للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوباما. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أوباما. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 26 سبتمبر 2014

لماذا عاد أوباما إلى الشرق الأوسط؟



-     I  -
السؤال الأبرز الذي طفا على السطح بقوة مع بدء الغارات الجوية الأميركية الكثيفة، والمفاجئة في الواقع، على الدولة الإسلامية هو: هل يملك الرئيس أوباما استراتيجية واضحة تتعلق بالأهداف والمرامي من وراء هذه المغامرة الكبرى الأميركية الجديدة؟

هذا السؤال مبرر للغاية: فالرجل القابع في البيت الأبيض أمضى ست سنوات كاملة وهو ينظّر لانتهاء حروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ورفض ضغوط كل المؤسسات الأميركية، من البنتاغون والخارجية إلى مجلس الأمن القومي، للتدخل حتى كان الرئيس السوري الأسد يتجاوز الخطوط الحمر الأميركية الواحد بعد الآخر. ليس هذا وحسب، بل استكمل أوباما هذه الخطة الانحسارية باستراتيجية الاستدارة شرقاً (Pivot ) نحو آسيا- الباسيفيك التي عنت عملياً إدارة الظهر للشرق الأوسط.
الآن تغيّرت الصورة: فباراك أباما انقلب بين ليلة وضحاها إلى جورج بوش آخر. وصيحات السلام والتعاون الدوليين اللذين كان يتغنى بهما الرئيس الأميركي من فوق منابر الأمم المتحدة وردهاتها، تطورت قبل يومين في خطابه أمام الجمعية العامة إلى صرخات حرب تصم الآذان، وكأننا أمام رئيس جمهوري من المحافظين الجدد.
ماذا جرى كي تنقلب الحمامة إلى صقر؟ هل قتل مواطنين أميركيين إثنين كان أخطر بكثير من أزمة كبرى في أوكرانيا بدأت تتسرب منها روائح حرب باردة جديدة في أوروبا؟ هل تبدد الخطر الأصفر في الباسيفيك، إلى درجة تسمح للولايات المتحدة بتحويل الاستدارة شرقاً إلى دوران مجدداً حول الشرق الأوسط؟ ثم: ماذا عن مجابهة المخاطر التي تتعرّض إليها الآن العولمة في طبعتها الأميركية، والتي قد تجرف معها (في حال استمرارها) أسس الزعامة الأميركية نفسها في العالم؟
لاموسكو ولابيجينغ ولاطهران تصدّق بالطبع، وهي على حق، أن إطلاق أضخم ترسانة عسكرية في التاريخ، هدفه الوحيد الانتقام أو  فرض الهيبة. أميركا تعرّضت إلى إذلالات كبرى في السابق ولم تحرّك ساكنا: من قتل مئات رجال المارينز في بيروت العام 1982 وقبلها احتجاز عشرات الرهائن الدبلوماسية في طهران، إلى مئات عمليات الخطف والاغتيال والاحتجاز التي تعرّض إليها مواطنون أميركيون في الشرق الأوسط.
كذلك، هذه العواصم على حق أيضاً حين تشك بأن واشنطن تريد حقاً القضاء على داعش كلياً، أو حتى بأنها ستُتبع عملياتها العسكرية بطرح حلول سياسية للعراق وسورية، وبالتالي تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.
 الدليل؟ إنه واضح من البيانات الأميركية المتلاحقة التي تتحدث عن حرب تستمر ثلاث وخمس وعشر سنوات، من دون أي إشارة إلى "استراتيجية خروج" سياسية من هذه المعمعة، حتى الآن على الأقل.
-     II  -
ماذا يعني كل ذلك؟
إنه يعني أن المحللين الذين يعتقدون أن أوباما دخل هذه الحرب الجديدة ضد "الإرهاب" من دون استراتيجية، محقون، طالما أن كل الأحاديث هي الآن أحاديث حروب وقتال.
لكن ثمة من هم على حق أيضاً حين يقولون أن غياب الاستراتيجية الخاصة بالارهاب، لايعني في الواقع الغياب التام لكل/أو أي استراتيجية. العكس برأيهم هو الصحيح. بيد أن هذه الاستراتيجية لاتتعلق فقط، أو أساساً، بالمنطقة بل بمجمل الصراع الدولي مع روسيا والصين. الشرق الأوسط هو البوابة أو المدخل إلى توجه جيو- استراتيجي أميركي جديد في قارة أوراسيا.
أول من تنبأ بهذا التطور كان المحلل الأميركي وولتر رسل ميد، الذي رسم (فورين أفيرز- أيار/مايو 2014) الصورة التالية لآفاق الوضع الدولي، والتي ستحتم على الولايات المتحدة برأيه "العودة إلى التوجهات الجيوسياسية القديمة":
-       التنافسات الجيوسياسية اجتاحت مجددا المسرح العالمي: من احتلال روسيا لشبه جزيرة القرم، إلى مطالب الصين الحادة في المياه الآسيوية الساحلية وردود اليابان عليها باستراتيجية قومية حادة، مروراً بمحاولات إيران استخدام تحالفها مع سورية وحزب الله للسيطرة على الشرق الأوسط.
-       كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تعتقدان أن الصراعات الجيوسياسية انتهت مع نهاية كل من الحرب الباردة والتاريخ، وحلّت مكانها تنافسات مابعد الحداثة والعولمة والتجارة وحقوق الإنسان وتغير المناخ وغيرها.
-       لكن هذا كان تحليلاً مخطئا. ذلك أن انهيار الاتحاد السوفييتي عنى انتصار الرأسمالية الليبرالية على الشيوعية، لكنه لم يعنٍ أن القوة الصلدة أصبحت عملة عتيقة. فالصين وروسيا وإيران لم تقبل أبداً التسوية الجيو- سياسية لما بعد الحرب الباردة وهي تحاول معاً تقويضها. ومثل هذه العملية لن تكون سلمية. ولذا يتعيّن على الولايات المتحدة وأوروبا العودة إلى المسرح الجيو-سياسي مجددا.
-     III  -
-        
حسنا. أوباما عاد بالفعل إلى هذا المسرح، عبر الشرق الأوسط.
فهو خلط بقوة موازين القوى في العراق بعد أن ترك داعش تحتل الموصل وأجزاء واسعة من شمال غرب إيران، ما أدى إلى سقوط رئيس الحكومة المالكي وزعزعة النفوذ الإيراني برمته في بلاد الرافدين. ثم أنه أتبع ذلك بالعودة العسكرية القوية بطلب استجدائي من حكومة بغداد.
وفي سورية، ضرب أوباما عرض الحائط بكل التحذيرات الروسية من الدخول العسكري إليها من دون موافقتها (عبر مجلس الأمن) أو موافقة الأسد، فباتت الأجواء السورية مسرحاً حراً للعمليات العسكرية ليس فقط الأميركية بل أيضاً لأعداء الأسد السعوديين والقطريين. "سورية الروسية" مستباحة الآن بالكامل، على رغم أن علينا الانتظار قليلاً لمعرفة ردة فعل موسكو وطهران.
وفوق هذا وذاك، كانت واشنطن تستعيد المبادرة على الصعيد الدولي مع تشكيل تحالف دولي واسع، يندرج اسمياً تحت شعار مكافحة الإرهاب لكنه يستهدف فعلياً إعادة الاعتبار للزعامة الأميركية في مواجهة روسيا والصين.
-     ***  -

