للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأخوان المسلمون، مرسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الأخوان المسلمون، مرسي. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 13 ديسمبر 2012

مصر: نجاح الاستفتاء في .. فشله!



- I -
السؤال الذي سبق وتلا المعركة الدستورية الراهنة في مصر هو: لماذا قررت جماعة الأخوان المسلمين الانتقال من شعارهم الشهير "المشاركة لا المغالبة"، إلى "المغالبة لا المشاركة"، أي إلى ممارسة الحكم عبر الأغلبية النيابية لا من خلال الوفاق الوطني؟

- أين تكمن قوة المعارضة المصرية الجديدة؟  - الصورة من غوغل

للتذكير: كان الإخوان في الأشهر القليلة التي تلت سقوط مبارك، يكررون بلا كلل أو ملل أنهم لن يغيّروا شعارهم هذا، ولن يسعوا إلى الحصول على أغلبية المقاعد في البرلمان، والأهم أنهم لن يرشحوا أحداً لرئاسة الجمهورية. لكنهم تراجعوا لاحقاً عن هذه الوعود، وانغمسوا بكليتهم في مسار معاكس تماما، على رغم أنهم أرضوا بعض اليساريين والليبراليين بتحالفات انتخابية هامشية.
التبريرات التي قدّمها الإخوان بدت وقتها مُقنعة. فهم قالوا أنهم اضطروا إلى الانغماس في حمأة المغالبة(أي الأغلبية النيابية)، لأن نظام مبارك، الذي بقيت مؤسساته متماسكة بعد رحيل مبارك، كان ينشط بقوة لإجهاض كل مكاسب الثورة. وقد تجلى ذلك بوضوح في استخدام النظام لـ"سلاح" القضاء لإجهاض كل العملية الديمقراطية، بدءاً من حل مجلس الأمة المنتخب، وصولاً لاحقاً إلى احتمال حل الجمعية التأسيسية.
بيد أن الرئيس مرسي والإخوان ذهبوا بعيداً في استخدام هذه التبريرات المُحقة، حين اعتبروا أنهم الوحيدون المسؤولون عن حماية الثورة. وهنا، القشة التي قصمت ظهر البعير، كانت الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس مرسي وأعطى لنفسه فيه صلاحيات مطلقة، قبل أن يتراجع عنه قبل أيام. إذ أن هذا الإعلان فجّر كل شكوك الحركات غير الدينية من أن مشاركة الإخوان في العمل الديمقراطي ليس استراتيجية بل تكتيكا، وأنهم لم يقلعوا عنهم رداء الإديولوجيا ليرتدوا بدلاً منه رداء العمل السياسي الديمقراطي.
لابل أكثر: شعر اليساريون والليبراليون والمسيحيون أن الإخوان أبرموا "صفقة فاوستية مع الشيطان" على حسابهم، حين منحوا القوات المسلحة في بنود مسودة الدستور الجديد حق الاحتفاظ بموازنتها سرية ومحضوا مصالحها الاقتصادية الحصانة؛ وحين أبقوا أجهزة المخابرات كما هي من دون إصلاح. كما أنهم باعوا الولايات المتحدة ماتريد أن تشتري: مواصلة مصر لدور "الوساطة" مع إسرائيل الذي كان يمارسه نظام مبارك، كما دلَّت على ذلك حرب غزة-2. وكل ذلك في مقابل إطلاق يدهم في الوضع الداخلي.
لكن يبدو أن الإخوان أخطأوا في الحساب. فهم رموا بخطواتهم الدستورية الأخيرة اليساريين والليبراليين والمسيحيين في أحضان "الدولة العميقة" المباركية (أي الأجهزة المخابراتية- العسكرية- القضائية)، وخلقوا حلفاً موضوعياً بين الطرفين تجسّد مداً بشرياً ضخماً في ميدان التحرير والعديد من ميادين المدن المصرية الأخرى. هذا إضافة إلى أنهم استعدوا معظم أجهزة القضاء القوية ضدهم، بعد أن حاول الرئيس مرسي أن يضع نفسه فوق القانون.
