للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أميركا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أميركا. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 20 يناير 2014

حروب القرن 21 : اللايزر، الجزئيات، ووحدات إمبراطورية "رومانية"



- I -
ما نوعية الحروب المستقبلية التي يعدها البنتاغون للعالم خلال السنوات القليلة المقبلة؟

إنها، ببساطة، تلك التي تبدأ بالعلم وتنتهي بالتكنولوجيا، او ما يسمى الان ب " الأسلحة الموجّهة بالطاقة ( القنابل الكهرومغناطيسية(E-bomb   ، سواء أكانت اللايزر، أو الموجات بالغة القصر، أو أشعة الجزئيات.
هذه الأسلحة، كما يقول الخبير العسكري الأميركي دوغلاس بيزون، " درامية ومدمرة وعميقة، إلى درجة انها ستغيّر الطريقة التي تشن فيها الحروب". وهي تتميز بالآتي:
n  السرعة الفائقة التي تمكنّها من الدوران حول الأرض أكثر من سبع مرات خلال ثانية واحدة. وهذا ما سيحيل كل أنواع الأسلحة الأولى إلى متاحف التاريخ.
n  الدور الكبير الذي يمكن ان تلعبه ضد الثورات الشعبية. وهذا صحيح على الأخص بالنسبة لسلاح يدعى " النفي الفعال"   ( Active denial  ) . هذا السلاح، المستند إلى موجات الجزئيات الدقيقة، يخترق جلد الثوار او المتظاهرين في مساحة تبلغ 700 متر، ويجعلهم يشعرون بأن جسمهم كله يحترق، برغم أن الحقيقة ليست كذلك، الأمر الذي يدفعهم إلى ترك كل شيء والهرب. البنتاغون يدعّي أن " النفي الفعال"  لا يسبب أمراضاً سرطانية، لكنه لم يقدم دلائل حسية على ذلك.
n  القدرة على إسقاط الصواريخ البالستية التكتيكية مثل " سكود" ، كما الأمر مع سلاح اللايزر " كويل" الذي يمكن إطلاقه من طائرات 747 المعدلّة.
 خبراء وزارة الدفاع الأميركية يقولون أن التجارب على الأسلحة الموجّهة بالطاقة تجري على قدم وساق، وأن هناك الان بالفعل  سبعة أسلحة لايزر،   وسلاح " نفي فعال " واحد. ويضيفون أن الدول الأخرى لن تكون قادرة على اللحاق بسباق التسلح الجديد هذا قبل عقود.
إلى ذلك، يضيف الخبراء انه بعد نهاية الحرب الباردة، إكتشفت الولايات المتحدة ان غياب العدو الرئيس الوحيد عن ساحة المعركة ( الاتحاد السوفييتي) ، لم يعن تبخر التحديات التي  قد تبرز في أي مكان  بما في ذلك الداخل الاميركي ضد المصالح والزعامة الاميركية في العالم.
وهنا ولدت إستراتيجية الامن القومي الجديدة، والتي تطلبت في الدرجة الاولى بدء تغيير الجيش الاميركي من قوة نظامية الى وحدات إمبراطورية،  شبيهة الى حد ما بوحدات الحرس الامبراطوري الروماني التي كانت تتنقل في كل انحاء العالم لقمع تمردات
" البرابرة ".
الجيش الاميركي بات يطلق على نفسه الان إسم " القوة الموضوعية "، ( للتمّيز  عن القوة الذاتية النظامية السابقة ) ، وهو يضع لنفسه الاهداف الاتية :
1-   العمل على نقل فرقة عسكرية اميركية الى أي مكان في العالم خلال 96 ساعة، لان التحديات الامنية غير المتوقعة في العالم تتطلب مثل هذه السرعة. والنموذج هنا هو حرب أفغانستان.
2-   إتباع المرونة في التعاطي مع الانماط المختلفة من الحروب، حيث أن بعض  المجابهات تتطلب وحدات عسكرية كبيرة ( العراق )، فيما تكفي مع  بعضها الاخر  الوحدات الصغيرة ( أفغانستان ، الصومال، الفيليبين  .. ألخ ) .
3-    بغض النظر عن طبيعة المهمة او المكان، يتعّين على وحدات الجيش الصغيرة التي ترسل بشكل روتيني الان الى ما وراء البحار، أن تتمتع بجهوزية  للتحرك في أي وقت، الى أي مكان.
4-   العمل على تطوير قدرات قوات الاحتياط الاميركية، كي تتمكن من مشاركة قوات الجيش في التدخل السريع في كل انحاء  العالم.
5-   وأخيرا، الحرص على خوض المعارك في إطار تحالفات عسكرية مع أصدقاء اميركا وحلفائها. فهذا لن يخفف فقط أعباء واكلاف التدخلات، بل سيسّهل أيضا على القوات الاميركية الحصول الى الشرعية الدولية الضرورية .

- II -

في أي إطار يجب وضع هذا المشروع العسكري العالمي الطموح الذي تضعه الولايات المتحدة لنفسها ؟.
في إطار المفهوم الإمبراطوري بالطبع.
 وبرغم أن بعض  الأميركيين ما زال مترددا في وصف " القوة المفرطة " الأميركية على أنها إمبراطورية، إلا أن هذه التحفظات بدأن تنحسر بالتدريج لصالح ما يصفه محللون اميركيون ب " حق الولايات المتحدة بأن تكون إمبراطورية عالمية ، بسبب قيمها ومبادئها إضافة الى قوتها " .
هذا، على سبيل المثال، ما يراه الجنرال وليان أودوم وروبرت دوجاريك ، مؤلفا كتاب " إمبراطورية اميركا غير المقصودة "، اللذين يشددان على أن الولايات المتحدة تهيمن على العالم بوسائل لم تعرفها الامبراطوريات السابقة أبدا. فالثقافة الاميركية تسيطر على كل مجالات الحياة في غالبية الدول. والقوة الاميركية هي قوة أكاديمية، وعلمية، واقتصادية، إضافة الى كونها عسكرية. وحقيقة أن الامبراطورية الاميركية برزت بدون قرار واع من جانب زعماء اميركا السياسيين، هو ما يجعلها " إمبراطورية غير مقصودة "، لكنها في الوقت ذاته إمبراطورية  ضرورية .
لا بل يقول محللون أميركيون الان أن الامبراطورية الاميركية ليست ضرورية فحسب ، بل لا غنى عنها أيضا .
هذا  هو جوهر الدراسة التي نشرها مؤخرا  المفكر الاميركي نيل فيرغوسون في دروية " فورين بوليسي  " ( تموز \ يوليو - آب \ غسطس ) بعنوان " عالم من دون قوة  ".
فهو رسم صورة مخيفة عما  يمكن أن يحدث للعالم، إذا ما قررت الولايات المتحدة التخلي عن الزعامة  العالمية والعودة الى العزلة. وهو يرى ان البشرية ستعود حينذاك الى الحال الذي كانت عليه في القرنين التاسع والعاشر ميلادي، الذي شهد تراجع الامبراطوريات البيزنطية والاسلامية والصينية، وتفكك وتذرر العالم الى شظايا سياسية متحاربة  ومتقاتلة.
ويضيف ( وهنا الاهم ) ان السمة الرئيس لهذين القرنين،  اللذين إنحسرت  عنهما القوة الامبراطورية، هو غياب التوجهات العلمانية  وغلبة الصراعات الدينية على جداول الاعمال السياسية. ففي القرن التاسع، مزقّ الخلاف حول دور الايقونات في العبادة المسيحية الامبراطورية البيزنطية. وفي القرن الحادي عشر نشبت الحروب بين البابا وبين رأس الامبراطورية الجرمانية المقدسة حول من يحق له تعيين الاساقفة. وفي العالم الاسلامي حكم الائمة ورجال الدين بشكل فعلي. وقد إنتهت هذه الحقبة  بحروب مقدسة غير عادية هي الحروب الصليبية  التي دشنها الاوروبيون العام 1095 .
الرسالة هنا واضحة: من دون هيمنة الامبراطورية الاميركية على العالم، وفي غياب أي بديل أو منافس جدّي  لهذه القوة المفرطة،  سيغرق هذا العالم في ظلام قرون وسطى دامسة جديدة !.
ولتجنب هذا المصير ، سيكون على العالم الامتثال لأملاءات القوة الاميركية المفرطة، لا بل أيضا  الترحيب بالتدخلات الاميركية في كل مكان، بما في ذلك بالطبع التدخلات العسكرية.
والحال أن جميع فئات النخب الاميركية الحاكمة تبدو مقتنعة تماما بهذه الفكرة ، يستوي في ذلك الديموقراطيين كما الجمهوريين ، الليبراليين كما المحافظين، وحتى أيضا القوى اليسارية الاميركية المعادية للامبريالية التي ترى هي الاخرى ( كما في كتاب " الامبراطورية لنيغري ) أن القوة الاميركية  ليست لا إستعمارا جديدا ولا إمبريالية مستجدة ولا حتى طفرة قومية زائدة ، بل هي إمبراطورية من نوع جديد تدمج  العالم وتندمج به.
وبهذا المعنى ، تصبح اميركا هي العالم ، وتتحول قواتها الى فرق عسكرية في خدمة " إمبراطورية العولمة " ، التي هي الوجه الاخر الحقيقي للأمركة.
قد يعجب هذا الكلام بعض أنصار العولمة ، وقد يثير غضب غالبية الاطراف  التي ترفض ان تكون " خدماً " في بلاط الامبراطورية الاميركية ( كما اعلن جاك شيراك مؤخرا ). لكن هذا لن يغّير من الامر شيئا : القوة الاميركية المفرطة لن تقبل بأقل من الهمينة التامة على حديقتها العالمية الشاسعة. وبالتالي ،   " الاف. بي. أي "  يجب أن ينظر أليها  من الان فصاعدا  على انها " أف. بي. أي " العالم ، وكذا الامر بالنسبة للجيش والمارينز وكل الفرق الامبراطورية الجديدة.
سعد محيو

