للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحركات الاسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الحركات الاسلامية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 10 سبتمبر 2014

داعش وأميركا والعولمة: معركة خاسرة؟

الاصدقاء الأعزاء
بعد توقف قصري عن النشر في الموقع، نتيجة الانهماك في إعداد كتاب جديد سينشر قريباً إن شاء الله باللغتين العربية والانكليزية تحت عنوان (مبدئي) :"الخروج من جنهم: نحو وعي بيئي واقتصادي- سياسي وفلسفي جديد"، نعود إلى التواصل معا. تحياتي- سعد


هل يُمكن لتنظيم الدولة الإسلامية، ومعه باقي الحركات الأصولية المتطرفة، تحدي الهيمنة الأميركية على العالم، وبالتالي وقف تمدد العولمة في العالم الإسلامي؟
السؤال يبدو غريباً بالطبع. إذ كيف لحفنة آلاف من المقاتلين أن يتحدوا أعتى امبراطورية عسكرية واقتصادية وثقافية في التاريخ؟ الأمر مستحيل بالطبع. وهذا صحيح على وجه الخصوص، بعد أن باشرت الولايات المتحدة التحضيرات لتشكيل تحالف دولي- إقليمي شامل سيدك قريباً معاقل الدولة الإسلامية (داعش)، كما حدث قبل ذلك مع حركة طالبان في أفغانستان العام 2001.
 بيد أن الغرابة تنحسر قليلاً حين نضع ظاهرة داعش (التي أذهلت العالم باحتلالها السريع والكاسح لثلث كلٍ من سورية والعراق خلال فترة زمنية قصيرة، وتحوّلها إلى أغنى تنظيم سياسي- عسكري في التاريخ)، في إطار الصراع القائم الآن على مستوى الكرة الأرضية بين مايسميه المفكر الأميركي بنجامين باربر "الجهاد (والمقصود به هنا كل الأصوليات على أنواعها) وبين عالم ماكوورلد (العولمة). (1)
نظرية باربر بسيطة: العولمة النيو- ليبرالية، أي السوق الحر المنفلت من عقاله، يريد فرض ثقافته الاستهلاكية والمادية الخاصة على كل العالم، فيصطدم بالثقافات الخاصة في كل بلد التي تشعر بتهديد لوجودها، فتعمد "قبائلها" في بعض المناطق إلى "إعادة إحياء المقدس" كوسيلة لمجابهة العولمة. وعلى رغم أنه يدين كلا الظاهرتين لأنهما تسعيان إلى تقويض الديمقراطية، إلا أنه يتنبأ بانتصار العولمة في نهاية المطاف.
"الجهل المقدس"
قبل باربر، كان أوليفييه روا، أحد أبرز الباحثين الأوروبيين في حقل الأديان المعاصرة، خاصة منها الإسلامية، قد أصدر في العام 2010 كتاباً قيّماً بعنوان:" الجهل المقدس: حين يفترق الدين والثقافة"(2). الكتاب كان الأول من نوعه الذي يطرح السؤال الكبير: ما تأثير العولمة على الأديان الكبرى في العالم.
يرد روا سريعاً بالقول (كما فعل باربر لاحقاً) أن العولمة أدت إلى انفصام بين جماعات الإيمان الديني وبين الهويات الاجتماعية- الثقافية، ماخلق بيئة خصبة  لنشوء الأصوليات المتطرفة وازدهارها. وهكذا، فإن العولمة، وبدلاً من أن تقلّص نفوذ الدين في العالم، أسفرت عن إحيائه. لكن ذلك لم يتم دوماً بشكل إيجابي، إذ أن بروز التطرف الأصولي أدى إلى تفشي مايسميه
"الجهل المقدس. وهو منحى معادٍ للثقافة(De- culturalization)  والتعددية والديموقراطية، ويضع نفسه في صدام مباشر مع كل من الثقافة الحديثة والحضارات والأديان الأخرى. وهذا ما يُفسّر برأيه أسباب صعوبة فهم وتحليل الظواهر الأصولية الجديدة.
ويجادل روا أننا، وبدلاً من العبادة الدينية التقليدية أو السلفية، نشهد هذه الأيام تذرر (من ذرّة) وتفرّد (من فرد) الإيمان الديني، وأيضاً فك ارتباط جماعات الإيمان مع هوياتها القومية والوطنية والإثنية. وهذا ماجعل المؤسسات الدينية التقليدية الكبرى في التاريخ، كالكنيستين الكاثوليكية في الغرب (أوروبا الغربية) والكنيسة الأرثوذكسية في الشرق (روسيا وأوروبا الشرقية)، والأزهر وباقي المؤسسات الرسمية الإسلامية، واللاهوت اليهودي التقليدي، في مواقع الدفاع. والبديل؟ إنها التيارات الإنجيلية والخمسينية في المسيحية، والحركات الأصولية الإسلامية التي يقودها مثقفون من خارج سلك رجال الدين، والحركة الحريدية اليهودية الرافضة لكل أشكال الحداثة، والأصولية الكونفوشيوسية في شرق آسيا، والأصولية الهندوكية في الهند.
كل هذه التيارات تحث الفرد على الانسحاب من الثقافة السائدة (ناهيك عن إعلان الحرب عليها)، خاصة حين تكون هذه الثقافة علمانية، ومنطقية، ومادية. صحيح أن الأصوليين المسيحيين والإسلاميين واليهود والآسيويين يواصلون الانخراط في مجتمعاتهم، إلا أنهم لم يعودوا في الواقع جزءاً منها، بل هم يتحركون على مستويين يبدوان متناقضين: التركيز على الحقيقة المطلقة والشاملة التي تتفرد كل جماعة بادعاء احتكارها، والعمل في الوقت نفسه على التبشير بالخلاص الفردي، عبر الاتصال المباشر مع العناية الإلهية.