ماذا في الجعبة الأميركية أيضا؟، وكيف سترد روسيا والصين على هذه "الشقلبة" الكبرى في موازين القوى الشرق أوسطية والدولية؟
(للحدث صلة)
سعد محيو
_____
للتواصل المباشر مع الكاتب:
Saad-mehio@hotmail.com

 







الثلاثاء، 17 سبتمبر 2013

ماذا لو كنت مكان الملك السعودي عبد الله؟


- I -
لم يجرؤ أحد خارج الولايات المتحدة على وصف الرئيس أوباما بأنه شخصية ضعيفة، ومترددة، أو حتى متهاوية تحت الضغط. ولاعجب. فالعالم لايرى أوباما كما تظهر صورته في المرآة، بل يراها من خلال عدسات أعتى قوة عسكرية في التاريخ.
ولذا، يتم اختراع المبررات له إزاء تقلباته العجيبة في الأزمة السورية، خاصة بعد أن حصل على "وعد" من الرئيسين الأسد وبوتين بتفكيك الترسانة الكيمائية السورية بعد تسعة9 أشهر (قابلة للتمديد لتسع سنوات أو ربما تسع عشرة سنة!):  فهو رئيس لابوشي، أي يريد أن يكون عكس ماكانه جورج بوش. وهو تبنى استراتيجية الاستدارة شرقاً نحو الصين ( Pivot) وغرباً نحو الداخل الأميركي (بناء الأمة الأميركية)، ولذا لايريد سوى إدارة الظهر للشرق الأوسط برمته.
بيد أن الساسة والمواطنين الأميركيين ليسوا مضطرين لرؤية أوباما بغشاء الدولة العظمى هذا. ولذا، مايرونه هو ما هو موجود: رئيس لايرأس شيئاً، وصاحب قرار لا يقرر شيئا. وهاكم عينة سريعة على ما يعتقده هؤلاء:
- الكاتبة روث ماركوس: "الرئيس أوباما يعتقد أن الانتقادات الموجهة إليه سببها أسلوبه في العمل، لا جوهر هذا الأسلوب. لكن هذا لايقنع أحدا، لأنه لا يمكن الركون إلى الوعود الروسية ولا بالطبع السورية. وحتى لو تحققت هذه الوعود، فهذا سيسفر عن تحصُّن النظام السوري ومواصلته قتل الآلاف من شعبه. إن عجز أوباما عن اتخاذ القرارات، وتقلُّب مواقفه وآرائه، جعلت الجميع في الكونغرس والإعلام "يحتقرون" " أداءه" و"يزدرونه".
- الكاتب ريتشارد كوهن: "أوباما فقد السيطرة على السياسة الخارجية- هذا إذا ماكان عنده أصلاً سياسة خارجية- ، إلى درجة أنه بات عليه الآن أن ينتظر الأسد لتنفيذ الصفقة مع الروس. كما عليه أن يواصل التهديد باستخدام القوة، لكن المشكلة أن لا أحد يصدقه الآن. وهكذا، وبسبب إهمال أوباما وتردده، مضافاً إليه وجود كونغرس غارق في العزلة، بات العالم أكثر خطراً بكثير على الأمن القومي الأميركي".
وهذا رأي أقرّه حتى الكاتب البريطاني غيديون راتشمان الذي، وعلى رغم اقتناعه بأن سوء أداء أوباما لن يمس مصداقية الدولة العظمى الأميركية، إلا أنه اعترف بأن هذا الأداء أثار القلق من أن يشعر خصوم الولايات المتحدة، كالصين وإيران، بالإغراء لاختبار مدى تصميم الإدارة الأميركية.
- II -
هذا ما يراه الأميركيون من داخل. والأرجح أن حلفاء أميركا من قادة الشرق الأوسط يرون المشهد نفسه، على الأقل في مجالسهم الخاصة.
إذ كيف يمكن بعد الآن للملك السعودي عبد الله، على سبيل المثال، أن يثق بأن أميركا (في عهد أوباما) ستكون حليفاً موثوقاً في مجابهة نفوذ دولة كإيران، ليس فقط في الحرب بالواسطة في سورية، بل حتى في داخل منطقة الخليج العربي؟
أليس وارداً أن يكون أوباما في وارد إبرام "صفقة كبرى" مع إيران، تساعده على المسارعة إلى الخروج من هذه المنطقة التي "يكره" (الشرق الأوسط)، تماماً كما فعل حين خرج من بغداد بسرعة تشبه تلك التي خرجت بها أميركا من سايغون؟.
ثم: كيف يمكن للملك عبد الله بعد الآن أن يثق بأن واشنطن لن تقبل باختلال موازين القوى لصالح طهران- موسكو (وربما من ورائهما دول معاهدة شنغهاي)، بعد أن جلست فوق السور، فيما الحرس الثوري الإيراني و"الحرس القديم" الروسي يشنان حرباً علنية شاملة في سورية؟
الارجح أن الملك يتذكّر الآن أن ثمة تياراً قوياً في أميركا (قد يكون أوباما جزءاً منه) يدعو إلى تقليص كبير للالتزامات الاميركية في منطقة الخليج. أبرز ممثلي هذا التيار هو باري بوسن، مدير برنامج دراسات الأمن في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا، الذي نشر مؤخراً في دورية "فورين أفيرز" دراسة بعنوان :"انسحبوا- الدفاع عن قضية سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً". (Pull back: The case for a less activist foreign policy) )
جاء في الفقرات المتعلقة بمنطقة الخليج على سبيل المثال:
- على المؤسسة العسكرية (الأميركية) إعادة تقييم  التزاماتها في الخليج "الفارسي"، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تساعد الدول في هذه المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات خارجية، لكن ليس في وسعها تحمُّل مسؤولية الدفاع عنها ضد تمردات داخلية.
- واشنطن لاتزال في حاجة إلى إعادة تطمين دول الخليج حيال الدفاع عنها ضد قوة إقليمية مثل إيران قد تهاجمها وتخطف ثروتها النفطية، لكن لم يعد ضرورياً أن يقيم الجنود الأميركيون قبالة شواطىء هذه الدول، حيث أن وجودهم يثير النزعة المعادية لأميركا ويربط الولايات المتحدة بأنظمة أوتوقراطية مشكوك في شرعتيها.
- III -
العاهل السعودي، الذي يقال أنه أبدى استعداداً لتوفير تمويل خليجي للضربة الأميركية للنظام السوري بقيمة 15 مليار دولار، يفكر الآن بالتاكيد بكل هذه المعطيات.
وحين يفعل، سيكون غيره من قادة الدول الحليفة لأميركا، كتركيا واندونيسيا وكوريا الجنوبية والفيلبين وتايوان، وحتى اليابان، في وارد إعادة النظر هم أيضاَ في علاقاتهم معها، وفي وارد التساؤل عن معنى "الخطوط الحمر" والالتزامات الأميركية.
هل كان أوباما يدرك هذه المخاطر، حين تقلّب بلامسؤولية كاملة إزاء الأزمة السورية، التي ستواصل ملاحقته كظله حتى وهو يهرب منها؟
الأرجح أن الأمر ليس على هذا النحو. فالرجل لايزال يعتقد أن أسلوب عمل القوة العظمى ليس مهما، فيما هو في الواقع الأهم بالنسبة إلى دول العالم.