(*) Douglas Beason: E-bomb:  How America's new directed weapons will change the way future ways will be fought.


الاثنين، 21 أكتوبر 2013

أميركا والعالم: عزلة وانحسار أم إعادة تموضع؟


"الولايات المتحدة خسرت للتو آلاف الأرواح الأميركية في أرض بعيدة من أجل نصر يبدو الآن فارغاً، هذا إذا كان بالامكان أسلاً تسميته نصرا. علاوة على ذلك، بلادنا تخرج من ركود وهي متدهورة المعنويات ومستغرقة في شأنها الداخلي، وقلقة من هشاشة الشفاء الاقتصادي ومن حالة ديمقراطيتها. المثالية تبدو عملة نادرة. وبالتالي، وحين تطل في الأفق حرب بعيدة يمتنع الأميركيون عن الانحياز إلى أي جانب، حتى ولو كان ذلك ضد ديكتاتور لايرحم، وحتى لو اقتصر الأمر على مجرد إرسال الأسلحة. والأصوات المعارضة للانخراط تتراوح بين اليسار المسالم واليمين الشعبوي. والرئيس، الذي يخشى أن يقوّض الصراع الخارحي أجندته المحلية، يتأرجح كالبندول في مواقفه".
هكذا تحدث الكاتب الأميركي لاين أولسون. لكن عمن كان يتكلم؟ عن النصر الأميركي الفارغ في العراق وأفغانستان، وعن رفض أميركا التحرك ضد بشار الأسد، أو عن رفض أوباما التدخل في الشرق الأوسط خوفاً على برامجه الداخلية؟
لا هذا ولا ذاك. الكاتي كان يتحدث عن أوضاع أميركا العام 1940، حين كان الرئيس روزفلت يتقلب كل يوم في مواقفه إزاء ألمانيا النازية، كما يفعل الآن أوباما في سياسته الخارجية، وحين كانت أميركا تعيش حالة عزلة عميقة غداة اشتراكها في الحرب العالمية الأولى.
مناخ العزلة نفسه الآن يجتاح أميركا، لكنه وعلى عكس الأربعينيات يترافق هذه المرة مع سؤال كبير: هل بدأ انحدار أميركا عن عرش القوة العظمى، وهل ما نراه الآن من تقوقع وانحسار ( Retrenchment) في السياسة الخارجية الأميركية، خاصة في الشرق الأوسط، هي علائم على هذا الطريق الانحداري.
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، فلنستعرض معا ما يقوله كلٌ من أنصار تبار العزلة والتقوقع وأنصار مواصلة الانخراط الأميركي في العالم.

