للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السعودية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السعودية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 يناير 2015

السعودية: تغييرات "استباقية" كاسحة





في 30 حزيران/يونيو، نشر موقع "اليوم، غدا" المقال ( نعيد نشره أدناه) حول مسألة "التغيير الحتمي" في المملكة السعودية، إنطلاقاً من الحقيقة بأن المجتمع السعودي شهد خلال العقود القليلة الماضية تغييرات عميقة، ترافقت مع تعدد الأجنحة والاجتهادات في صفوف أمراء الأسرة الحاكمة، ومع انقلابات حقيقية في طبيعة الإطلالة الدولية على دور المملكة الإيديولوجي والثقافي غداة أحداث 11 أيلول/سبتمبر في الولايات المتحدة.
وجاء العدد الضخم من الأوامر الملكية (30 أمراً في يوم واحد) التي صدرت الخميس الماضي، ليؤكد أن هذا التغيير بدأ بالفعل من اليوم، وليس غداً أو بعد غد. لكن تغيير في أي اتجاه؟
فلنقرأ أولاً خلاصات هذه القرارات:
1-  حل الإثنا عشر هيئة حكومية التي كان الملك الراحل شكّلها للمساعدة على الإشراف على السياسات، وتشكيل مجلسين للشؤون الأمنية والسياسية بدلاً منها.
2-   إجراء تغييرات شاملة في القيادات الأمنية والسياسية والتربوية.
3-  إعفاء مدير جهاز المخابرات خالد بن مشعل  ومعه رئيس الأمن القومي بندر بن سلطان من منصبيهما.
4-  إعادة تشكيل مجلس الوزراء ، وتعيين وزراء جدد للتعليم والإعلام والزراعة، والابقاء على وزراء الخارجية والنفط والمال.
5-  إعفاء ابني الملك عبد الله، تركي ومشعل، من منصبيهما كأميري الرياض ومكة. وقبل ذلك إعفاء رئيس البلاط الملكي القوي في عهد الملك الراحل، خالد التويجري، من منصبه، وتعيين ابن الملك سلمان، محمد بن سلمان، مكانه، إضافة إلى تعيينه وزيراً للدفاع.
6-  إعفاء رئيسي وزارتي العدل والشرطة الدينية، اللذين كانا يوصفا بأنهما ليبراليين نسبيا، من منصبيهما.
من المبكر استقراء معنى هذه التغييرات الكاسحة، بالنسبة إلى موازين القوى بين أجنحة الامراء، على الرغم أنه الكفة مالت بوضوح لصالح الجناح السديري على حساب جناحي أبناء الملك عبد الله والأمير سلطان وبقية الأجنحة. ومن المبكر أيضاً التكهن بكيفية تقبّل الأمراء الذين تم استبعادهم من السلطة المباشرة لهذه الإجراءات.
لكن يمكن القول أن السرعة التي يتم فيها اتخاذ هذه الخطوات، تشي بأن النخبة السديرية الحاكمة قررت القيام بما أسماه البعض بـ"الانقلاب الاستباقي"، أو بفرض السلطة الجديدة كأمر واقع، خاصة بسبب المخاوف من أن تستغل بعض الأطراف اضطرابات الذاكرة ( Dementia) التي يعاني منها الملك سلمان للمطالبة بعزله من منصبه. وهذا قد يمنع استتباب الأمور للسلطة الراهنة.
علاوة على ذلك، تشي التغييرات في مجالات التربية والتعليم والشرطة الدينية بأن النخبة الجديدة تنوي اتخاذ موقف أكثر محافظة وتشددا على المستوى الإديولوجي، بدل المضي قدماً في إصلاحات الملك عبد الله في مجالات المرأة والتعليم والتشريع.
