التركي- الإسرائيلي- الأردني الشهير، الذي قد يتحوِّل في وقت قريب إلى الوكيل الحصري الإقليمي الجديد للباكس أميركانا في الشرق الأوسط.
هذه المملكة الهاشمية الجديدة ستقيم بالطبع علاقات وطيدة مع المحافظات السنيّة السورية، سواء في شكل فيدرالي أو تنسيقي، في حال انهارت الدولة السورية الراهنة. وحينها سيكون الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام قيام دولة علوية على الساحل السوري لها امتدادات شيعية في داخل لبنان، فضلاً عن تقسيم لبنان نفسه إلى دويلات طائفية مسيحية ودرزية وسنّية وشيعية.
هل تبدو هذه المحصلات مغالية في التشاؤم؟
ربما.
لكن التطورات التي تجري في المشرق العربي هذه الأيام، لاتوحي بشيء من التفاؤل.
وحين يكون الأمر على هذا النحو، لايعود من المفيد إطلاق نعوت التفاؤل أو التشاؤم على السيناريوهات المحتملة لما ستؤول إليه الأمور، بل تصبح المسـألة مجرد تحليل علمي لاحتمالات علمية.
والعراق الآن هو المدخل الأول والرئيس لهذا التحليل وتلك الاحتمالات، أساساً بسبب اللعبة الخطرة التي يمارسها الآن الرئيس المالكي عبر رمي أعواد الثقاب المشتعلة أمام براميل الإرهاب والمذهبية المدمّرة.

سعد محيو
__________________________________







الأربعاء، 21 أغسطس 2013

العراق وسورية "ساحة حرب واحدة"


- I -
كشفت مصادر دبلوماسية غربية في بيروت النقاب عن حدوث تصاعد كبير في الأونة الأخيرة في وتيرة التدخلات الإقليمية الداعمة للمنظمات الإسلامية المتطرفة في كل من العراق وسوريا، وحذّرت من أن ذلك قد يشعل في خاتمة المطاف حريقاً مذهبياً كبيراً في الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ الحروب العثمانية- الصفوية في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وأوضحت المصادر أن القوى الإقليمية الأبرز التي تقف وراء تمويل هذا التصعيد هي إيران والسعودية (التي حلّت مؤخراً محل قطر في المرتبة الأولى كقوة دعم للمنظمات السلفية والمتشددة)، هذا إضافة إلى "لاعبين ثانويين" (على المستوى المالي على الأقل) مثل تركيا والأردن وغيرهما.
إيران، على سبيل المثال، وفق هذه المصادر، تشرف على "لواء أبو فضل العباس"، وهو عبارة عن مقاتلين عراقيين شيعة في الغالب يخضعون إلى تنظيم "قوة القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني. يضم اللواء ثلاث مجموعات عراقية تقاتل الآن في سورية هي مجموعة "عصائب أهل الحق" التي يتراوح تعدادها بين 2000 إلى 3000 مقاتل كانت قد انشقت عن حركة مقتدى الصدر العام 2006 بدعم من "قوة القدس" وحزب الله اللبناني، و"كتائب حزب الله" العراقية وهي نخبة من 400 مقاتل من العراقيين الشيعة المتمرسين الذين يرفعون تقاريرهم مباشرة إلى قيادة "قوة القدس"، و"كتائب سيد الشهداء" وهي قوة قوامها 200 مقاتل يقودها أو مضطفى الشيباني.
كما تشير تقارير أخرى إلى وجود عراقيين شيعة يقاتلون أيضاً في سورية من أعضاء "منظمة بدر" و"لواء اليوم الموعود" التابع لمقتدى الصدر.
- II -
مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أكدت بدروها هذه المعلومات، وأضافت إليها القول أن إيران بدأت بدفع المقاتلين العراقيين إلى سورية ابتداء من ربيع العام 2012 فصاعدا، وقد دخل بعضهم عبر مطار دمشق الدولي على متن طائرات مدنية إيرانية، وبراً عبر الحدود العراقية، أو استقلوا حافلات الحجاج أو الشاحنات التجارية.
وتحدثت المصادر عن الدور السعودي، فقالت أن مملكة الوهابيين دعمت علناً منذ البداية "الجيش السوري الحر"، الذي يقال انه يضم منظمات إسلامية "معتدلة"، لكنها كانت في السر تمرر التمويل لمنظمات متطرفة مثل "الدولة الإسلامية في العراق والشام" التي تقاتل في كلٍ من العراق وسورية، كما سمحت لمتمولين سعوديين وخليجيين آخرين بدعم جبهة النصرة، وسهّلت تدفق مقاتلين أصوليين من شتى أنحاء العالم، بما في ذلك من السعودية نفسها وليبيا ومصر وباكستان والشيشان وغيرها على سورية.
وتعمل السعودية الآن، بالتعاون مع الأردن والولايات المتحدة، على إنشاء وتمويل وتدريب جيش سوري جديد يفترض أن يحل مكان الجيش الحر، قوامه زهاء 7 آلاف ضابط وجندي سوري منشق. التدريبات تجري أساساً في الأردن بإشراف أميركي وأردني مباشر، وهي شارفت على الانتهاء الآن.
كما تعمل السعودية على دفع قبيلة شمر الضخمة التي يتقاسم أفرادها الحياة في السعودية والاردن وسورية، إلى العمل للسيطرة على منطقة جنوب سورية بهدف فرض الحصار على مدينة دمشق.
هذه المعطيات دفعت الإقليمية دفعت مؤسسة دراسات الحرب الأميركية إلى وضع دراسة هذا العام بعنوان "الصراعات الطائفية والإقليمية في الشرق الأوسط"، خرجت فيها بالخلاصات التالية:
- شهد النصف الأول من 2013 بدء توسُّع وانتشار الصراعات الطائفية في الشرق الأوسط، انطلاقاً من العراق وسورية. وهذا التطور كان حصيلة التطورات التي حدثت خلال 2012، بما في ذلك محاولات رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي تعزيز سلطته، وصعود المعارضة المسلحة في سورية.
- نقطة التحوّل في هذه الصراعات جاءت في وقت لاحق من ذلك العام، حين خسرت المعارضة السورية بلدة القصير الاستراتيجية في أوائل حزيران/يونية لصالح قوات النظام المدعومة من حزب الله اللبناني الذي أدى تدخله إلى تفاقم كبير في عملية "تطييف" الصراع و"مذهبته".
- والآن، فإن العنف الطائفي الذي تدعمه قوى خارجية بات يفرض تهديدات وجودية على دول المنطقة الهشة أصلا، التي يشجِّع ضعفها (أو حتى فشلها) على بروز هويات تناصب مفهوم الدولة الوطنية العداء. يحدث هذا بقوة حالياً في سورية، ولكن أيضاً بزخم لايقل قوة في العراق، (وفق مؤسسة واشنطن) حيث  عزز سعي المالكي لاحتكار السلطة، والخطب المذهبية الواضحة، واستخدام قوات الأمن العراقية لأغراض سياسية، الاستقطاب الطائفي  وجعل من سورية والعراق "ساحة معركة واحدة".
المصادر الدبلوماسية الغربية لاترى نهاية قريبة للصراعات الطائفية التي يحركها التنافس الإقليمي، إلا في حال اتفقت الدول الكبرى، خاصة روسيا والولايات المتحدة على أن الحريق المذهبي الشامل في المشرق العربي، يمكن أن يشكل تهديداً للأمن الدولي.
وهذا مالايبدو وارداً الآن، في ضوء انتقال العلاقات الروسية- الأميركية مؤخراً من حالة التعاون إلى التنافس الاستراتيجيين.