الجدل الساخن لايزال ساخناً في الولايات المتحدة منذ سنتين حول الوسيلة الأنجع للحفاظ على الزعامة العالمية الأميركية في القرن الحادي والعشرين. وهو جدل يدور بين معسكرين رئيسيين إثنين:
الأول، يدعو إلى تقليص الالتزامات الأمنية- العسكرية الأميركية في العالم إلى حد كبير، والتركيز بدلاً من ذلك على "بناء الأمة" في الداخل الأميركي وعلى تطوير الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم والصحة وسد الفجوة الهائلة التي تزداد اتساعا بين الفقراء والاغنياء.
والثاني، يطالب بإبقاء الاستراتيجية الكبرى الراهنة القائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الحفاظ على النظام الليبرالي الدولي الراهن بقوة السلاح الأميركي، ويحذَر من أن التخلي عن هذه الاستراتيجية والتقوقع في الداخل سيعنيان نهاية الدولار كعملة احتياط عالمية ومعه البحبوحة الأقتصادية الأميركية.
المقاربة التي يُطل بها أنصار الخيار الأول الإنسحابي على إقليم الشرق الأوسط، وفي القلب منها منطقة الخليج، تعزز في الواقع الانطباع بأنه مالم تعمد الأنظمة والأسر الحاكمة في الشرق الأوسط إلى إحداث إصلاحات سياسية شاملة في ممالكها وإماراتها وجمهورياتها، فإنها ستضع نفسها (وربما أوطانها أيضاً) في خطر ماحق، ولن يقدم الغرب على انقاذها.
ماذا يقول أنصار هذا المعسكر؟
أحد أبرز ممثلي هذا التيار هو باري بوسن، مدير برنامج دراسات الأمن في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا. وهو نشر مؤخراً في دورية "فورين أفيرز" دراسة بعنوان :"انسحبوا- الدفاع عن قضية سياسة خارجية أميركية أقل نشاطاً". (Pull back: The case for a less activist foreign policy) )
جاء في الفقرات المتعلقة بمنطقة الخليج على سبيل المثال:
- على المؤسسة العسكرية (الأميركية) إعادة تقييم  التزاماتها في الخليج "الفارسي"، إذ يجب على الولايات المتحدة أن تساعد الدول في هذه المنطقة على الدفاع عن نفسها ضد هجمات خارجية، لكن ليس في وسعها تحمُّل مسؤولية الدفاع عنها ضد تمردات داخلية.
- واشنطن لاتزال في حاجة إلى إعادة تطمين دول الخليج حيال الدفاع عنها ضد قوة إقليمية مثل إيران قد تهاجمها وتخطف ثروتها النفطية، لكن لم يعد ضرورياً أن يقيم الجنود الأميركيون قبالة شواطىء هذه الدول، حيث أن وجودهم يثير النزعة المعادية لأميركا ويربط الولايات المتحدة بأنظمة أوتوقراطية مشكوك في شرعتيها.
- على سبيل المثال، تعاني البحرين من قلاقل داخلية كبيرة، الأمر الذي يطرح أسئلة حول قابلية استمرار الوجود العسكري الأميركي المتنامي هناك. وقد أثبت العراق أن محاولة تنصيب أنظمة جديدة في البلدان العربية أمر مخطيء من ألفه إلى الياء. وبالتأكيد، الدفاع عن أنظمة قائمة تواجه ثورة داخلية لن يكون أسهل بأي حال.
نص واضح؟
يفترض ذلك. وهو يجب أن يدق أجراس إنذار قوية لدى كل الأنظمة الملكية التي لاتزال تراهن على أن الغرب يمكن أن يحافظ على الصفقة التي عقدها مع الإسلام السياسي الخليجي منذ الحرب العالمية الثانية، على رغم كل إنقلابات الربيع العربي.
قد يقال هنا أن باري بوسن ليس سوى صوت واحد من جمهرة أصوات في أميركا ترفض الفصل بين الصفقة الأمنية وبين التحالف السياسي بين الولايات المتحدة ودول الخليج.
وهذا صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن هذا الصوت المنفرد بات يصبح له أنصار كثر، خاصة وأن منطقة الخليج تمتص 15 في المئة من إجمالي النفقات العسكرية الأميركية المكلفة في العالم. كما أنه يندرج ضمن إطار تطورين إثنين:
الأول، قيام أميركا بقلب نوعية تحالفتها مع حركات الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، من خلال تبينها للقوى الإسلامية التي تعانق شروط العولمة الليبرالية (النماذج التركية والإندونيسية والماليزية.. ألخ).
والثاني، أن الاستراتيجية الكبرى الأميركية في العالم تمر هي الأخرى في مرحلة مخاض وتطوير وتبديل، بفعل تحوّل السلطة الاقتصادية والتجارية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهاديء، وهو مخاض لابد أن يترك تأثيرات جلى على منطقة الشرق الأوسط ومركزها الخليجي.
المنطق الانسحابي
نعود الآن إلى وجهة نظر "المعسكر الانسحابي" الأميركي لنتساءل: ما المرتكزات الفكرية - الاستراتيجية لهذا المعسكر؟
يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- استراتيجية الهيمنة الليبرالية الشاملة على العالم غير منضبطة، ومكلفة، ودموية، وهي تخلق أعداء بالقدر نفسه الذي تقتلهم فيه. كما أنها تثبط عزيمة ورغبة الحلفاء في تحمُّل أكلاف الدفاع عن أنفسهم، كما تحفز الدول القومية الأخرى على التجمع في جبهة واحدة ضد أميركا.
- على رغم أن القوة الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة انخفضت إلى حد كبير خلال العقد الماضي، إلا أن البنتاغون لايزال يحصد الأموال الطائلة والاعتمادات الهائلة. وهذا أمر لم يعد قابلاً الآن للاستمرار، لأنه يضع الولايات المتحدة تحت رحمة خطر التمدد الاستراتيجي الزائد الذي كان العامل الرئيس في تقويض كل الامبراطوريات السابقة في التاريخ.
- آن الأوان للتخلي عن استراتيجية الهيمنة الأميركية واستبدالها باستراتيجية ضبط النفس. وهذا يعني التخلي عن السعي وراء الإصلاح العالمي والاكتفاء بالعمل على حماية المصالح القومية الأميركية الضيقة، وكذلك تقليص عديد وعتاد الجيش الأميركي والتخلي عن بعض القواعد العسكرية في أنحاء العالم، وتحميل الحلفاء أكلاف الدفاع عن أنفسهم.
هذه الاستراتيجية البديلة المنضبطة، التي لاتعني بالضرورة عودة الولايات المتحدة إلى عزلتها التاريخية، يجب أن تستند فقط إلى ثلاثة ركائز لاغير:
أولاً، منع بروز منافس قوي يقلب موازين القوى العالمية الراهنة. وهذا، على أي حال، ماكانت تفعله الولايات المتحدة منذ قرن من الزمن وحتى الآن. فالاستراتيجيون الأميركيون جهدوا كي يضمنوا بألا تسيطر دولة واحدة على الكتلة البرية لقارة أوراسيا، لأن هذه الدولة ستمتلك حينئذ الموارد الكافية لتشكِّل خطراً على أميركا. وهكذا فقد خاضت الولايات المتحدة حرباَ ساخنة مع ألمانيا واليابان واخرى باردة مع الاتحاد السوفييتي لمنعها من أن تكون هي هذا الخطر. لكن، على رغم أن الصين قد تحاول لعب دور المهمين في أوراسيا، إلا أن هذا ليس وشيكاً ولا هو حتى حتمي.
ثانيا، مواصلة القتال ضد الإرهابيين. يتعيّن على الولايات المتحدة أن تحمي نفسها من تنظيم القاعدة وأشباهه. لكن هؤلاء ضعفاء للغاية ولا يشكلون أي تهديد لسيادة أميركا ووحدة أراضيها أو مواقع قوتها. وبالتالي، تستطيع أميركا ان تقاتلهم بقوة متكافئة لقوتهم وليس بشن الحروب أو بالعمل على بناء الأمم كما يحدث الآن في أفغانستان. وهذا يمكن ان يتم من خلال تكثيف العمل الاستخباري، ومطاردة الإرهابيين في الخارج، ومواصلة التعاون مع الحكومات الضعيفة الأخرى ودعمها بالتدريب والتسليح، إضافة إلى شن العمليات الخاصة وغارات الدرون (الطائرات من دون طيار).
ثالثا، وأخيرا، يجب على الاستراتيجية المنضبطة أن تهتم عن كثب بمنع انتشار الأسلحة النووية، لكن مع الاعتماد بشكل أقل على التهديد باستخدام القوة العسكرية لمنع هذا الانتشار، وبشكل أكبر على الردع، إلا إذا ماتطلب الأمر هجوماً عسكرياً وقائيا.
دعوة للتواضع
هكذا يرى أنصار الاستراتيجية المنضبطة إلى الدور الأميركي في العالم. وكما هو واضح، ليست هذه الرؤية إعادة إنتاج للنزعة الانعزالية الأميركية التاريخية، بل هي دعوة تنطلق من القلق من أن إمكانات أميركا الاقتصادية لم تعد متطابقة مع طموحاتها الاستراتيجية التي باتت تنافسها عليها قوى أخرى دولية صاعدة.
وهذا رأي اعترف به تقرير "الاتجاهات العالمية 2030" الذي وضعته 16 وكالة مخابرات أميركية وجاء فيه أنه "مع الصعود السريع لبلدان أخرى، فأن "لحظة القطبية الوحيدة" الأميركي قد ولَّت، كما أن الباكس أميركانا، وهي الحقبة التي شهدت الصعود الأميركي إلى قمرة القيادة العالمية غداة الحرب العالمية الثانية، يتبدد سريعا".
كما يؤيد هذا الرأي أيضاً الحقيقة بأن السلطة العالمية باتت تتوزع الآن بين قوى صاعدة جديدة، جنباً إلى جنب مع القوة الأميركية. وهذه القوى لاتوجد فقط في مجموعة "البريكس" (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا) بل أيضاً في مجموعة "المينت" ( المكسيك، إندونيسيا، نيجيريا، وتركيا).
