للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رومني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رومني. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

الأميركيون يختارون غداً بين حدود القوة أو "جنونها"





- I -
قبل ساعات من توجّه عشرات ملايين الأميركيين إلى أقلام الاقتراع، كانت كل معطيات الحملة الانتخابية تصب في حصيلة واحدة: لم ينجح أي من أوباما ورومني لا في طرح أفكار خلاقة وطموحة حول كيفية "إعادة بعث" أميركا، ولا في إقناع الناخبين بأنهما يملكان خريطة طريق واضحة لمواجهة التحديات الجسام التي تعترض الولايات المتحدة.
رومني وأوباما: بين غورباتشوف وبريجنيف( الصورة من غوغل

 وهذا ربما يفسٍّر أسباب الفارق الضئيل بينهما في استطلاعات الرأي.
ومع ذلك، البون شاسع بالفعل بين هذين المتنافسين الكاريزميين اللذين أتيا من مجموعات أقلية كانت مقموعة بشدة حتى السنوات الأخيرة (طائفة المورمون والزنوج).
فأوباما جاء إلى السلطة ثم مارسها وهو معترفاً بتراجع مكانة أميركا الاقتصادية والاستراتيجية في الداخل الأميركي كما في العالم. وقد حاول حصر الخسائر عبر تقليص دور أميركا الدولي (الانسحاب من العراق وأفغانستان، ومهادنة الروس والصينيين، ومغازلة العالم الإسلامي)، وعبر محاولة انعاش الاقتصاد الانتاجي في الداخل من خلال سياسات كينزية تركزت على دور كبير للحكومة في عملية الانقاذ الاقتصادي (ضج زهاء تريليون دولار في صناعة السيارات ومشاريع البنى التحتية وضم 30 مليون أميركي إلى شبكة الأمان الصحي والاجتماعي".
في المقابل، كان رومني والصقور الجمهوريون (الذين يسيطرون الآن على الحزب) يندفعون إلى معارضة كل هذه الخطوات، التي وصفها بعضهم بأنها "اشتراكية"، ويتعهدون بإحياء الريغانية مع كل عتادها الرافض لكل ٍ من تدخُّل الحكومة، ولفرض الضرائب على الأغنياء، ولخطط الضمان الصحي والاجتماعي.
وعلى صعيد الدفاع والسياسة الخارجية، كان رومني يرفض أيضاً الاعتراف بحدود القوة الأميركية، ويتعهد بزيادة ميزانية البنتاغون برقم فلكي يبلغ الخُمس، ويصف روسيا والصين بأنهما "عدوان جيوسياسيان". وهذه بوضوح عودة فاقعة إلى سياسة جنون القوة التي مارسها جورج بوش الابن حتى الثمالة.
لكن، هل رومني وقوميو الحزب الجمهوري ومحافظوه الجدد قادرون على العودة إلى جنون القوة هذا؟
- II -
معطيات الاقتصاد الأميركي لاتوحي بذلك البتة. فالدين العام الأميركي تجاوز الـ16 تريليون دولار. ومعدلات البطالة لاتزال مرتفعة جدا. وفي أول السنة الجديدة 2013 سيكون هناك استحقاق كبير أطلق عليه جيمس بيكر تسمية "قنبلة الدين الموقوتة" ووصفه آخرون بأنه "حافة الهاوية المالية"، والتي فشل الجمهوريون والديمقراطيون طيلة الأشهر الماضية في الاتفاق على تسوية كبرى إزاءها.
وهذا يعني أن رومني سيغامر، في حال فوزه، ليس فقط بتعميق الهوة الطبقية المتفاقمة أصلاً بين الأميركيين، بل أيضاً بخوض مغامرات خارجية قد تدفع الولايات المتحدة إلى حافة خطر الإفلاس الحقيقي، وربما تقوّض الدولار كعملة احتياط عالمي.
لا بل ذهب زبغنيو بريجنيسكي إلى أبعد من ذلك. فهو حذَّر مؤخراً من أنه بدأت تبرز تشابهات عدة بين الاتحاد السوفييتي في السنوات الأخيرة قبل سقوطه وبين أميركا في أوائل القرن الحادي والعشرين.
فالاتحاد السوفييتي، كما أميركا الآن، أُصيب بالشلل السياسي وعجز عن القيام بإعادة نظر جدّية في توجهاته. وهو أفلس نفسه من خلال انخراطه في سباق تسلُّح قاتل مع الولايات المتحدة، ثم بخوض حرب دامت عقداً في أفغانستان استنزفته إلى حد كبير. وكان طبيعياً بعد ذلك أن يعجز عن منافسة الولايات المتحدة اقتصادياً وتكنولوجياً، وأن تتدهور مستويات معيشة شعبه، وصولاً في خاتمة المطاف إلى الانهيار. وكل هذه العوامل، برأي بريجينسكي، موجودة الآن في أميركا.
- III -
أوباما وعى هذه الحقيقة وأعلن مرات عديدة خلال السنتين الأخيرتين بأنه يقبل دوراً أميركياً أكثر تواضعاً في العالم، مركزاً بدلاً من ذلك على العمل لبث الروح في الاقتصاد الانتاجي وفي قطاع الغاز الطبيعي والطاقة الخضراء الذي قد يحقق لبلاده في وقت غير بعيد الاكتفاء الذاتي.
أما رومني وصحبه من المحافظين الجدد، فلازالوا يديرون الظهر لهذه المعطيات، ويصرّون على مواصلة ارتكاب الاخطاء السوفتييتية القاتلة المذكورة أعلاه، والتي أطلق عليها الكاتب بول كينيدي تعبير" التمدد الاستراتيجي الزائد".
والحصيلة؟
إنها واضحة: إذا ما كان أوباما هو "غورباتشوف أميركا"، كما يتهمه بعض الجمهوريين الآن، فأن رومني هو "بريجنيف الأميركي". والفارق بين الإثنين شاسع. فعلى رغم أن غورباتشوف فشل في انقاذ الاتحاد السوفتيتي، إلأ أنه حاول على الأقل ومدد قليلاً عمر النظام. هذا في حين أن سياسات بريجنيف كانت السبب في جمود وركود الاقتصاد والمجتمع والسياسة في الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي أسفر في النهاية عن انهيار كل الصرح السوفيتي برمته.
الأميركيون سيجدون أنفسهم غداً أمام هذين الخيارين غير المُغريين. لكن عليهم أن يختاروا في نهاية المطاف بين حدود القوة التي قد توفٍّر لهم فرصاً إنقاذية ما وفترة سماح زمنية أطول، وبين جنون القوة الذي سيسرّع بشكل قياسي من دفع الولايات المتحدة إلى أحضان المصائر السوفييتية.