سعد محيو






الاثنين، 16 سبتمبر 2013

أوباما: ضعف أم حصافة؟


- I-
هل باراك أوباما رئيس ضعيف للغاية أم حصيف للغاية؟
الآراء منقسمة بشدة حول هذا السؤال في كل أنحاء العالم، على رغم وجود إجماع نادر لدى الجميع تقريباً بأنه متردد كثيرا، ومتقلِّب أكثر.
منتقدو الرئيس الشاب، وهم باتوا كثراً الآن في الداخل الأميركي، ينعتونه بأسوأ الأوصاف. فهو، برأي بيل كلينتون، كما ورد في الكتاب الأخير للكاتب الأميركي البارز إدوارد كلين بعنوان "الهاوي"  (The Amateur)، "غير كفؤ وغير قادر على القيام بواجبات البيت الأبيض. أنه هاوٍ ولايعرف كيف يكون رئيساً، كما لايعرف كيف يعمل العالم".
 مواقف أوباما من تطورات الأزمة السورية الراهنة، توحي بأن كلمات كلينتون دقيقة حرفاً بحرف. فهذا الرئيس أثبت أنه يستيقظ متردداً وينام متقلّبا. يتخذ قراراً "حاسماً" في الصباح، ويغيّره بـ"حسم" في المساء. وهذا جعله وإدارته تتخبطان خبط عشواء في كل خطوة قامت بها حيال هذه الأزمة السورية. كما جعل الدولة العظمى الوحيدة في العالم تبدو أشبه بكرة تتقاذفها دول كبرى ومتوسطة وصغرى على حد سواء.     
نقطة البداية في هذا التخبط، التي تجرأت صحيفة "فايننشال تايمز" المتطرفة في رزانتها وتحفظها على وصفها بأنه بات "كوميديا"، كانت في لحس الرئيس الأميركي تهديده السنة الماضية بمعاقبة النظام السوري "في حال تجاوزه الخط الأحمر الكيميائي"، رغم اعترافه مؤخراً  أن  النظام استخدم الأسلحة الكيميائية 11 مرة ضد شعبه.
ثم توالت بعد ذلك فصول هذه المسرحية: من قرار أوباما توجيه ضربة عسكرية سريعة للنظام السوري وقيامه بحشد الأساطيل الأميركية في شرق المتوسط استعداداً لذلك، إلى قراره في ربع الساعة الأخير من الموعد المحدد للضربة التراجع وإحالة الأمر إلى الكونغرس. هذا على رغم أن أوباما كان يعلم سلفاً أنه سيواجه معارضة شديدة من مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وأنه قد يتعرض إلى هزيمة سياسية نكراء قد تجعله أول رئيس أميركي في التاريخ يتحول إلى "بطة عرجاء" قبل ثلاث سنوات كاملة من انتهاء عهده.
- II -
وجاء الفصل الأخير حين وافق أوباما على وضع كل بيضه في سلة روسيا وسورية، بعد أن وضعها في سلة الكونغرس، من خلال موافقته على اقتراح موسكو بوضع الأسلحة الكيميائية السورية في عهدة الأسرة الدولية، وهو أمر سيتطلب في حال تطبيقه سنوات طوال.
يقول هنا إيان بريمر، رئيس فريق أوراسيا، أن "تذبذبات وتقلبات السيد أوباما حول الضربة العسكرية لسورية، سيكون لها تأثيرات ضخمة على مصداقية السياسة الخارجية الأميركية. فحلفاء الولايات المتحدة (مثل السعودية وبقية دول الخليج والفيلبين وسنغافورة وحتى اليابان) سيكونون قلقين حيال الالتزامات الأميركية المقدمة إليهم".
هذا عن نقاد أوباما. فماذا عن أنصاره؟
يقول هؤلاء، بمن فيهم الرئيس الأسبق كارتر والدبلوماسي الأميركي البارز جيريمي شابيرو، أن انتقاد أوباما من موقع الربط الشديد بين الضربة العسكرية وبين المصداقية الأميركية، أمر مخطيء ويجر سريعاً إلى تكرار الحربين الفيتنامية أو العراقية.
 ويضيفون أن أوباما، وعلى رغم تقلباته المزعجة والمحيّرة، كان حصيفاً حين حاول بكل امكاناته تجنب استخدام العصا الغليظة التي لطالما استخدمها جورج بوش. اما الحديث عن أن عدم توجيه ضربة إلى سورية سيشجع إيران على المضي قدماً في مشروعها النووي من دون رادع أو خط أحمر أميركي، فهي محاججة مردودة لأن طهران تواصل أصلا قبل منذ سنوات من اندلاع الأزمة السورية هذا المشروع.
- III -

من على حق في هذا الجدال؟
المعسكر الأول، لكن ليس فقط لأن أوباما كان متردداً عسكرياً ومتقلباً استراتيجيا، بل لأنه أدخل الشلل إلى الدبلوماسية الأميركية. وهنا يجب أن نتذكَّر أن الولايات المتحدة حققت أبرز انتصاراتها (عدا في الحربين العالميتين الأولى والثانية) من خلال الدبلوماسية لا الحرب: من جذب هنري كيسينجر الصين إلى المحور الأميركي خلال الحرب الباردة، إلى نجاح جيمس بيكر في حشد العالم ضد نظام صدام حسين عشية غزو العراق، مروراً بالعمل الباهر الذي قام به ريتشارد بروك في استعادة الثقة الجيواستراتيجية للولايات المتحدة لدى بلدان جنوب شرق آسيا غداة هزيمة فيتنام.
أوباما كان في وسعه أن يحقق مثل هذه الانجازات الدبلوماسية من دون ضربات عسكرية، أو أن يحقق "النصر من دون حرب" (على حد تعبير ريتشارد نيكسون في كتابه الشهير). لكنه لم يفعل. وهذا ما جعل مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والدولية الروسية على حق حين قالت قبل أيام أن أوباما "سيُثبت أنه أضعف رئيس، وأكثرهم غير قابلية للتوقع، في كل التاريخ الأميركي".
أما الحديث عن نصر حققه أوباما من خلال موافقة روسيا على تجريد سورية من أسلحتها الكيميائية، فهو سابق لأوانه، لأنه ليس ثمة ضمانات البتة بأن مثل هذه الصفقة ستنجح.


سعد محيو

الاثنين، 17 يونيو 2013

أوباما وبوتين على ضفاف نهر الروبيكون




- I -
حين عبر يوليوس قيصر نهر الروبيكون (وهو نهر ضحل شمال شرق إيطاليا) العام 49 قبل الميلاد، تحتم عليه المضي قدماً للزحف على روما. ومن حينها بات تعبير "عبور الروبيكون" يعني نقطة اللاعودة.

