للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الخليج. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الخليج. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 19 أغسطس 2013

هل هي "الحرب" بين الإخوان وأنظمة الخليج؟


- I -
ثلاثة أسئلة كبرى دفعة واحدة فرضها الدعم المالي والسياسي والدبلوماسي المطلق للمملكة العربية السعودية  ودولة الإمارات والكويت للنظام المصري الجديد:
الأول، هل انفجرت نهائياً الصراعات الإديولوجية- السياسية مع جماعة الإخوان المسلمين، وباتت :"الحرب" في أمر اليوم بين الطرفين؟
 الثاني: حتى لو تمكّنت المملكة من تجنُّب "الحرب" مع الإخوان المصريين عبر تسويات لاحقة، ماذا عن بقية الإخوان في تونس والمغرب (وقريباً في سورية والأردن)، وأيضا (وربما هنا الأهم) مع "الإخوان" العثمانيين الجدد الاتراك الذين تدفعهم إديولوجيتهم الصوفية- العلمانية إلى التحالف مع جماعات الإخوان، خاصة في سورية، لا مع الحركات السلفية على النمط الوهابي؟
والثالث، هل اتِّباع الرياض لسياسة خارجية هجومية نشطة، كما تحاول أن تفعل الآن مستخدمة عضلاتها المالية والدبلوماسية، سيمكّنها من تحصين مملكتها السياسية في الداخل ضد جماعات الأخوان وباقي تنظيمات الإسلام السياسي، أم أن هذا المشروع برمته سيكون أشبه بفقاعة صابون تُطلق في قيظ الصيف؟

- II -
نبدأ مع السؤال الأول:
"الحرب المحتملة بين الطرفين ليست مستجدة، بل هي حصيلة لتاريخ مُثقل بين الطرفين.
فجماعة الإخوان المسلمين منذ أن أسسّها حسن البنا العام 1928، كانت منظمة سياسية من ألفها إلى الياء. منظمة تعتبر أن الإديولوجيا الإسلامية بمثابة علاج سياسي للأمراض التي فتكت بالعالم الإسلامي طيلة القرون الماضية. وهي في خضم تبينها لهذا المبدأ، عمدت إلى دمج الفكر الغربي السياسي الحديث بالتقاليد الإسلامية، كما رضعت من ثقافة جيلين من الفكر السياسي الإسلامي في الحقبة الأخيرة من عهد الدولة العثمانية، لم تر بالتالي تناقضاّ بين الحكم الإسلامي وبين المباديء الجمهورية والبرلمانية (ولاحقاً الديمقراطية والتعددية).
في المقابل، كانت الطبعة السعودية من الإسلام تقوم على الفكر السلفي اللاسياسي، الذي يُعطي قيصر السعودي السلطة السياسية، ويخوِّل آل الشيخ وأتباعهم التصرُّف بما لله: السلطة الدينية وأحوال الآخرة، شريطة ألا يتدخلوا بشؤون الدنيا.

- III -
هذا الشرخ الإديولوجي- السياسي  بين الطرفين ظل نائماً عقوداً طويلة بفعل عاملين إثنين:
الأول، زواج المصلحة الذي أبرمه الإخوان والسعوديون غداة بروز حركة القومية العربية العلمانية واليسارية منذ مطلع الخمسينيات بقيادة جمال عبد الناصر، والذي دفعهم إلى شن حرب مشتركة ضدها وهم يرفعون رايات الإسلام السياسي. وهكذا، وجد قادة الإخوان المصريين ملاذاً آمناً وخزينة مالية وفيرة لهم في المملكة، فيما اكتشفت فيهم هذه الأخيرة كنزاً  أحسنت استخدامه في حربها العامة ضد القومية العربية العلمانية.
والثاني، نجاح الرياض في احتواء الإخوان المسلمين غداة هزيمة حرب 1967، من خلال تحالفها مع الأنظمة الجديدة التي برزت في مصر (حسني مبارك) وسوريا (حافظ الأسد) وتونس (زين العابدين بن علي) والأردن (الملك حسين) والتي جهدت لإبقاء حركات الإخوان داخل القفص.
الأخوان المسلمون لم يردّوا مباشرة حين انتقلت علاقتهم مع السعودية من التحالف إلى الاحتواء. لكن بعض أجنحتم كانت تفعل ماهي أكثر بكثير من الرد: اختراق السلفية الوهابية نفسها.
حدث هذا أساساً في أفغانستان، حين قام القائد الإخواني البارز عبد الله عزام وبعده أيمن الظواهري بجذب المقاتلين السلفيين السعوديين، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، إلى إديولوجيا سيد قطب الجهادية، الأمر الذي خلق أزمة شرعية كبرى في المملكة طيلة حقبة التسعينيات أنحى فيها السعوديون باللائمة على "القطبيين والإخوانيين" كما أسموهم.
والآن، وبعد أن بات واضحاً أن الربيع العربي كانت له قسمات إخوانية فاقعة في مصر وتونس والمغرب وسورية (والعد مستمر)، كان على القادة السعوديين مواجهة المقلب الآخر من التحدي الإخواني: الطبعة الليبرالية والديمقراطية المُفترضة من الإسلام.
وهذا مايفعلونه بقوة الآن، عبر دعم الانقلاب المصري على الأخوان بكل أنواع الأسلحة.
بقي أن ننتظر لنعرف كيف سترد جماعات الإسلام السياسي داخل منطقة الخليج وخارجها على هذا "الحرب" المعلنة.