سعد

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

أي مصير للربيع العربي إذا فاز رومني؟



رومني: القبضة الحديدية (الصورة من غوغل


رومني، في حال فوزه بالرئاسة، سيجلب معه طاقم المحافظين الجدد نفسه الذي نظّر لصدام الحضارات مع الإسلام. وهذا سيسفر في الغالب عن ضغوط أميركية قوية على إخوان مصر وتونس.
-1-
استطلاعات الرأي الأميركية، قبل أيام من انتخابات الرئاسة في 6 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، لاتزال ترجّح فوز الرئيس باراك أوباما بولاية ثانية، لكن الفارق بينه وين منافسه الجمهوري ميت رومني لايتجاوز النقطتين أو الثلاث.
فماذا، مثلاً، لو أدت مضاعفات أعصار ساندي الحالي، إلى دفع بعض الناخبين الغاضبين من أداء الإدارة الراهن في مواجهة الإعصار (كما يحدث دوماً خلال الكوارث الطبيعية) إلى صف رومني فيضمنون بذلك فوزه؟ ثم: إذا مافاز رومني، كيف سيكون موقفه من ثورات الربيع العربي، ليس فقط في سورية بل أيضاً في مصر وتونس؟
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة أمام أمرين إثنين: الأول، يتعلق بمسألة ما إذا كان هناك حقاً فروقات بين الجمهوريين والديمقراطيين في مجال المصالح والسياسة الخارجية. والثاني، يرتبط بموقف الجمهوريين الأميركيين من قضية وصول الإسلام السياسي إلى السلطة في المنطقة العربية.
نبدأ مع مسألة الفروقات.
- II -
من الحاكم الفعلي؟
يتفق معظم المحللين على أن الحاكم الفعلي في الولايات المتحدة ليس السياسة أو الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بل المصالح. وهذه الأخيرة تتحكَّم بها شبكة معقّدة  للغاية (وأحياناً سرية) من القوى تضم الشركات العملاقة ومتعددة الجنسية، وكبار رجال المصارف، والمجمع الصناعي- العسكري والأمني والنفطي، وعائلات مثل روتشيلد وروكفلر ومورغان.. الخ، وجمعيات سرية كالجمجمة والعظمة (التي كان ينتمي إليها الرئيس السابق بوش) والماسونية وفرسان مالطا ومونت بيليرين وغيرها الكثير، التي تموُّل كل أو معظم مراكز الأبحاث الاستراتيجية في الولايات المتحدة.
هذه "النخبة العليا"، التي تضم واحد في المئة من أغنى واحد في المئة في أميركا، هي التي تحدد الخطوط العامة للسياسات الأميركية لكلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي. لكن هذا لايعني أنه ليس ثمة فروقات في التطبيق بين الحزبين، وإن كانت الأهداف واحدة.
فالحزب الديمقراطي، الذي يمثّل عادة الطبقة الوسطى والليبراليين و"اليساريين"، يميل إلى التركيز في سياسته الخارجية على العوامل الاجتماعية- الاقتصادية، والحوار، والتحالفات؛ فيما ينحو الحزب الجمهوري، الذي يمثّل الشرائح العليا من الرأسمالية، إلى محض الأولوية للأمن والقوة العسكرية وأحادية الزعامة الأميركية.
وعلى سبيل المثال، وصول جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض في العام 2000 ودخول مجموعة من المفكّرين المحافظين الجدد معه إلى البيت الأبيض، هو الذي شكَّل ردّ فعل الولايات المتحدة على أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وأدّى إلى ظهور عقد من الغزوات والحروب. وعلى سبيل المثال أيضاً كان لانتخاب أوباما العام 2008 تأثير كبير على كيفية تعامل الولايات المتحدة مع انتفاضات الربيع العربي عموماً، ومع روسيا (سياسة إعادة التنظيم- Reset- )، والصين (الشراكة لا العداوة) وأوروبا الغربية (التحالف والتشاور).