- II -
الأخوان يراهنون الآن على أن تسريع العملية الدستورية، عبر إقرار مسودة الدستور (كما فعلوا بسرعة مشهودة في الجمعية التأسيسية صباح الجمعة 30 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي) وطرحه على الاستفتاء، سينفّس الاحتقانات الراهنة ويمكنّهم من مواصلة عملية الانتقال إلى الديمقراطية بشروطهم هم.
لكن هذا على الأرجح رهان غير صائب. فالعملية الدستورية لاتشبه بشيء الانتخابات النيابية. إذ أن الاولى تعتمد على الإجماع الوطني، فيما الثانية على أغلبية الخمسين زائد واحد. لا بل يعتقد كبار المنظّرين الدستوريين، على غرار ستيفن هالمز، أن الديمقراطية نفسها" هي حكومة من خلال النقاش العام وليس ببساطة إنفاذاً لإرادة الأغلبية.
- III -
لقد وافق إئتلاف المعارضة اليسارية- الليبرالية على المشاركة في الإستفتاء السبت المقبل، ربما لاعتقاده أنه سيكون في وسعه حشد عدد كبير من الأصوات التي تقول لا للدستور في وضعه الراهن. والرهان هنا هو على أن نسبة الـ49 في المئة التي صوّتت لصالح مرشح القوات المسلحة احمد شفيق في انتخابات الرئاسة، قد تنضم الآن إلى الصفوف المعارضة لمشروع الدستور.
والحال أن المراقبين المحايدين والقلقين على مصير الانتقال الديمقراطي، يأملون أن يسقط مشروع الدستور في الاستفتاء، للأسباب التالية:
أولاً، أن هذا سيطلق عملية تفاوض جديدة بين كل أطياف المجتمع المصري للتوافق على دستور جديد يكون شاملاً للجميع (Inclusive ).
ثانياً، أنه سيعزز دعوة مرشح الرئاسة الإخواني سابقاً عبد المنعم أبو الفتوح لجماعة الإخوان إلى "اعتبار الديمقراطية هدفاً وليس وسيلة لفرض برنامجهم الإديولوجي" (على حد تعبيره). وهذا يمكن أن يتم من خلال إقرار دستور وطني يبني الدولة المدنية الوطنية، بدلاً من دستور ذي لون (ديني) واحد.
ثالثا، أن إعادة النظر في الدستور على أساس الإجماع، سينقذ الإخوان المسلمين أنفسهم (ومعهم تجربة الانتقال إلى الديمقراطية) من كارثة محققة ستحيق بهم حين ينتقلون إلى الشق الاقتصادي من برنامجهم. إذ في غياب إجماع وطني على طبيعة النظام السياسي- الاقتصادي الجديد الذي يجب أن ينبثق من رحم مصر الجديدة، ستشهد البلاد صراعات أقسى بكثير من الصراعات الراهنة على دور الدين في الدولة، لايستبعد البعض أن تتضمن حتى ثورة أخرى، طبقية هذه المرة.
لكل هذه الأسباب، قد يكون من صالح الإخوان سقوط مشروع الدستور الراهن.
أما في حال فوزه، كما يرجٍّح الآن، حتى ولو بنسبة تتراوح بين 50 إلى 70 في المئة، فهذا سيشطر البلاد إلى معسكرين إديولوجيين متحاربين، وستكون الشرارة التي ستشعل "الحرب" بينهما هو الوضع الاقتصادي المتفجّر.
وهذا ماقد يدفع المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية في مصر نحو  مفترق طرق خطر.
سعد


الجمعة، 7 ديسمبر 2012

أي مصير ينتظر حكم الإخوان في مصر وتونس؟






اذا استمر التدهور الراهن، سيتراقص مصير تجربة الإسلام السياسي العربي في الحكم بين النموذج التركي إبان عهد الإسلامي نجم الدين أربكان الذي لم يدم طويلا، وبين نموذج الحرب الأهلية الجزائرية.