شبح بوتين خلال مداولات البيت الأبيض (الصورة المركبة من غوغل

فهل عبر الرئيس أوباما نهر الروبيكون بقراره تسليح المعارضة السورية، وبات عليه المضي قدماً حتى النهاية في الانغماس في هذه الأزمة؟
السؤال يبدو منطقياً للغاية، لأن هذا الرئيس بذل جهوداً مضنية طيلة السنتين الماضيتين لتجنب أي تورط في هذه الحرب. وهذا شمل ليس فقط التشكيك بالتقارير الغربية والدولية المقنعة عن استخدام النظام السوري للسلاح الكيميائي، بل أيضاً "استجداء" موسكو للعمل على إيجاد حل سياسي للأزمة.
بيد أن كل هذه الجهود ذهبت هباء منثوراً. والسبب الرئيس لم يكن تقارير أجهزة الاستخبارات الأميركية التي أكدت استخدام النظام السوري لغاز السيرين "في العديد من الحالات"، بل الاندفاعة الكبرى التي قامت بها إيران وحليفها حزب الله في العمليات العسكرية في سورية، والتي وصفتها "فايننشال تايمز" عن حق أنها كانت بمثابة خرق "الخط الاحمر" الثاني الذي رسمته واشنطن بعد الخط الأحمر الكيميائي.
والآن، وبعد أن وُضع التدخل الأميركي في سورية أخيراً على نار حامية، هل سيكون أوباما مجبراً على السير قدماً نحو روما (إقرأ دمشق)؟
- II -

ليس بعد.
إذ لايزال في كم أوباما ورقة لما يلعبها بعد: الضغط على الرئيس الروسي بوتين خلال قمتهما في شمال إيرلندا الأسبوع المقبل لدفع التسوية السياسية قدما، وإلا فإن الولايات المتحدة ستكون مضطرة إلى تصعيد تدخلها في سورية.
الكرة الآن ستكون في ملعب بوتين، الذي سيكون عليه أن يقرر ما إذا كان الرئيس الأميركي جاد في  تهديداته الخاصة بالانغماس في الأزمة السورية، أم أنه يستخدمها كمجرد ورقة لممارسة الضغط عليه.
والحال أن قرار بوتين لن يكون سهلا. فهو، من جهة، يبدو سعيداً بالانجازات العسكرية الأخيرة التي حققها النظام السوري بدعم قوي ومباشر من إيران وحزب الله، ويتمنى بالطبع أن تتوافر الفرص لمواصلة هذا التقدم وصولاً إلى إعادة السيطرة على مدينة حلب. وهو، من جهة أخرى،  يخشى بالفعل أن يكون تقدّم أوباما المتردد نحو التدخل، بداية لسلسلة مضاعفات غير مقصودة تدفع واشنطن في النهاية إلى التورط الكامل .
الخيط الأبيض من الأسود سيبين خلال قمة مجموعة الثماني الكبار الحالية، التي تحتل فيها الأزمة السورية مركز الصدارة، خاصة وأن بريطانيا وفرنسا ستجدان في القرار الأميركي بتسليح المعارضة السورية دفعة قوية لجهودهما لتدخل غربي أكثر فعالية في الحرب.
وهذا لن يجعل بوتين وحده محاصراً هذه المرة بموقف غربي شبه موحّد، بل سيسفر أيضاً عن محاصرة أوباما نفسه لمنعه من التراجع عن خطوة التدخل. فـ"دخول حمام" الأزمة السورية ليس كالخروج منه، كما يقول المثل الشعبي.
- III -
لكن، إلى أين الأزمة السورية في حال لم يستجب بوتين لضغط أوباما، أو أنه لن يكون قادراً على كبح جماح حلفائه السوريين والإيرانيين؟
إلى أحد سيناريوهين:
إما إلى أفغنة مديدة لسورية تتوزع فيها نحو 300 ميليشيا ( بما فيها ميليشيات النظام ووحدات حزبي الله اللبناني والعراقي) من مختلف الأصناف والأنواع السيطرة على أجزاء من البلاد على أسس مذهبية وطائفية وعرقية، وتكون كلٌ منها تابعة إلى قوة إقليمية ودولية.
أو امتداد الصراع ليصبح إقليمياً على طراز ماجرى في الهند الصينية في ستينيات القرن العشرين، حين تمددت الحرب الفيتنامية لتبتلع كمبوديا ولاوس. وحينها، سيتحوّل الهلال الخصيب برمته إلى مرتع لحروب دولية- إقليمية سيكون الهدف الحقيقي منها التأثير على تشكيل النظام العالمي الجديد.
أما التسوية السياسية الداخلية فهي، من أسف، لاتبدو في الأفق القريب، لأنه لا النظام ولا الجزء الأكبر من المعارضة ولا القوى الإقليمية النافذة تبدو مقتنعة بأن الحل السلمي هو المخرج الوحيد من الكارثة الراهنة.
على أي حال، الكثير سيعتمد على نتائج اجتماع أوباما- بوتين اليوم، لنرى ما إذا كان الأول عبر نهر الروبيكون بالفعل في مجال الانغماس في لجج الأزمة السورية، أم أنه أنه لايزال ينتظر الثاني على ضفة النهر!

سعد محيو






الاثنين، 10 يونيو 2013

كيف ستغيّر "الصقرتان" رايس وباور سياسة أوباما في سورية؟


- I -
ثمة شبه إجماع بين المحللين الأميركيين بأت تعيين سوزان رايس مستشارة للأمن القومي الأميركي وسامنثا باور سفيرة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، لن يؤدِ إلى تغيير فوري أو واسع في السياسة الأميركية إزاء سورية.
هذا على رغم أن كلا هاتين الأمرأتين تنتميان إلى جناح "الصقور الجارحة" في مايتعلق بمبدأ التدخل الإنساني. فالأولى اشتهرت بقولها خلال عهد كلينتون  العام 1994:" بعد فظائع رواندا، أقسمت بأني إذا ماواجهت مثل هذه الأزمة ثانية سأنحاز بقوة إلى العمل الدراماتيكي وأن أشتعل لهباً إذا ما اقتضى الأمر". والثانية وضعت هي الأخرى كتاباً مجلجلاً عن جرائم الحرب بعنوان "المشكلة من جهنم"، دعت فيه بقوة إلى تطبيق مبدأ التدخل الإنساني.
حسنا. الفظائع وجرائم الحرب تجري على قدم وساق الآن في سورية، من قتل نحو 100 ألف شخص وجرح 500 ألف آخرين، إلى تشريد ربع الشعب السوري سواء داخل البلاد أو خارجها، مروراً باستخدام الأسلحة الكميائية.
فهل ستقبل رايس وباور أن تتنكرا لقسمهما ومواقفهما العلنية هذه لمجرد إرضاء غرائز رئيسهما أوباما المغالية في حذرها؟.
- II -
معلومات واشنطن تشير إلى أنهما تتفقان في الرأي مع أوباما على أن كل خيارات التدخل الأميركي في سورية ليست مغرية، وقد لاتؤثر على مجرى النزاع. هذا ناهيك عن أنها قد تورّط الولايات المتحدة في حرب أهلية فيما هي تبدو سعيدة لرؤية إيران وروسيا تغرقان في رمالها المتحركة.
وهذا صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن رايس، على وجه الخصوص، تدرك أن المسألة في سورية بدأت تتخطى حدود المواقف الإنسانية لترقى إلى مستوى الصراع الدولي والإقليمي الخطير، مع اندفاع موسكو وطهران الجامح لمحاولة قمع الانتفاضة السورية بالقوة العارية.
ففي حال نجح النظام السوري، بدعم روسي وإيراني كبير، في استعادة مدينة حلب وتطويق المعارضة المسلحة في أرياف شمال سورية وجنوبها وصولاً إلى الشرق في الرقة، ستكون موسكو وطهران في موقع يمكنهما من المطالبة بأن يكون لهما القول الفصل في كل تركيبة "الشرق الأوسط الجديد". هذا علاوة على أن الصين ستعتبر هذا التطور بمثابة بداية لانحسار أميركي في العالم، فتتشجع أكثر في المضي قدماً في مشاريعها القومية المتأججة في منطقة آسيا/الباسيفيك.
كما أن رايس تدرك على الأرجح أن سياسة الاستدارة شرقاً نحو آسيا التي طبقها أوباما، والتي هدفت إلى كبح جماح الصين، انقلبت إلى عكسها. فبيجينغ أستنفرت قواها وباتت أكثر اندفاعاً لتحدي النفوذ الاميركي في آسيا. وهذا أمر برز بوضوح خلال القمة الصينية- الأميركية أمس والتي قال فيها الرئيس الصيني كسي جينبيغ بصراحة عنيفة ومباشرة: " يتعيّن على الصين والولايات المتحدة أن تعثرا على طريق جديد. طريق مختلف عن المجابهة والنزاع اللذين كان لامفر منهما بين الدول الكبرى في الماضي".
بكلمات أخرى، كان كسي يبلغ أوبما بأن سياسة الاستدارة شرقاً لم تنجح في ردع الصين، ولا في منعها من المطالبة بالشراكة مع الولايات المتحدة في إدارة شؤون آسيا/الباسيفيك بـ"التي هي أحسن"، أي عبر التركيز على التعاون وتقاسم النفوذ بدل المجابهة والصراع.
- III -
هذا الموقف الصيني الحاد والمُنذر، سيدفع رايس وباور إلى مطالبة أوباما بأمرين إثنين متلازمين: الأول، العمل على تخفيف مخاوف الصين من استراتيجية الاستدارة شرقاً، من خلال تطوير ماوصفه هنري كيسينجر بـ"حوار جدي يؤدي إلى تغيير كل العلاقات الدولية". والثاني، إعادة فرض الهيبة الأميركية في العالم، كوسيلة لتعزيز المواقع التفاوضية للولايات المتحدة مع الصين وغيرها.
فرض الهيبة على من؟
بالدرجة الأولى على روسيا وإيران اللتين تتحديان الآن النفوذ الأميركي  في الشرق الأوسط، على نحو بات يهدد بفرط عقد (أو على الأقل إضعاف) التحالفات الأميركية مع دول الخليج وتركيا. وعلى رغم أن هذا لن يعني  بالضرورة انغماس أميركا في الحرب الاهلية السورية، إلا أنه لن يعني أيضاً النأي بالنفس الكامل عنها كما كان يحدث حتى الآن. وهنا قد تعثر رايس وباور على منزلة ما بين منزلتي الانغماس الكامل أو النأي بالنفس الكامل عن الأزمة السورية، بما يؤدي إلى إطلاق الرسائل المناسبة ليس فقط إلى روسيا وإيران بل أيضاً للصين.
هل ستقوم رايس وباور بهذه المهمة من داخل البيت الأبيض، وهل ستنجحان في إقناع أوباما بممارسة نبرة أقوى مع روسيا؟
فننتظر قليلاً لنرى. لكن هذا الانتظار لن يطول، إذ سيظهر الخيط الأبيض من الأسود في التغييرات التي يمكن أن تدخلها رايس وباور على السياسة الأميركية خلال قمة بوتين- أوباما هذا الشهر.
لكن، يمكن القول من الآن أن شيئاً من التغيير سيحدث حتما، وإلا لماذا قرر أوباما إدخال هاتين "الصقرتين" إلى عرينه في البيت الأبيض؟