لكن، تنجح كل هذه الاجراءات المتلازمة في تحقيق استقرار السلطة الجديدة؟
ربما، خاصة وأنها باتت تمسك الآن بصنابير السلطة المالية الأسطورية. لكن مع ذلك، يجب القول أن ماجرى هو مغامرة تتضمن مخاطر واضحة. وهذا ما يوضح بعض جوانبه المقال أدناه:
________

ينُشر هذا المقال في موقع سويس انفو الالكتروني http://www.swissinfo.ch/arab
السعودية عادت إلى الخمسينيات.. والتغيير حتمي(30-1-2015)
سعد محيو
هل حُسِمت مسألة الخلافة السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟
ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصح على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لاتتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولاتزال، في مابينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مرحلة انتقالية خطرة
بالطبع، الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية هي الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة:
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يعاني من بعض الأمراض أخطرها العته ( Dementia)، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات جسدية- نفسية. وولي العهد مقرن (69 سنة)، أمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنم العرش، لأنه إبن خليلة يمنية وليس زوجة للملك عبد العزيز. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين ولي العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم أن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذس ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري) ، ولياً ويياً للعهد وبالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث، بينهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير متعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم الكثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى :" على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الانتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الاعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا مانحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل،  الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى تناحر، قد يكون دموياً أحياناً، على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، التاريخ الحديث قد يضيء طريقنا قليلا.
في الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي العام 1953، غارقاً في لجج الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع معطيات العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على  رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. والحركة الثانية قادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالاصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إحهاض حركة الأمراء الأحرار.
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن مايهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع مصالح واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.
الخمسينيات مجددا
واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن بحذافيرها في الهزيع الاول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً واقياً قوياً  في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف:
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر في أميركا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية المحافظة التي تنشر المباديء الداعشية والنصروية نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها مجدداً وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها. وهو سيغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
إلى أين؟
الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الانتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الانتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الاخضاع التام لـ"الثورة الوهابية" إلى سلطة الدولة الوطنية والهوية الوطنية (كما يحدث الآن في مصر- السيسي).
بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز إئتلاف من قوى مجتمع مدني  تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعملوا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الامران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الاستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الاستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية، ومجابهة مخاطر النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، وأخطار صعود داعش. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الاستمرارية مجرد سحابة صيف عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ماتبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلق جديد ".
                                    _______________________________











الاثنين، 26 يناير 2015

السعودية عادت إلى الخمسينيات.. والتغيير حتمي

ينُشر هذا المقال في موقع سويس انفو الالكتروني http://www.swissinfo.ch/ara

سعد محيو
هل حُسِمت مسألة الخلافة السعودية، بتعيين أحد أبرز أمراء الجيل الثالث من آل سعود، محمد بن نايف، ولي ولي العهد؟
ظاهرياً، يبدو الأمر كذلك. فالسرعة التي تم فيها الإعلان عن تعيين الأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً للعهد، ثم فوراً تقريباً تعيين محمد بن نايف نائباً له، أوحى بأن الملك الجديد سلمان حسم بسرعة خاطفة الجدل الكبير داخل الأسرة حول مسألة انتقال السلطة من الجيل الثاني من آل سعود إلى الجيل الثالث.
بيد أن المظاهر قد تكون خادعة في الكثير من الأحيان، خاصة في نظام كالمملكة العربية السعودية يلف نفسه وصراعاته الداخلية بسرية مطلقة. فما يجري فيها فوق السطح اليوم، لن يعكس بالضرورة ما قد يطفو من تحت هذا السطح غدا. وهذا يصح على وجه التحديد بسبب الحقيقة أن معركة الخلافة الراهنة لاتتعلق بأشخاص بعينهم، بل بفروع عائلية كاملة تتشعب من آل سعود الذي يناهز تعداد أمرائهم الـ15 ألفاً (على ما يشاع). فروع تنافست تاريخياً، ولاتزال، في مابينها بضراوة على السلطة والنفوذ والمال.