مرسي: أخطاء بالجملة؟- الصورة من غوغل-

- I -
أسوأ تبرير قدّمه الرئيس مرسي في خطابه أمس لرفضه سحب الإعلان الدستوري وتأجيل الاستفتاء على مسودة الدستور، هو أنه يجابه "فلول نظام مبارك" المعادين للثورة، التي يتحمل هو وحده مسؤولية حمايتها.
لماذا هو الأسوأ؟
لأن جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس، هي التي مكّنت النظام الأمني- العسكري لنظام مبارك من البقاء كما هو. لا بل هي منحته صلاحيات لم يكن يحزها حتى إبان كل عصر العسكر برمته، من جمال عبد الناصر إلى حسني مبارك.
وتكفي نظرة سريعة على مسودة الدستور لتبيان ذلك.
فقد منحت المسودة الجيش صلاحيات كاسحة للغاية في مجال منع الرقابة المدنية عليه، وجعل ميزانيته سرية، وحماية مصالحه التجارية الضخمة التي يُقدَّر بأنها تشكّل ثلث الاقتصاد المصري برمته. والأهم من هذا وذاك أن الإخوان وافقوا على تشكيل مجلس دفاع وطني من 15 عضوا (بينهم ثماني جنرالات)  له وحده الحق في مراقبة نشاطات المؤسسة العسكرية، والمصادقة على إعلان الحرب.
ثم: ترك الاخوان أيضاً نظام أجهزة المخابرات القوية كما هو، مع تعديلات تجميلية في رأس هرمه. وللتذكير: شكّلت هذه الأجهزة السلطة الحقيقية في البلاد، بدعم من الجيش، طيلة نيف وأربعين عاما، وسيطرت على معظم مقدرات البلاد في المجالات السياسية والاقتصادية وحتى الإعلامية والثقافية.
وبالتالي، الأمر الوحيد الذي تغيّر في نظام مبارك، هو مبارك وحده، حيث حلّ مكانه الرئيس مرسي ليتربع على عرش تحرسه الدبابات ويحرس هو مصالح الثكنات.
- II -

هذه الخلفية قد تكون مفيدة الآن لفهم مايجري هذه الأيام في مصر، لأن جماعة الإخوان بنت كل حساباتها على أساسها.
فهي انطلقت في مسعاها لفرض دستور لايحظى بالاجماع الوطني، من الفرضية بأن إرضاء الجيش والمخابرات، ومن ورائهما بالطبع الولايات المتحدة، سيكون كافياً لتحقيق النصر لها في الداخل، خاصة بعد أن قدّمت أوراق اعتماد مذهلة في الخارج لكلٍ من واشنطن وتل ابيب خلال حرب غزة الأخيرة.
والحال أن هذه لم تكن حسابات مخطئة بما هي كذلك، لكنها كانت ناقصة. إذ هي اسقطت من الحساب موازين القوى الداخلية، حيث أكثر من نصف الشعب المصري الذي صوَّت لكل من أحمد شفيق وحمدين صباحي يرفضون دستوراً يحتكر فيه الإسلام السياسي السلطة ويهدد الحريات العامة باسم تفسيرات للشريعة لا يحق لغيره القيام بها.
والحصيلة، هي مانرى الآن، حيث مصر تترنح بقوة على شفير حرب أهلية حقيقية. وفي حال اندلعت مثل هذه الحرب بالفعل، سيكتشف الإخوان سريعاً أن "صفقتهم الفاوستية" مع الجيش والمخابرات (اللذين لايكنان لهم على أي حال كبير ثقة) سيكون عمرها من عمر الزهور.
- III -