سعد محيو
________________________



الثلاثاء، 30 أبريل 2013

هل تُشعل "بارانويا" المالكي الحرب الأهلية العراقية الثانية؟


- I -
لم يعد السؤال في العراق الآن: هل تقع الحرب الأهلية الثانية خلال عشر سنوات بين السنّة والشيعة ؟، بل: هل لازال بالامكان وقف الانزلاق السريع الراهن إليها؟

المؤشرات على السؤال الثاني لاتبدو إيجابية، والسبب يقع في الدرجة الأولى على عاتق رئيس الوزراء نوري المالكي. فالرجل  يبدو مهجوساً هذه الأيام بالانتفاضة السورية واحتمال تعزيرها لسنّة العراق إلى درجة يعتقد البعض أنها وصلت إلى مرحلة الوسواس المرضي (Paranoia ).
بكلمات أوضح: المالكي يرى وراء كل حركة مطلبية عراقية شبح انتفاضة شعبية سنيّة على الطراز السوري. وربما هذا مادفعه إلى اللجوء إلى الخيار الأمني- المخابراتي في الدرجة الاولى، منذ أن بدأ الحراك الشعبي في المحافظات السنّية الأربع في كانون الأول/ديسمبر الماضي. وقد  توّج المالكي هذا التوّجه بمذبحة قرية الحويجة الشمالية مؤخراً  التي راح ضحيتها عشرات السنّة بين قتيل وجريح.
بالطبع، هذا الموقف الطائفي الذي يتخذه المالكي، والذي يُغلِّب فيه نزعته السلطوية على هدف بناء الدولة الوطنية العراقية الشاملة لكل مواطنيها، ليس بالأمر المستجد، بل هو بدأ خلال الاحتلال الأميركي وبعده. كل ما هنالك أن هذه السياسات  بدأت تؤتِ أكلها الآن: شعور كبير بالامتعاض والتهميش بين العرب السنّة، الأمر الذي يهدد بتحويل حركاتهم الاحتجاجية الراهنة إلى تمرد مسلح في أي لحظة، شبيه بذلك حدث العام 2003.
 كما أن فشل الحكومة في تحقيق أي نوع حقيقي من المصالحة السياسية،  وتلبية حاجات السكان الاجتماعية والتنموية، وتسوية القضايا العالقة في مجالات النفط والأراضي المتنازع عليها، كل ذلك جعل "الحل الأمني" يفرض نفسه كمقاربة حكومية وحيدة للأزمات الراهنة. وإذا ماوضعنا في الاعتبار الخلل الديمغرافي- الطائفي الراهن في تركيبة قوات الجيش وأجهزة الأمن لغير صالح السنّة، فقد لايكون من الخطأ الاستنتاج بأن تفاقم الأوضاع في المحافظات السنيّة سيؤدي في نهاية المطاف إلى فشل النموذج العراقي الراهن لإعادة بناء الدولة- الأمة.
 والآن، دخلت الحرب الأهلية السورية على خطوط الصدع العراقية الجديدة لتكون بمثابة الصاعق الذي قد يفجّر بلاد العباسيين مرة أخرى، وربما أخيرة. فحكومة المالكي، بسماحها بتحوُّل العراق إلى ممر للمساعدات الإيرانية للنظام السوري، خلقت الظروف الملائمة لتقاطع مصالح السنّة العراقيين مع ثورة السنّة السوريين. وهذا ما دفع العديد من العشائر السنيّة العراقية، ناهيك بالطبع بالحركات الإسلامية المتطرفة إلى رفع شعار: اليوم دمشق وغداً الزحف على بغداد.
- II -