سعد محيو


الخميس، 18 يوليو 2013

أين أميركا من "الثورة المضادة" الخليجية؟


- I -
"الثورة المضادة" التي شنَّتها بعض دول الخليج في المنطقة العربية، بدت للوهلة الأولى وكأنها "ضربة معلِّم" في مجال الألعاب الدبلوماسية الدولية.
لكن هذا للوهلة الأولى فقط، كما سنرى بعد قليل.
فهذه الثورة جاءت في وقت لايزال فيه الجدل ساخناً في الولايات المتحدة حول الوسيلة الأنجع للحفاظ على الزعامة العالمية الأميركية في القرن الحادي والعشرين. وهو جدل يدور بين معسكرين رئيسيين إثنين:
الأول، يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية في العالم إلى حد كبير، والتركيز بدلاً من ذلك على "بناء الأمة" في الداخل الأميركي وعلى تطوير الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم.
والثاني، يطالب بإبقاء الاستراتيجية الكبرى الراهنة القائمة على الحفاظ على النظام الدولي الراهن بقوة السلاح الأميركي، ويحذَر من أن التخلي عن هذه الاستراتيجية والتقوقع في الداخل سيعنيان نهاية الدولار كعملة احتياط عالمية ومعه البحبوحة الأقتصادية الأميركية.
المقاربة التي يُطل بها أنصار الخيار الأول الإنسحابي على إقليم الشرق الأوسط، وفي القلب منها منطقة الخليج، تعزز في الواقع الانطباع بأنه مالم تعمد الأنظمة والأسر الحاكمة في الشرق الأوسط إلى إحداث إصلاحات سياسية شاملة في ممالكها وإماراتها وجمهورياتها، فإنها ستضع نفسها (وربما أوطانها أيضاً) في خطر ماحق، ولن يقدم الغرب على انقاذها.
ماذا يقول أنصار هذا المعسكر؟
أحد أبرز ممثلي هذا التيار هو باري بوسن، مدير برنامج دراسات الأمن في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا. وهو نشر مؤخراً في دورية "فورين أفيرز" دراسة بعنوان :"انسحبوا- الدفاع عن قضية سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً". (Pull back: The case for a less activist foreign policy) )
جاء في الفقرات المتعلقة بمنطقة الخليجـ على سبيل المثال:
- على المؤسسة العسكرية (الأميركية) إعادة تقييم  التزاماتها في الخليج "الفارسي" (العربي)، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تساعد الدول في هذه المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات خارجية، لكن ليس في وسعها تحمُّل مسؤولية الدفاع عنها ضد تمردات داخلية.
- واشنطن لاتزال في حاجة إلى إعادة تطمين دول الخليج حيال الدفاع عنها ضد قوة إقليمية مثل إيران قد تهاجمها وتخطف ثروتها النفطية، لكن لم يعد ضرورياً أن يقيم الجنود الأميركيون قبالة شواطىء هذه الدول، حيث أن وجودهم يثير النزعة المعادية لأميركا ويربط الولايات المتحدة بأنظمة أوتوقراطية مشكوك في شرعتيها.
- على سبيل المثال، تعاني البحرين من قلاقل داخلية كبيرة، الأمر الذي يطرح أسئلة حول قابلية استمرار الوجود العسكري الأميركي المتنامي هناك. وقد أثبت العراق أن محاولة تنصيب أنظمة جديدة في البلدان العربية أمر مخطيء من ألفه إلى الياء. وبالتأكيد، الدفاع عن أنظمة قائمة تواجه ثورة داخلية لن يكون أسهل بأي حال.

- II -
نص واضح؟
يفترض ذلك. وهو يجب أن يدق أجراس إنذار قوية لدى كل الأنظمة الملكية التي لاتزال تراهن على أن الغرب يمكن أن يحافظ على الصفقة التي عقدها مع الإسلام السياسي الخليجي منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم كل إنقلابات الربيع العربي.
قد يقال هنا أن باري بوسن ليس سوى صوت واحد من جمهرة أصوات في أميركا ترفض الفصل بين الصفقة الأمنية وبين التحالف السياسي بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
وهذا صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن هذا الصوت المنفرد بات يصبح له أنصار كثر، خاصة وأن منطقة الخليج تمتص 15 في المئة من إجمالي النفقات العسكرية الأميركية المكلفة في العالم. كما أنه يندرج ضمن إطار تطورين إثنين:
الأول، استعداد أميركا، كما بدا مع ثورات الربيع العربي، لقلب نوعية تحالفتها مع حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، من خلال تبينها للقوى الإسلامية التي تعانق شروط العولمة الليبرالية سياسياً كما اقتصاديا (النماذج التركية والإندونيسية والماليزية.. ألخ).
والثاني، أن الاستراتيجية الكبرى الأميركية في العالم تمر هي الأخرى في مرحلة مخاض وتطوير وتبديل، بفعل تحوّل السلطة الاقتصادية والتجارية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهاديء، وهو مخاض لابد أن يترك تأثيرات جلى على منطقة الشرق الأوسط ومركزها الخليجي.

- III -
المعسكر الانسحابي له اليد العليا الآن في الولايات المتحدة. وهذا واضح من خلال سياسة نفض اليد الفعلية التي تنتهجها إدارة أوباما إزاء الأحداث الجسام في مصر وسورية. الأمر الذي يجب أن يدفع إلى قرع أجراس الانذار في دول الخليج.
لماذا؟
 لأنه يعني أن الولايات المتحدة قد لاتكون في وارد التدخل لحماية هذه الدول، في حال أدّت "الثورة المضادة" الخليجية إلى ثورات ارتجاعية ضدها في الداخل تغذيها الصراعات الإقليمية الجديدة.
وهذا بات أمراً وارداً بقوة الآن، بعد أن فجّر الربيع العربي الخلافات والاستقطابات الحادة داخل المعسكر الإسلامي في المنطقة العربية. وعلى الأخص بعد أن أدّت "الثورة المضادة" إلى مايشبه إعلان الحرب العلنية بين أطراف الإسلام السياسي.
سعد محيو