سعد محيو

الأربعاء، 1 مايو 2013

أوباما لروسيا: إما التسوية أو المجابهة الشاملة


- I -
هل بدأت الأزمة السورية تتجه نحو التدويل الشامل والكامل، على النحو الذي كانت عليه أفغانستان إبان الحقبة السوفييتية، ولبنان خلال حربه الأهلية 1975- 1989؟
قد يقال هنا أن هذا السؤال غير دقيق. فالازمة تدوّلت منذ اللحظة التي تسبب فيها صلف النظام السوري في انتقال الانتفاضة الشعبية من المظاهرات السلمية إلى العمل المسلح، وفي انخراط معظم القوى الإقليمية في الشرق الأوسط فيها  ومعها كل الدول الكبرى.
وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، نأت بنفسها عن التورط المباشر، الأمر الذي جعل التدويل يفتقد إلى العنصر الأساسي الذي قد يجعل منه تدويلاً تاماً ومتكاملا.
الأسباب التي دفعت إدارة أوباما إلى ممارسة هذه السياسة إزاء سورية معروفة، وقد خصصنا لها في هذه المدونة العديد من المقالات، إذ هي تبنّت في ولايتها الأولى استراتيجية الإستدارة نحو آسيا- الباسيفيك (Pivot )، والتي قامت على أضلع ثلاثة:
الأول، تحويل جل الموارد الأميركية نحو منطقة الباسيفيك التي أصبحت المركز الجديد للاقتصاد العالمي، والتي تبرز فيها لأول مرة في التاريخ ثلاث قوى آسيوية كبرى في الوقت نفسه: الصين والهند واليابان.
والثاني، التركيز على إعادة بناء الاقتصاد الأميركي، بما في ذلك محاولة إعادة تصنيع البلاد، لأن ماسيحسم الصراع في آسيا- الباسيفيك هو التفوّق الاقتصادي في الدرجة الأولى. وهذا التوجه أطلق عليه أوباما اسم "بناء الأمة".
والضلع الثالث هو إقفال ملف الحروب البوشية في العالم الإسلامي، والعمل على نقل مسؤولية إدارة الشرق الأوسط (ماعدا نفط الخليج) إلى الدول الأقليمية الكبرى الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة.
- II -
لكن يبدو الآن أن هذه الاستراتيجية، التي كانت في صلب سياسة "التهرُب من المسؤولية" الذي مارسه أوباما إزاء سورية وبقية الشرق الأوسط (على حد تعبير مسؤول أوروبي)، بدأت تهتز بقوة.
أهم مؤشر على ذلك كان إعلان مسؤولين أميركيين بارزين أمس أن إدارة أوباما تتجه الآن إلى تسليح المعارضة السورية مباشرة. كما أن البنتاغون أنجز خططاً للتدخل العسكري في سورية تبدأ من قصف مواقع الصواريخ والدفاع الجوي السوري، وتنتهي بامكانية إقامة منطقة حظر جوي في الجنوب على الحدود مع الأردن.
هذا الانقلاب في الموقف الأميركي أملته عوامل عدة على مايبدو:
-  تجاوز النظام السوري الخط الأحمر الأميركي الخاص بحظر استخدام الأسلحة الكيميائية؛ والأهم إبداء إسرائيل تخوّفها على أمنها الخاص من هذا التطور، إذ أن تحويل استخدام هذه الأسلحة إلى "أمر عادي"، قد ينقلب عليها في النهاية إذا ماوقعت هذه الأسلحة في أيدي أعدائها من المنظمات المسلحة.
- الضغوط الهائلة على إدارة أوباما في الداخل الأميركي للتدخل، بذريعة أن الفشل في مواجهة أسلحة دمار شامل على نحو صغير في سورية، سيجعل الفشل محتماً في وقت لاحق على النحو النووي الإيراني الكبير. وهذا ماسيضرب كل مصداقية الخطوط الحمر الأميركية في العالم بأسره، بما في ذلك حتى في منطقة آسيا- الباسيفيك بين حلفاء أميركا الآسيويين.
- عجز بريطانيا وفرنسا، اللتين أناطت بهما إدارة أوباما إدارة الملف السوري، بسبب متاعبهما الاقتصادية والمالية، ولعدم قدرتهما على دفع ألمانيا ومعها الاتحاد الأوروبي إلى القيام بدور أكثر فعالية في بلاد الشام.
- وأخيراً، ثمة عامل قد لايبدو بارزاً كثيراً هذه الأيام، لكنه حاضر وبقوة، وهو الاكتشافات المذهلة للغاز الطبيعي والنفط في شرق المتوسط. وبديهي هنا ألا تكون الولايات المتحدة في وارد ترك هذه الكنوز لقمة سائغة في فم روسيا أو حتى حليفتيها تركيا والاتحاد الأوروبي.
- III -
كل هذه العوامل، إذا، تساهم الآن في جر أوباما إلى إدارة الظهر لاستراتيجية الاستدارة نحو آسيا، وإن بشكل مؤقت. وهو يفعل ذلك مكرهاً وبكل التردد الممكن.
لابل أكثر: الأرجح أن الرئيس الأميركي لايزال يراهن على أن الرئيس الروسي بوتين يمكن أن ينقذه من هذه الورطة، إن هو تخلى عن بشار الأسد وعقد الخناصر معه لإيجاد حل سياسي يعتمد على "القوة الثالثة" في سورية. وهذا التوجّه كان واضحاً ليس فقط في المكالمة الهاتفية بين الرجلين قبل أيام التي بدا فيها أن اوباما يستجدي بوتين ليغيّر موقفه، بل أيضاً بما قاله المسؤولون الأميركيون من أن تسليح المعارضة لن يتم، في حال اتخذ قرار نهائي في هذا الشأن، قبل أسابيع.
وهذا يعني أن أوباما يريد استخدام عملية تسليح المعارضة كورقة للضغط على بوتين عشية القمة بينهما في حزيران/يونيو المقبل.
لكن، وكيفما جرت الأمور خلال القمة وبعدها، يبدو أن السياسة الأميركية إزاء سورية دخلت بالفعل مرحلة جديدة عنوانها الرئيس الضغط الأميركي على روسيا بقوة لتخييرها بين تسوية تخرج منها رابحة، وبين مجابهة شاملة في بلاد الشام ستمنى فيها بخسائر استراتيجية ومعنوية كبرى.
وفي كلا الحالين، سيتحقق التدويل الكامل والناجز للأزمة السورية.