هذا القصور الذي يبديه المالكي في عملية بناء الدولة الوطنية يتقاطع، أو بالأحرى هو يصب، في صالح التنظيم الجديد الذي ظهر على الساحة العراقية: "جيش رجال الطريقة النقشبندية"، الذي هو حصيلة  بين حركة صوفية عريقة لها امتدادات عالمية (من بين أنصارها رجب طيب أردوغان كما يقال) وبين حزب البعث العراقي بقيادة عزت إبراهيم الدوري.
هذه المنظمة بدأت تفرض وجودها ليس فقط بسبب طرحها الإيدولوجي القومي العربي والإسلامي المشترك، وقدراتها التنظيمية والإعلامية، وانضمام أعداد كبيرة من أفراد الحرس الجمهوري السابق إليها، بل لأن سياسات المالكي الطائفية المتشنجة بدأت تدفع حركات الاحتجاج السنيّة المسالمة إلى الاقتناع بما تقوله المنظمة من أن الثورة المسلحة  ضد ما تصفه بـ"النظام الطائفي العميل للصفويين الفرس"، هو المدخل الوحيد لتحقيق المطالب.
رجال القبائل في الأنبار، المعقل الرئيس للانتفاضة السنيّة، بدأوا يستجيبون لهذه الدعوة، جنباً إلى جنب مع ظهور مجموعات مسلحة بشكل مطرد في كل المحافظات السنية.
والحصيلة؟
إنها واضحة: مالم يتخل المالكي عن سياسة الاقصاء المذهبي في دوائر الدولة والجيش والقضاء، ويقبل فكرة إعادة بناء الدولة العراقية على أسس وطنية، فإن أسوأ كوابيسه هو ستتحقق بالفعل: تحوّل الثورة السنيّة السورية والانتفاضة السنّية العراقية إلى ثورة واحدة قد تعيد تشكيل المشهد الجيو- استراتيجي في كل المشرق العربي.
كيف؟
- III -
في 8 آذار/مارس الحالي، ألقى المحلل البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر بعض الأضواء على السبب، حين ركَّز على النقاط التالية:
- التحالف الغربي، بدخوله العراق وتفكيكه، قلب موازين القوى في أكثر مناطق العالم التهابا، ليس لأنه أطاح نظام حسين، بل لأنه أوصل الأقلية الشيعية في داخل العالم الإسلامي (والتي هي أغلبية في العراق) إلى السلطة في قلب المنطقة العربية للمرة الأولى منذ سقوط الخلافة الفاطمية العام 1173.
- وهذا، إضافة إلى أنه أسفر عن حمام دم في العراق، أشعل مجدداً نزاعاً عمره ألف سنة بين السنّة والشيعة، امتد من المشرق العربي إلى شبه القارة الهندية.
- أحداث العراق غيَّرت بالفعل مقومات المنطقة، وهي كانت أخطر بكثير من مضاعفات حرب السويس العام ،1956 لأنها أعطت زخماً لكل ألوان وأنواع الحركات الإسلامية.
تحليل دقيق؟
أجل. لكن، يجب ان نضيف إليه عاملاً آخر لايقل أهمية.
فأرض العراق في الواقع رأس جسر ممتازاً ونموذجياً لتفجير العالم الأسلامي من داخله، لأنها كانت المسرح الرئيس للمأساة التاريخية لآل البيت على يد الأمويين. كما أنها كانت ساحة المعركة الرئيس بين العثمانيين والصوفيين طيلة قرنين من الزمن ( العراق آنذاك  كان يصبح صفوياً فارسياً في الشتاء، وسنّياً تركياً في الصيف! ) .
القسمة الدموية السنية – الشيعية انطلاقاً من العراق منذ غزوه العام 2003، حققت، وستحقق أكثر، جملة أهداف إستراتيجية غربية  دفعة واحدة. فهي شطرت الشرق الاوسط الكبير الى شطرين كبيرين متناحرين. وهي جعلت إيران في حال صدام ليس مع أميركا وحسب، بل (مجدداً ) أيضاً مع تركيا وباقي اطراف الغالبية السنّية في العالم الإسلامي. وبالطبع، حين تحاصر جمهورية الخميني على هذا النحو، لن يطول الوقت ( مجدداً أيضاً ) قبل ان تبدأ البحث في وقت ما عن حلفاء لها في الغرب. وهذا بالتحديد  ما فعله الصفويون طيلة القرنين 18 و19.
وأخيرا، حروب السنّة والشيعة قد تقلب صورة الصراع مع إسرائيل رأسا على عقب. ويكفي للتدليل على ذلك تخيلّ، مثلاً،  مصير مواجهة " حزب الله " مع إسرائيل، إذا ما انجرّ الحزب الى صراعات طائفية مع السنّة في لبنان وسوريا والعراق.
رب متسائل هنا: كيف يمكن أن يكون انقسام العراق هو المدخل لتقسيم المشرق؟
حسنا. الصورة تبدو بسيطة وواضحة: الحرب الأهلية العراقية الجديدة، في حال نشوبها، ستؤدي إلى انفصال المحافظات السنيّة الأربع عن الكيان العراقي، وربما انضمامها إلى الأردن في إطار مملكة أردنية هاشمية جديدة. وهذا بات أمراً وارداً بقوة بعد أن أعاد الرئيس الأميركي أوباما خلال جولته الشرق أوسطية الجديدة إحياء المحور التركي- الإسرائيلي- الأردني الشهير، الذي سيتحوِّل في وقت قريب إلى الوكيل الحصري الإقليمي الجديد للباكس أميركانا في الشرق الأوسط.
هذه المملكة الهاشمية الجديدة ستقيم بالطبع علاقات وطيدة مع المحافظات السنيّة السورية، سواء في شكل فيدرالي أو تنسيقي، في حال انهارت الدولة السورية الراهنة. وحينها سيكون الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام قيام دولة علوية على الساحل السوري لها امتدادات شيعية في داخل لبنان، فضلاً عن تقسيم لبنان نفسه إلى دويلات طائفية مسيحية ودرزية وسنّية وشيعية.
***
هل يعي المالكي كل هذه المعطيات الزلزالية الناجمة عن سياساته الطائفية الاقصائية، أم أن البارانويا هي الحاكم السعيد في رأسه؟
سعد محيو