المسيحيون الخمسينيون، وهم الفرقة البروتستانتية الأكثر انتشاراً هذه الأيام في العالم (نصرّت حتى الأن ربع كوريا الجنوبية وأجزاء واسعة من الصين والبرازيل) والتي تدعو إلى أن يختبر الأفراد ما حدث لرسل المسيح حين تعرضوا إلى "معمودية الروح القدس"، يصفون عمل الأديان الجديدة بأنها أشبه بـ"السوق". لكن مايعرض في هذه السوق ليس سلعة ثقافية محددة، با هو لايقل عن كونه اتصالاً مباشراً بالله. هذه الدعوة، مثلها مثل كل حركات الأصولية الجديدة التي تدعو إلى "تحرير" الفرد، (بما في ذلك  دفعه إلى الانتحار لأهداف سياسية كما يحدث الآن في العالم الإسلامي)، شكّلت دعوة جذابة لأن العولمة أحدثت، كما أسلفنا، تمزقاً هائلاً في النسيج المجتمعي والقومي والثقافي والاقتصادي في العالم، ماجعل الأفراد يبحثون بِنَهَم عن حلول خارج كلٍ من الجماعات القومية والمؤسسات الدينية التقليدية.
3 عوامل
ومع ذلك، وعلى رغم هذه النزعة اللاثقافية واللاسياسية، إلا أن السياسة (والعولمة) لها بالمرصاد بهدف استثمارها. ويبدو أن ثمة ثلاثة عوامل تسهِّل صعود الأديان في ظل العولمة:
الأول، هو العامل الديموغرافي الذي تلعب فيه الأديان دوراً كبيرا. فعدد سكان الشمال الأوروبي الغني بلغ 32 في المئة من سكان العالم العام 1900 ثم 25 في المئة العام 1970 و18 في المئة العام 2000، ويتوقع أن يصبح 10 في المئة العام 2050. هذا في حين أن الجنوب كان يشهد انفجاراً ديموغرافياً لأن الناس المتدينين فيه الذين يشكّلون الغالبية يميلون إلى إنجاب الأطفال أكثر من العلمانيين.
العامل الثاني، هو التمدين( من مدن) المتزايد لسكان العالم. وبما أن الأديان تاريخياً هي ظاهرة مدينية، يتوقع أن يؤدي بروز المدن العملاقة سكانياً في دول الجنوب إلى مزيد من الصعود الديني، خاصة في صفوف الطبقتين الفقيرة والمتوسطة.
العامل الثالث هو"فك الارتباط" بشكل متزايد بين الغرب وبين المسيحية. فهذه الأخيرة هي في الأصل دين شرقي اكتسح العالم القديم انطلاقاً من فلسطين، وهي لم تُعتبر ديانة غربية أو أوروبية إلا بعد ظهور الإسلام وانتشاره. بيد أنها الآن تعود إلى جذورها القديمة حيث باتت تسيطر عليها شعوب وثقافات الجنوب في أميركا اللاتينية وبعض مناطق شرق آسيا.
ويعتقد سكوت توماس، المحاضر الأميركي في جامعة لندن، أن كل هذه العوامل منغرسة في العولمة التي تعمل على بناء عالم أكثر توحدّاً وأكثر تفتيتاً في آن. ذلك أن الهويات الدينية العالمية والمحلية باتت تصبح أكثر ارتباطاً لأن العولمة بدأت تُغيّر طبيعة الأديان ودورها في الشؤون الدولية. كيف؟ عبر تسهيل العولمة انفصال الدين عن الثقافات الوطنية والقوميات. فكما أن العولمة تقفز فوق الحدود القومية وتقلّص إلى حد كبير من صلاحيات ودور الدولة- الأمة، تقوم الظواهر الدينية الجديدة المتعولمة بلعب الدور نفسه، فتتجاوز هي الأخرى حدود الدولة القومية وقيودها.(3)
فضلاً عن ذلك، تنشط العولمة لجعل كل دين أكثر تعددية، وبالتالي تُصعّب على المؤسسات الدينية الكبرى التقليدية التي مارسات في السابق الاحتكار اللاهوتي، مواصلة مثل هذا الاحتكار. وهنا يأتي دور ثورة الاتصالات والمعلومات التي باتت تجعل الأديان مسألة اختيار فردي سواء حيال الطقوس أو حتى المعتقدات. ثم أن العولمة أزالت الحدود الفاصلة بين المنظمات الدينية في البلدان الأم وبين الجاليات في المهجر. وهذا ما أعطى هذه الأخيرة دوراً كبيراً ومتزايداً في كلٍ من العلاقات الدولية والأمن العالمي.
ويُلخّص سكوت توماس وجهة نظره حول تأثير العولمة على الأديان كالتالي: " إن نوعاً جديداً من العالم قيد الصنع الآن. والدول والشعوب والجماعات الدينية في الجنوب هي التي تصنعه. الأديان الكبرى في العالم تفيد كلها من هذه الفرص التي أتاحتها العولمة، وهي تنشط الآن لتغيير نمط رسالتها بهدف الوصول إلى جمهور عالمي جديد".