وبالتالي، سيكون على الولايات المتحدة برأي أنصار الاستراتيجية المنضبطة، أن تتراجع الآن إلى مواقع جديدة أكثر تواضعاً وواقعية، وإلا  ستُجبر بعد حين على التأقلم فجأة وبشكل مؤلم وكارثي، وخطير (على حد تعبير البروفسور باري بوسن، مدير دراسات الأمن في مؤسسة ماسشوستس للتكنولوجيا).
معسكر الهيمنة
ماذا الأن عن منطق المعسكر الآخر المتمسك بمواصلة استراتيجية "الهمينة الليبرالية" الأميركية على العالم؟
وجهة نظر هذا التيار تقوم على التالي:
- منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، انتهجت الولايات المتحدة استراتيجية كبرى واحدة: الانخراط العميق في شؤون العالم. فمن أجل حماية أمنها وبحبوحتها، بنت أميركا نظاماً اقتصادياً عالمياً ليبرالياً، وأقامت روابط دفاع وثيقة مع شركاء في أوروبا وشرق آسيا والشرق الأوسط. وهذا توجُّه التزم به كل الرؤساء الأميركيون بلا استثناء.
- لكن الآن، قد تشعر واشنطن بإغراء للتخلي عن هذه الاستراتيجية الكبرى وتنسحب من العالم، بفعل صعود الصين والعجوزات الضخمة في الموازنة والتعب من الحربين المكلفتين في العراق وأفغانستان. لكن هذا سيكون خطأ فادحا: فخفض النفقات الدفاعية على مدى عشر سنوات لن يوفّر على الخزينة سوى 900 مليار دولار. ثم أن ضخامة القوة العسكرية الأميركية منعت بروز أي دولة كبرى تطمح إلى موازنتها، وهي قوة لاتكلف أميركا سوى 4،5 بالمئة من الانتاج المحلي الإجمالي، هذا في حين أن الاتحاد السوفيييتي كان يصرف على الدفاع 25 في المئة من الانتاج المحلي الإجمالي، الأمر الذي أدى إلى إفلاسه ومن ثم انهياره.
- من دون استمرار الزعامة العالمية الأميركية، ستتحول العديد من الدول، منها كوريا الجنوبية وتايوان واليابان في آسيا ومصر والسعودية وتركيا في الشرق الأوسط إلى قوى نووية، وسيصبح الاتحاد الأوروبي عاجزاً عن الدفاع عن نفسه في مواجهة روسيا والشرق الإسلامي.
- لكن الأهم من كل هذه العوامل، برأي أنصار استمرار الهيمنة الليبرالية الأميركية، هو الرابط الوثيق بين السيطرة العسكرية لأميركا وبين هيمنتها الاقتصادية.
فالاستراتيجية الاميركية الراهنة تحافظ على النظام الاقتصادي العالمي الذي أقامته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية والذي يخدم إلى حد كبير مصالحها الاقتصادية القومية. وهكذا فإن السيطرة العسكرية هي في أساس الزعامة الاقتصادية الأميركية للعالم. وفي حال سحبت اميركا وجودها العسكري من معظم المناطق، فسيكون من الصعب عليها للغاية إقناع القوى الدولية الأخرى برعاية المصالح الاقتصادية الاميركية. والحال أن الدور العالمي يسمح لأميركا أن تشكّل الاقتصاد العالمي كما ترغب وتشتهي، ويساعدها على الدفاع عن الدولار كعملة الاحتياط الرئيسة في العالم، الأمر الذي يوفَّر للبلاد مزايا ضخمة على رأسها قدرتها على استدانة المال بسهولة.
- كل هذا لايعني أنه لا يمكن، أو يجب، تعديل الاستراتيجية الكبرى كلما تطلبت الظروف ذلك. وهذا، على أي حال، مافعله الرئيس نيكسون مثلاً حين سحب اميركا من فييتنام وعوّض عن ذلك بضم الصين إليه في معركته ضد الاتحاد السوفييتي. وهذا يوضح ان التعديل ممكن من دون المس بجوهر الاستراتيجية الكبرى الخاصة بالزعامة الأميركية للعالم.
مبدأ أوباما
هذه باختصار الخلاصات العامة للتيار الأميركي الداعي إلى عدم تقليص الالتزامات الأميركية في العالم، وإلى مواصلة استراتيجية ما يسمونه "الهيمنة الليبرالية".
وكما يتضح من هذه المعطيات، منطق هذا التيار يبدأ وينتهي بفكرة رئيسة واحدة: استمرار الازدهار الاقتصادي الأميركي لم يعد ممكناً من دون استمرار الهيمنة العسكرية الأميركية على العالم: اسحب القوات والالتزامات الأمنية لحلفاء أميركا، تنهار دعائم الاقتصاد.
أي تقف إدارة أوباما في هذا التجاذب العنيف في الداخل بين تياري "التراجع" و"التقدم" الأميركي في العالم؟
يبدو حتى الآن أنها تتذبذب في "منزلة بين منزلتين"، مع ميل أكثر قليلاً إلى تيار التراجع. وهذا واضح وجلي في مايطلق عليه في واشنطن الآن استراتيجية "الاستدارة (Pivot )  أو إعادة التوازن ( Rebalancing) نحو منطقة آسيا- الباسيفيك"، بدلاً من التركيز على أوروبا- الأطلسي كما كان الأمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المسؤولان الاستراتيجيان البارزان في الشؤون الأمنية الأميركية شون بريملي وإيلي راتنر يلخصان هذه الاستدارة أو إعادة التوازن بالنقاط الرئيسة التالية:
- أوباما وصل إلى الحكم وهو على قناعة بأن حربي العراق وأفغانستان منعت الولايات المتحدة من تركيز الموارد  في آسيا التي تعتبر منطقة مركزية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية الأميركية. وهذا دفعه إلى إعادة ترتيب الأولويات الأميركية والاعتراف بالحقائق الجيو- سياسية المتغيرة للقرن الحادي والعشرين.
- هذا التوجه الجديد لايقتصر على الجوانب العسكرية بل يطال أيضاً المجالات الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وتعزيز العلاقات مع الحلفاء التقليديين وبناء علاقات أعمق مع القوى الصاعدة، بما في ذلك الصين، وتنويع المواقع العسكرية للولايات المتحدة. كما أنه (التوجه) يهدف إلى التركيز على الاهمية الجيو- سياسية لمنطقة المحيط الهندي بوصفه الطريق الرئيس للتجارة العالمية. وقد دعمت واشنطن تطور علاقات أكثر وثوقاً بين الهند وبلدان جنوب ووسط آسيا.
- واشنطن لاتسعى إلى حفز دول كفيتنام والفيلبين وغيرها على تحدي الصين، بل تعمل على  بناء نظام إقليمي آسيوي تحكمه القواعد والمؤسسات، بما في ذلك مؤسسة الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الأميركي- الصيني وحوار الأمن الاستراتيجي. والواقع أن السنوات الأربع الماضية شهدت قفزة نوعية في الانخراط الأميركي الإيجابي مع بجبينغ  أكثر من أي مرحلة أخرى في تاريخ العلاقات بين البلدين.
- في حقبة التقشف المالي الذي تمر به الولايات المتحدة، سيتطلب التركيز على منطقة آسيا- الباسيفيك خفض الالتزامات الاميركية في باقي مناطق العالم، وأيضاً على الطلب من حلفائها وشركائها في هذه المنطقة تحمُّل مسؤوليات إضافية. وهكذا يتعيّن على جيوش دول مثل استراليا واليابان وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايلاند ان تساهم بشكل أكبر في الأمن الإقليمي على مستويات متوافقة مع إمكاناتها.
هذه هي قواعد الاستدارة شرقاً نحو آسيا التي بدأت إدارة أوباما بتطبيقها. وهي، كما هو واضح، تتكوّن من عنصرين إثنين: العمل على إصلاح وتصحيح مسار الاقتصاد الاميركي في الداخل، وتقليص النفقات والأعباء والالتزامات الأميركية في الخارج.
الرئيس أوباما كرّس جل خطابه أوائل العام 2013 عن حال الاتحاد على الشأن الاقتصادي الداخلي، بوصفه المدخل لتعزيز الزعامة الأميركية العالمية. وهو أطلق على هذه المهمة وصف " إعادة إشعال" الآلة الاقتصادية الأميركية. وهذا يشمل خفض العجوزات وجبل الديون الضخمة، وإعادة تصنيع أميركا، والتركيز على تكنولوجيات الطباعة ذات الأبعاد الثلاثة (3-D printing ) التي تحدث الآن ثورة كبرى في كل مجالات الانتاج الصناعي، وبيوتكنولوجيا الجينوم، والنفط والغاز الحجري (shale oil and gas ) الذي سيمنح الولايات المتحدة قريباً اكتفاء ذاتياً من الطاقة.
وحين تطرق أوباما إلى السياسة الخارجية، كان ملفتاً أنه ركّز على رفض شن حروب ضد الإرهاب والاكتفاء بمساعدة الدول الأخرى على محاريته، والعمل على منع انتشار الأسلحة الخطرة (لدى إيران وكوريا الشمالية)عبر الدبلوماسية، وحماية الوطن الأميركي من الهجمات الالكترونية. كما أنه شدد على ضرورة تسريع المفاوضات حول الشراكة التجارية عبر كلٍ من المحيطين الهاديء في آسيا والاطلسي في أوروبا.
وكل هذا يشي بأننا نقف بالفعل أمام مرحلة جديدة في التوجهات الخارجية الأميركية، قوامها الضبط الاقتصادي "القومي" في الداخل، وخفض الالتزامات (والحروب) الأميركية في الخارج، وإعادة تركيب نظام العولمة الأميركي بما يخدم هدفين في آن: احتواء صعود الصين، ومواصلة  ترسيخ الزعامة الأميركية على العالم.
ومن بطن هذه التوجهات الجديدة، تولد الآن سياسة خارجية أميركية جديدة في الشرق الأوسط. سياسة وصفها الكاتب الأميركي ديفيد أغناتيوس بأنها قد تشبه في عمقها وخطورتها الانفتاح الأميركي على الصين في الستينيات أو حتى حقبة نهاية الحرب الباردة في التسعينيات.
فما هي ملامح هذه الاستراتيجية الشرق اوسطية الجديدة؟ وما فرص نجاحها؟
(للحديث صلة)