الخميس، 28 مارس 2013

تقسيم المشرق سينطلق من العراق


- I -
كل الأنظار منصبّة على سورية لمعرفة أي مصير ينتظر المشرق العربي: حلول سياسية في أطر جديدة للدول- الأمم العربية الحالية، أم دويلات جديدة على أسس مذهبية وعرقية.
بيد أن مصير هذه المنطقة في الواقع سيتحدد أساساً في العراق لا سورية، على رغم الأهمية القصوى لبلاد الشام في رسم، أو أعادة رسم، خرائط الشرق الأوسط.
 لماذا العراق؟
في 8 آذار/مارس الحالي، ألقى المحلل البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر بعض الأضواء على السبب، حين ركَّز على النقاط التالية:
- التحالف الغربي، بدخوله العراق وتفكيكه، قلب موازين القوى في أكثر مناطق العالم التهابا، ليس لأنه أطاح نظام حسين، بل لأنه أوصل الأقلية الشيعية في داخل العالم الإسلامي (والتي هي أغلبية في العراق) إلى السلطة في قلب المنطقة العربية للمرة الأولى منذ سقوط الخلافة الفاطمية العام 1171.
- وهذا، إضافة إلى أنه أسفر عن حمام دم في العراق، أشعل مجدداً نزاعاً عمره ألف سنة بين السنّة والشيعة، امتد من المشرق العربي إلى شبه القارة الهندية.
- أحداث العراق غيَّرت بالفعل مقومات المنطقة، وهي كانت أخطر بكثير من مضاعفات حرب السويس العام ،1956 لأنها أعطت زخماً لكل ألوان وأنواع الحركات الإسلامية.
- II -
تحليل دقيق؟
أجل. لكن، يجب ان نضيف إليه عاملاً آخر لايقل أهمية.
فأرض العراق في الواقع رأس جسر ممتازاً ونموذجياً لتفجير العالم الأسلامي من داخله، لأنها كانت المسرح الرئيس للمأساة التاريخية لآل البيت على يد الأمويين. كما أنها كانت ساحة المعركة الرئيس بين العثمانيين والصوفيين طيلة قرنين من الزمن ( العراق آنذاك  كان يصبح صفوياً فارسياً في الشتاء، وسنّياً تركياً في الصيف! ) .
القسمة الدموية السنية – الشيعية انطلاقاً من العراق منذ غزوه العام 2003، حققت، وستحقق أكثر، جملة أهداف إستراتيجية غربية  دفعة واحدة. فهي شطرت الشرق الاوسط الكبير الى شطرين كبيرين متناحرين. وهي جعلت إيران في حال صدام ليس مع أميركا وحسب، بل (مجدداً ) أيضاً مع تركيا وباقي اطراف الغالبية السنّية في العالم الإسلامي. وبالطبع، حين تحاصر جمهورية الخميني على هذا النحو، لن يطول الوقت ( مجدداً أيضاً ) قبل ان تبدأ البحث في وقت ما عن حلفاء لها في الغرب. وهذا بالتحديد  ما فعله الصفويون طيلة القرنين 18 و19.
وأخيرا، حروب السنّة والشيعة قد تقلب صورة الصراع مع إسرائيل رأسا على عقب. ويكفي للتدليل على ذلك تخيلّ، مثلاً،  مصير مواجهة " حزب الله " المصيرية مع إسرائيل، إذا ما جرّه الغرب الى صراعات طائفية مع السنّة في لبنان وسوريا.
- III -