صحيح أن مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ثابتة إلى حدّ ما ولا تتغيّر كثيراً من إدارة إلى أخرى، وهي تشمل الالتزام الكامل بأمن إسرائيل، وتدفّق النفط والغاز من منطقة الخليج، والحرب على الإرهاب، لكن هناك تبايناً كبيراً، حتى ضمن هذه الالتزامات الثابتة، في الكيفية التي شكّل الرؤساء الجمهوريون والديمقراطيون سياستهم تجاهها. فمثلاً، توسّط الرئيس كارتر بين مناحيم بيغن وأنور السادات لإبرام اتفاقات كامب ديفيد، في حين عمل الرئيس جورج بوش مع أرييل شارون لعزل ياسر عرفات ووقف مسيرة التسوية. وردّ جورج بوش على التهديدات في العالم العربي بغزو العراق وتهديد دول أخرى، في حين ردّ الرئيس أوباما على التهديد من خلال السعي إلى المصالحة والحوار. بعض الرؤساء الأميركيين يرون أن تأمين مصالح أميركا في النفط والغاز ممكن من خلال الانتشار العسكري، بينما يرى أخرون أنه ممكن من خلال بناء تحالفات إقليمية وتحقيق الاستقرار في المنطقة. وفيما لاتتغيّر المصالح الأميركية من إدارة إلى أخرى، إلا أن الطريقة التي تسعى من خلالها كل إدارة لضمان تلك المصالح والتفاعل مع الأحداث الجديدة يمكن أن تختلف بشكل كبير، كما يمكن أن تؤدّي إلى تبنّي سياسات مختلفة جداً.
ثم: صحيح أيضاً أن ثمة تشابهاً نسبياً بين المرشّحَيْن أوباما ورومني في مواقفهما من الشرق الأوسط، إذ يبدو أن كليهما يعكسان توجّهات السياسة العامة التي بدأت في العامين الأخيرين من رئاسة جورج دبليو بوش. وتشمل هذا الموافقة على الانسحاب من العراق، والاتفاق على الانسحاب من أفغانستان في العام 2014، والاتفاق على منع إيران من الحصول على سلاح نووي من دون اللجوء إلى العمل المسلح، والاتفاق على تغيير النظام في سورية، وتقديم شكل من أشكال الدعم للمعارضين السوريين، ودعم الربيع العربي والديمقراطية، لكنهما  يختلفان حول عدد من القضايا. إذ ينتقد المرشّح رومني أوباما لأنه ينأى بنفسه عن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، ولعدم وقوفه الى جانب أعضاء الثورة الخضراء في إيران في العام 2009.
لكن الأهم بالنسبة لموضوعنا الجالي أن رومني ينتقد أوباما ينتقده لكونه يستسيغ كثيراً أحزاب الإسلام السياسي التي فازت في الانتخابات في الدول العربية الرئيسة. وهذا يعيدنا إلى الشق الثاني من سؤالنا الأول: هل يمكن أن تتغيّر السياسة الأميركية إزاء جماعات الإخوان المسلمين في المنطقة العربية إذا ما فاز رومني؟.
- III -
عودة المحافظين الجدد
يجب أن نتذكّر هنا أن الحزب الجمهوري يضم اليوم عدداً أكبر بكثير من اليمينيين المتطرفين والمحافظين الجدد مما كان عليه الحال حتى في ظل حكم بوش الأبن. والعديد من هؤلاء هم من أتباع المؤرخ برتراند لويس، الذي يعتبر "شيخ المحافظين الجدد"، وتلميذه صموئيل هانتينغتون، اللذين نظّرا لـ"العدو الإسلامي البديل عن الشيوعية" ولصدام الحضارات.  هؤلاء سيحتلون حتماً مواقع بارزة في إدارة رومني،  وسيعملون لتعديل العلاقات مع جماعات الإخوان المسلمين. قد لايندفع هؤلاء إلى مناصبة هذه الجماعات العداء، لكنهم سيمارسون حتماً عليها ضغوطاً هائلة لحملها على التصدي بقوة للتيارات الإسلامية المتطرفة.