سعد محيو


الثلاثاء، 24 سبتمبر 2013

هل هي بداية نهاية الزعامة الغربية للعالم؟



- I -
السؤال الكبير الذي طُرِح غداة تراجع الرئيس الأميركي أوباما في اللحظة الأخيرة عن الضربة العسكرية لسورية لايزال كبيرا: هل بدأ الانحسار الامبراطوري الأميركي الكبير في العالم، أم أن الأمر شبيه بما حدث في الستينيات حين انسحبت أميركا من الهند الصينية ثم عاودت، بنجاح، الهجوم الاستراتيجي الشامل في العالم؟

(حين توافر بديلهاـ  سقطت الامبراطورية العثمانية (اللوحة من غوغل

الإجابة على هذا السؤال ليست بالأمر الهين. إذ أنها  يجب أن تنتظر إما نهاية ولاية أوباما الحالية بعد ثلاث سنوات بصفتها المسؤولة عن تخبط الزعامة الاميركية على هذا النحو الخطير، أو أن تقوم إدارة أوباما نفسها بخطوات مفاجئة في السياسة الخارجية لمحاولة استعادة زمام المبادرة الدولية.
بيد أن مجلة إيكونوميست، الرزينة عادة، لم تنتظر بل هي قفزت فوراً إلى التشديد على مسألة الانسحابية الأميركية، من خلال شن حملة عنيفة للمرة الأولى على الرئيس الأميركي أوباما والدول الأوروبية الأخرى، واتهمتهم باضعاف الغرب وضعضعة موقعه في العالم. كما توقعت أن تنشط روسيا والصين الآن لـ"ملء" الفراغ الذي يتركه الغرب في العالم.
وأضافت المجلة، في مقال احتل غلافها وافتتاحيتها الرئيس هذا الأسبوع، أن "روسيا أضعف كثيراً من أن تستعيد النفوذ السوفييتي السابق في الشرق الأوسط، لكن أداء الغرب في الأزمة السورية بعد عقد من غزو العراق، أوضح إلى أي مدى تقلّص النفوذ الغربي. والمؤسف أن قلة من الأميركيين والأوروبيين يهتمون بذلك".
الافكار الرئيسة الأخرى في الافتتاحية:
-  صفقة نزع السلاح الكيميائي السوري مهلهلة. صحيح أن أوباما احتفظ بحق استخدام القوة العسكرية وأن بوتين قد يريق ماء وجهه إذا ما خرق الرئيس الأسد الاتفاق، إلا أن ما يهم هذا الأخير ليس اضعاف الأسد بل الظهور بمظهر المتساوي مع الولايات المتحدة. ولأنه يعلم أن أوباما يحتاجه، فإنه قد يعمد إلى إطالة الأزمة السورية.
- صدقية الولايات المتحدة قد تقوّضت، ليس فقط في سورية بل أيضاً في الشرق الأوسط. وهذا عكس ماحدث غداة نهاية الحرب الباردة حين تصرّف الغرب بتصميم وخيال خصب. إن مشكلة الغرب الكبرى تكمن في الأرث المُشل لحربي العراق وأفغانستان. ومما  فاقم من هذه الأزمة ضعف الاقتصاد في أوروبا والسياسات الحزبية الشرسة في أميركا.
- والآن، فإن كل طاغية في العالم يعرف أن الخطوط الحمر التي يضعها زعيم العالم الحر ليست أكثر من مجرد تهديد ويحتاج إلى موافقة الكونغرس عليها. ولذا فهو سيكون حراً وطليق اليد في ذبح شعبه واقتناء أسلحة الدمار الشامل. كما أن روسيا والصين ستكونا أكثر تصميماً على اختبار عضلاتهما في الفراغ الذي يتركه الغرب.
- II -
صحيح أن الأيكونوميست اختتمت افتتاحيتها بالقول أن "الغرب ليس في انحدار لايرحم نحو التهميش. الأمر أبعد كثيراً من ذلك. فالاقتصاد الأميركي يستعيد عافيته والفورة في النفط والغاز الصخريين قوّضت الاوتوقراطيات التي تتغذى من الطاقة"، إلا أنها عادت إلى الشكوى من تدهور مصداقية الغرب وضعفه.
فهل يعني ذلك أنها تميل إلى الاطلالة على التراجع الغربي الراهن بوصفه انحساراً تاريخياً للزعامة الغربية في العالم؟
لايبدو أن الأمر كذلك.
لكن هنا ثمة ماقد يكون أدهى. فصورة التقهقر الغربي ستكون واضحة وفاقعة بالنسبة إلى  قوى كبرى أو صاعدة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل والنمور الآسيوية، هذا ناهيك عن دول حليفة لأميركا كاليابان وكوريا الجنوبية واندونيسيا التي لن تقرر على الأرجح الانتظار لمعرفة ما إذا كان التراجع الأميركي تكتيكياً أو استراتيجيا، مؤقتاً أو دائما، بل ستبدأ من الآن بالبحث عن حلفاء جدد في نظام عالمي جديد.
وإذا ماحدث ذلك، والأرجح أنه سيحدث إذا ما استمر التخبط الأميركي، فسنكون فعلاً أمام منعطف تاريخي كبير في النظام الدولي.
 لماذا؟
لأن التاريخ يعلمنا أنه يمكن للامبراطوريات الكبرى أن تنحدر وتبقى على قيد الحياة طويلا من دون أن تسقط، إذا لم يتوافر بديل لها. أما إذا ماتوافر هذا البديل، كما حدث مثلاً مع الامبراطوريات الرومانية والفارسية والعثمانية والبريطانية، فإن الانحدار سيعني حتما الاندثار.