الأربعاء، 17 يوليو 2013

لماذا لن تنجح "الثورة المضادة" الخليجية؟


- I -
أشرنا بالأمس إلى أن أصحاب القرار في دول الخليج لم يضعوا بعد يدهم على طبيعة التحولات التي تجري هذه الأيام في المجتمعات العربية، وهذا مادفعهم إلى شن ماوصفه المحلل البريطاني مايكل بيل بـ"الثورة المضادة".
إذ هم يعتقدون أن الصراع فيها قصر على التلاوين المختلفة من الإسلام السياسي، بحيث يكفي تغليب لون ماقريب من إسلام أولي الأمر الخليجيين (على غرار أطراف محددة من السلفيين) بدعم من المؤسسات العسكرية- المخابراتية العربية، على الإسلام السياسي (للأخوان المسلمين مثلاً) حتى يستتب الأمر لهم.
بيد أن الصورة قد لاتكون على هذا النحو.
صحيح أن ثورات الربيع العربي أسفرت عن وصول قوى الإسلام السياسي إلى السلطة، لكن هذا كان مجرد "صدفة تاريخية" إذا ماجاز التعبير. إذ أن هذه القوى "صدف" أنها كانت الأكثر تنظيماً وتمويلاً حين انطلقت الثورات بسبب عجز الأنظمة السلطوية السابقة عن قمع مساجدها وتكاياها ومنظماتها الاجتماعية غير الدينية، فقطفت ثمار هذه الثورات.
لكن، وبعد أحداث 30 حزيران/يونيو في مصر، يتبيّن الآن بجلاء أن هذه الثورات أعمق بكثير من مجرد انتقال السلطة من يد إلى يد. فهي ظواهر معقدة للغاية يتربع على رأسها صراع طبقي من نوع جديد لم تعهده المنطقة العربية من قبل، جنباً إلى جنب مع صراع الحداثة والتقليد.
السمات الرئيس لصراع الطبقات تمثَّل في نزول ملايين من الطبقة الوسطى والعاطلين عن العمل والعمال إلى الشوارع، بسبب فشل الإخوان المسلمين في وضع الاقتصاد على طريق الشفاء، وتعثرهم في حل القضايا المعيشية الملحة. شعار الإخوان هنا "الإسلام هو الحل"، لم يستطع أن يردع المتظاهرين عن إبداء تظلماتهم حتى في خضم الاتهامات لهم بأنهم "غير إسلاميين". وهذا كان في الواقع تطوراً كبيراً في المجتمع المصري كشف النقاب بشطحة قلم عن تقدم الصراع الطبقي الاقتصادي- الاجتماعي على الصراعات الإديولوجية الدينية.
في تونس، وعلى رغم أن حزب النهضة الذي هو نسخة من تنظيم الإخوان المسلمين، تجنّب الوقوع في العزلة التي سقط فيها إخوان مصر، لايزال هو الأخر عرضة إلى تحديات كبرى مقبلة إذا ما استمر العجز عن وضع الاقتصاد والأوضاع الاجتماعية الصعبة على سكة الحل. وهذا أيضاً مؤشر فاقع على أولوية الصراع الطبقي على الإديولوجيا.
علاوة على ظاهرة الصراع الطبقي هذه، هناك مسألة لاتقل أهمية كنا قد أشرنا إليها في هذا الموقع، وهي أن المنطقة العربية دخلت طيلة نصف القرن المنصرم مرحلة حداثة لم يعد بامكان شعوبها التراجع عنها. الحداثة هنا، بقيمها الليبرالية، وأدواتها التكنولوجية، ومعاييرها العلمية، باتت نمط حياة لاتستطيع الحركات السلفية أو الأصولية تغييره لا بسهولة ولا بصعوبة. وهذا يعني ان بديل الإخوان لن يكون حلفاء السعودية من السلفيين الوهابيين، بل صيغاً جديدة من التحالفات بين القوى الحديثة والتقليدية، خاصة في حال تراجع الإخوان بعد حين عن نهج المجابهة الراهنة، وسلكوا الطريق الأردوغاني.
وبالمناسبة، صراع الحداثة والتقليد هذا ليس قصراً على دول الربيع العربي. فإذا ما كان الصراع الطبقي يغيب عن المجتمعات الخليجية بسبب ثروات النفط والتراكيب الديمغرافية، فإن صراع الحداثة والتقليد يحتل الأن المرتبة الأولى من بين الصراعات هناك. وبالطبع، وعلى رغم أن التحديث لايعني بالضرورة التوجّه نحو الديمقراطية، إلا أنه شرط لازب لها، تماما مثل شرط نشوء طبقة وسطى كبيرة.
- II -
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني، ببساطة، أن "الثورة المضادة" التي تقوم بها دول الخليج الآن لمحاولة إعادة تشكيل المنطقة العربية على صورتها، لن تكلل بالنجاح، وهذا في الدرجة الاولى لأنها تستخدم أدوات تحليل قديمة لمحاولة تطورات جديدة غاية في الاختلاف في المجتمعات العربية (كما أيضاً في المجتمعات الخليجية نفسها).
لقد حاول د. أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، تطوير هذه الأدوات حين حدد المخاطر في المنطقة العربية على أنها: العنف، وصعود الطائفية، والدور غير الواضح للجماعات الإسلامية السياسية، وتفاقم التدخلات الخارجية من جانب معتدين إقليميين، والأزمة الاقتصادية المتعمقة؛ وأيضاً حين اقترح إجراءات سريعة لخلق الوظائف للشباب ودعم القوى المعتدلة لمنع المتطرفين من ملء الفراغ.
بيد أن هذا التوصيف وتلك الاقتراحات، على أهميتها، لن تكون كافية لا على صعيد المنطقة العربية ولا في داخل دول الخليج.
فالمساعدات الضخمة التي قدمتها دول الخليج لدعم "الإنقلاب العسكري- الشعبي" في مصر، ستكون مجرد فقاعة سرعان ماتتبدد خلال ستة أشهر أو سنة، مالم يعاد بناء الاقتصاد المصري من جديد على أسس إنتاجية تأخذ بعين الاعتبار حيثيات الصراع الطبقي الجديد. أي أن الحل في مصر ليس مالياً خليجياً بل اقتصادياً استراتيجيا.
واستمرار دول الخليج في رفض التحديث السياسي المتطابق مع التحديث الاقتصادي الكبير الذي حدث فيها، عبر الإصلاحات الديمقراطية، لن يمنع التمخضات الكبرى داخل المجتمعات الخليجية، ولن يجعلها بالطبع النموذج الذي يمكن أن تتطلع إليه شعوب الربيع العربي. المَلَكِية المغربية حينذاك ستكون (في حال نجحت المرحلة الانتقالية الراهنة إلى الديمقراطية) هي النموذج، لا السطوة المالية لأموال دول الخليج.
- III -

ماذا الآن عن الموقف الأميركي من "الثورة المضادة" الخليجية؟

سعد محيو





الثلاثاء، 16 يوليو 2013

هل أخطأ حُكّام الخليج بشن "الثورة المضادة"؟


- I -
المحلل البريطاني مايكل بيل، ربما كان أحد قلة قليلة في الغرب والشرق حاولت التقاط الابعاد الاستراتيجية العميقة للدعم الكبير الذي قدمته السعودية والامارات والكويت لـ"الانقلاب الشعبي- العسكري" في مصر.
الأفكار الرئيسة  لبيل(فاينناشال تايمز- 15-7-2013):
أين أخطاً حكام الخليج؟ (الصورة من غوغل