سعد محيو


الثلاثاء، 26 فبراير 2013

كيري وسورية: فرصة أخيرة.. لأوباما!


- I -
ما طبيعة "المساعدات النوعية" التي وعد وزير الخارجية الأميركي كيري الائتلاف السوري المعارض بها، مقابل وقف مقاطعته لمؤتمر أصدقاء سورية؟
 كيري لأوباما : الفرصة الأخيرة؟ 

الجواب على الأرجح عند الانكليز.
فإذا ماقررت الولايات المتحدة فعلاً الانتقال من مرحلة "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية إلى مرحلة الانخراط العملي فيها، من خلال مد بعض فئات المعارضة المسلحة السورية بالأسلحة المتطورى، فلن تكون هي الطرف المباشر الذي سيقوم بهذه المهمة، بل حليفتها البريطانية (طالما أن يدي فرنسا، صاحبة المصلحة الأولى في بلاد الشام،لاتزال مغولتين في حرب مالي).
أما لماذا لن تتدخل واشنطن مباشرة، فهذا بات أمراً معروفا: رغبة إدارة أوباما في عدم فتح جبهات عسكرية جديدة في العالم الإسلامي، وهي في خضم الانسحاب من أفغانستان بعد العراق؛ وايضاً لأنها بدأت تنقل العديد من عدتها وعتادها ومواردها نحو منطقة آسيا- الباسيفيك، في إطار استراتيجية "الاستدارة شرقا" ( Pivot startegy) التي تبنّتها أخيرا.
- II -

هذا لايعني البتة أن أميركا ستدير ظهرها نهائياً للشرق الأوسط. إذ أن هذه المنطقة ستبقى متوازية في الأهمية بالنسبة إليها مع حوض آسيا- الباسيفيك طالما بقيت نقطة نفط واحدة في منطقة الخليج. وعلى أي حال، جاءت التقارير الأخيرة التي تحدثت عن ارتفاع واردات النفط الأميركية من السعودية وبقية دول الخليج، على الرغم من الطفرة في إنتاج النفط والغاز الحجري (shale oil  ) في الداخل الأميركي، لتوضح عدم وجود قطيعة بين استراتيجية الأستدارة نحو آسيا وبين مواصلة الهيمنة على خطوط امدادات النفط الخليجي.
كل ما هناك أن أميركا تريد تخفيف الأعباء عنها في الشرق الأوسط، عبر الاعتماد على وكلاء إقليميين جدد (كما فعلت في الستينيات غداة الانسحاب من فيتنام)، وتحقيق أهدافها العامة في المنطقة بأقل التكاليف الممكنة.
نموذج هذا التوجُّه هو ماحدث في ليببا- القذافي. فأميركا منحت فرنسا وبريطانيا مسؤولية قيادة عمليات حلف الأطلسي هناك، ولم تتدخل إلا للدعم والمساندة. وهذه العملية الناجحة لم تكلفها سوى مليار واحد من الدولارات، في حين كلفتها حرب العراق الفاشلة تريليون دولار.
- III -
بريطانيا، إذا، ستكون قريباً "النجم الساطع" في الأزمة السورية.
لكن، وطالما أن الأمر على هذا النحو، ماذا يفعل جون كيري الذي جعل سورية والشرق الأوسط على رأس أولويات جولاته الخارجية؟
إنه يريد أن يقنع الروس بأن فرصة تحقيق كوندومينيوم (حكم مشترك) أميركي- روسي في سورية، أمر ممكن، ومحتمل، وضروري. وهذا الحل لن يتضمن الحصيلة صفر لدى الطرفين، حيث الربح الصافي لطرف سيكون خسارة صافية لطرف آخر، بل هو سيحافظ على النفوذ الروسي مع تعديلات تفرضها المتغيرات السورية لصالح النفوذ الأميركي.
بيد أن كيري لن يكون فقط، في تعاطيه مع الروس، ذلك الدبلوماسي الذي اشتهر برفضه للحلول العسكرية، بل قد يكون أيضاً ذلك المقاتل في فييتنام الذي يخوض الحرب لتحقيق السلام.
بكلمات أخرى: كيري سيحمل إلى ندّه الروسي لافروف في جنيف غصن سلام تسووي مشترك في يد، وتهديداً بالانتقال إلى تسليح المعارضة السورية (وربما حتى أيضاً تهديداً آخر باستخدام محدود لسلاح الطيران الأطلسي) إذا ما تعثّرت التسوية السياسية، في اليد الأخرى.
والحال أن واشنطن بدأت على مايبدو تنفيذ هذا التهديد بالفعل، حيث أشارت "واشنطن بوست" قبل أيام إلى أن صواريخ متطورة ضد الدبابات وصلت إلى مقاتلي جبهة درعا في الجنوب السوري من الأردن، بموافقة أميركية.
ماذا تعني كل هذه التطورات؟
إنها تعني أن الأزمة السورية على وشك أن تدخل مرحلة جديدة على الصعد الدبلوماسية، كما الميدانية. مرحلة سيشتد فيها التصعيد كلما بدا أن التسوية السياسية تقترب.
لكن، في حال فشلت مهمة كيري الحالية، ستجد إدارة أوباما نفسها في ورطة كبرى، لأن باقي مؤسسات النظام الأميركي ستتهمها حينذاك بتهديد وضعية القوى العظمى الأميركية، ومعها الامن القومي  والاقتصاد الأميركيين، بتركها الحبل على الغارب للأحداث في سورية من دون قيادتها أو حتى تدخلها.
وإذاك، ستأتي الأزمة السورية إلى قلب واشنطن، مهما حاول أوباما الهرب منها إلى أطراف الشرق الأوسط.