سعد محيو

_____________________________


السبت، 30 مارس 2013

"حرس امبراطوري" أميركي جديد للعالم


القوات الخاصة الاميركية: دور جديد وكبير (الصورة من غوغل


- I -

انتهى دور الحروب الإقليمية الكبيرة، وجاء دور حروب القوات الخاصة الامبرطورية.
هذه كانت الخلاصة التي خرج بها أمس الكاتب الأميركي المقرّب من البنتاغون ديفيد أغناتيوس حول الدور العسكري الجديد للقوات الأمبراطورية الاميركية، والتي تضمنت أيضاً النقاط الرئيسة التالية:
- سوكوم (وهي الحروف الأولى لقيادة العمليات الخاصة الأميركية)، بدأت بناء شبكة عالمية من القوات الخاصة تغطي معظم الكرة الأرضية، في الوقت نفسه الذي تنسحب فيه الجيوش الأميركية من ساحات معارك العقد الماضي.
-  القوات الخاصة ستكون أمضى سلاح في يد الولايات المتحدة لمكافحة الارهاب والتطرف في عالم بات إلى حد كبير بلا حدود قومية.
- في معظم الأحيان، ستعمل هذه القوات على تدريب وتسليح قوات خاصة محلية في الدول التي تعمل فيها، بهدف استخدامها وفق توجيهات قيادة سوكوم.
هذا التطور كان رداّ عملياً على السؤالين اللذين  أطلّا برأسيهما بعد تعثّر مشروع المحافظين الجدد الاميركيين في العراق وأفغانستان: هل هذه بداية النهاية لمبدأ بوش حول " الحروب الاستباقية "، وهل يعني ذلك بدء إنحسار القوة العسكرية الاميركية في العالم ؟
بيد أنه يبدو واضحاً الأن، وحتى قبل ولادة قيادة سوكوم، أن فترة  حياة  هذين السؤالين لم تتجاوز عمر الزهور. إذ سرعان ما تحركّت النخبة السياسية الحاكمة الاميركية بشطريها الديمقراطي والجمهوري للتأكيد على أن جوهر التوجهات الامبراطورية الاميركية في العالم باق على حاله، وان التغيير ( إذا ما كان ثمة تغيير ) سيقتصر على الشكل لا المضمون.
وبدورهم، المخططون العسكريون الأميركيون لم يفهموا من مأزق العراق سوى انه مناسبة لخوض الحروب بوسائل أخرى. وهكذا فأنهم يعملون الان لجعل الحروب  اكثر كثافة وفعالية  وأقل تكلفة مادية وبشرية. كيف؟  عبر التوفيق بين  " مبدأ باول " ( الداعي الى تحديد الاهداف الواضحة، وإستخدام القوة الكاسحة، وبلورة إستراتجية الخروج، قبل شن الحرب ) ، وبين " مبدأ رامسفيلد ( الذي يركّز على إستخدام قوات اميركية صغيرة تتمتع بحرية بحرية مناورة واسعة، وعلى عمليات القوات الخاصة، والقوة الجوية ذات التكنولوجيا السوبر متطورة ) .
ويبدو ان مأزق العراق سَرع  الوصول الى هذه الاستراتيجية التوفيقية.
فقد تكهّن الكاتب الاميركي براد نيكربوكر أنه من بين كل فروع القوات المسلحة، ست القوات الخاصة في الجيش البري الاميركي الاكثر تأثرا بدروس الحرب العراقية. إذ هي ستبدأ إستعدادتها للانغماس في النزاعات السياسية المعقدة، ومواجهة التمردات، وعمليات حفظ السلام، بدل التركيز على الحروب النظامية.
- II -
هل هذه التغّيرات في دور وتركيبة الجيش الأميركي ، نجمت كلها عن " دروس "  حرب العراق ؟.
كلا !.
هذه الحرب  لم تخلق هذه التغيّرات ،  بل سرّعت وتيرتها فحسب.
فبعد نهاية الحرب الباردة، إكتشفت الولايات المتحدة ان غياب العدو الرئيس الوحيد عن ساحة المعركة ( الاتحاد السوفييتي )، لم يعن تبخر التحديات التي  قد تبرز في أي مكان،  بما في ذلك الداخل الاميركي ضد المصالح والزعامة الاميركية في العالم.
وهنا ولدت إستراتيجية الامن القومي الجديدة، والتي تطلبت في الدرجة الاولى بدء تغيير الجيش الاميركي من قوة نظامية الى وحدات إمبراطورية،  شبيهة الى حد ما بوحدات الحرس الامبراطوري الروماني التي كانت تتنقل في كل انحاء العالم لقمع تمردات " البرابرة ".
الجيش الاميركي بات يطلق على نفسه الان إسم " القوة الموضوعية "، ( للتمّيز  عن القوة الذاتية النظامية السابقة ) ، وهو يضع لنفسه الاهداف الاتية :
1-     العمل على نقل فرقة عسكرية اميركية الى أي مكان في العالم خلال 96 ساعة، لأن التحديات الامنية غير المتوقعة في العالم تتطلب مثل هذه السرعة. النموذج: حرب أفغانستان .
2-     إتباع المرونة في التعاطي مع الانماط المختلفة من الحروب، حيث أن بعض  المجابهات تتطلب وحدات عسكرية كبيرة ( العراق ) ، فيما تكفي مع  بعضها الاخر  الوحدات الصغيرة ( أفغانستان ، الصومال، الفيليبين  .. ألخ ) .
3- بغض النظر عن طبيعة المهمة او المكان، يتعّين على وحدات الجيش الصغيرة التي ترسل بشكل روتيني الان الى ما وراء البحار، أن تتمتع بجهوزية  للتحرك في أي وقت، والى أي مكان.
- III -
في أي إطار يجب وضع هذا المشروع العسكري العالمي الطموح و" المستدام"  الذي تضعه أميركا لنفسها ؟.
في إطار المفهوم الإمبراطوري بالطبع.
 فعلى رغم أن بعض  الأميركيين لازال مترددا في وصف " القوة المفرطة " الاميركية على أنها إمبراطورية، إلا أن هذه التحفظات بدأت تنحسر بالتدريج لصالح ما يصفه محللون اميركيون بـ " حق الولايات المتحدة بأن تكون إمبراطورية عالمية ، بسبب قيمها ومبادئها إضافة الى قوتها "  .
هذا، على سبيل المثال، مايراه الجنرال وليان أودوم وروبرت دوجاريك ، مؤلفا كتاب " إمبراطورية اميركا غير المقصودة "، اللذان يشددان على أن الولايات المتحدة تهيمن على العالم بوسائل لم تعرفها الامبراطوريات السابقة أبدا. فالثقافة الاميركية تسيطر على كل مجالات الحياة في غالبية الدول. والقوة الاميركية هي قوة أكاديمية، وعلمية، وإقتصادية، إضافة الى كونها عسكرية. وحقيقة أن الامبراطورية الاميركية برزت من دون قرار واع من جانب زعماء اميركا السياسيين، هو ما يجعلها " إمبراطورية غير مقصودة "، لكنها في الوقت ذاته إمبراطورية  ضرورية .
لا بل يقول محللون أميركيون الان أن الامبراطورية الاميركية ليست ضرورية وحسب، بل لا غنى عنها أيضا. وهذا  هو جوهر الدراسة التي نشرها مؤخرا  المفكر الاميركي نيل فيرغوسون في دروية " فورين بوليسي  " بعنوان " عالم من دون قوة  ". فهو رسم صورة مخيفة عما  يمكن أن يحدث للعالم، إذا ما قررت الولايات المتحدة التخلي عن الزعامة  العالمية والعودة الى العزلة . وهو يرى ان البشرية ستعود حينذاك الى الحال الذي كانت عليه في القرنين التاسع والعاشر ميلادي ، الذي شهد تراجع الامبراطوريات البيزنطية والاسلامية والصينية ، وتفكك وتذرر العالم الى شظايا سياسية متحاربة  ومتقاتلة.
ويضيف ( وهنا الاهم ) ان السمة الرئيس لهذين القرنين،  اللذين إنحسرت عنهما القوة الامبراطورية ، هو غياب التوجهات العلمانية  وغلبة الصراعات الدينية على جداول الاعمال السياسية . ففي القرن التاسع، مزقّ الخلاف حول دور الايقونات في العبادة المسيحية الامبراطورية البيزنطية. وفي القرن الحادي عشر نشبت الحروب بين البابا وبين رأس الامبراطورية الجرمانية المقدسة حول من يحق له تعيين الاساقفة. وفي العالم الاسلامي حكم الائمة ورجال الدين بشكل فعلي. وقد إنتهت هذه الحقبة  بحروب مقدسة غير عادية هي الحروب الصليبية  التي دشنها الاوروبيون العام 1095 .
الرسالة هنا واضحة : من دون هيمنة الامبراطورية الاميركية على العالم، وفي غياب أي بديل أو منافس جدّي  لهذه القوة المفرطة،  سيغرق هذا العالم في ظلام قرون وسطى دامسة جديدة !.
ولتجنب هذا المصير ، سيكون على العالم الامتثال لأملاءات القوة الاميركية المفرطة ، لا بل أيضا  الترحيب بالتدخلات الاميركية في كل مكان، بما في ذلك بالطبع التدخلات العسكرية.
والحال أن جميع فئات النخب الاميركية الحاكمة تبدو مقتنعة تماما بهذه الفكرة، يستوي في ذلك الديموقراطيين كما الجمهوريين، الليبراليين كما المحافظين ، وحتى أيضا القوى اليسارية الاميركية المعادية للامبريالية التي ترى هي الاخرى ( كما في كتاب " الامبراطورية لنيغري ) أن القوة الاميركية  ليست لا إستعمارا جديدا ولا إمبريالية مستجدة ولا حتى طفرة قومية زائدة ، بل هي إمبراطورية من نوع جديد تدمج  العالم وتندمج به.
وبهذا المعنى ، تصبح اميركا هي العالم ، وتتحول قواتها الى فرق عسكرية في خدمة " إمبراطورية العولمة " ، التي هي الوجه الاخر الحقيقي للأمركة.
قد يعجب هذا الكلام بعض أنصار العولمة ، وقد يثير غضب غالبية الاطراف  التي ترفض ان تكون " خدما " في بلاط الامبراطورية الاميركية ( كما اعلن جاك شيراك قبل سنوات ). لكن هذا لن يغّير من الامر شيئا : القوة الاميركية المفرطة لن تقبل بأقل من الهمينة التامة على "حديقتها العالمية" الشاسعة.
سعد محيو


                                                                              



الاثنين، 18 فبراير 2013

لماذا يجب أن تتراجع أميركا في العالم؟ (الحلقة الأولى)


- I -
أميركا، كما أشرنا بالأمس في هذه الزاوية، منقسمة إلى معسكرين: الأول، يدعو إلى التمسُّك بالاستراتيجية الكبرى الراهنة، الهادفة إلى مواصلة "الهيمنة الليبرالية" الاقتصادية والعسكرية والسياسية على العالم، والثانية تحذّر من أن الوقت أزف للتخلي عن هذه الاستراتيجية وتقليص الدور الأميركي  إلى حد كبير في الشؤون الدولية.
القوة العسكرية الأميركية : إلى الوراء در؟ (الصورة من غوغل

سنأتي إلى رأي المعسكر الأول في الحلقة التالية من هذه السلسلة. لكن، فبما أن هذا التيار يكرر مقولات سابقة (ومطبقة أصلاً في السياسة الخارجية الأميركية حاليا)، يستحسن أن نبدأ بالمعسكر الثاني.
يمكن تلخيص وجهة نظر هذا الفريق في النقاط التالية:
- استراتيجية الهيمنة الليبرالية الشاملة على العالم غير منضبطة، ومكلفة، ودموية، وهي تخلق أعداء بالقدر نفسه الذي تقتلهم فيه. كما أنها تثبط عزيمة ورغبة الحلفاء في تحمُّل أكلاف الدفاع عن أنفسهم، كما تحفز الدول القومية الأخرى على التجمع في جبهة واحدة ضد أميركا.
- على رغم أن القوة الاقتصادية النسبية للولايات المتحدة انخفضت إلى حد كبير خلال العقد الماضي، إلا أن البنتاغون لايزال يحصد الأموال الطائلة والاعتمادات الهائلة. وهذا أمر لم يعد قابلاً الآن للاستمرار، لأنه يضع الولايات المتحدة تحت رحمة خطر التمدد الاستراتيجي الزائد الذي كان العامل الأساس في تقويض كل الامبراطوريات السابقة في التاريخ.
- آن الأوان للتخلي عن استراتيجية الهيمنة الأميركية واستبدالها باستراتيجية ضبط النفس. وهذا يعني التخلي عن السعي وراء الإصلاح العالمي والاكتفاء بالعمل على حماية المصالح القومية الأميركية الضيقة، وكذلك تقليص عديد وعداد الجيش الأميركي والتخلي عن بعض القواعد العسكرية في أنحاء العالم، وتحميل الحلفاء أكلاف الدفاع عن أنفسهم.
- II -