- البيانات الخليجية عن "إرادة الشعب المصري" وعن "الاعتدال والتسامح"، كان يمكن أن تأتي مباشرة من كتاب ليبرالي امبريالي في واشنطن أو لندن. وهي تعكس استعادة الدول الخليحية للثقة بالنفس بعد أن هزتها أحداث الربيع العربي.
- المسؤولون في شبه الجزيرة العربية اغتنموا فرصة الإطاحة بمرسي كنقطة انطلاق لشن "ثورة مضادة" تستغل قلق الشعوب في الشرق الأوسط من الموت والدمار واللايقين الذي أثارته الاضطرابات السياسية. لكن تصوير دول الخليج لنفسها على أنها راعية الاستقرار والأمن الاقتصادي والكفاءة التكنولوجية، هي استراتيجية خطرة لانها تتركها عرضة إلى الاتهامات نفسها بالتدخل في شؤون الدول الأخرى وبالمعايير المزدوجة التي لطالما أتُهِمت بها الدول الغربية.
- مشكلة هذا التوجّه الخليجي هو أن الحكام أنفسهم ردوا على الربيع العربي بمزيج من العطايا المالية والقمع الذي تراوح بين الضرب العنيف للانتفاضة في البحرين وبين سجن النشطاء. كما أن هناك فجوة كبيرة داخل الخليج وخارجه حول ما يعنيه "التطرف والاعتدال"، ومؤسسات الحكم ذات الصدقية.
- وأخيرا، دول الخليج تحاول الآن إعادة رسم منطقة الشرق الاوسط على صورتها. لكن العديد من الدبلوماسيين يحذرون هذه الدول الآن من أن التدخل في شؤون الدول الأخرى على أسس إديولوجية، يحمل معه خطر زرع الكراهية لها في المنطقة. والأسوأ، أن ذلك قد يمتزج مع مغامرات امبريالية  (خليجية ) كارثية وسيئة الطالع.
- II -
أوردنا هذه الفقرات الطويلة من مقالة بيل، لأنها كانت بالفعل أول محاولة لاستشراف الابعاد الاستراتيجية للتوجهات الخليجية الراهنة إزاء دول الربيع العربي.
صحيح أن الأجواء الاحتفالية التي تسود الآن دوائر النخبة الحاكمة في الخليج، ستحجب أي تفكير منطقي حيال الانقلاب الشعبي- العسكري المصري ومابعده، لكن الأصح أن يبدأ صناع  القرار التفكير العلمي من الآن في تلك المنطقة بالغة الحساسية والأهمية الاستراتيجية، قبل أن تدهمها الاحداث بمفاجآت قد لاتخطر على بال.
وهذه بعض المعطيات والفرضيات التي قد تساعد على مثل هذا التفكير:
- فشل إسلام الإخوان المسلمين في مصر، لن يعنِ بالضرورة نجاح صيغ اسلام أولي الأمر الخليج. فأوراق فصل الربيع لاتزال وفيرة، كما أثبتت ذلك كلٌ من ثورة 30 حزيران/يونيو في مصر، وتمخضات الثورة الشعبية الراهنة في تونس، وحتى تمردات منطقة تقسيم في اسطنبول.
- الرسالة في كل هذه التطورات في مصر وتونس وغيرها جلية ومباشرة: الحداثة التكنولوجية والثقافية والاقتصادية باتت متجذرة في المنطقة، وهي بدأت تندفع حكماً بقوة الشارع نحو التعددية والشراكة، وصولاً في النهاية إلى الديمقراطية الناضجة، وإن بعد نكسات وتعرجات.
- لا بل فشل الإخوان في مصر لن يكون نهاية المطاف في مسيرة الانتقال إلى الديمقراطية، بل هو قد يؤدي على العكس إلى تعزيز زخمها، من خلال تحالف جديد بين شبان الطبقات الوسطى الليبراليين واليساريين والعلمانيين، وبين القوى الإسلامية الديمقراطية التي ستنبثق حكماً من بين ركام نظام الإخوان.
- وفوق هذا وذاك، المواقف الحاسمة والحادة التي اتخذتها دول الخليج الثلاث ضد جماعات الإخوان المسلمين والحركات العديدة المشابهة لها أو المنبثقة منها، دشَّنت مرحلة جديدة وخطيرة في المنطقة العربية برمتها ستكون بمثابة حرب أهلية  حقيقية باردة (وربما ساخنة) داخل المعسكر الإسلامي للمرة الأولى منذ ألف عام.
صحيح أن ظهور القاعدة والتنظيمات الجهادية في تسعينيات القرن العشرين، خلق شرخاً مهماً في المعسكر الإسلامي (وهو يتكرر الآن في سورية)، إلا أن هامشية هذه التنظيمات وعجزها عن جر التيارات الغالبية الرئيسة في المجتمعات الإسلامية إلى برامجها، لم يوفّر الظروف لأي حروب أهلية حقيقية.
اليوم الوضع مختلف للغاية. فالشرخ الآن موجود بين  الأنظمة الخليجية وبين حركات إسلامية تمتلك قواعد جماهيرية عريضة، وتحوز على أسلحة إديولوجية- سياسية فتاكة. ناهيك عن أنها قادرة على أن تحرّك سراً (كما كانت يفعل التنظيم السري للأخوان المصريين) مجموعات قد تمارس العنف ضد الدول الخليجية.
- III -
لكل هذه الأسباب، تحتاج "الثورة المضادة" الراهنة في الخليج إلى الكثير من التروي والتفكير والتعمق في أبعادها ومضاعفاتها القريبة والبعيدة، من جانب أصحاب القرار الخليجيين. وهذا أمر أكثر من ضروري، بسبب التغييرات الكاسحة الراهنة التي تحدث الأن ليس فقط في المنطقة الإسلامية، بل أيضاً (وربما أولاً وأساساً) على جبهة السياسات الخارجية الأميركية.
كيف؟
(غدا نتابع)

سعد محيو


الأحد، 17 فبراير 2013

هل تسحب أميركا حمايتها للأسر الخليجية الحاكمة؟



- I -
الجدل الساخن لايزال ساخناً في الولايات المتحدة حول الوسيلة الأمثل للحفاظ على الزعامة العالمية الأميركية في القرن الحادي والعشرين. وهو جدل يدور بين معسكرين رئيسيين إثنين:
القمة الخليجية: هل تتبدد "الحماية الداخلية"؟؛ الصورة من غوغل

الأول، يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية في العالم إلى حد كبير، والتركيز بدلاً من ذلك على "بناء الأمة" في الداخل الأميركي وعلى تطوير الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم.
والثاني، يطالب بإبقاء الاستراتيجية الكبرى الراهنة القائمة على الحفاظ على النظام الدولي الراهن بقوة السلاح الأميركي، ويحذَر من أن التخلي عن هذه الاستراتيجية والتقوقع في الداخل سيعنيان نهاية الدولار كعملة احتياط عالمية ومعه البحبوحة الأقتصادية الأميركية.
سنأتي غداً وبعد غد إلى هذا الجدل المهم والخطير الذي يتعلق به مصير العالم.
لكن قبل ذلك، لابد من وقفة فورية أمام المقاربة التي يُطل بها أنصار الخيار الأول الإنسحابي على إقليم الشرق الأوسط، وفي القلب منها منطقة الخليج. وهي مقاربة تعزز في الواقع ماكنا ندعو إليه في هذا الموقع، من أنه مالم تعمد الأسر الخليجية الحاكمة إلى إحداث إصلاحات سياسية شاملة في ممالكها وإماراتها، فإنها ستضع نفسها (وربما أوطانها أيضاً) في خطر ماحق، ولن يقدم الغرب على انقاذها.
ماذا يقول أنصار هذا المعسكر؟
- II -
أحد أبرز ممثلي هذا التيار هو باري بوسن، مدير برنامج دراسات الأمن في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا. وهو نشر في العدد الأخير من دورية "فورين أفيرز" دراسة بعنوان :"انسحبوا- الدفاع عن قضية سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً". (Pull back: The case for a less activist foreign policy) )
جاء في الفقرات المتعلقة بمنطقة الخليج:
- على المؤسسة العسكرية (الأميركية) إعادة تقييم  التزاماتها في الخليج "الفارسي"، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تساعد الدول في هذه المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات خارجية، لكن ليس في وسعها تحمُّل مسؤولية الدفاع عنها ضد تمردات داخلية.
- واشنطن لاتزال في حاجة إلى إعادة تطمين دول الخليج حيال الدفاع عنها ضد قوة إقليمية مثل إيران قد تهاجمها وتخطف ثروتها النفطية، لكن لم يعد ضرورياً أن يقيم الجنود الأميركيون قبالة شواطىء هذه الدول، حيث أن وجودهم يثير النزعة المعادية لأميركا ويربط الولايات المتحدة بأنظمة أوتوقراطية مشكوك في شرعتيها.
- على سبيل المثال، تعاني البحرين من قلاقل داخلية كبيرة، الأمر الذي يطرح أسئلة حول قابلية استمرار الوجود العسكري الأميركي المتنامي هناك. وقد أثبت العراق أن محاولة تنصيب أنظمة جديدة في البلدان العربية أمر مخطيء من ألفه إلى الياء. وبالتأكيد، الدفاع عن أنظمة قائمة تواجه ثورة داخلية لن يكون أسهل بأي حال.
- III -