لكل هذه الأسباب، ماسيجري في العراق سيكون هو، واكثر من سورية، من سيحدد المسار الذي ستتجه إليه الأمور في الهلال الخصيب العربي.
وهذا الذي يجري الآن، وسيجري غدا، لا ينبىء بكثير من الخير:
- فالسياسات الطائفية التي مارستها حكومة المالكي، قبل الانسحاب الأميركي وبعده، بدأت تؤتِ أكلها الآن: شعور كبير بالامتعاض والتهميش بين العرب السنّة، الأمر الذي يهدد بتحويل حركاتهم الاحتجاجية الراهنة إلى تمرد مسلح في أي لحظة، شبيه بذلك حدث العام 2003.
- كما أن فشل الحكومة في تحقيق أي نوع حقيقي من المصالحة السياسية،  وتلبية حاجات السكان الاجتماعية والتنموية، وتسوية القضايا العالقة في مجالات النفط والأراضي المتنازع عليها، كل ذلك جعل "الحل الأمني" يفرض نفسه كمقاربة حكومية وحيدة للأزمات الراهنة. وإذا ماوضعنا في الاعتبار الخلل الديمغرافي- الطائفي الراهن في تركيبة قوات الجيش وأجهزة الأمن لغير صالح السنّة، فقد لايكون من الخطأ الاستنتاج بأن تفاقم الأوضاع في المحافظات السنيّة سيؤدي في نهاية المطاف إلى فشل النموذج العراقي الراهن لإعادة بناء الدولة- الأمة.
- والآن، دخلت الحرب الأهلية السورية على خطوط الصدع العراقية الجديدة لتكون بمثابة الصاعق الذي قد يفجّر بلاد العباسيين مرة أخرى، وربما أخيرة. فحكومة المالكي، بسماحها بتحوُّل العراق إلى ممر للمساعدات الإيرانية للنظام السوري، خلقت الظروف الملائمة لتقاطع مصالح السنّة العراقيين مع ثورة السنّة السوريين. وهذا ما دفع العديد من العشائر السنيّة العراقية، ناهيك بالطبع بالحركات الإسلامية المتطرفة إلى رفع شعار: اليوم دمشق وغداً الزحف على بغداد.
- IIII -
رب متسائل هنا: كيف يمكن أن يكون انقسام العراق هو المدخل لتقسيم المشرق؟
حسنا. الصورة تبدو بسيطة وواضحة: الحرب الأهلية العراقية الجديدة، في حال نشوبها، ستؤدي إلى انفصال المحافظات السنيّة الأربع عن الكيان العراقي، وربما انضمامها إلى الأردن في إطار مملكة أردنية هاشمية جديدة. وهذا بات أمراً وارداً بقوة بعد أن أعاد الرئيس الأميركي أوباما خلال جولته الشرق أوسطية الجديدة إحياء المحور التركي- الإسرائيلي- الأردني الشهير، الذي سيتحوِّل في وقت قريب إلى الوكيل الحصري الإقليمي الجديد للباكس أميركانا في الشرق الأوسط.
هذه المملكة الهاشمية الجديدة ستقيم بالطبع علاقات وطيدة مع المحافظات السنيّة السورية، سواء في شكل فيدرالي أو تنسيقي، في حال انهارت الدولة السورية الراهنة. وحينها سيكون الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام قيام دولة علوية على الساحل السوري لها امتدادات شيعية في داخل لبنان، فضلاً عن تقسيم لبنان نفسه إلى دويلات طائفية مسيحية ودرزية وسنّية وشيعية.
هل تبدو هذه المحصلات مغالية في التشاؤم؟
ربما.
لكن التطورات التي تجري في المشرق العربي هذه الأيام، لاتوحي بشيء من التفاؤل.
وحين يكون الأمر على هذا النحو، لايعود من المفيد إطلاق نعوت التفاؤل أو التشاؤم على السيناريوهات المحتملة لما ستؤول إليه الأمور، بل تصبح المسـألة مجرد تحليل علمي لاحتمالات علمية.
والعراق الآن هو المدخل الأول والرئيس لهذا التحليل وتلك الاحتمالات.