خلاصة صحيحة؟ الأدق أن يقال أنها نصف صحيحة. فكما أن الأديان الرئيسة في العالم تندفع للإفادة من العولمة، لن تقف هذه الأخيرة مكتوفة الأيدي. ولأنها تُمسك بكل صنابير الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا، ستعمل أيضاً على محاولة تجيير الانقلابات الدينية والثقافية في العالم لصالحها. وهي قادرة على ذلك لأنه تُمسك بكل هذه الصنابير.
النموذج الأول لهذه المحاولة كان توجّه الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان لاستيعاب ما بات يسمى "الثورة الاصولية المسيحية " الثالثة، ووضعها في خدمة العولمة. ولم يكن صدفة بالطبع أن يكون ريغان "المؤمن الذي ولد من جديد على يد الروح القُدُس"، هو نفسه بطل الرأسمالية النيوليبرالية التي عملت على نسف دور الدولة في الاقتصاد والأمن الاجتماعي وتقليص الفوارق بين الأغنياء والفقراء، في الوقت نفسه الذي كان فيه على تواصل مع "الروح القدس".
وفي عهد باراك أوباما الديمقراطي تكررت في الولايات المتحدة الدعوات الجمهورية والمحافظة إلى توجهات دينية ريغانية مماثلة. وعلى سبيل المثال، جادل العالم السياسي الأميركي وولتر رسل ميد بأن "الصعود العالمي الجديد للمسيحية، يجب أن يكون أمراً طيباً للسياسة الخارجية الأميركية (إقرأ للعولمة)، لأن المسيحية "هي أكثر الأديان موالاة لأمريكا"، على حد قوله.
معركة العولمة لاستيعاب الأنماط الجديدة من الصعود الديني لاتزال في بداياتها الأولى. وهي تحقق نجاحات واضحة في بعض المناطق (الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية) وصعوبات وعراقيل في مناطق أخرى( الشرق الأوسط الإسلامي). لكن طموحها الأكبر لايزال هو هو: وضع كل الإديولوجيات الدينية وغير الدينية والثقافات في خدمة مشروعها العالمي القائم على إعادة انتاج البشر على أساس البعد الواحد، الاستهلاكي والمادي والمتذرر.
.. و3 ثغرات
الإجابة، إذا، على سؤالنا الأول حول داعش وأميركا- العولمة هو نعم: داعش والقوى الأصولية الأحرى يمكن أن تعمل على تحدي الهيمنة الثقافية والعسكرية لـ" الامبراطورية"، مستفيدة من تهاوي مؤسسات ونبى الدول- الأمم في العالم الإسلامي كأحجار الدومينو في دولة تلو أخرى. لكن هذا التحدي سيعاني من ثلاث ثغرات: الأولى ذاتية والثانية والثالثة موضوعية.
الثغرة الأولى، الذاتية، هي بالطبع النزعة الاقصائية الشديدة التي تمارسها داعش، خاصة بعد تحويل نفسها إلى "خلافة" إسلامية جديدة، ما وضعها في حالة صدام دموي حتى مع اقرب التنظيمات الإسلامية إديولوجيا إليها ( القاعدة). كما أنها وضعت نفسها في حالة حرب مع كل الدول الكبرى في العالم بلا استثناء، بما في ذلك روسيا، ونفرّت التيار السنّي العام بسبب أساليبها الوحشية في القتل والترويع وفرض الأحكام الفقهية التي تُعتبر صارمة للغاية حتى وفق المعايير الطالبية الأفغانية.
الثغرة الثانية هي الخلل الفادح والكبير في موازين القوى بينها وبين قوى "الامبراطورية". وهو خلل بان بوضوح بعد ان غيّرت داعش تكتيكات تنظيم القاعدة الأم المستند إلى حرب العصابات، وانتقلت إلى عملية السيطرة على الأراضي وممارسة السلطة فيها، ما جعل المعركة صراعاً بين دولة ودولة، الأمر الذي سيسهّل على الامبراطورية سحقها أو على الأقل تشتيت جمعها.
الثغرة الثالثة تتعلق بطريقة تعاطي قوى العولمة مع ظاهرة داعش. فهذه القوى (كما أسلفنا) ليست معادية من حيث المبدأ للحركات الدينية طالما أنها تعمل على فصل الفرد عن الدولة والجماعة والمؤسسات الرسمية، فتسهّل بذلّك اختراقها لثقافته عبر ثورة الاتصالات. لكن هذا الدعم له حدود وشروط، أهمها أن تضع هذه الحركات نفسها في خدمة المشروع الاقتصادي لإمبراطورية العولمة، كما فعلت الأصولية البروتستانتية في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وكما تفعل الآن الأصولية الهندوسية في الهند والأصولية الكونفوشيوسية في الصين.
حتى الآن، داعش وأخواتها لم تظهر فهمها لهذه المسألة. وكما يقول المحلل الاستراتيجي في البنتاغون توماس بارنيت: "كل دولة أو فئة لا تطبق شروط العولمة، ستجد القوات الاميركية فوق أراضيها".
* * *
والخلاصة؟
إنها واضحة، أو يُفترض ذلك: العولمة لن تكون في حالة حرب مطلقة مع الحركات الدينية على أنواعها، على رغم أنها تعمل على تقويضها من تحت عبر الثقافية الفردية والاستهلاكية، إلا حين تضع هذه  الحركات نفسها في حالة حرب مع مشروعها الامبراطوري العام أو تهدد شرايين اقتصادها وأمنها.
وهذا ماتفعله داعش الآن، ولغير صالحها.
 سعد محيو- بيروت