مرحلة انتقالية خطرة
بالطبع، الأولوية القصوى لكل الأجنحة السعودية هي الحفاظ على سلطة العائلة، التي تعود جذور علاقتها بالسلطة إلى القرن الثامن عشر، حين خاض مؤسسو العائلة وقادتها صراعات مدهشة في عنادها ونجحوا، بعد تدمير دولتهم مرتين على يد العثمانيين والمصريين، في إقامة دولتهم الثالثة الراهنة العام 1932.
لكن في المقابل، ليس ثمة شك بأن المرحلة الراهنة ستكون حبلى بالمشاكل والمخاطر أمام الأسرة لأسباب عديدة:
فحكم الملك سلمان (79 عاماً) سيكون حتماً قصيراً، لأنه يعاني من بعض الأمراض أخطرها العته ( Dementia)، وهو مرض عضوي في الدماغ يضرب الذاكرة ويتسبب باضطرابات جسدية- نفسية. وولي العهد مقرن (69 سنة)، أمامه عقبات واضحة في طريقه لتسنم العرش، لأنه إبن خليلة يمنية وليس زوجة للملك عبد العزيز. هذا ناهيك عن أن الملك الراحل عبد الله خرق التقليد حين عمد إلى تعيين ولي العهد، وهو قرار كان متروكاً في السابق للملك الجديد.
ثم أن تعيين الأمير محمد بن نايف، الذس ينتمي إلى الفرع السديري من العائلة كما الملك سلمان (تيمناً بالزوجة المفضلة لدى الملك عبد العزيز حصة بنت أحمد السديري) ، ولياً ويياً للعهد وبالسرعة التي تم بها، سيثير من دون شك حفيظة العديد من أمراء الجيل الثالث، بينهم الأمير خالد بن سلطان، والأمير متعب بن عبد الله، والأمير خالد الفيصل، والأمير بندر بن سلطان وغيرهم الكثير.
يقول سيمون هندرسون، الخبير بشؤون العائلة السعودية في مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى :" على رغم أن العديد من الناس يقولون أن عملية الانتقال ستكون سلسلة، إلا أن ثمة مروحة من الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بأن السعودية تتجه نحو أوضاع صعبة... فالمناورات داخل العائلة الملكية ستكون كثيفة للغاية، على رغم أن الأمراء يكرهون الاعتراف بهذه الحقيقة".
لكن، إذا مانحينا جانباً بشكل مؤقت، لأغراض التحليل،  الطبيعة البشرية التي تدفع الأخوة والأقارب إلى تناحر، قد يكون دموياً أحياناً، على السلطة، منذ بدء التاريخ البشري (قابيل وهابيل نموذجا)، ما العوامل الجديدة الآن التي تجعل الصراعات أكثر خطورة؟
هنا، التاريخ الحديث قد يضيء طريقنا قليلا.
في الخمسينيات من القرن الماضي، شهدت المنطقة العربية صعود نجم الحركة القومية العربية التي نادت بالحداثة والوحدة والتحرير، وأطلقت تيارات عاطفية ضخمة في المنطقة تجسدت بالتفاؤل بإمكانية إعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية الباهرة. هذا التطور سرعان ما اجتاح مملكة السعوديين الذين كان ملكهم سعود، الذي حل مكان والده عبد العزيز المتوفي العام 1953، غارقاً في لجج الفساد ورافضاً بناء مؤسسات الدولة بما يتلاءم مع معطيات العصر.
هذه الحقبة أفرزت حركتين داخل الأسرة: الأولى تكوّنت من "الأمراء الأحرار"،على  رأسهم الأمير طلال بن عبد العزيز، الذي تعاطفوا مع الحركة القومية (في شقها الناصري) ودعوا إلى تحويل الدولة إلى مملكة دستورية. والحركة الثانية قادها الأمير السُديري فهد بن عبد العزيز، وطالبت بتنحي الملك سعود وتعيين الأمير فيصل مكانه كي يقوم بالاصلاحات الضرورية، وفي الوقت نفسه إحهاض حركة الأمراء الأحرار.