سعد محيو




الجمعة، 22 مارس 2013

ماذا بين الأسد والمالكي وعبد الله ونصر الله؟



- I -
هنري كيسينجر اعتاد أن يقول: سوء الطالع التاريخي قد يلازم بعض الأمم، تماماً كما يفعل مع بعض الأشخاص منكودي الحظ.

هذه المقولة تبدو منطبقة بحذافيرها هذه الأيام على أربع دول دفعة واحدة في منطقة الهلال الخصيب: العراق، سوريا، الأردن، ولبنان.
ففيما تتعرّض هذه البقعة الاستراتيجية التي تعتبر (إلى جانب مصر) قلب الشرق الأوسط وأحد المفاتيح المهمة لقارة أوراسيا، إلى أعاصير جامحة تهدد بنسف خرائط الأنظمة والكيانات والأوطان التي رُسِمت العام 1905 بين سايكس وبيكو، تحتل مواقع السلطة في الدول الأربع شخصيات سياسية، أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تفتقر إلى أي حس تاريخي، أو أي إدراك للأبعاد الاستراتيجية لما يجري.
ففي العراق، وعلى رغم السلطات الواسعة التي حصدها نوري المالكي من خلال مد سيطرته إلى الجيش ومؤسسات الدولة السيادية والعديد من الأجهزة الأمنية، لايزال يتصرّف كسياسي عادي في ظرف عادي، لاهم له سوى تحصين مواقعه في السلطة، واللعب على التناقضات بشتى أنواعها، ومحاولة إعادة إنتاج النظام السلطوي الصدّامي السابق.
أبرز مؤشر على ذلك كان مافعله رئيس الوزراء العراقي مباشرة بعد إتمام الانسحاب الأميركي من البلاد. فهو بدلأ من أن يسارع إلى طرح برنامج وطني شامل يوحّد في إطاره شعث المجتمعين العراقيين السياسي والطائفي - العرقي، عمد إلى الانقضاض فوراً على منافسيه من السياسيين السنّة، معتقداً أن الوقت بات مناسباً لمركزة السلطة في يده.
والحصيلة؟
أنها جلية الآن: بدل أن يسيطر المالكي على زمام الأمور، أفلتت هذه الأمور من يده في المحافظات السنّية الأربع وفي كردستان وبعض المناطق الشيعية، وعاد العراق برمته ليرقص مجدداً على إيقاع موسيقى التقسيم والتفتيت التي تعزفها الآن بصخب  الحرب الأهلية السورية المدمّرة.
وهكذا، كان المالكي الرجل غير المناسب، في المكان غير المناسب، وفي الوقت غير المناسب.
- II -
في سورية، يبدو أمر القيادة السياسية أسوأ بكثير.
فالرئيس بشار الأسد اعتقد أنه تقمّص شخصية والده حافظ حين استل هذا الأخير سيف الحسم الأمني لمواجهة تمرد الإخوان المسلمين في أوائل الثمانينيات، وحقق استقرار نظامه بعدها طيلة ثلاثة عقود.
لكن بشاراً نسي أن حافظ قد مات، وماتت معه ظروف نجاحه. فسورية تغيّرت من بلد صغير لايتعدى سكانه الستة ملايين نسمة إلى بلد كبير يفوق تعداده الـ22 مليون نسمة، جلّهم من أعضاء الطفرة الشبابية (Youth bulg ) الباحثة عن العمل ولقمة العيش والكرامة. كما نسي أيضاً أن العالم تغيّر بعد ثورات الربيع العربي، ولم يعد التحالف التاريخي بين وكالة المخابرات الأميركية (السي. أي. آي) وبين النخب الديكتاتورية كافياً للحفاظ على النظام والسلطة.
الرئيس السوري الشاب يعيش فعلاً في حالة سايكولوجية منغلقة على ماضٍ يستحيل إحياءه.ولذا، فهو، وعلى رغم خسارته لثلاثة أرباع الأرض السورية وعلى رغم تراقص الوطن السوري نفسه على شفير الهاوية، لايزال يتصرف وكأن لحظة انتظار أبيه العام 1982 آتية لامحالة.
وهكذا، الأسد الآن هو السياسي المخطيء، في الزمان المخطيء، والمكان المخطيء.
في الأردن، نحن أمام نموذج آخر لايقل تعقيدا.
فالملك عبد الله الثاني، وبدلاً من تحصين المجتمع الأردني عبر الإصلاحات السياسية الحقة كي يعبر بسفينة الأردن مضائق التسوناميات العربية الصاخبة، عمد مؤخراً إلى فتح النار على الجميع: من قادة مصر وتركيا وسورية، إلى أعضاء أسرته الحاكمة، وأجهزة مخابراته، وطال الأمر حتى العشائر التي تشكل الضمانة الأولى والأخيرة لنظامه.
لا أحد عرف سبب هذا التخبط الغريب والمغالي في "لاسياسيته". لكنه على أي حال يشير إلى أحد أمرين: إما أن الملك ليس قادراً على ركوب الامواج الإقليمية العاتية الحالية، فربما قرر أن يمهّد للخروج من السلطة (ربما لصالح شقيقه حمزة)، أو أنه يتشبَّه بالمالكي في مجال سوء الحسابات وكالأسد في غيبوبته الزمنية.  وكلا الاحتمالين يتنافسن على مستوى درجة السوء.
في لبنان، قد لايبدو حسن نصر الله، الحاكم الفعلي حالياً للبلاد، في موقع مقارنة مع القادة الثلاثة سالفي الذكر، بسبب تمسكه بمبدأ التوازنات وتجنّب الانفجارات الكبرى بأي ثمن.
بيد أن هذه السياسة الحصيفة بدأت تبدو أكثر فأكثر حصيفة على الورق فقط لا على أرض الواقع.
صحيح أن نصر الله دعم سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية. لكن الصحيح أيضاً أنه بدأ يرتكب خطايا استراتيجية كبرى، ليس فقط لأنه انغمس بكثافة في الحرب إلى جانب نظام سوري متهاوٍ، بل أولاً وأساساً لأنه لم يتحرك بوصة واحدة نحو التسوية السياسية الوحيدة التي يمكن أن تنأى بلبنان بالفعل عن الكارثة الإقليمية السورية: تشكيل حكومة وحدة وطنية شاملة وجامعة، قادرة وحدها على منع تحوّل التفجيرات الأمنية المتوقعة إلى مجابهات أهلية واسعة.
- III -