هذه الاستراتيجية البديلة المنضبطة، التي لاتعني بالضرورة عودة الولايات المتحدة إلى عزلتها التاريخية، يجب أن تستند فقط إلى ثلاثة ركائز لاغير:
أولاً، منع بروز منافس قوي يقلب موازين القوى العالمية الراهنة. وهذا، على أي حال، ماكانت تفعله الولايات المتحدة منذ قرن من الزمن وحتى الآن. فالاستراتيجيون الأميركيون جهدوا كي يضمنوا بألا تسيطر دولة واحدة على الكتلة البرية لقارة أوراسيا، لأن هذه الدولة ستمتلك حينئذ الموارد الكافية لتشكِّل خطر على أميركا. وهكذا فقد خاضت الولايات المتحدة حرباَ ساخنة مع ألمانيا واليابان واخرى باردة مع الاتحاد السوفييتي لمنعها من أن تكون هي هذا الخطر. لكن، على رغم أن الصين قد تحاول لعب دور المهمين في أوراسيا، إلا أن هذا ليس وشيكاً ولا هو حتى حتمي.
ثانيا، مواصلة القتال ضد الإرهابيين. يتعيّن على الولايات المتحدة أن تحمي نفسها من تنظيم القاعدة وأشباهه. لكن هؤلاء ضعفاء للغاية ولا يشكلون أي تهديد لسيادة أميركا ووحدة أراضيها أو مواقع قوتها. وبالتالي، تستطيع أميركا ان تقاتلهم بقوة متكافئة لقوتهم وليس بشن الحروب أو بالعمل على بناء الأمم كما يحدث الآن في أفغانستان. وهذا يمكن ان يتم من خلال تكثيف العمل الاستخباري، ومطاردة الإرهابيين في الخارج، ومواصلة التعاون مع الحكومات الضعيفة الأخرى ودعمها بالتدريب والتسليح، إضافة إلى شن العمليات الخاصة وغارات الدرونز (الطائرات من دون طيار).
ثالثا، وأخيرا، يجب على الاستراتيجية المنضبطة أن تهتم عن كثب بمنع انتشار الأسلحة النووية، لكن مع الاعتماد بشكل أقل على التهديد باستخدام القوة العسكرية لمنع هذا الانتشار، وبشكل أكبر على الردع، إلا إذا ماتطلب الأمر هجوماً عسكرياً وقائيا.
- III -

هكذا يرى أنصار الاستراتيجية المنضبطة إلى الدور الأميركي في العالم. وكما هو واضح، ليست هذه الرؤية إعادة إنتاج للنزعة الانعزالية الأميركية التاريخية، بل هي دعوة تنطلق من القلق من أن إمكانات أميركا الاقتصادية لم تعد متطابقة مع طموحاتها الاستراتيجية التي باتت تنافسها عليها قوى أخرى دولية صاعدة.
وهذا رأي اعترف به تقرير "الاتجاهات العالمية 2030" الذي وضعته مؤخراً 16 وكالة مخابرات أميركية وجاء فيه أنه "مع الصعود السريع لبلدان أخرى، فأن "لحظة القطبية الوحيدة" الأميركي قد ولَّت، كما أن الباكس أميركانا، وهي الحقبة التي شهدت الصعود الأميركي إلى قمرة القيادة العالمية غداة الحرب العالمية الثانية، يتبدد سريعا".
كما يؤيد هذا الرأي أيضاً الحقيقة بأن السلطة العالمية باتت تتوزع الآن بين قوى صاعدة جديدة، جنباً إلى جنب مع القوة الأميركية. وهذه القوى لاتوجد فقط في مجموعة "البريك" (البرازيل، روسيا، الهند، والصين) بل أيضاً في مجموعة "المينتس" ( المكسيك، إندونيسيا، نيجيريا، وتركيا).
وبالتالي، سيكون على الولايات المتحدة برأي أنصار الاستراتيجية المنضبطة، أن تتراجع الآن إلى مواقع جديدة أكثر تواضعاً وواقعية، وإلا  ستُجبر بعد حين على التأقلم فجأة وبشكل مؤلم وكارثي، وخطير (على حد تعبير البروفسور باري بوسن، مدير دراسات الأمن في مؤسسة ماسشوستس للتكنولوجيا).
ما رد أنصار نظرية "الهيمنة الليبرالية" على أصحاب استراتيجية  ضبط النفس؟
(غدا حلقة ثانية)

سعد محيو


الأحد، 16 سبتمبر 2012

مطالعات: الطريق المضمون إلى الجحيم



مطالعات

 

كتابان يحذّران من مخاطر إستبداد الأقلية الغنية بأميركا والعالم

الطريق المضمون إلى.. الجحيم


- I -

طيلة السنوات التي تلت أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، كان السؤال الذي ركَز عليه كبار الأكاديميين الاميركيين (وفي مقدمهم المؤرخ برنارد لويس) هو : ماذا حدث خطأ في الحضارة والعالم الأسلاميين؟.



بالطبع، السؤال لم يكن بريئاً. وهو إستهدف القول أن مشكلة تفجُّر العالم الأسلامي،  سببها هذا العالم نفسه وليس السياسات الاميركية  حياله. المشكلة، بكلمات أوضح،  في الداخل الأسلامي وليس في الخارج الغربي.

لكن يبدو أن التاريخ أراد ان يلعب لعبته الساخرة مجدداً. فما هي إلا أشهر قليلة على شعار " ماذا حدث خطأ في   العالم الأسلامي" ، حتى برز شعار مماثل : ما حدث ويحدث خطأ في اميركا نفسها‍. وهذا على كل  الصعد الأقتصادية والأيديولوجية والسياسية والأخلاقية‍ ‍!

لكن، لماذا وكيف؟


- II -

بين أيدينا كتابين يوفران خريطة طريق تقود إلى بعض الأجابات.

الكتاب الاول لبول كروغمان ( 1 ). وهو يعالج مسألة أساسية هي أنّ التفاؤل المفرط الذي ساد الولايات المتحدة في أواخر التسعينيات، حلّ محلّه تشاؤم مفرط نتيجة "للزعامة الرديئة التي تفتقر الى الصدقية، خصوصا في القطاع الخاص و في أروقة النفوذ السياسي".

و يعزو المؤلف هذا المأزق الى المشكلات التي انهمرت على ادارة الرئيس بوش التي تعتبر نفسها قوة ثورية لا يقبل قادتها الخضوع إلى شرعية النظام السياسي القائم في الولايات المتحدة. أنّهم متطرفون يتنكرون بثياب الاعتدال. و لذلك يحلل المؤلف نوازعهم على مستوى القضايا الرئيسية التي يعالجون، خصوصا مسألة الضرائب و خطط الضمان الاجتماعي، التي تقوم، في رأيه، على "معادلات حسابية مزيفة".
و لى الرغم من كون بول كراغمان كاتباً إقتصادياً محترفاً و ذائع الصيت، غير أنّه يعّول في الكتاب الذي بين أيدينا، ليس على لغة الأرقام بل على التحليلات السياسية والتصورات الاجتماعية،  و ذلك لكشف ما يصفه بـ  "الارتكابات"  التي تقوم بها الشركات  الضخمة، وأيضا  لكشف  أسباب صعود و هبوط أسعار الأسهم. وهوي تفحّص الثغرات في الموازنة الفيدرالية ومستقبل الضمان الاجتماعي الذي سرعان ما تحوّل الفائض فيه الى عجز لافت للنظر.
 كما ينحو الكاتب  باللائمة على الوسائط الاعلامية المختلفة لافتقارها الى التشكك المهني المطلوب ازاء معالجة مختلف القضايا الجوهرية، و لفشلها في توخي الدقة حيال القضايا الاقتصادية و التجارية. وفي أيّ حال، يقارب كراغمان هذه المروحة الواسعة من أكثر القضايا حساسية في الداخل الأميركي على نحو من توفير الشواهد و الدلائل،  لتعزيز تصوراته حول الفساد المعشش في مجالات الاقتصاد و السياسة و التجارة.
و لكون الكاتب واحدا من أكثر الاقتصاديين أهمية في الولايات المتحدة و أوروبا و العالم، ناهيك بالصدقية العالية التي يتمتع بها في الأوساط الأكاديمية في بلده، فقد حقق مؤلفه انتشارا واسعا متجاوزا بذلك سلسلة الكتب التي تناولت الفضائح السياسية لادارة الرئيس بوش التي صدرت في الأشهر الاثني عشر الأخيرة و كان لها وقع الزلزال في أوساط النخب الفكرية في الولايات المتحدة. و هو لايتجاهل أيّا من الفضائح الكبرى التي أثارت لغطا واسعا، منذ أن تولى بوش سدة الرئاسة في العام ۲۰۰۰، و على رأسها الكواليس السرية لأزمة الطاقة في كاليفورنيا، وصولا الى  الكشف عن سوء الائتمان السياسي و الأخلاقي لادارة الرئيس بوش و تورط هذا الأخير والمحسوبين عليه، وخصوصا نائبه ديك تشيني، في فضائح مالية مع شركات ضخمة من بينها "هاليبورتن".