بقية تاريخ هذا التطور معروفة. لكن مايهمنا هنا هو أن الامراء الأحرار، كما الأمراء الأصلاحيين، لم يتحركوا في الواقع إنطلاقاً من معطيات عاطفية أو شعورية وحسب، بل كان هناك أيضاً تقاطع مصالح واضح بين استبعادهم عن السلطة وبين استخدامهم الإيديولوجيا الجديدة في المنطقة لصالح تحقيق أهدافهم الذاتية.
الخمسينيات مجددا
واقعة الخمسينيات هذه يمكن أن تتكرر الآن بحذافيرها في الهزيع الاول من القرن الحادي والعشرين. فالمنطقة تمر حالياً في تمخضات قد تكون أخطر بكثير حتى من تطورات الخمسينيات، حيث يجد الإسلام السعودي، الذي شكّل درعاً واقياً قوياً  في السابق ضد الموجة القومية والناصرية، نفسه في أحرج المواقف:
فهو مضطر، بسبب الضغوط الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر في أميركا، إلى إشهار الحرب على الجهاديين في المنطقة (النصرة، داعش، السلفيين المتطرفين.. ألخ) الذين ينتمون إلى الجذور الوهابية نفسها للإسلام السعودي. لكنه في المقابل يجد صعوبة فائقة في مواجهة أصول هذه الجذور في الداخل المتمثلة في المؤسسة الدينية الوهابية المحافظة التي تنشر المباديء الداعشية والنصروية نفسها.
وفي المقابل، لم يستطع الإسلام السعودي التعايش مع فكرة وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر وبقية الدول العربية، لأنه اعتبر أن مشروع الإسلام السياسي الخاص بهذه الجماعة يذهب بعيدا في عملية تزويج الإسلام إلى الديمقراطية (على حساب مبدـأ "إطاعة أولي الأمر"). وهذه مسألة لم تستطع بعض أجنحة الأسرة المتصلبة ابتلاعها.
الحل الذي خرجت به النخبة الحاكمة لهذا التخبط، إضافة إلى نثر عشرات مليارات الدولارات في الداخل والخارج لشراء الولاء، كان إعلان "الجهاد على الجهاديين" في الخارج، والقيام ببعض الاصلاحات في الداخل (مجلس الشورى، توسيع دور المرأة، تعديل مناهج التعليم.. ألخ). لكنها إصلاحات لم تمس في الواقع شعرة واحدة من نفوذ السلطة الدينية الوهابية.
بيد أن هذا الحل سيُثبت أنه مؤقت من بعض الأوجه، وخطر من كل الأوجه: فهو لن يرضي القوى الدولية التي عاد الإرهاب الأصولي يطرق أبوابها مجدداً وسيدفعها إلى استئناف الضغوط على المملكة لضرب جذوره الفكرية والتربوية في مؤسساتها. وهو سيغضب بعض الشباب السعودي الذي يرى التناقض واضحاً بين تربيته الوهابية وبين دعوته إلى مقاتلة أشباهه في المذهب من داعشيين وجهاديين. وهذه المعضلة، بالمناسبة، هي التي خلقت في ظروف مشابهة أزمة الهوية الطاحنة لدى أسامة بن لادن، وحوّلته من رجل أعمال "دنيوي" ينتمي إلى الدولة السعودية، إلى رجل حروب غوار "آخروي" يقاتل باسم "الثورة الوهابية".
إلى أين؟
الآن، إذا ما كانت المعضلة في المرحلة الانتقالية الراهنة في السعودية على هذا القدر من التعقيد، فإلى أين من هنا؟
العديد من المراقبين يعتقدون أن الأمر بات يحتاج إلى تيارات تغيير شبيهة بثورة الأمراء الأحرار أو الانتفاضة الاصلاحية الفيصلية. لكن هذه المرة في شكل يؤدي إلى الاخضاع التام لـ"الثورة الوهابية" إلى سلطة الدولة الوطنية والهوية الوطنية (كما يحدث الآن في مصر- السيسي).