لقد دعا الكاتب الأميركي الليبرالي توماس فريدمان إدارة أوباما، غداة قتل السفير الاميركي في ليبيا واجتياح السفارة الأميركية في القاهرة، إلى رفض منح الرئيس المصري مرسي وحزب النهضة التونسي "فترة سماح" قبل التصدي للإسلاميين المتطرفين. وإذا ما كان هذا هو موقف الليبرالييين الأميركيين الذين كانوا من أشد الداعمين لثورات الربيع العربي، فكيف سيكون عليه موقف المحافظين الجدد في إدارة رومني؟
يقول بول سالم، الخبير بالشؤون الأميركية ومدير مركز كارنيغي للشرق الأوسط، في هذا الصدد:
"من شأن إدارة برئاسة رومني أن تكون أكثر تشكّكاً تجاه الحكومات الإسلامية في مصر أو تونس أو في أماكن أخرى. وستبدأ مثل هذه الإدارة العمل بصورة براغماتية وتبني على العلاقات الاقتصادية والإستراتيجية السابقة مع هذه الدول، لكن في أوقات الأزمات، كما رأينا في الحادث الذي وقع في بنغازي قبل أسابيع عدّة، قد تتفاعل إدارة رومني بشكل راديكالي وسريع وتحمّل الحكومات الوطنية المسؤولية، وتشرع في المواجهة أو تنتهج سياسات مغامِرة قد تجلب المزيد من عدم الاستقرار إلى المنطقة".
وهذا يعني أنه سيكون على جماعة الإخوان المصرية وحزب النهضة التونسي أن يبدءا من الآن في بلورة استراتيجية عمل جديدة مع قوى التطرف الأصولي، في حال أرادتا أن تحافظا على الدعم الاميركي الثمين الذي سهّل إلى حد كبير تحييد الجيشين المصري والتونسي ومنعهما من عرقلة عملية الانتقال السلمي إلى السلطة.
أما بالنسبة إلى سورية، وعلى رغم أن إدارة رومني لن تتحرّك في الغالب قبل ستة أشهر من وضع يدها على البيت الأبيض لانشغالها في التعيينات الجديدة وترتيب بيتها الداخلي، فإنها ستنحو حتماً نحو التصعيد مع النظام السوري ليس انطلاقاً من اعتبارات أخلاقية بل جيو- سياسية: منع روسيا والصين من ترسيخ موطىء قدم لهما في الشرق الأوسط الذي يعتبر بوابة قارة أوراسيا التي تمكّن من يحكمها من السيطرة على العالم. وهذا التحرُّك قد يتراوح بين الانغماس في حروب بالواسطة (Proxy wars ) مع روسيا وإيران في بلاد الشام، وبين تزعم حملة عسكرية جوية لحلف شمال الأطلسي (على رغم إعلان رومني في حملته الانتخابية أنه لاينوي التدخل عسكرياً في سورية).
انظروا وراءكم
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
أمراً واحدا: إدارة رومني ستواصل سياسة إدارة أوباما في تعاطيها مع الربيع العربي، لكنها  لن تفعل ذلك وهي تضع قفازات حريرية بل حديدية؛ كما ستكون أقل تسامحاً وأكثر إلحاحاً وضغطاً على حكومات الربيع العربي كي تنفّذ شروط "الصفقة" التي تم على أساسها وصولها إلى السلطة: كبح جماح التيارات الإسلامية المتطرفة.
لقد قال أوباما غداة الهجوم على السفارة الأميركية في القاهرة أنه "لايعتبر مصر(في عهد مرسي) حليفاً ولا عدوا". لكن رومني الرئيس قد يقول أكثر بكثير من هذا إذا ما طرأ حدث مماثل في العلاقات مع مصر وتونس. سيقول على الأرجح:" ما لم تتحرّك الحكومتان المصرية التونسية بقوة للتصدي لـ"الإرهاب الإسلامي" سنعتبرهما خصماً إن لم يكن عدوا".
وحينها سيكون على الأخوان المصريين والتونسيين التلفُّت باستمرار إلى الوراء ليروا ما إذا كانت القوات المسلحة وأجهزة الأمن المصرية والتونسية (حيث  لم تشهد مصر وتونس منذ نجاح الثورة أي إصلاحات ذي شأن في قطاعهما الأمني) تتعقبهم!