نص واضح؟
يفترض ذلك. وهو يجب أن يدق أجراس إنذار قوية لدى كل الأنظمة الملكية التي لاتزال تراهن على أن الغرب يمكن أن يحافظ على الصفقة التي عقدها مع الإسلام السياسي الخليجي منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم كل إنقلابات الربيع العربي.
قد يقال هنا أن باري بوسن ليس سوى صوت واحد من جمهرة أصوات في أميركا ترفض الفصل بين الصفقة الأمنية وبين التحالف السياسي بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
وهذا صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن هذا الصوت المنفرد بات يصبح له أنصار كثر، خاصة وأن منطقة الخليج تمتص 15 في المئة من إجمالي النفقات العسكرية الأميركية المكلفة في العالم. كما أنه يندرج ضمن إطار تطورين إثنين:
الأول، قيام أميركا بقلب نوعية تحالفتها مع حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، من خلال تبينها للقوى الإسلامية التي تعانق الديمقراطية وشروط العولمة الليبرالية (النماذج التركية والإندونيسية والماليزية.. ألخ).
والثاني، أن الاستراتيجية الكبرى الأميركية في العالم تمر هي الأخرى في مرحلة مخاض وتطوير وتبديل، بفعل تحوّل السلطة الاقتصادية والتجارية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهاديء، وهو مخاض لابد أن يترك تأثيرات جلى على منطقة الشرق الأوسط ومركزها الخليجي.
على أي حال، هذه التوجهات قد تتضح أكثر حين نعرض في المقالات التالية بدءاً من الغد لكلِ من الجدل  الأميركي حول هذه الاستراتيجية، وللتغييرات التي بدأت إدارة اوباما بإدخالها بالفعل إليها.
سعد محيو

الخميس، 31 يناير 2013

السعودية والخليج والربيع العربي: "الثورة المضادة" الثانية (الحلقة الأولى)



)
- I -
السؤال الأبرز الذي طُرِح غداة اندلاع ثورات الربيع العربي كان: كيف ستتأثر منطقة الخليج العربي، أنظمة وشعوباً، بهذا الربيع.
لكن الآن، بعد مرور سنتين نجحت خلالها أنظمة الخليج في "شراء" رضا بعض مواطينها عبر الشيكات النفطية الضخمة، وبعد أن بقيت مطالب المواطن الخليجي (عدا المواطنيَن البحريني والكويتي) بالمشاركة والديمقراطية في سماء الانترنت الفضائية ولما تنزل بعد إلى أرض الواقع، فقد آن الأوان لعكس السؤال كي نقول: كيف ستؤثر أنظمة الخليج على الربيع العربي.

ناصر والحداثة: الثورة المضادة السعودية الاولى (الصورة من غوغل

السؤال الجديد في غاية الأهمية بالطبع، لأن هذه الأنظمة الغنية تمتلك البترودولارات التي تمكّنها من ممارسة نفوذ كبير على دول الربيع الفقيرة، عدا ليبيا، سواء من خلال تقديم يد العون إلى الحكومات الجديدة المعُوزة، أو عبر تمويل على نمط "A la cart"  (وفق الاختيار والمزاج) للقوى الإسلامية التي تعتبر حليفة لها وخصمة لغيرها (قطر للإخوان المسلمين، والسعودية للسلفيين)، أو عبر تقديم نفسها على أنها المتبرع الأول كما حدث في مؤتمر المانحين الأخير لسوريا.
سيث جونز، المدير المساعد لمركز الأمن الدولية وسياسة الدفاع في مؤسسة راند، تقدّم الصفوف لمحاولة الإجابة على هذا السؤال، في دراسة نشرتها مؤخراً دورية "فورين أفيرز" النافذة (عدد يناير/فبراير 2003)، على النحو التالي:
- الملكية السعودية أحكمت قبضتها على السلطة بعد الربيع العربي واستخدمت سطوتها المالية لتعزيز الأنظمة الأوتوقراطية المجاورة، كما فعلت مع البحرين في شباط/فبراير لقمع انتفاضة شعبية بذريعة أن دوافعها مذهبية.
- لكن في الواقع، ما كان يخشاه النظام السعودي وبقية أنظمة الخليج هو مطالب المتظاهرين بأن تصبح البحرين ملكية دستورية.
- ملكيات الخليج، التي لاتبدي قط أي ارتياح للربيع العربي، تماماً كما كانت مع القومية العربية قبل نصف قرن، تقوم مرة أخرى بـ"ثورة مضادة" كانت أزهى تمظهراتها عرض ضم الملكيتين الأردنية والمغربية إلى مجلس التعاون الخليجي.
- وهي الآن تنفق بسخاء كبير على أجهزة الأمن لديها، وتقوم في الوقت نفسه بشراء ولاء القواعد الشعبية الرئيس في بلادها.
- II -
تعبير "الثورة المضادة" الذي استخدمه سيث جونز يبدو في محله تماما. وكذا الأمر بالنسبة إلى تشبيهه الثورة المضادة الراهنة، بتلك التي شنتها دول الخليج بزعامة السعودية ضد مشروع الحداثة الذي أطلقته حركة القومية العربية الناصرية في الخمسينيات والستينيات، بهدف بناء اقتصاد انتاجي حديث وهوية مواطنية عربية موحدة لاعشائرية ولاطائفية.
في كلا هاتين الثورتين  المضادتين، كان الهدف واحدا: الدفاع عن أمن وسلامة أنظمة الحكم الملكية الفردية والعائلية والتقليدية (أو الرجعية وفق تعبير جمال عبد الناصر) عبر الهجوم على بديلها العروبي الحديث.
آنذاك، هبّت الرياح الدولية والإقليمية كما تشتهي سفن الثورة المضادة السعودية، فوقفت أميركا، أضخم قوة حديثة وديمقراطية في التاريخ، إلى جانب السعودية، أضخم قوة تقليدية ولاديمقراطية في التاريخ، ضد مصر الناصرية،(ما عدا أسابيع قليلة إبان عهد جون كينيدي)، بسبب الحرب الباردة؛ ثم أكملت إسرائيل المهمة بتدمير مصر في حرب 1967.
والآن، تسعى الثورة المضادة السعودية الجديدة إلى تقويض عمليات الانتقال إلى الديمقراطية في دول الربيع العربي، على رغم أن من يتزعم هذه العمليات هم حلفاؤها السابقون في الحرب على الحداثة القومية الناصرية: الإخوان المسلمون. لكن بالطبع، الإديولوجيا في الشرق الإسلامي، كما في كل التاريخ الإسلامي برمته، تملك ولاتحكم. من يحكم هو المُتغلّب القبيلي أو العسكري أو السياسي الذي يضع عربة الدين في خدمة جياد السلطة المطلقة.
- III -