بيد أن هذا الأمر يحتاج إلى أمرين متلازمين كي يتحقق: الأول، حفز وتشجيع الأمراء الإصلاحيين الجدد على توضيح مواقفهم علنا، من خلال بروز إئتلاف من قوى مجتمع مدني  تتكوّن من عشرات آلاف الطلاب الذين تعملوا في الغرب، ومن العناصر النسوية ومئات آلاف العاطلين عن العمل والهيئات المطالبة بالاصلاحات الدستورية. والثاني، انحياز كيانات قَبَلية وعشائرية ذات وزن إلى تيار الأمراء الإصلاحيين.
هذان الامران لايبدوان في الأفق الآن. لكن بروزهما يبدو حتمياً في وقت غير بعيد، بسبب المخاطر غير المسبوقة التي تتعرض إليها الأسرة السعودية في الداخل والخارج على الصعد كافة الاستراتيجية والفكرية والثقافية والديمغرافية (طفرة الشباب الضخمة).
في الوقت الراهن، ستكون الاستمرارية هي الشعار في الداخل وربما أيضاً في الخارج على صعيد "حرب النفط " مع إيران (وروسيا) ودعم مصر السيسي والمعارضة السورية، ومجابهة مخاطر النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، وأخطار صعود داعش. لكن تقاطع معركة الأجيال داخل الأسرة مع المعارك الإديولوجية والإقليمية الضخمة، إضافة إلى التغيرات الهائلة في المجتمع السعودي، ستجعل مثل هذه الاستمرارية مجرد سحابة صيف عابرة.
وقديماً قال ابن خلدون: "إذا ماتبدّلت الأحوال جملة، فكأنما تبدّل الخلق من أصله وتحوّل العالم بأسره و كأنه خلق جديد ".








الأربعاء، 21 يناير 2015

التغيير في السعودية كيف ومتى؟


التغيير في السعودية:  كيف ومتى؟
(محاضرة ألقاها سعد محيو في المؤتمر الـ13 لمؤسسة الفكر العربي- المغرب، 2-5; كانون الأول/ديسمبر 2014)
______________
اسمحوا لي، بداية، بطرفتين في شكل اعتذارين:
الأولى، مسألة الصوت، حيث أن أحد الزملاء الأعزاء المشاركين في هذا المؤتمر، أهداني بكل الجود والكرم الممكنين، رزمة كاملة وسخية من فيروسات الانفلونزا، فأثّر مشكوراً على صوتي.
والثاني، أن حديثي معكم سيكون صريحاً وواضحاً ومخلصاً، ولذا آمل وأرجو وأصلّي أن ينزل كلامي برداً وسلاماً، بقدر الامكان، على صدور البعض، خاصة صدر الاستاذ ضاحي خلفان.
وأخيراً، أود أن أوضح أني أتحدث هنا باسمي وعلى مسؤوليتي الخاصة وليس باسم مؤسسة كارنيغي.
_____________________________
ألبرت إينشتاين اعتاد أن يقول: أنت لاتستطيع أن تحل المشاكل الجديدة بوعي قديم.
لكن يبدو أن المملكة السعودية ودول الخليج لاتفعل الآن سوى ذلك، أي محاولة حل المشاكل الجديدة، وهي بالمناسبة مشاكل ضخمة وشائكة بالفعل، بنمط وعي قديم يستند أساساً إلى "شراء" الحلول، وإلى الاقتصار على المخارج الامنية البحتة.  الجديد الوحيد في هذه السلوكيات هي السياسا الهجومية الإقليمية التي تخوضها دول الخليج، خاصة السعودية ودولة الإمارات وقطر، من ليبيا ومصر إلى سورية والعراق ومن مالي إلى اليمن، والتي تذكّر إلى حد بعيد بالثورات المضادة التي قامت بها الملكيات الأوروبية المحافظة في القرن التاسع عشر.