سعد محيو

الأربعاء، 20 فبراير 2013

"ثورة أوباما" على النفس.. والصين(الحلقة 3)


- I -
تساءلنا بالأمس: أين تقف إدارة أوباما من تياري التقدم إلى أمام (استراتيجية الهيمنة العالمية) والتراجع إلى الخلف (استراتيجية ضبط النفس) المتنازعين في السياسة الخارجية الأميركية؟
(أوباما عن حال الأمة: الأولوية للاقتصاد والصين (الصورة من غوغل

يبدو أنها تقف في "منزلة بين منزلتين"، مع ميل أكثر قليلاً إلى تيار التراجع. وهذا واضح وجلي في مايطلق عليه في واشنطن الآن سياسة "الاستدارة (Pivot) أو إعادة التوازن Rebalancing)) نحو منطقة آسيا- الباسيفيك"، بدلاً من التركيز على أوروبا- الأطلسي كما كان الأمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المسؤولان الاستراتيجيان البارزان في الشؤون الأمنية الأميركية شون بريملي وإيلي راتنر يلخِّصان هذه الاستدارة أو إعادة التوازن في المحاور الرئيسة التالية:
-أوباما وصل إلى الحكم وهو على قناعة بأن حربي العراق وأفغانستان منعتا الولايات المتحدة من تركيز الموارد  في آسيا التي تعتبر منطقة مركزية وحيوية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. وهذا مادفعه إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والاعتراف بالحقائق الجيو- سياسية المتغيرة للقرن الحادي والعشرين.
- هذا التوجه الجديد لايقتصر على الجوانب العسكرية، بل يطال أيضاً المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وتعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين، وبناء علاقات أعمق مع القوى الصاعدة، بما في ذلك الصين، وتنويع المواقع العسكرية للولايات المتحدة. كما أنه (التوجه) يهدف إلى التركيز على الاهمية الجيو- سياسية لمنطقة المحيط الهندي بوصفه الطريق الرئيس للتجارة العالمية. وقد دعمت واشنطن تطور علاقات أكثر وثوقاً بين الهند وبلدان شرق آسيا.
- واشنطن لاتسعى إلى حفز دول كفيتنام والفيلبين وغيرها على تحدي الصين، بل تعمل على  بناء نظام إقليمي آسيوي تحكمه القواعد والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسة الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الأميركي- الصيني وحوار الأمن الاستراتيجي. والواقع أن السنوات الأربع الماضية شهدت قفزة نوعية في الانخراط الأميركي الإيجابي مع بجبينغ  أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ العلاقات بين البلدين.
- في حقبة التقشف المالي الذي تمر به الولايات المتحدة، سيتطلب التركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك خفض الالتزامات الاميركية في باقي مناطق العالم، وأيضاً على الطلب من حلفائها وشركائها في هذه المنطقة تحمُّل مسؤوليات إضافية. وهكذا يتعيّن على جيوش دول مثل استراليا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند أن تساهم بشكل أكبر في الأمن الإقليمي وفق مستويات متوافقة مع إمكاناتها.
- II -

هذه هي قواعد الاستدارة شرقاً نحو آسيا التي بدأت إدارة أوباما بالفعل تطبيقها. وهي، كما هو واضح، تتكوّن من عنصرين إثنين: العمل على إصلاح وتصحيح مسار الاقتصاد الاميركي في الداخل، وتقليص النفقات والأعباء والالتزامات الأميركية في الخارج لكن من دون التخلي عن استراتيجية الهيمنة الليبرالية التي أشرنا إليها بالأمس، بل مجرد تطويرها.
الرئيس أوباما كرّس جل خطابه الاخير قبل أيام عن حال الاتحاد للشأن الاقتصادي الداخلي، بوصفه المدخل لتعزيز الزعامة الأميركية العالمية. وهو أطلق على هذه المهمة وصف " إعادة إشعال" الآلة الاقتصادية الأميركية. وهذا يشمل خفض العجوزات وجبل الديون الضخمة، وإعادة تصنيع أميركا، والتركيز على تكنولوجيات الطباعة ذات الأبعاد الثلاثة (3-D printing ) التي تحدث الآن ثورة كبرى في كل مجالات الانتاج الصناعي، وبيوتكنولوجيا الجينوم، والنفط والغاز الحجري (shale oil and gas ) الذي سيمنح الولايات المتحدة قريباً اكتفاء ذاتياً من الطاقة.
وحين تطرق أوباما إلى السياسة الخارجية، كان ملفتاً أنه ركّز على رفض شن حروب ضد الإرهاب والاكتفاء بمساعدة الدول الأخرى على محاربته، والعمل على منع انتشار الأسلحة الخطرة (لدى إيران وكوريا الشمالية)عبر الدبلوماسية، وحماية الوطن الأميركي من الهجمات الالكترونية. كما أنه شدد على ضرورة تسريع المفاوضات حول الشراكة التجارية عبر كلٍ من المحيطين الهاديء في آسيا والاطلسي في أوروبا.
وكل هذا يشي بأننا نقف بالفعل أمام مرحلة جديدة في التوجهات الخارجية الأميركية، قوامها الضبط الاقتصادي "القومي" في الداخل، وخفض الالتزامات (والحروب) الأميركية في الخارج، وإعادة تركيب نظام العولمة الأميركي بما يخدم هدف احتواء صعود الصين.
لكن، كيف ستترجم هذه السياسة الجديدة نفسها في الشرق الأوسط؟
(غدا حلقة رابعة وأخيرة)
سعد محيو 

الأربعاء، 23 يناير 2013

أوباما-2: استراتيجية "تراجع هجومي "!

أوباما-2-: استراتيجية قديمة- جديدة (الصورة من غوغل)