سعد


السبت، 1 سبتمبر 2012

هل يكون رومني "آخر رئيس" لأميركا؟





- I -
عنوان هذا المقال سيثير حتماً الكثير من الاستغراب. إذ كيف يمكن أن يكون رومني المورموني آخر رئيس، فيما كل المؤشرات تدل على أن الولايات المتحدة ستبقى، حتى مع انحدارها النسبي الراهن (على حد تعبير بول كينيدي في كتابه الشهير "صعود وسقوط القوى العظمى")، أكبر اقتصاد، وأضخم قوة عسكرية لاتضاهى، وأكثر الأنظمة جاذبية في مجالات الثقافة (والتسلية) الشعبية وشعارات الحرية والديمقراطية السياسية، على الاقل حتى العام 2025؟

السيد المسيح في أميركا!( الصورة من غوغل

حسنا. الأمر يتعلق بما يمكن تسميته بـ"التاريخ الخفي". فالامبراطوريات يمكن أن تُحافظ على هيبتها وحتى سطوتها لفترة غير قصيرة بعد زوال أو تبدد إمكاناتها الفعلية. فالامبراطورية العثمانية بقيت زهاء قرن محتفظة بهذه الهيبة بعد تداعي كل ركائز قوتها الاقتصادية والعسكرية، وإن كان السبب الرئيس يعود إلى خلافات الدول الغربية حول من وكيف سيرث "رجل أوروبا المريض"، كما كانت توصف هذه الامبراطورية منذ القرن التاسع عشر. والأمبراطورية البريطانية (كما أشرنا في مقال الأمس) ظلّت تحتفي بنفسها كأعظم قوة على وجه البسيطة حتى العام 1910، على رغم أن أميركا كانت قد حلّت مكانها فعلياً في هذه المرتبة قبل عقد أو حتى عقدين من الزمن.