ما القاسم المشترك بين هؤلاء القادة الأربعة؟
إنه غياب "الكاريزما" الاستراتيجية- التاريخية، التي كان يفترض أن تدفعهم إلى العمل كرجال دولة يرون الغابة الكاملة التي تختفي وراء الشجرة: غابة الفتنة الكبرى-2 الشيعية- السنّية التي تعمل الآن العديد من القوى الدولية والإقليمية على إشعال أوارها، ومعها مشاريع تقسيم دول الهلال الخصيب إلى دويلات سنّية وشيعية وعلوية ومسيحية وكردية.. ألخ.
إنه حقاً سوء حظ تاريخي.
سعد محيو
_________________




الأربعاء، 9 يناير 2013

العراق ولبنان: توأمة بائسة



- I -
هل أصبح لبنان والعراق "توأمان"؟
أجل، بعد أن أصبح ماضي لبنان هو حاضر العراق، عبر تسييد الطائفية فكراً ومؤسسات وعصبيات على البلاد.
قارنوا مايحدث الآن في البلدين:
في بلاد الأرز يتنازع قادة الطوائف هذه الأيام (كما في كل موسم انتخابي) على قوانين انتخابية كل منها أسوأ من غيرها على الصعيد الوطني، حيث تصب جميعها في خانة تعميق الانتماء الطائفي والمذهبي على الانتماء المواطني والوطني.
 على رأس هذه القوانين الآن المشروع الارثوذكسي الذي يطلب أن تنتخب كل طائفة نوابها في كل كل أنحاء لبنان، الأمر الذي قد يسفر عملياً عن حصيليتن:
الأولى، أن يكون هناك 18 برلماناً على عدد الطوائف اللبنانية تجتمع اسمياً تحت سقف مبنى واحد. والثانية أن تكشف الانتخابات، وفق هذا المقترح، عن العدد الحقيقي (الضئيل) للديموغرافيا المسيحية، الأمر الذي يفتح الأبواب والنوافذ على مصراعيها أمام المطالب بنسف صيغة المناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
وهكذا، بدل أن يلجأ اللبنانيون إلى حل دولة المواطنة الديمقراطية الضامنة لكل الأقليات والأغلبيات على حد سواء، يواصلون الهروب الانتحاري إلى كارثة الانقسامات الطائفية التي تنتج حرباً أهلية دموية كل نحو عشر سنوات.
- II -
انتقلوا الآن إلى العراق.
هناك، ستجدون بلاد الرافدين تسير خطوة خطوة، ولكن بثبات، نحو "الفخ" اللبناني، وتقترب على نحو خطر من الحروب الاهلية الموسمية، على رغم أن العراقيين يتكونون من دين واحد ويشهدون ظاهرة زيجات واسعة بين عناصر المذهبين الشيعي والسني.
ما أوصل العراق إلى هذه المرحلة كانت بالطبع قوانين الغزو الأميركي التي دمّرت الدولة العراقية وأطلقت الانقسامات المذهبية من عقالها. لكن ما كرّس هذه الانقسامات وعززها كان البروز السريع لأمراء طوائف على غرار أمراء لبنان وجدوا مصلحتهم السياسية في بقاء النظام الطائفي، فانطلقوا في عملية بناء للسلطة ولمشروع الدولة على أسس مذهبية.
رئيس الوزراء نوري المالكي كان على رأس طبقة الأمراء الجدد هؤلاء. فهو عمد أولاً إلى القيام بعملية تدمير منهجي لتكتل العراقية الذي شكّل فرصة جدية لتكوين سياسي علماني، أو على الأقل عابر للطوائف، معبِّر عن تطلعات الطبقة الوسطى العراقية بمجملها، ثم تحرك لإعادة بناء دولة أمنية- عسكرية على أسس العصبية المذهبية.
وآخر انجازات المالكي في هذا الصدد كان قراره بمواجهة تظاهرات الأنبار والشمال بتظاهرات شيعية في الجنوب، بدل العمل على نزع فتيل مشاعر التهميش والغضب السنّية.
والحصيلة معروفة: اندفاع العراق حالياً كقطار سريع انحرف عن خطه نحو هاوية ليس لها قرار، وافتقد إلى سائقين كفؤين يخففون على الأقل من حجم الكارثة التي تفاقمها بشدة التطورات الدموية المريعة عند الجار السوري.
- III -
العراق ولبنان، إذا، بدءا يصبحا بالفعل توأمين. وإذا ما انضمت إليهما غدا سورية عبر نظام طائفي جديد على غرار اتفاق الطائف الطائفي اللبناني، سيكون المشرق العربي برمته على موعد
مع "اللببنة" الكاملة.
وللتذكير: "لبننة لبنان"، أي إقامته على أسس طائفية، أدت إلى حروب أهلية ساخنة وباردة متصلة فيه منذ العام 1840 في القرن التاسع عشر وحتى العام 2013 في القرن الحادي والعشرين.
توأمة بائسة، أليس كذلك؟