___________
1 - Barber, Benjamin R., Jihad vs. McWorld", Hardcover: Crown, 1995
2- Olivier Roy: Holy Ignorance: when religion and culture part ways. Colombia press, 2010)




الخميس، 9 يناير 2014

الجنرال ديمبسي "يواجه" أمراء داعش في سورية


قبل نحو أسبوعين، كان البيت الأبيض يصدر بياناً مفاجئاً يدعو فيه بعض الدول العربية (في تلميح غير مباشر إلى السعودية وقطر) إلى وقف مد العناصر الإسلامية المتطرفة في سورية بالمال والسلاح.

وقبل ذلك بأشهر قليلة، وبالتحديد في 2 أيلول/سبتمبر 2013،  كان الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، يعلن أن وزارة الدفاع الاميركية "تدرس العمل مع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا للمساعدة في بناء قوات معارضة معتدلة لمواجهة المتطرفين الإسلاميين في سورية والعراق".
أضاف ديمبسي، الذي كان يتحدث آنذاك خلال زيارة لكوريا الجنوبية،: "لدينا خبرة مذهلة في كسب شركاء وبناء تشكيلات للجيش والشرطة، لذلك دخلنا في نقاشات في شأن كيفية إيجاد سبيل للتعاون في مسألة تطوير معارضة معتدلة، وخصوصا من أجل التوصل إلى حل لبعض القضايا الإنسانية في شمال الأردن وجنوب تركيا". واشار إلى أن هذه الفكرة ستكون فعالة في حال عدم حضور الرئيس السوري بشار الأسد، بعد التوصل إلى حل لأزمة الأسلحة الكيميائية، مؤتمر جنيف- 2 لمحادثات السلام حول سوريا توصلا إلى تسوية سياسية للازمة. وتابع :" عندها يمكن أن تتاح الفرصة للدول ذات الآراء التي تتشابه معنا لتقديم مساهمات بطرق أخرى إذا ما طلب منها ذلك"، موضحا أن هذه الفكرة لم "تصل بعد الى مرحلة الخطة". وتابع: "أننا ننظر من الناحية العسكرية الآن، وأتحدث فقط كممثل للقوات المسلحة الأميركية، لكننا نبحث أيضا في كيفية مساعدة القوات المسلحة اللبنانية والأردنية وحلفاء أميركا من حلف شمال الاطلسي في تركيا وحتى العراقيين... نحاول تطبيق عوامل اقتصادية وأشكال أخرى من المساعدات للعمل على تطوير ما يمكن تعريفه بـالمعارضة المعتدلة".
آنذاك، علّق المحللون على تصريح ديمسبي المهم هذا بالقول إنه في حال رؤية هذه الخطة النور، فقد يشهد الصراع في كل من سورية والعراق تحولاً نوعياً على المستويات العسكرية والإديولوجية والسياسية.