لكن، هل ينجح مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية في ثورته المضادة الثانية كما نجح في الأولى؟ وهل الظروف الدولية والإقليمية، وكذا الظروف المحلية، ستكون مؤاتية لهما كما في الخمسينيات والستينيات؟
 (غدا نتابع)

سعد محيو



الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

كتاب لوزير خليجي: إما الإصلاحات الآن.. أو "الغرق" غدا




الشاعر محمد العجمي: السجن المؤبد 
- I -
" أنتم في السلطة الآن. سعر برميل النفط أكثر من 100 دولار. لديكم اقتصاد مستقر حتى الآن ووضع اجتماعي مستقر. لماذا لاتفكرون بتغيير جدي اليوم؟ لماذا تؤجلونه إلى وقت لاحق؟ لماذا التنفيذ لاحقاً سيكون أفضل؟ ما الخطة هنا؟".


كلا. هذا ليس صوت من أصوات المعارضة الشعبية الخليجية المطالبة بالاصلاحات الديمقراطية، وتوسيع مشاركة الشعب في اتخاذ القرار السياسي وإعادة توزيع ثروات النفط.
إنه صوت من داخل الأسر الحاكمة: الشيخ محمد آل ثاني، وزير الاقتصاد والتجارة في قطر لمدة 17 عاما، الذي أزيح من منصبه العام 2006 فتوجه إلى أوكسفورد لوضع كتابه
The Arab spring&the Gulf states- Time to embrace change.
لم يتسن لكاتب هذه السطور بعد قراءة هذا الكتاب. لكن العرض الذي قدمته "فاينانشال تايمز" له اليوم (11-12-2012) يوضح الفكرة الرئيسة في هذا الكتاب، والتي تتمحور حول ضرورة إدخال الإصلاحات في دول الخليج الآن، وإلا (كما ألمح الكاتب بشكل رمزي) فأن مصير فرعون مصر الذي غرق هو وجيشه في البحر الأحمر سيتكرر في هذه المنطقة.
أما ضرورات التغيير فهي موضوعية: مواجهة "الطفرة الديمغرافية الشبابية" التي كانت السبب الحقيقي وراء تفجر الربيع العربي، عبر إصلاحات سياسية واقتصادية بعيدة المدى.
وعلى رغم أن الكاتب ركّز في المقابلة أساساً على ثورات مصر وتونس وغيرهما، إلا أنه كان جريئاً في حديثه عن جارة قطر البحرين.
قال:" الحكام هناك (البحرين) يجب أن يغيِّروا موقفهم إزاء مواطنيهم. فالتوزيع العادل للثروة، والحكومة الخاضعة إلى المساءلة، وحرية الناس في ممارسة حياة كريمة، هي الطريق للمضي قدماً إلى الأمام".
- II -

أفكار شجاعة؟
بالتأكيد. لكن، وكأي شيء في هذا العالم، "الجميل لايكتمل" (كما يقول المثل الشعبي المصري).
السلبيات هنا تبدو عديدة: فقد أهدى الكاتب مؤلفه الإصلاحي هذا إلى قريبه حاكم قطر الشيخ حمد، في وقت كان يتم في الدوحة إصدار حكم بالسجن المؤبد على الشاعر القطري محمد إبن الذيب العجمي ليس فقط لأنه "شتم الأمير" في قصيدة العام 2011، بل أيضاً لأنه "حاول قلب نظام الحكم".
قد يكون من المثير بالطبع معرفة كيف يمكن لشخص واحد، او قصيدة شعرية واحدة، أن تقلبا نظام حكم ما. لكن هذا ليس موضوعنا الآن. المسألة الأساسية هي ما إذا كانت دعوات هذا الكاتب الذي ينتمي إلى الأجنحة المستنيرة في الأسر الخليجية الحاكمة، يمكن أن تكون أكثر من مجرد صرخة عقلانية في وادٍ قعقع.
فإذا ما كانت حكومة قطر التي "فهمت القوى التي تقف وراء الربيع العربي وقررت دعم ثورات الشرق الأوسط" (على حد تعبير المؤلف)، لاتتحمَّل صوتاً إعتراضياً واحدا، فكيف الأمر لدى الأسر الخليجية الحاكمة الأخرى التي تشن هذه الأيام حملة شعواء على كل/وأي صوت مطالب بالتغيير؟
الأرجح أن هذه الأسر لن تستمع بإنصات إلى ماتصدح  به مجتمعاتها المدنية، إلا إذا ما تحوّلت هذه الأصوات إلى صرخات مدوية في الشارع. فالمسألة، كما كانت طيلة التاريخ البشري، مسألة علاقات قوة وموازين قوى. وهذه العلاقات وتلك الموازين بدأت تهتز الآن في الكويت، وقبلها في البحرين، وحتى في قطر والإمارات. ولن يطول الوقت قبل أن تهتز أيضاً في المملكة السعودية.
أو هذا على الأقل ما يشي به الشيخ محمد آل ثاني، حين يتحدث عن "مصائر فرعونية" في منطقة الخليج.
سعد

الأربعاء، 14 نوفمبر 2012

الامارات ودول الخليج : المعركة الخطأ، في الزمان الخطأ




الاجراءات الأخيرة ضد حرية التعبير على الانترنت في الإمارات وبقية دول الخليج، لن تسفر سوى عن حصيلة واحدة: تآكل شرعية أنظمة المنطقة. وهي دليل ضعف لاقوة.