على الصعيد الآني والفوري، يبدو هذا التوجّه منطقياً أو على الأقل واقعيا. ففي الميزان مسألة صراع البقاء وسط متغيرات دولية وإقليمية ومحلية مدوّخة، كما سنرى بعد قليل. وفي مثل هذه الحالة، أفضل دفاع هو الهجوم. أو هذا على الأقل ما يقوله الوعي القديم لدى النخب الخليجية الحاكمة، ويدفعها إلى تطبيق السياسات القديمة نفسها التي ثبت في السابق نجاعتها. أي: "شراء" الأمن بأموال النفط، ومقاومة التغيير في الخارج الإقليمي، وتجميد الإصلاحات في الداخل المحلي، وبناء منظومة التحالفات الإقليمية على هذا الأساس، من مشروع الاتحاد الخليجي المتعثر إلى تأسيس القيادة العسكرية المشتركة، مروراً بمشروع التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والأردن.
بيد أن سياسات الوعي القديم هذه لاتأخذ في الاعتبار، وعلى نحو خطر للغاية، المتغيرات الساحقة الجديدة في الساحات الدولية والإقليمية والمحلية:
المتغير الأول كان بالطبع مضاعفات أحداث 11 سبتمبر 2001 التي غيّرت الولايات المتحدة إلى غير مارجعة، بغض النظر عمن يقطن في البيت الأبيض. إذ هي أنهت عملياً التحالف الذي دام زهاء 70 عاماً بين الاسلام السعودي وواشنطن، والذي أبرمه الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت في البحيرات المرة في 14 شباط فبراير 1945 على متن البارجة الأميركية كوينسي. وكانت الحصيلة بدء بحث الولايات المتحدة عن "إسلام بديل" توجته لاحقاً بالصفقة مع جماعة الإخوان المسلمين منذ العام ،2005 ثم بخطابي أوباما الشهيرين في اسطنبول والقاهرة.
صحيح أن فشل تجربة الإخوان في الحكم في مصر وانحسارهم الطوعي في تونس، فرمل المشروع الأميركي الجديد، إلا أنه من المستبعد للغاية أن يعيد عقارب الساعة مجدداً إلى صباح 14 شباط فبراير 1945.
المتغّير الثاني هو بسط امبراطورية العولمة الرأسمالية النيو ليبرالية هيمنتها الكاملة على كل انحاء المعمورة، حاملة معها شروطاً لاتتطابق مع طبيعة الأنظمة السياسية- الإديولوجية الخليجية الراهنة، أبرزها فتح الأبواب والنوافذ أمام التدفقات الثقافية للعولمة، وحكم القانون والشفافية، والاهم تكييف المفاهيم الإسلامية مع متطلبات السوق الليبرالية اقتصادياً وديمقراطيا. وهذا التكيّف هو بالتحديد ماتفعله الآن الإسلامات التركية والماليزية والاندونيسية، وماقد يفعله الاسلام الإيراني إذا ما أبرم "صفقة نيكسونية" مع اميركا، وأيضاً ما تفعله الهندوكية في الهند والطاوية- الكونفوشيووية في الصين، ومافعلته قبلها المسيحية البروتستانتية في الغرب.
المتغيّر الثالث هو بروز ما أسماه المفكر اليميني بريجينسكي ثورة "الشارع السياسي" في العالم، وما أطلق عليه المفكران اليساريان نيغري وهارت "ثورة الجمهور" تيمناً بفكر الفيلسوف سبينوزا، وهي الثورة التي انزلت الجمهور العربي إلى الشوارع، وقد تعيدها إليها في كل لحظة تشعر فيها أن مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم تتحقق، خاصة في مصر التي تتراقص الأن على شفا "كارثة إنسانية" وفق تعبير فايننشال تايمز.
إلى جانب هذه المتغيرات الكبرى، هناك متغيرات أخرى لاتقل خطورة تتجسد في أزمات الماء والطعام، وتآكل البيئة الطبيعية، وتغيُّر المناخ، والضغوطات الديمغرافية الهائلة مع الطفرة في أعداد الشباب، والعجوزات في البنية الاقتصادية.  وهذه المعطيات تتقاطع مع التهديدات التقليدية المتمثلة في انفجار العديد من الدول العربية، وتفاقم الصراعات الإقليمية في شكل صراع سني- شيعي، وصعود العنف الأصولي، ومخاطر انتشار الأسلحة النووية. كل هذه العوامل تفرض ضغوطاً شديدة  وغير مسبوقة على طبيعة العقد الاجتماعي الراهن في كل الدول العربية، لكن خاصة في دول الخليج.