انطلاق التنفيذ
حسنا. يبدو أن هذه الخطة المفترضة وضعت بالفعل موضع التنفيذ، وأن هذا بدأ يغيّر بالفعل لوحة الصراع المسلح في منطقة الهلال الخصيب.
فقد توحّدت فجأة فصائل مسلحة سورية عدة، بما في ذلك ضمناً جبهة النصرة، وشنّت هجوماً شاملاً ومنظماً على كل مواقع تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" (داعش) من حلب وإدلب في الشمال إلى مدينة الرقة في الشرق. وقد أكدت دوائر إعلامية موثوقة في يوم واحد (فايننشال تايمز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست- 8 كانون الثاني/يناير 2014) أن الولايات المتحدة والسعودية (ولكن ليس قطر) تدعمان هذا الهجوم الذي أدى بالفعل إلى انحسار كبير في المدى الجغرافي لنفوذ داعش.
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة وروسيا (ولكن ليس السعودية) تقفان بقوة دبلوماسياً وعسكرياً إلى جانب الحكومة العراقية في معركتها لاستعادة مدينتي الفلوجة والرمادي في غرب العراق التي سيطر عليها "داعش".
إنها، إذا بالفعل، خطة الجنرال ديمبسي وقد شقت طريقها إلى التنفيذ، لكن، لماذا هذه الحرب المزدوجة الآن ضد داعش؟
خطايا داعش
الأسباب تبدو عديدة دولياً ومحليا.
فواشنطن وموسكو تعملان بتنسيق ودأب على وضع "الحرب العالمية" المنفلتة من عقالها في سورية في صندوق دبلوماسي أُطلق عليه اسم مؤتمر جنيف-2، بهدف منع هذه الحرب من التمدد إلى إقليم الشرق الأوسط كخطوة أولى، ثم لاحقاً لمحاولة إيجاد حل داخلي ما للأزمة السورية. وبالطبع، فإن سيطرة داعش، مع إديولوجيتها الإسلامية المتطرفة والرافضة لأي تسويات أو حلول دولية وإقليمية، على مناطق شاسعة من سورية، تقف حجر عثرة كبيراً أمام هذا الجهد.
وعلى الصعيد المحلي، كان تنظيم داعش، المنبثق من تنظيم القاعدة، قد نجح في استعداء كل حركات المعارضة السورية بلا استثناء، على رغم أن 85 في المئة من هذه الحركات تنتمي إلى الإديولوجيا الإسلامية المحافظة أو السلفية. وهو أنجز عملية الاستعداء هذه بسبب سلوكياته لا إيديولوجيته. فهو كان يرفض التعاون أو حتى الوساطة بينه وبين كل الفصائل، ويعطي الأولوية القصوى لبناء أسس الدولة الإسلامية، بدلاً من مقاتلة نظام الأسد في العراق أو نظام المالكي في العراق، ويعتبر نفسه الوحيد المؤهل لزعامة مثل هذه الدولة.
هذا ناهيك عن أنه فرض في كل مناطق سيطرته حكماً دينياً بالغ التطرف أشبه بحكم طالبان في أفغانستان، فمنع الغناء والرقص والموسيقى ودور السينما والتدخين والتعليم باللغات الاجنبية والسفور ولو الجزئي، وعمد إلى قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث وتنفيذ الاغتيالات، بما في ذلك اغتيال  الطبيب حسين سليمان المكنى بأبو ريان، قائد تنظيم أحرار الشام القوي، وهو الاغتيال الذي أطلق شرارة الهجوم على داعش.
أبو بكر البغدادي (إبراهيم عواد البدري)، زعيم داعش، هو الذي يقف وراء هذا المنحى المتطرف بسبب طموحه الجامح. فهو حين كان يتزعم تنظيم دولة العراق الإسلامية، أرسل في منتصف 2011 عناصر لتأسيس جبهة النصرة في الشام، ثم عمد العام 2013 إلى الإعلان عن دمج التنظيمين تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" على رغم أن جبهة النصرة رفضت الاندماج. هدف البغدادي: إقامة دول إسلامية في العراق وسورية ولبنان والأردن، تكون قاعدة لحركة جهاد عالمي تمهّد لإقامة دولة الخلافة.
وبالطبع، مع مثل هذا الطموح الكبير، لن يكون البغدادي في وارد التوصل إلى أي تسويات او حلول وسط مع الأفرقاء الإسلاميين الآخرين، على رغم التشابه أو حتى التقاطع معهم في ما يتعلق بالإديولوجيا ومسألة إقامة الدولة الإسلامية.
إلى أين؟
هذه العوامل الخارجية والداخلية، تقاطعت لتطرح مسألة الحرب ضد داعش على جدول أعمال القوى الإقليمية والدولية عشية مؤتمر جنيف-2.
لكن، ما التأثيرات المحتملة لهذا التطور على مآل المعارضة المسلحة السورية؟
الآراء تتباين هنا.
فثمة من يرى أن نظام الأسد سيفيد من هذا الشرخ الكبير في صفوف الإسلاميين الذي أودى حتى الآن بحياة أكثر من 400 مقاتل من الجانبين، خاصة وأن داعش قد تحاول الآن الانتقام لطردها من حلب والرقة بقية المناطق، عبر القيام بعمليات انتحارية ضد الثوار هذه المرة وليس ضد قوات الأسد.
بيد أن محللين آخرين يرون أن الأسد في الواقع سيكون الخاسر الأكبر من احتمال سيطرة عناصر إسلامية معتدلة على ساحة المعارضة، الأمر لأن ذلك سيعرّض إلى الخطر كل استراتيجيته لتصوير الصراع على أنه معركة بينه وبين التطرف والإرهاب الإسلاميين.
 ويعيد هنا المحللون إلى الأذهان أن النظام السوري هو الذي سهّل بروز المتطرفين الإسلاميين حين عمد في بداية الانتفاضة إلى إطلاق سراح المئات منهم من السجون، وحين سهّل وصول الأسلحة والامدادات إليهم من الدول المجاورة. (راجع هنا ورقة "سويس انفو" حول "لغز" حركات التطرف الإسلامي).
* * *
خطة الجنرال ديمبسي بدأت تتوالى فصولا. يبقى الانتظار لمعرفة التغييرات الكبرى التي ستطرأ من جراء ذلك على طبيعة الصراع في العراق وبلاد الشام.
وهي، المناسبة، تغييرات آتية لاريب فيها.