- I -
لم يتضمن خطاب الرئيس أوباما، بمناسبة بدء ولايته الثانية، أي إشارة إلى السياسة الخارجية، بل كرّسه بكليته لـ"الأجندة الليبرالية" وللدفاع عن دور الحكومة القوية في الداخل.
فهل يعني هذا أن الولايات المتحدة ستعود إلى العزلة وستنغلق على نفسها تحت وطأة أزماتها الداخلية، من جبل الديون الهائل الذي تعاني منه ومعه الهاوية المالية المتواصلة، إلى الأكلاف الداخلية الضخمة للمغامرات الخارجية التي خاضتها في العقد الماضي (حربا أفغانستان والعراق وحدهما بلغتا رقماً فلكياً يفوق التريليوني دولار)؟
البعض يعتقدون ذلك، وهم يوردون المعطيات التالية التي يفترض أن تؤكد وجهة نظرهم:
- أميركا تسرّع عملية الانسحاب العسكري من أفغانستان، وفرنسا تسرّع من تدخلها العسكري في جمهورية مالي وتحاول إعادة بسط نفوذها في منطقة الساحل والشمال الإفريقيين.
- روسيا وإيران تضعان كل ثقلهما وراء نظام الرئيس بشار الأسد، والولايات المتحدة لاتفعل شيئاً سوى دعوة حلفائها الأوروبيين والاتراك والخليجيين إلى التصدي لهما، فيما هي تمارس سياسة الأيدي المرفوعة في سوريا.
- وقبل ذلك، فرنسا وبريطانيا تخوضان حرباً في ليبيا لاسقاط نظام العقيد معمر القذافي، فلا تفعل واشنطن شيئاً سوى مد يد العون اللوجستي لهما حين تبيّن أنهما قد تتعثران عسكريا.
- وفضلاً عن هذا وذاك، تتحرك إدارة أوباما-2 لفتح مفاوضات مباشرة مع إيران، وتعيّن ثلاثة "حمائم" في وزارتي الدفاع والخارجية والسي. أي . آي ( هاغل وكيري وبرينان على التوالي) ، فيما طهران تمارس المزيد من سياسة التصلُّب والتصعيد في كل أرجاء المنطقة، من مضائق دمشق وحلب إلى مضيق هرمز.
هذه المعطيات تعني، خاصة من منظور قوى "المقاومة والممانعة" في إيران وسورية ولبنان، أن الامبراطورية الأميركية دخلت مرحلة الانحدار التاريخي التي عرفتها قبلها كل الامبراطوريات الغابرة في التاريخ، ولم تعد قادرة على مواصلة سياسة التمدد الاستراتيجي بوصفها القوة العظمى الوحيدة في العالم.
ويدعم أصحاب هذا الفرضية منطقهم بالاستشهاد بالتقرير المشترك الذي أصدرته قبل أيام 16 وكالة مخابرات أميركية بعنوان "الاتجاهات العالمية 2030"  ( Global Trends 2030)، والذي أشار إلى أنه" مع الصعود السريع لدول أخرى، انتهت لحظة الأحادية القطبية، وبدأ الباكس اميركانا (السلام الأميركي) الذي ساد منذ العام 1945 ينحسر بسرعة".
- II -

A la cart
حسناً. أميركا بالفعل في حالة انحدار نسبي، وآسيا في حالة صعود مطلق. لكن هذا لايعني أن تحليل أصحاب الممانعة صحيح. فأميركا، كما أشار تقرير أجهزة المخابرات نفسه، ستبقى حتى عقدين أو ثلاثة الأولى بين متساوين في العالم.
والأهم أن هذا التحليل يسيء قراءة التطورات الراهنة في السياسة الخارجية الأميركية. فإدارة أوباما-2 لن تنشط للانسحاب من العالم، بل هي ستحذو حذو كل الإدارات الأميركية قبل حقبة الحرب الباردة التي لم تكن تتدخل في الحروب والصراعات، إلا بعد أن تستنزف الدول الأخرى نفسها فيها، وإلا بعد أن تجد أميركا مصلحة لها في التدخل" A la cart"، أي وفق مزاجها وتفضيلاتها. حدث هذا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وحتى في حرب فيتنام التي لم تخض أميركا غمارها إلا بعد أن انهزمت فرنسا أمام الحركة الشيوعية العالمية.
إدارة أوباما تكرر الآن تاريخ ماقبل الحرب الباردة هذا. فهي، ولأهداف أخرى تتعلق بتسوية أوضاعها الاقتصادية الداخلية والتركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك، تريد وقف حربها المنفردة على الإرهاب أو الإسلام المتطرف كما تريد وقف حلولها المنفردة للأزمات المحلية والإقليمية الأخرى، وإلقاء مسؤولية ذلك على الأطراف الإقليمية والدولية المعنية أو التي لها مصلحة في هذه الحرب. وهذا ينطبق الآن على فرنسا التي لها مصالح اقتصادية ضخمة في مالي والجزائر وباقي أجزاء امبراطوريتها السابقة في إفريقيا، وعلى الهند واليابان لمواجهة القوة الصينية الصاعدة، وعلى الحركات الإسلامية التي تستلم السلطة الآن في المنطقة العربية بشرط أميركي هو ضرب الإسلام الجهادي أو المتطرف.
كما أنه ينطبق بالدرجة الأولى على حليفها الأوروبي. فهي تقول الآن للاتحاد الأوروبي أنها مستعدة لأخذه معها في رحلتها الباسيفيكية وفي تشكيل سوق مشتركة أوروبية- أميركية تكون نواة لـ"غرب كبير" جديد (وفق تعبير زبغنيو بريجنسكي)  قد يضم لاحقاً إليه روسيا وتركيا، شريطة أن يبدأ الاتحاد بدفع الأعباء المالية لحلف شمال الأطلسي (أميركا تتحمل الآن 75% من أكلافه).
أميركا، بكلمات أخرى، قررت العودة إلى ممارسة دور "المايسترو" في السياسات الدولية، على أن تترك للقوى الأخرى خيار المشاركة في الأوركسترا بإشرافها.
- III -

.. وفي الشرق الأوسط
مثل هذا التوجه لن يكون انحساراً استراتيجيا اميركا، ولا ولادة لتعددية قطبية جديدة، بل حربا أميركية أخرى، بوسائل أخرى.
وهذا ينطبق، أكثر ما ينطبق على الشرق الأوسط.
فعلى رغم أن الانسحاب الأميركي من العراق وتوقُّع انسحاب سريع آخر للقوات الأميركية من أفغانستان حتى قبل الموعد المقرر بكثير وهو العام 2014، وقرب وصول أميركا إلى الاكتفاء الذاتي من النفط والغاز بفضل تكنولوجيا الاستخراج من فحم الشال  shale))، قد يعني تقلُّص الاهتمام الاستراتيجي لأميركا بالشرق الأوسط، إلا أنه لن يلغي الحقيقة بأن أميركا ستبقى اللاعب الدولي الأول في المنطقة.
فكما لاحظت "فايننشال تايمز" (21-1-2013) "الولايات المتحدة وحدها القادرة على انقاذ حل الدولتين في فلسطين من الانهيار، ووحدها في وسعها، عبر المفاوضات المباشرة مع إيران، إيجاد حل سلمي لأزمة البرنامج النووي الإيراني، كما أنها وحدها في مقدورها إنهاء الحرب الأهلية في سورية، إما من خلال اتفاق مع روسيا أو عبر تسليح بعض قطاعات المعارضة المسلحة السورية بصواريخ مضادة للطائرات".
كل ما هنالك أن واشنطن لن تخوض بعد الآن الحروب المباشرة، كما في عهدي الرئيس بوش، (إلا في حالة الضرورة القصوى المتصلة مباشرة بالأمن القومي الأميركي أو بأمن إسرائيل)، بل ستعمد إما إلى دفع القوى الإقليمية والدولية إلى "القيام بالمهمة"، أو إلى ترك الأطراف المتصارعة ومعها داعموها الدوليين والإقليمين كي يستنزفوا بعضهم البعض قبل أن تتدخل هي ، تماماً كما حدث حين انضمت إلى الحرب العالمية الأولى بعد سنتين ونصف السنة من بدئها، أو بعد نحو سنتين من اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وهذه نقطة يمكنها أن توضّح سلوكيات واشنطن الأخيرة، من منح فرنسا وبريطانيا مسؤولية قيادة التدخل العسكري في ليبيا، إلى موقف "الانتظار" الذي تمارسه منذ سنتين في سورية، وصولاً الآن إلى دفعها فرنسا وبريطانيا والجزائر الآن إلى حسم الأمور ضد الجهاديين في مالي وبقية منطقة الساحل الإفريقي.
كما أنها (النقطة) يجب أن تكون حاضرة لدى أصحاب القرار في الشرق الأوسط، خاصة في سورية وإيران، وهم يخططون للمرحلة المقبلة من الحروب والصراعات في المنطقة. فالخطأ في الحسابات هنا قد يكون قاتلا.

سعد محيو