الآن، إذا مااعترفنا بأن طبيعة المشاكل والتحديات تغيّرت بشكل راديكالي وجذري، نأتي إلى السؤال: أي وعي جديد يجب أن يبرز ليطرح الحلول لهذه المشاكل الجديدة؟
إذا ماكنا نتحدث عن دول الخليج، لكونها الآن في قمرة قيادة المنطقة العربية، فإن أول مايجب أن نعترف به هو أن التغيير الإصلاحي يجب أن يتم على أيدي النخب الحاكمة نفسها، على عكس ماقد يجري في العديد من الدول العربية. لماذا؟ لأن هذه النخب تعتبر جزءاً عضوياً (وفق المفهوم الغرامشي) من البنية القبلية- الاجتماعية الخليجية. وهي حازت من هذا الموقع على شرعية تاريخية تمتد أحياناً إلى قرون عدة، ثم جاءت ثروات النفط لتعزز هذه الشرعية الاجتماعية بالعصبية المالية.
وبالتالي، الصراع في منطقة الخليج الآن ليس بين نخب جديدة تسعى إلى السلطة والثروة وبين نخب قديمة حاكمة، بل في داخل هذه النخب نفسها وفي مدى قدرتها على التأقلم مع المتغيرات. فالبديل هنا لرفض التغيير والتطوير والإصلاح هو تغيير الخرائط، وليس تغيير أنظمة الحكم، تماماً كما يحدث حالياً في سورية.
ثورة الوعي التي يجب أن تحدث من داخل النخب الحاكمة، يُفترض أن تواكب التغيرات الخارجية الكاسحة بسلسلة بسلسلة انتقالات ندّعي بتواضع أنها على النحو الآتي:
أولاً، الانتقال التدريجي من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية، ومن شرعية "الرعايا"، بقيادة عصبية دينية لاتاريخانية، إلى شرعية المواطنة الشاملة وحكم القانون والشفافية والدولة المدنية الحديثة. وهذه كلها، أو معظمها، باتت من شروط العولمة.
ثانياً، الانتقال إلى ثورة روحانية في الإسلام، تمكّن "الاسلام العربي" المُنفتح والمتسامح تاريخياً، والذي تعبّر عنه بشكل رائع الآيات المكّية في القرآن الكريم، من التنافس مع إسلامات تركيا وإيران والإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين وغير الجهاديين. من دون مثل هذه الثورة، سيخسر كل العرب المعركة الكبرى الراهنة لتحديد طبيعة الإسلام الذي سيكون جزءاً من النظام العالمي المتعولم الجديد.
ثالثا، إعادة الاعتبار للهوية العربية، بصفتها أنجع لحمة في داخل المجتمعات العربية التعددية وبين الدول العربية. لكن ليس أي عروبة، بل تلك التي تفيد من كوارث العروبة "الرومانسية" السابقة التي انجبت معظم الديكتاتوريات في المنطقة. عروبة تشبك مجدداً الهوية العربية بالحرية وحقوق الانسان والديمقراطية والتعددية والاعتراف بالهويات القومية الأخرى، وتبث الروح مجددا في جسد النظام الاقليمي العربي المتهالك، أنظمة وشعوبا.
رابعا، الانتقال من منطق "شراء" التحالفات مع الدول العربية الإخرى، كما يُطرح الآن من خلال فكرة التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والإردن، إلى منطق الاتحاد والتكامل الحقيقييين لكل الدول العربية. وهذا في إطار برامج محددة لاطلاق طاقات الانتاج والزراعة والصناعة والعلوم والتكنولوجيا، الكفيلة وحدها بمجابهة العاصفة الكاملة من عجوزات الغذاء والماء وانقلابات البيئة والتي تهدد خلال سنوات قليلة بكارثة إنسانية هائلة في المنطقة العربية.