سعد محيو- بيروت
________________________

كادر

 15 ألف  مقاتل أجنبي
في سورية؟
تقدّر مصادر دبلوماسية غربية موثوقة في بيروت عدد المقاتلين الأجانب في سورية (سنّة وشيعة) بما يتراوح بين 10 إلى 15 آلاف مقاتل، وهو رقم يفوق كل الجهاديين الأجانب الذين تدفقوا على العراق وأفغانستان إبان الحرب فيهما.
وتوضح المصادر أن أغلبية المقاتلين الأجانب من السنّة يأتون من ليبيا وتونس والسعودية، وبدرجة أقل من العراق الأردن والكويت ودولة الإمارات وتشيشنيا وبعض الدول الأوروبية، وهو سيطروا في السابق على مساحات جغرافية كبيرة في شمال سورية وفرضوا فيها صيغتهم المتطرفة والمتشددة من الإسلام. هذا في حين يأتي المقاتلون الأجانب الشيعة من لبنان (حزب الله) والعراق وإيران وباكستان.
وتشير المصادر إلى سورية تحوّلت بالفعل خلال الأشهر القليلة الماضية إلى نقطة جذب هائلة للجهاديين المتشددين من كل أنحاء العالم، وأنه ينتظر أن تتضخم أعدادهم في الآتي من الأيام أكثر بكثير مما هي متضخمة الآن، في حال استمر الصراع.
_______________________


الأحد، 27 يناير 2013

ما سر صعود" جبهة النصرة"؟
 حروب الأيديولوجيا والإستخبارات في الشرق الأوسط


- جبهة النصرة: إديولوجيا ومخابرات؟الصورة من غوغل 
- I -
ما سر تنظيم  "جبهة النصرة" في سورية ؟ من يقف وراءه، أو امامه؟ وكيف يمكن لحركة عنفية سياسية حديثة العهد ان تولد قوية على هذا النحو، فيقفز عددها خلال أشهر قليلة من 50 عنصراً إلى مابين 5000 إلى  10000؟
الإجتهادات هنا تعدد بتعدد المصادر.
فخصوم أميركا من الإيرانييين إلى السوريين في المنطقة، أضفوا على هذه الحركة من البداية سمة إيديولوجية جهادية بحتة. ثم أنهم بعد ان تبرأوا من أي علاقة بها بعد ظهورها، أنحوا باللائمة على السياسة الغربية في سورية والعراق وأفغانستان وفلسطين، وأيضاً على الدعم السعودي والقطري للأصوليين الإسلاميين،  لنشأة مثل هذه التنظيمات.
هذا الرأي إستند إلى تبرير مفاده أن " جبهة النصرة " وغيرها من الحركات العنفية المتطرفة، تكفِّر كل من كان من غير أهل السَنة وأيضاً من كان من غير تيارها حتى بين السنّة، وهي تجهر بأنها تنوي أعمال السيف في رقابهم تمهيداً لإقامة إمارات وممالك إسلامية جديدة. وبالتالي، من غير المنطقي أن تعمد دمشق او طهران إلى تزويد من ينوي حفر قبرهما، بالمعاول اللازمة لذلك.
في المقابل،  خصوم سوريا وإيران أكدوا ان " جبهة النصرة " وأشباهها من التنظميات، من إختراع هاتين الأخيرتين من الألف إلى الياء. الدلائل؟ إنها( برأي الخصوم) ، كثيرة:
1-   ولادة التنظيم قبل نحو أشهر في سوريا تحت تسميات مختلفة بما في ذلك " جند الشام " وفتح الاسلام وغيرهما.
2-   وجود سوابق على دعم كل من دمشق وطهران للتنظيمات السنَية العنفية، خاصة غداة الغزو الاميركي للعراق العام 2003. وهكذا يقال الأن أن الثانية كانت تمَول وترعى وتستقبل على أراضيها عناصر عدة من تنظيم " القاعدة " العاملة في العراق التي قاتلت ضد الأميركيين، إضافة إلى تنظيمات سنَية عدة أخرى. وكذا كانت فعل دمشق. وتبعاً لذلك، لا يستغرب أن يكون الطرفان متورطين في هذه الظاهرة الجديدة.
3-    رغبة النظام السوري منذ بداية الانتفاضة في تحويل الثورة الشعبية إلى مجابهة طائفية- مذهبية. ولذا، عمل منذ البداية أيضاَ على منح التكفيريين حرية الدخول والخروج والعمل في البلاد بهدف تعزيز وجودهم وتقوية شوكتهم.