لقد أثبطت سلوكيات الإخوان في مصر وتونس تطلعات الكثيرين، الذين كانوا يأملون بأن تكون دولتا الربيع العربي هاتان النموذج الناجح لعملية انتقال سلسلة إلى الديمقراطية، كما حدث في أوروبا القرن التاسع عشر مع الأحزاب الديمقراطية المسيحية، وأيضاً مع تركيا- أردوغان.
لكن أداؤهم حتى الآن يشي بأن نشوتهم بممارسة السلطة تطغى على عقلانيتهم السياسية والوطنية المطلوبة لتحقيق عملية الانتقال الديمقراطي؛ وبأنهم يفضلون الاعتماد على السياسات الشعبوية (عبر الانحياز إلى التيارات السلفية) بل  الركون إلى التسويات التاريخية التي تضمن مشاركة الجميع في صنع مستقبل جديد.
وفي حال استمر هذا المنحى، فإنه سيقود لامحالة إلى حروب أهلية لانتهي. وحينها سيتراقص مصير تجربة الإسلام السياسي العربي في الحكم بين النموذج التركي إبان عهد الإسلامي نجم الدين أربكان الذي لم يدم طويلا، وبين نموذج الحرب الأهلية الجزائرية.
وفي كلا الحالين، سيكون الخاسر الأكبر هو الخيار الديمقراطي، والرابح الأكبر النظام المخابراتي- العسكري.

سعد


الأحد، 25 نوفمبر 2012

مرسي: "مُستبد عادل" أم وطني ديموقراطي؟





جماعة الأخوان المسلمين وصلت إلى مفترق طرق خطر: فإما أن تختار الإجماع الوطني لبناء الدولة الديمقراطية الدستورية، أو تعود إلى عزلتها التاريخية في الحياة السياسية. وحينها سيكون الجيش- المخابرات بانتظارها.

 الممثلة بسمة تتظاهر ضد مرسي: هل يعود الإخوان إلى العزلة؟ - الصورة من غوغل- 

- I -
الرئيس محمد مرسي على حق حين يقول إن الجهاز القضائي في مصر، الذي عيّنه الرئيس السابق مبارك، يعيق العملية الدستورية- الديمقراطية.
فهذا الجهاز، الذي حلّ قبل ذلك مجلس الشعب والجمعية التأسيسية الأولى للدستور، يعمل كردع الحماية الأخير لـ"الدولة العيمقة" الاستخباربة- العسكرية المصرية. وهو كان ينشط مؤخراً لحل الجمعية التأسيسية الثانية.
لكن الرئيس مرسي لم يكن على حق حين أراد، ضمناً، أن يقيم مكان سلطة القضاء القديم سلطة الإخوان المسلمين المنفردة. وهذا تجلى بوضوح حين نفَّر القوى المدنية والعلمانية والقبطية الأعضاء في الجمعية التأسيسية ودفعهم إلى الاستقالة، الأمر الذي خلق تحالفاً مصلحياً جديداً غير معلن بين المعارضة المدنية وبين أنصار النظام االسابق.
وللتذكير، هؤلاء أنصار النظام يضمّون قوى مادية هائلة تتمثّل ليس فقط في جهاز القضاء، بل أيضاً في المؤسسة العسكرية وأجهزة المخابرات والبيروقراطية التي خرجت متماسكة وسليمة من أتون الثورة المصرية. هذا فضلاً عن أن الأنصار حصدوا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة نحو 49 في المئة من أصوات المصريين.
والآن، يقوم الرئيس مرسي، عبر إعلانه الدستوري الذي يبدو نسخة مطابقة للمبدأ الإسلامي السياسي الشهير في التاريخ "المستبد العادل"، بإضافة جماهير المعارضة المدنية التي أطلقت شرارة ثورة يناير إلى جماهير النظام السابق. وهذا سيؤدي إلى عزل جماعة الإخوان مرة أخرى في الحياة السياسية المصرية، وسيلقي بظلال قاتمة على مستقبل تيار الإسلام السياسي في كل المنطقة العربية.
لماذا؟
- II -
لأنه مالم يستطع هذا التيار ممارسة السلطة السياسية عبر الإجماع والوفاق الوطني مع كل فئات المجتمع، خاصة المدنية منها، سيتحوّل شاء أم أبى إلى سلطة استبدادية لن تجد طريقة لشق طريقها نحو الشرعية سوى القمع ومصادرة الحريات، وصولاً إلى مرحلة الاستبداد.
لكن، حتى مثل هذا الخيار الأخير لايبدو في متناول يدها.
فأجهزة "الدولة العميقة"، من جيش ومخابرات، تترصد هذا التيار الآن وتنتظر أن يرتكب "خطئيته النهاية" من خلال إعادة نفسه إلى قفص العزلة. وحينها، لن تتردد فب القفز على السلطة وتمزيق الإخوان، لكن هذه المرة تحت شعار "حماية الثورة المصرية".
- III -
ماذا يعني كل ذلك؟
إنه يعني أن جماعة الأخوان المصرية وصلت إلى مفترق طرق خطر:
 فإما أن تلجم شهوتها للانفراد في السلطة، وتدرك أن بناء دولة دستورية ديمقراطية أمر يختلف تماما عن الفوز بأكثرية الأصوات النيابية، لأنه يتطلب اجماعاً وطنياً لا إخضاع الأقلية إلى الأكثرية. وهذا يعني العودة إلى شعار الإخوان قبل الثورة: "المشاركة لا المغالبة".
وإما أن تخضع الجماعة إلى  شهوة السلطة المطلقة، فتفقد القدرة على لم الشمل الوطني حولها، وتُفشل بالتالي أول تجربة لها في السلطة السياسية. والجيش- المخابرات أكثر من جاهزين للقيام بهذه المهمة.
فماذا ستختار؟
لانريد أن نصدّق أن بيان رئيس الوزراء قنديل الذي خيَّر فيه المصريين بين البناء وإراقة الدماء، هو الموقف النهائي لجماعة الأخوان. لأنه إذا ما كان كذلك، ستكون الجماعة في الواقع قد "كفرّت" المجتمع (مجددا) و"هجرت" الإجماع الوطني الذي كان وراء انتصار ثورة يناير ووراء وصولها إلى الحكم.