أين الطريق ؟

و المهم، في هذا السياق، انّ كراغمان لايتردد أبدا في التأكيد على أنّ الولايات المتحدة، ضلَّت طريقها الأخلاقي و أساءت الى الأجيال التي ترى فيها قدوة لها. كما يرسم في كتابه ما يسمّى بخريطة طريق تحتاج اليها السلطة السياسية في واشنطن و الرقابة المالية على الشركات الكبرى لإعادة الولايات المتحدة الى الطريق القويم. و يستدل على ذلك بالقول انّ ثمة ما يدعو الى الاعتقاد انّ هيمنة الشركات العملاقة على آلية الأسواق في الولايات المتحدة قد تجاوزت كل الخطوط الحمر و الخضر، الى درجة انّ هذه الأخيرة أصبحت شبيهة بالشرنقة السوفياتية التي كان ينسجها الحزب الشيوعي الحاكم في الكرملين.
و يأسف الكاتب لانّ الأميركيين لا زالوا موقنين بانّ زعمائهم في الحزبين الديمقراطي والجمهوري، هم أصحاب رؤية و مبادئ. و هم ليسوا كذلك في حقيقة الأمر. و يطرح، في هذا السياق عشرات الأسئلة التي يعجز الأميركيون عن الاجابة عنها، غير أنّه يسعى الى تحليلها مستنبطا ما قد يشكل تفسيرا لظاهرة الفساد الشامل في الحياة العامة للولايات المتحدة، من بينها: لماذا يصار الى الاستغناء عن الموظفين الذين أنهوا العقد الخامس من عمرهم و ليس في سجلاتهم ما يشير الى أيّ شائبة في ادائهم المهني؟ الجواب ببساطة هو أنّ هذه الوظائف قد تم الغاؤها لأنّها لم تعد ذات جدوى اقتصادية. و لكن ألا يعتبر اجراء كهذا انتهاكا لحقوق الانسان الذي يسلخ من عمله و من ثم يلقى به في الشارع؟ لماذا يتمكن المختلسون في شركة (انرون) ،  التي سبب افلاسها بأكبر فضيحة مالية شهدتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش، من الافلات من العقاب و هم الذين أربكوا الاقتصاد القومي و ألحقوا أفدح الأضرار بالمصارف و المساهمين و الأسواق؟ لماذا تقدم الولايات المتحدة على قصف بلدان تصنف مارقة بينما تثبت الدلائل على أنّ الأسباب التي دعت الى ذلك، واهية فعلا، في وقت تتهم الولايات المتحدة الصين و كوريا الشمالية و بلدانا أخرى كثيرة بانتهاك حقوق الانسان؟ لماذا يستمر المحافظون في المطالبة بتقليص حجم الدولة، و مع ذلك يدعمون سياسات الرئيس المالية التي تتسبب بعجز خطير في خزينة الولايات المتحدة؟ الأسئلة كثيرة في الكتاب، يطرحها المؤلف دلالة على "اهتراء البنية السياسية الاجتماعية الثقافية في الولايات المتحدة، و تراجع الهامش الأخلاقي لدى أولئك الذين يدعون انّهم يتولون مسؤولياتهم على أكمل وجه".
- III -
الكتاب الثاني هو لايمي تشوا ( 2 ) .
 تتساءل الكاتبة في مطلع الكتاب عمّا اذا كان يحقّ لأميركيين كثر أن يعتبروا انّ اطلاق الحوافز للأسواق في ظل من التوافق العالمي على حرية التجارة و الاستثمار، من شأنه أن يسفر عن تحسن جذري للأوضاع الاقتصادية على الساحة الدولية، وعن إنسجام داخلي في كل من الدول التي تعتمد هذه النظرية الاقتصادية، و تعاون واسع بين الديمقراطيات، قديمها و الجديد ؟
و تجيب عن هذا التساؤل بسؤال آخر، مغزاه أنّه هل تؤدي الأسواق المفتوحة و الحوافز الشعبية، على هذا الصعيد، الى حركة ارتجاعية يمكن استخدامها لتبرير التسلط من قبل قلةّ متنفذة؟ وتضيف أنّ الأسواق المفتوحة واسعة النطاق، في حال جرى تقديمها، على نحو طائش وعشوائي، كما هو الحال في معظم الأحيان، قد تشكل سببا يبعث على تفاقم الكراهية بين مختلف الجماعات، اضافة الى العنف المذهبي و العرقي في العالم الذي يقع خارج دائرة الديمقراطيات الغربية.
و تؤكد الباحثة أنّه في خضم السعي الى تبني مفهوم ديمقراطية الأسواق الحرة بوجود أقلية تهيمن على الأسواق، فانّ النتيجة المتوقعة، على الأرجح، في هذا المجال، تتمثل في حركة ارتجاعية لا محالة. و تتجسد هذه الأخيرة في واحد من أشكال ثلاثة: أولها نزعة عنيفة ضد الأسواق تستهدف، بالدرجة الأولى، ثروات الأقلية المهيمنة. و ثانيها حركة عنيفة ضد الديمقراطية يقوم بها أولئك المستفيدون من هيمنة الأقلية على الأسواق المفتوحة. و ثالثها، نشوء العنف الذي يتخذ أحيانا شكل الابادة الجماعية، و هو موجَّه، على نحو رئيسي، ضد الأقلية المهيمنة على اقتصاد الأسواق المفتوحة.
و في أيّ حال، تجتهد هذه الدراسة في اضاءة جوانب واسعة من النماذج العالمية على مستوى ممارسة العنف من دون أيّ محاولة للتقليل من أهميتها أو تبسيطها بشكل يدعو الى الابتزال. ولذلك، تسعى الكاتبة الى الكشف، بجرأة كبيرة تثير الدهشة، عن المرتكزات الاثنية للسياسة الدولية، توصلا الى التعبير عن قناعة تشير الى أنّ الاستراتيجيين الاميركيين الذين يخططون، على مستوى العالم ككل، و نظرائهم الذين يناقضون هذه التوجهات الكونية، يتغافلون عن الأبعاد الاثنية للتفاوت الواسع في الأسواق التجارية المفتوحة في العالم، و يركزون انتباههم فقط على الصراع القائم بين الطبقات الاجتماعية أكثر منه الصراع بين الاثنيات.
مهما يكن، فانّ الكتاب لن يكون مستساغا من قبل أولئك الذين يرغبون في اقامة أنواع من الأسواق المفتوحة على طريقة الديموقراطية الأميركية. ذلك انّ المؤلفة تحاول أن تضع ضوابط أو حدودا لنقاش كهذا يقوم على اظهار التأثيرات الجانبية الضارة لعملية تحرير الأنظمة الاقتصادية و تطوير الأنظمة السياسية في اتجاه الابتعاد عن حكم الفرد. و هي تدعو، في هذا الاطار، الى دق ناقوس الخطر نتيجة للأبعاد المأسوية أو المدمرة التي قد تنتج عن تغيير طبيعة هذه الأنظمة الاقتصادية على طريقة الليبيرالية الأميركية، ما لم يجر ارشادها أو استيعابها، أو على الأقل، التمهيد لهذه النقلة النوعية بكثير من الحذر و الشفافية، خوفا من أن تتحول هذه المجتمعات فعلا الى جحيم قد تمتد نيرانه على الساحة الدولية برمتها.
__________________________________________________


(1)  : الكشف الأكبر- ضللنا طريقنا في القرن الحادي و العشرين .
الكاتب: بول كراغمان . الناشر: W.W. Norton & Company 
( 2 ) الجحيم الكوني. ايمي تشوا . الناشر Doubleday