- II -


أي الطرفين الأقرب إلى الصحة؟
كلاهما!
لكن ، كيف يمكن لوجهتي نظر متناقضتين لبعضهما البعض ان تكونا على حق آن ؟
السبب بسيط: الجميع في الشرق الأوسط بلا إستثناء يلعب هذه الأيام ورقة التنظيمات الأرهابية أو المتطرفة.
وهذه ليست لعبة جديدة. وللتذكير: الإستخبارات الاميركية كانت وراء نشأة عشرات التنظيمات اليسارية المتطرفة في حقبة الستينيات والسبعينيات، والتي كانت شعارتها المعلنة تدعو إلى " ثورة اممية عالمية ضد الأمبرياليتين الاميركية والسوفييتية". وقد تكشف لاحقاً انها كانت أداة في يد واشنطن لتشويه سمعة اليسار وزعزعة الإتحاد السوفييتي. وكذا الامر في الثمانينيات حين رعت الولايات المتحدة، بدعم عربي، قيام النواة الاولى لتنظيم " القاعدة " في أفغانستان.
وبالمثل، يؤكد جون كولي في كتابه الشهير " الحرب غير المقدسة "، وبالوثائق، أن إيران تدعم الكثير من التنظيمات المتطرفة في شتى انحاء العالم، بغض النظر عن إيديولوجية هذه التنظيمات وتوجهاتها. وعلى أي حال، حرب الرهائن التي شنتها طهران على واشنطن منذ اللحظة الاولى لإنتصار الثورة الإسلامية في أواخر السبيعنيات، كانت تستلزم في الدرجة الاولى إقامة تنظيمات سرية متطرفة للقيام بمثل هذه العمليات.
ماذا يعني كل ذلك؟
أنه يعني، بوضوح، أن ما ما جري الان في سورية ليس في محصلته النهائية سوى حرب إستخبارية بوسائل أخرى. هذا لا يعني ان عناصر " جبهة النصرة " ربما يكونون مشبعين بالفعل بالإيديولوجيات المغلقة التي تحفزهم على الإنتحار. قد يكونون كذلك. لكنهم حتماً لا يدرون أنهم مجرد اداة لتحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها البتة بإيديولوجيتهم الخاصة.
المناخ العام في الشرق الاوسط يشجع على تفريخ مثل هذه التنظيمات. واجهزة الأستخبار الدولية والأقليمية جاهزة اكثر من أي طرف آخر ل " إستثمار"  الظاهرة حتى الثمالة. وهي ، بالمناسبة، ثمالة طويلة الامد.
فأغلب الظن ان ظاهرة العنف الإنتحاري ستبقى معنا طويلاً.  وهذا بالطبع، على عكس رأي العديد من المستشرقين والخبراء الغربيين، الذين " تنبأوا " قبل فترة بقرب إنحسار هذه الظاهرة.
الأسباب باتت معروفة: حالة الإكتئاب العامة التي تسود المنطقة العربية، والتي تدفع أمة بأسرها إلى " الحلول الإنتحارية"، على حد تعبير محمد حسنين هيكل؛ الإجتياحات العسكرية والامنية الغربية التي أعادت إلى الأذهان صورة الإستعمار القديم؛ وأخيراً، الكساد الإقتصادي- الإجتماعي الكبير في كل الشرق الأوسط العربي تقريباً، والذي يدفع الشباب إما  إلى المنافي أو إلى التكفير والهجرة.
هذه العوامل غير مرشحة لان تزول قريباً، بفعل غياب التخطيط وسيادة التخبط في معظم الدول العربية. وهذا يعني ان محصلاتها ونتائجها لن تزول قريباً أيضاً، وفي مقدمها العنف الإنتحاري.
الأمر شبيه إلى حد كبير بحقبة الحروب الصليبية التي شهدت ولادة ظاهرة الحشاشين. هذه الفرقة الإسماعيلية إستندت، كما هو معروف، إلى اليأس الذي ساد شباب ذلك العصر من تدهور الأوضاع في الشرق الاوسط الإسلامي، وطوَرت عقيدة  دينية ممزوجة بالحشيش كانت تعد مريديها بالجنة الفورية إذا ما نفذوا عمليات إنتحارية.
ظاهرة الحشاشين إستمرت زهاء قرنين، ولم تنحسر إلا بعد أن برزت في قلب الشرق قوة إمبراطورية إسلامية جديدة( الدولة العثمانية) أعادت الإستقرار إلى البلاد والعباد.
العنف الإنتحاري الراهن له متشابهات حديثة أيضاً. ففي اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، برزت الحركة الفوضوية الماركسية الأوروبية التي رفضت كل انواع السلطة،  ودفعت عناصرها إلى تنفيذ اعمال إرهاب إنتحارية واسعة النطاق ضد رموز الدولة( السلطة السياسية)  والمجتمع( السلطة الأبوية) كافة .
كذلك، في ستينيات القرن العشرين شهد العالم موجة من التطرف الإنتحاري اليساري  جسَدته منظمات مثل " الألوية الحمراء" ، و " الدرب المضيء "، و " التوباماروس "، التي دفعها اليأس من قدرة الأنظمة الإشتراكية آنذاك على تحقيق الجنة الشيوعية على الأرض إلى محاولة إستيلادها بقوة الأرهاب.
ظاهرة التطرف الإنتحاري الإسلاموي، إذاً، ليست جديدة لا في التاريخ الإسلامي ولا غير الإسلامي. إنها، إذا ما جاز التعبير ، حركة " طبيعية " تنتجها ظروف"  طبيعية" ، وإن إستثنائية. وهي ستبقى طالما بقيت هذه الظروف.
- III -

الأسئلة حول تنظيم " جبهة النصرة " ونشأته ومن يقف وراءه، لا تزال معلقة في الهواء من دون إجابات شافية. وطالما استمر هذا الوضع، فهذا سيعني أن القوى والظروف المحلية والأقليمية والدولية التي أنجبت هذا التنظيم، ستنجب العديد مثله خدمة لمصالحها المتضاربة في الشرق الاوسط. وكل ذلك تحت لواء الشعارات الأيديولوجية في العلن، والإستخبارية في السر.