سعد

الخميس، 22 نوفمبر 2012

حرب غزة: إخوان مصر ربحوا أميركا .. لكنهم سيخسرون أنفسهم




"وسام" اميركي لمرسي والاخوان- الصورة من غوغل- 


واشنطن أُعجِبت أيما إعجاب بأداء الإخوان المسلمين المصريين في غزة، وهذا ستكون له مضاعفات كبرى ليس فقط على حماس بل ربما أيضاً على الأردن، وكذلك على الصراع العام بين السلفيين بزعامة السعودية وبين جماعات الإخوان.

- I -
"مرسي كان بناءً وبراغماتياً بشكل لايُصدَّق. وهو اتّخذ موقفاً شجاعاً بموافقته على التفاوض مع إسرائيل، كما لعب دوراً رئيساً وفعل شيئاً لم يكن من السهل عليه القيام به".
هكذا تحدث أمس (12-11-2012) مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية لـ"واشنطن بوست".
" مرسي قام بخطوات سريعة الأسبوع الماضي لإدانة الهجوم الإسرائيلي، فاشترى بذلك وقتاً مع شعبه ليتمكَّن من العمل في الأقنية الدبلوماسية لإنهاء العداوات. فهو استدعى سفيره من تل أبيب وأرسل رئيس وزرائه إلى غزة في خضم القتال، لكنه في الوقت نفسه أوفد مدراء مخابراته إلى إسرائيل للتوسط في وقف القتال".
وهكذا تحدثت نيويورك تايمز أمس أيضا. هذا في حين كانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تتحدث بإطناب وطلاقة عن "استعادة مصر لدورها الإقليمي المركزي "من أجل السلام" في الشرق الأوسط".
- II -
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني، بوضوح، أن الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين المصرية اجتازتا امتحاناً أميركياً- إسرائيلياً قاسياً، وخرجتا منه بأوسمة أميركية رفيعة المستوى، وبثقة لاتقل رفعة من إسرائيل.
وهذا أمر ستكون له مضاعفات بالغة الأهمية على طبيعة الصراع العام في الشرق الأوسط الإسلامي، الذي يشهد هذه الأيام تنافساً مستتراً وعلنياً في آن بين الانظمة الملكية العربية بزعامة السعودية ومعها حلفاؤها السلفيون، وبين جماعات الإخوان المسلمين الحاكمين في مصر وتونس، والذين يتطلعون الآن إلى الحكم في الأردن وسورية وربما بعض دول الخليج، بضوء أخضر أميركي.
قبل فترة قصيرة، بدا خلال الهجمات على السفارات الأميركية في بنغازي والقاهرة وتونس، أن إدارة أوباما بدأت تشك بأن صفقتها التاريخية مع جماعات الإخوان المسلمين، والتي تمحورت حول تسهيل وصولها إلى السلطة في مقابل احترامها اتفاقية السلام مع إسرائيل والتصدي للتطرف الإسلامي، ربما تكون مخطئة أو متسرِّعة.