- II -
المظهر، إذا، لا يعكس دوماً  الجوهر. وهذا سينطبق حرفياً على ميت رومني في حال فاز باانتخابات الرئاسة المقبلة.
لماذا؟
لأن البرنامج الاقتصادي والسياسي والخارجي لهذا الرجل مع حزبه الجمهوري، منفصل عن الواقع بشكل مريع. وهو لايزال يقارب هذا الواقع الجديد بأدوات التحليل والشعارات القديمة:
أولا، النزعة القومية المتطرفة، في عصر العولمة التي تكاد تقضي على ماتبقى من سلطة الدولة- الأمة للمرة الأولى منذ معاهدة وستفاليا العام 1648 التي أرست دعائم هذه السلطة.
ثانيا، رومني لايزال يعتبر أن الرأسمالية المنفلتة من عقالها، في شكلها القديم، خاصة ذلك الذي حوّل أميركا خلال ولايتي بوش إلى كازينو وأدى إلى الكارثة الاقتصادية عامي 2007 و2008، هي الترياق الوحيد للمرض الاقتصادي الأميركي الراهن.
ثالثا، وأخيراً، هذا المرشح الجمهوري لايبدو مستعداً لقبول الأمر الواقع الدولي الجديد، الذي يشهد بشكل حثيث إعادة توزيع السلطة العالمية لغير صالح الولايات المتحدة ولصالح الصين وآسيا بالدرجة الأولى. كما أنه ينوي استعداء روسيا، في وقت تحتاج فيه أميركا بشدة إلى دور هذه الدولة، ليس فقط في إيران وأفغانستان وبقية أنحاء الشرق الأوسط الكبير، بل أيضاً كقوة موازنة للصين.
لقد وعد رومني الأميركيين باستعادة قوة الاقتصاد الأميركي، وتوفير 12 مليون فرصة عمل، وإحياء الدور القيادي الأميركي في العالم. لكنه لم يقل كيف. الطريقة الوحيدة لفعل كل ذلك هي فرض ضريبة كبيرة، خاصة على الأغنياء، واتباع سياسة تقشف لوقف تضخم الديون الأسطورية التي قد تقوَّض في نهاية المطاف وضعية الدولار الأميركي كعملة الاحتياط الأولى في العالم، وتنسف دور أميركا كافضل نموذج للنمو الاقتصادي. هذا فضلاً عن ضرورة سد الفجوة الهائلة في المجتمع الأميركي، والتي لاتني تتفاقم، بين الأغنياء (1 في المئة يسيطرون على معظم الثروة القومية) وبين الفقراء.

- III -
رومني، وحزبه الجمهوري، غير مستعدين بالمطلق للقيام بأي من هذه الإجراءات الإصلاحية. فهما، كما لايجب أن ننسى، حزب الطبقة الرأسمالية العليا لا الطبقات المتوسطة والفقيرة. ولذلك ستكون النتيجة الوحيدة المرجَّحة لاحتمال عودة الفيل (شعار الحزب الجمهوري) إلى البيت الأبيض، أشبه بدخول فيل آخر إلى محل خزف صيني. أي: دمار شامل، خاصة إذا ما استكمل رومني "إنجازات" صديقه بوش في تمويل الحروب والسياسات الخارجية من الديون.
إن السفينة الأميركية مهددة بالغرق بالفعل، كما يعتقد عن حق العديد من المحللين الأميركيين. وآخر ماتحتاجه مثل هذه السفينة هو قبطان لايزال يعيش على الأوهام، بما في ذلك حتى وهم كنيسته المارمونية التي تؤمن (في إنجيلها الخاص) أن السيد المسيح زار أميركا.
ومن يدري؟ ربما يؤمن رومني وصحبه بالفعل أن المسيح سيعاود الظهور مجدداً في أميركا، لانقاذ اقتصادها وتوفير 12 مليون فرصة عمل!

                                                                             سعد