سعد محيو

الخميس، 3 يناير 2013

النور نوران، والسلفيون أسلاف، والسياسة تبتلع الإديولوجيا



- I -
أول الغيث قطرة.
وهذه القطرة تجسَّدت في الانشقاق الكبير الذي حدث مؤخراُ في حزب النور السلفي المصري، وهي ستتحوّل حتماً (وقريباً على الأرجح) إلى سيل دافق قد يغيّر العديد من معالم السياسة الداخلية المصرية.
لماذا هذا التحوُّل الحتمي؟

-صراعات داخل النور- الصورة من غوغل

ببساطة، لأن أحزاب الإسلام السياسي في المعارضة تتدثر بالإديولوجيا الدينية، وتتحصن بالمساجد والتكايا، فلا تكون مضطرة للتطرق إلى مشاكل هذه الدنيا الفانية، ولايتطلب منها أنصارها أصلاً مثل هذا التدخل طالما أنها توفّر لهم الحضن الدافىء لأمل آخروي.
"الإسلام هو الحل" هنا يكون حلاً  سايكولوجياً حقيقياً، طالما أنه يبقى في علم الغيب أو الخيال، وطالما أنه يقتصر في أحسن أحواله على التعاضد والتضامن والإحسان المحدود بين إخوة الإيمان.
لكن، حين تنغمس الأحزاب الإسلامية في السياسة، ناهيك بالسلطتين السياسية والاقتصادية، يبرز إلى الوجود عالم مختلف تماما عن عالم التكايا والمعازل: عالم تدخل على خطه بقوة المصالح الفردية والطموحات الشخصية لقادة هذه الحركات، فتتبخر فجأة هالات التقوى والإيمان وحتى القداسة عن وجوههم، ويتحولون إلى بشر عاديين يتقاسمون مع هؤلاء الأخيرين كل موبقات جنس الأنسان الخاصة بالطمع والجشع والأنانية.
وعلى الصعيد العام، تكون الاحزاب الإسلامية في المجتمعات الديمقراطية مضطرة على نحو متزايد لكنس إديولوجيتها تحت سجادة المصالح السياسية، ولإعطاء الأولوية للتحالفات المصلحية السياسية على ماعداها، إذا ما أرادت ألا تخسر معركة التنافس على صناديق الاقتراع.
هذا بالتحديد ما حدث للأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا القرن التاسع عشر، حين بدأت هذه كحركات دينية- إديولوجية رافضة لكل مبدأ الديمقراطية الدنيوية وتداول السلطة والتحالف مع قوى علمانية، لكنها سرعان ما وجدت نفسها مضطرة إلى تناسي الطموحات الآخروية حين بدت السلطة السياسية دانية القطاف بالنسبة إليها.
وهذا مابدأ يحدث الآن للأحزاب الإسلامية السياسية العربية، وماحدث قبلها للأحزاب الإسلامية التركية.
- II -

حزب النور أصبح نورين بعد أن انشق عنه زعيمه عماد عبد الغفور مع آخرين، وأسسوا حزباً جديداً هو حزب الوطن بالتعاون مع الداعية التلفزيوني الناري والمرشح السابق للرئاسة حازم أبو إسماعيل.
أما لماذا الانشقاق، فيجب البحث عنه في "الصراع على السلطة" بين قادة النور قبل أي شيء آخر، هذا على رغم أن قادة الحزب يقولون أن السبب هو تحبيذ عبد الغفور  للديمقراطية على النمط الغربي وإعجابه بالنموذج التركي للحوكمة الاسلامية المعتدلة والمتصالحة مع الدولة العلمانية. أما عبد الغفور وجماعته فيقولون أن دافع الانشقاق هو جمود حزب النور ورفضه إقامة تحالفات مع قوى أخرى.
وهذا يعني في كلا الحالين أن الانشقاق له حاضنة قانونية واحدة: السياسة ومصالحها، ومعها الانتخابات المقررة بعد شهرين من الآن، حيث سيتنافس "النوران" الآن على الأصوات نفسها، وبالشعارات الأسلاميوية نفسها.
بيد أن الأمر لن يقتصر على حزب النور. فهذا الأخير يتهم جماعة الإخوان المسلمين بأنها تقف وراء هذا الانشقاق، وهو واثق من اتهامه هذا. وإذا ماوضعنا في الاعتبار أن الجماعة ستكون هي نفسها عرضة إلى الانشقاات في وقت غير بعيد، بسبب التناقض الذي سيكون عميقاً بين شعاراتها الإسلاموية وبين حلولها الاقتصادية التي ستكون (كما يبدو من اتفاقها مع صندوق النقد الدولي) مستندة إلى "إجماع واشنطن" القائم بدوره على الليبرالية الرأسمالية المتطرفة، فإن حزب النور سيكون في موقع قد يمكنه من جذب سلفيي الإخوان إليه ودفعهم إلى الانشقاق.
وهذا من شأنه تدشين حروب انشقاقات في الصف الإسلامي، ستشبه إلى حد كبير الانشقاقات التي شهدتها الحركات اليسارية في حقبة الخمسينيات والستينيات حين ارتطمت إديولوجياتها الماركسية المثالية بواقع المصالح السياسية والفردية.
- III -
أول الغيث، إذا، قد يصبح بالفعل سيلاً بعد حين.
وهذا في الواقع من طبيعة الأشياء.
فحين تنزل السماء إلى الأرض، تصبح اليد العليا لقوانين الطبيعة لا للمثل العليا المُتخيلة. وكما قال ابن خلدون عن حق:
 "إذا ما تبدلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم وكأنه ولد من جديد".

سعد