سعد




السبت، 29 ديسمبر 2012

سورية والعراق: هل أزفّ زمن الدويلات المذهبية؟

الانبار: سورية والعراق في زورق واحد- الصورة من غوغل





- I -
يبدو أن تهديد الرئيس بشار الأسد في المراحل المبكرة الأولى من الانتفاضة السورية بأنه سيفجّر المنطقة، سيثبت أنه كان نبوءة ذاتية التحقق، ولكن بشكل معكوس:
بدل أن يفجَّر هو سورية المنطقة طائفيا لصالحه، تتفجّر المنطقة الآن في وجهه.
الدليل؟
إنه موجود وفاقع الوجود هذه الأيام في العراق. فما يسميه الآن المنتفضون في محافظة الأنبار العراقية "الثورة ضد تهميش السنّة"، هو في واقعه سبب محلي ونتيجة إقليمية في آن: سبب محلي، لأن السياسات الطائفية والمذهبية التي أرساها الاحتلال الأميركي في عراق مابعد الغزو وواصلها المالكي، حوّلت السنّة من مجموعة تنتمي إلى أمة عربية إلى جماعة تنزوي في حضن الطائفة- العشيرة. وهو نتيجة إقليمية، لأن سنّة العراق، الممتعضين أصلاً من دعم حكومة بغداد لنظام الأسد مالياً ونفطياً وإعلاميا، شعروا بالقوة والتمكين بعد المكاسب العسكرية على الأرض التي حققها، ولايزال يحققها، جيرانهم من الأغلبية السنيّة السورية طيلة الشهرين المنصرمين.
وهكذا، تقاطعت الأزمة الطائفية العراقية مع الحرب الأهلية السورية لتخلق كوكتيلاً خطراً قد يثبت بعد حين أنه متفجر إلى أبعد الحدود، في حال لم تحدث انشقاقات كبرى في الطائفة العلوية السورية تُنهي حال الاستقطاب الطائفي الحاد الراهنة، وأيضاً في حال ركبت حكومة المالكي رأسها وقررت مواجهة العين الطائفية بالعين الطائفية، والسن المذهبية بالسن المذهبية.
وإذا ماحدث ذلك، ستفتح مشاريع إعادة رسم خريطة المشرق العربي على مصراعيها على الأسس الطائفية والمذهبية والعرقية التي باتت أكثر من معروفة. فسنّة سورية والعراق قد يشكّلون اتحاداّ قوياً تعززه الروابط القبلية والمذهبية وتسنده حقيقة الجوار الجغرافي. وسيكون للعلويين دولة، وسيحاولوا أن يخلقوا لها امتداداً في سهل البقاع الشيعي اللبناني (وإن كان هذا يبدو أمراً صعب المنال بسبب مصالح شيعة لبنان المحلية والعربية والإيرانية الخاصة)، كما سيكون للدروز وأكراد سورية والعراق دويلاتهم الخاصة.
- II -

هل وصلنا بالفعل إلى هذه المرحلة الخطرة؟
ليس بعد، أو ليس تماماً.
لكن استمرار تمسك "الأصوليين العلويين" بالسلطة ، ومعه تواصل الحرب الأهلية الاستقطابية في سورية، واستمرار السياسات الطائفية في العراق، سيكون وصفة ممتازة لجعل تهديدات الأسد بالفعل نبوءة ذاتية التحقق، وإن على عكس ما اشتهت سفنه.

سعد