- 1 -
دولة الإمارات، وباقي دول الخليج، تخوض المعركة الخطأ، في الزمان الخطأ، وفي المكان الخطأ.
هذه باختصار قد تكون محصلات الاجراءات القانونية غير المسبوقة التي اتخذتها أمس حكومة الإمارات، وقبلها السعودية وعُمان والبحرين وحتى الكويت، ضد المواطنين الخليجيين الذين يستخدمون الفضاء( الانترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي) للتعبير عن آرائهم المقموعة ومكنوناتهم الممنوعة على الأرض.
وهذا مابدأ يحوَّل هذه الدول الآن أكثر فأكثر إلى "دول أمنية" أو بوليسية، لاتختلف كثيراً عن الأنظمة الأمنية- المخابراتية التي أطاحت بها ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا واليمن (والآن في سورية).
ومثل هذا التطور حدث جلل بالنسبة إلى الأنظمة الملكية الخليجية، التي كانت حتى الآونة الأخيرة تتمتع (على عكس زميلاتها الجمهوريات) بقدر لا بأس به من الشرعية بفعل عوامل قَبَلِية وتاريخية ومالية نفطية. لكن "القمع الفضائي" للحريات الذي يجري الآن في كل دول الخليج على قدم وساق، والمتساوق مع السقوف "الأرضية" المتدنية للغاية للحريات السياسية، سيجعل هذه الشرعية تتآكل بشكل خطير.
- II -
لكن هذه الحرب الرسمية الخليجية المشتركة لن تجد نفعا. فعدا عن أنها تسير في عكس تسونامي تاريخي جامح (ثورة المعلومات والاتصالات الهائلة)  لاسبيل لوقفه أو حتى اعتراضه، تقفز هذه الحرب على حقيقة موضوعية بالغة الأهمية، وهي أن الانترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي لاتخلق الثورات أو الانتفاضات، بل هي فقط وسيلة من وسائلها. تماماً كما كان الأمر قبل ذلك مع الكتاب، والصحيفة، وراديو الترانزستور، والتلغراف الفاكس، والتلفزيون. فكل هذه الوسائل لم تخلق الحركات الشعبية، بل كانت مجرد تعبير عنها.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية: الانترنت جزء، مجرد جزء، من ظاهرة جديدة برزت خلال العقود الثلاثة الأخيرة أطلقنا عليه في الزاوية مؤخراً اسم "المجتمع الثاني" المستقل عن السلطة السياسية
وللتذكير، يتكوّن هذا المجتمع الوليد من العناصر التالية:
- الطفرة الهائلة في عدد الشباب (Youth Bulge ) دون سن الخامسة والعشرين، الذين يعيش معظمهم في المدن. وقد سجّل تقرير للأمم المتحدة أن البلدان التي تشهد طفرة شبابية، تتوافر على احتمالات تفوق الـ80 في المئة من بقية الدول بأن تحدث فيها ثورات اجتماعية أو انتفاضات عنفية.
- الطفرة الكبرى الأخرى في أعداد خريجي الجامعات (العديد منهم عاطلون عن العمل)، خاصة منهم الذين تلقوا دروسهم في الجامعات الغربية، وباتوا قادرين على التمييز بين حقوق الإنسان (والمرأة ) في الغرب وبين محدودية هذه الحقوق في بلدانهم.
- توسّع عضوية المنظمات غير الحكومية ومنظمات القطاع الثالث، والتي لعبت فيها وسائط الإعلام الاجتماعي الدور الأول.
- بروز ظاهرة اليقظة السياسية العالمية في كل أرجاء المعمورة لأول مرة في التاريخ، والتي كانت ثورات الربيع العربي أول ثمارها، لكنها لن تكون بالطبع الأخيرة.
هل سيكون بمقدور التهديد بالسجن والاعتقال والملاحقة لكل من يجرؤ على انتقاذ "الذات السلطوية" في الإمارات وبقية دول الخليج، أن يُلغي هذه المتغيرات الكبرى عبر مجرد "إلقاء القبض" على الانترنت؟ وهل حكومات الخليج تعتقد حقاً أن في مستطاعها وقف تفتّح حرية الفكر والتعبير في بلدانها؟

- III -
كتبت ساره ليش ويستون، مديرة منظمة هيومان رايتس ووتش في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أمس (فايننشال تايمز): "أحد أسباب ازدهار الفكر النقدي في الخليج هو أن الناس اكتشفوا فضاء لهم في المدونات ومواقع التواصل والتويتر. والآن، وبدلاً من منح هذه المجتمعات الفرصة للنمو والتطور، تقوم الحكومات بالاطباق على هذه الفضاء".
وقبل ويستون، كان الباحثة الأميركية مارينا اوتاوي تحذّر حكومات الخليج، من أن مواصلة "رفض قبول فكرة الإصلاح، سيفتح الأبواب على مصراعيها أمام طرح مصير الأسر الحاكمة على بساط البحث".
وهذا أمر طبيعي. فحين يتم اغلاق طنجرة الضغط( البريستو) باحكام ومن دون أي متنفس، كما تفعل الآن حكومات الخليج، لايبق أمام البخار الغاضب والمتراكم من سبيل سوى الانفجار.
* * *
إنه فعلاً القرار الخطأ، في الزمان الخطأ. وهو دليل ضعف وقلق وخوف، لا دليل قوة وثقة بالنفس وشجاعة وإقدام.
ثم أن شعوب الخليج تستأهل أكثر بكثير من الخبز الذي يُراد لها أن تحيا به وحده، داخل القفص.

سعد


السبت، 3 نوفمبر 2012

لماذا التغيير مطلوب وحتمي في السعودية والإمارات وبقية الخليج؟





برز في كل بلدان الخليج في العقود الأخيرة "مجتمع ثان" غير مرئي سيؤدي، في حال لم تلب مطالبته واحتياجاته، إلى مفاجآت قد لاتخطر على بال.

- I -
تلقَّى هذا الموقع ( www.saadmehio.com) وصفحتيه في تويتر وفايس بوك، سلسلة من انتقادات بعض القراء، وحتى بعض الأصدقاء، في منطقة الخليج، بسبب المقولة بأن الأمر الواقع الراهن في أنظمة المنطقة، التي تزاوج بين الحداثة الاقتصادية ((على رغم كونها استهلاكية لا انتاجية) وبين البنى السياسية التقليدية، لم يعد قابلاً للاستمرار.