لكن الآن، وبعد أن أبدى مرسي هذه المواقف البراغماتية "التي لاتصدَّق" مع إسرائيل (وفق تعبير المسؤول الأميركي)، والتي كرر فيها حرفياً سياسة سلفه حسني مبارك لكن مع ممارسات لفظية حماسية، ستُفتَح أبواب البيت الأبيض والكونغرس على مصراعيها أمام هؤلاء "الحلفاء الجدد" الذين تريدهم الولايات المتحدة أن يجتثوا الإرهاب والتطرف الإسلاميين وحالة العداء الإديولوجي المطلق مع إسرائيل.
وهذا قد يترجم نفسه لاحقاً في شكل فتح قنوات الحوار الغربي مع حماس، الفرع الفلسطيني من جماعة الإخوان، بشرط أن تقوم هي الأخرى بلجم متطرفي غزة وبدء مسيرة الاعتراف بوجود الدولة العبرية، كما فعلت حركة فتح قبل عقدين مقابل الاعتراف الدولي بها ككمثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني.
لكن الترجمة الأخطر والأهم قد تكون في الأردن. فهل ستقرر أميركا، بعد الأداء الإخواني المفاجىء في فلسطين الذي يُفترض أن تضمن فيه مصر الجديدة أمن إسرائيل عبر بوابة رفح، أن الوقت قد حان لنقل السلطة إلى إخوان الأردن، سواء بوجود مَلَكِية مُعدَّلة أو حتى من دونها؟
يجب أن نشير هنا إلى أن هذا الخيار يحظى على مايبدو بدعم كل مكونات الطيف السياسي الإسرائيلي، الذي ربما يراهن الآن على أن الدعم الدولي- الإقليمي الجديد لإخوان الأردن قد يدفع الأمور إلى حرب أهلية، تُسفر في خاتمة المطاف عن تحقيق الحلم الإسرائيلي القديم بتحويل شرق الأردن إلى الدولة الفلسطينية البديلة.
- III -
الآن، ويعد قول كل شيء عن المضاعفات والأبعاد المحتملة لنيل إخوان مصر درع التثبيت الأميركي، ينبغي القول أن ماربحه هؤلاء من الأميركيين والإسرائيليين على المدى القصير، سيكون بالنسبة إليهم خسارة صافية على المديين المتوسط والطويل على الصعيد الإديولوجي الإسلامي وعلى مستوى دورهم القومي والوطني.
إذ يجب ألا ننسى هنا أن الإخوان المسلمين بنوا نصف شرعيتهم إبان حقبة معارضتهم التاريخية الطويلة التي دامت نيفاً وثمانين سنة، على تقديم أنفسهم بوصفهم أبرز معارضي "الكيان الصهيوني ( أو حتى أحياناً الكيان اليهودي) ومن ثَمَ معاهدة كامب ديفيد والتطبيع مع إسرائيل. صحيح أنهم بدوا بعد حرب غزة وكأنهم يستعيدون شيئاً من دور مصر الإقليمي التقليدي، لكنه (وهنا المفارقة) الدور نفسه الذي مارسه نظام مبارك، مع "الاضافات" اللغوية والحماسية الإخوانية.
إنها السياسة قيد العمل. وحين تحضر السياسة ومعها "المصالح الدنيوية"، تتبخّر المحظورات لصالح الضرورات. والآن،هذه الضرورات تعني بالنسبة إلى الإخوان المسلمين البراغماتيين شيئاً وحيدا: الحفاظ على السلطة، وبأي ثمن.

سعد