بعض هذه الانتقادات جاءت في شكل شتائم  شخصية انفعالية وعنيفة. وهذه باتت ظاهرة معقّدة وشائعة في وسائط التواصل الاجتماعي. وهي تعبِّر في آن عن مكبوتات اجتماعية حادة، وفي الوقت نفسه عن انبثاق حرية تعبير لاسابق لها، وإن كانت تصب بالطبع في خانة السلطات الحاكمة التي تضع سقوفاً جامدة وخطوطاً حمراء على مدى حرية التعبير. وفي بعض الأحيان(كما في حالة الانتقادات من الإمارات)، قد يكون السباب تعبيراً، وإن فظاً، عن نبض وطني حقيقي.
نعود إلى موضوعنا لنقول أن بعض هذه الانتقادات يبدو صحيحا، لأنها تستند إلى الحقيقة بأن أنظمة الخليج ككل تمتعت بقدر من الشرعية لم تحظ به الجمهوريات "الثورية" العربية. فالأسر الحاكمة لها باع وتاريخ طويل في السلطة قد يصل أحياناً إلى قرون عدة، وكانت هي وراء تأسيس معظم الدول بحدودها الحالية. كما أن هذه الأنظمة، وعلى رغم أنها أوتوقراطية وعائلية، أقل قمعاً من الأنظمة الجمهورية وأكثر حرصاً على التواصل مع مجتمعاتها الأهلية (نقول هنا الأهلية وليس المدنية، للتمييز بين القطاعات الاجتماعية الحديثة والقطاعات التقليدية). وثروة النفط جاءت لتعزيز هذا المنحى، ولم تخلقه كما ذهب إلى القول المفكر الراحل عبد الرحمن منيف. وساعدها في ذلك قلة عدد سكان دولها، خاصة الإمارات وقطر.
- II -
لكن، وبعد قول كل شيء عن الخصوصيات الحقيقية لأنظمة الخليج، لا بد من الاعتراف أيضاً بأن التاريخ والاجتماع البشريين ليسا البتة قوالب جامدة لا تتغير، مهما كانت هذه القوالب قوية. فهذه سنّة الحياة والكون التي عبّر عنها ابن خلدون بدقة رائعة حين قال: " إذا ما تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنه ولد من جديد".
حسناً. الأحوال تغيّرت بعمق في منطقة الخليج بفعل وتائر التحديث الاقتصادي والثقافي السريعة، التي نقلت مجتمعاتها من البداوة والفقر المدقع إلى المدينية والغنى الواسع. ومثل هذه النقلة، التي أفاضت "مدن الملح" في الحديث عنها، كانت تُبرز الحاجة إلى تطوير البنى السياسة التقليدية على قدم المساواة مع البنى البيروقراطية والاقتصادية الحديثة. أي: الانتقال من "الديمقراطية القبلية الأوّلية" إلى الديمقراطية الشعبية. وهذه مرحلة مرّت بها كل الديمقراطيات الغربية التي انتقلت هي الأخرى من التركيبة القبلية ثم الاقطاعية، وبعدها (مع ثورة الحداثة منذ القرن 16) إلى حكومة  ديمقراطية من الشعب للشعب.
بالطبع، التغييرات التي طرأت على مجتمعات الخليج لاتشبه الانقلابات الصناعية والبورجوازية في أوروبا، لكنها مع ذلك تغييرات عميقة بسبب ترافق التحديث الاقتصادي والإداري مع ثورة تكنولوجيا المعلومات. وهذا أدى إلى خلق ما أسماه عالم الاجتماع المجري إيلمر هانكيس "المجتمع الثاني" المستقل عملياً عن السلطة السياسية، والذي يستند إلى المكونات التالية(*):
- الطفرة الهائلة في عدد الشباب (Youth Bulge ) دون سن الخامسة والعشرين، الذين يعيش معظمهم في المدن. وقد سجّل تقرير للأمم المتحدة أن البلدان التي تشهد طفرة شبابية، تتوافر على احتمالات تفوق الـ80 في المئة من بقية الدول بأن تحدث فيها ثورات اجتماعية أو انتفاضات عنفية.
- الانتشار السريع للفضاء الأثيري الذي خلقته ثورة المعلومات والاتصالات ( Ict)، والتي أطلقت فرصاً هائلة للترابط الاجتماعي، والتواصل، وتبادل الأفكار بين ملايين الشباب.
- الطفرة الكبرى الأخرى في أعداد خريجي الجامعات (العديد منهم عاطلون عن العمل)، خاصة منهم الذين تلقوا دروسهم في الجامعات الغربية، وباتوا قادرين على التمييز بين حقوق الإنسان (والمرأة ) في الغرب وبين محدودية هذه الحقوق في بلدانهم.
- توسّع عضوية المنظمات غير الحكومية ومنظمات القطاع الثالث، والتي لعبت فيها وسائط الإعلام الاجتماعي الدور الأول.
وأخيراً، وربما الأهم، بروز ما أسماه زبغنيو بريجينسكي "اليقظة السياسية العالمية" للمرة الأولى في التاريخ، والتي حولّت العالم بالفعل إلى "قرية سياسية " حقيقية في الزمان الحي بعد أن أُلغيت حواجز المكان عبر الانترنت والهواتف النقالة ومجانية الاتصالات الدولية، والفضائيات التلفزيونية.(**)

- III -
هذه هي تركيبة "المجتمع الثاني" الذي وُلِدَ في منطقة الخليج، والذي كان وراء ثورات الربيع العربي في مصر وتونس ولبييا والبحرين واليمن وسورية. وأخطر ما هذا المجتمع أنه "غير مرئي" على رغم أن آثار أقدامه وبصماته مبعثرة في كل مكان.
ومالم تتأقلم أنظمة الخليج مع متطلبات المجتمع الثاني هذا، ستفاجأ بتطورات قد لاتخطر على بال (كما نشهد الآن في البحرين والكويت)، وستعرّض شرعيتها المكتسبة تاريخياً إلى التآكل التدريجي ولكن الثابت.
هذا الأمر ينطبق على كل دول الخليج. لكنه يحظى بنكهة خاصة في السعودية الإمارات، كلاً لأسبابها الخاصة: الأولى، لأن "المجتمع الثاني" ينمو فيها بشكل هائل بفعل غياب أي وسائل أخرى لحرية التعبير والتنظيم ولانتشار أدوات ثورة الاتصالات فيها؛ والثانية، لأن توسيع المشاركة السياسية للمواطنين باتت حاجة ملحة (بل وتاريخية) بهدف إشراك كل الشعب في بلورة استراتيجية قابلة للتنفيذ، تنقذ البلاد من الخلل المخيف في التركيبة السكانية، والتي جعلت المواطنين أقلية الأقلية في الوطن، وتكاد الآن تدمّر الهوية الوطنية والعربية فيه.
* * *
هذه بعض الأسباب التي تدفع إلى التشديد على أن التغيير مطلوب آت لامحالة في أنظمة الخليج.
وإذا ما كان بعض القراء والاصدقاء لازالوا يعتقدون أنه يمكن تأبيد الأمر الواقع الراهن، على رغم كل المتغيرات العميقة في الداخل وأعاصير الربيع العربي (والدولي!) التي تعصف في الخارج، فليطرحوا أفكارهم على بساط البحث بكل شفافية وموضوعية، لأن الوصول إلى قواسم مشتركة ليس أمراً مستعصياً في الخليج (كما هو في سورية هذه الأيام مثلاً).
لماذا؟
لأن الثورة غير مطروحة في هذه المنطقة، بل الإصلاح والتطوير التدريجيين والتحديث السياسي.

سعد
لمن يستزيد:
 (*)Sami Mahroum: Rab youths, Revolutions, and the rise of the "second society". Business intelligence- Middle east. March 14, 2011.
(**) Zbigniew Brezeninski: Strategic Vision- America and the crisis of global power.Basic books, New York 2012.208 pages