خامساً، وأخيرا، الانتقال العربي إلى مرحلة المبادرات التاريخية الكبرى، من خلال الدعوة إلى وقف الحروب القاتلة بين مكونات الشرق الأوسط التاريخية، والعمل، بدلاً من ذلك، حتى على إقامة كونفيدرالية عربية- تركية- إيرانية- كردية- يهودية على نمط الاتحادين الاوروبي أو السويسري . هذا في الوقت  نفسه الذي يجري فيه العمل على تنويع العلاقات الدولية للمنطقة العربية بما يواكب المتغيرات السريعة في النظام العالمي، خاصة منها تلك المتعلقة بصعود الشرق الآسيوي ومجموعتي العشرين والبريكس إلى قمرة القيادة العالمية.
***
هل هذه الاقتراحات مجرد أضغاث أحلام في ليلة صيف ساخنة؟
أجل!
لكن المفارقة هنا أنه من دون هذه الاحلام، سيعاين العرب (وهم يعانون بالفعل الآن) كابوساً أو حتى كوابيس متصلة قد لاتخطر على بال. فالمنطقة تعيش حالياً في مرحلة شبيهة للغاية بمرحلة الحرب العالمية الأولى التي انهار بعدها الباكس العثماني ونظامه الإقليمي الشرق أوسطي الذي دام نيفاً وأربعة قرون، لتحل مكانه الحروب والفوضى وتقاسم المنطقة العربية بالعدل والقسطاس بين الدول الكبرى.
الآن، كما يقول برنارد لويس في كتابه "الشرق الأوسط (وهذه المرة نحن نؤيده على رغم اختلافنا الكبير مع أفكاره): للمرة الأولى منذ قرنين، يبدو مصير شعوب الشرق الأوسط في يدها. وهي يمكن أن نختار الفوضى والتجزؤ على طريقة يوغوسلافيا أو الصومال، أو الالتقاء والتوحد والتعاون في سلام.
___________
لدينا ملاحظة أخيرة: في غياب الوعي العربي الجديد الذي يجب أن يُطلق مشروعاً حضارياً شاملاً، سيكون العرب على لائحة طعام المأدبة الدولية- الإقليمية الكبرى الراهنة. وعلى رغم أن تركيا وإيران واليهود يبدون حتى الآن على لائحة الضيوف، إلا أن الامر قد لايستمر طويلا. ففي غياب النظام الإقليمي الجديد التعاوني والمسالم، الكل سيكون وقوداً لجهنم المتفجرة الآن في
طول الشرق الأوسط وعرضه، والتي قد تدوم سنوات وحتى عقودا.
________  




السبت، 29 مارس 2014

هل نجح أوباما في "طمأنة" السعودية؟



هل نجح الرئيس الأميركي أوباما في تسوية الخلافات السعودية- الأميركية؟

ربما، لكن فقط في الفضاء "الدبلوماسي- العاطفي". فهو كرر التمسُّك بالتحالف التاريخي بين البلدين الذي يعود بجذوره إلى 80 سنة، وتعهد (كما أشار مسؤولون أميركيون) بعدم إبرام أي "صفقة ضعيفة" مع إيران حيال برنامجها النووي، مشفوعاً بتعهد آخر بـ"التشاور" مع المملكة في هذا الشأن.
كل هذه الإلتزامات، التي قدمها أوباما للملك عبد الله في منتجع صحراوي ساحر قرب الرياض،  قد تحرّك المشاعر وتداعب الحنين في المملكة إلى عهد سابق كانت فيه للسعودية الكلمة الأولى في البيت الأبيض إزاء العديد من قضايا الشرق الأوسط الإسلامي.
بيد أن القادة السعوديين لن يكتفوا بالطبع بالكلمات الرنانة التي يعرفون دورها عن ظهر قلب. فهم في النهاية أسياد الدبلوماسية الحاذقة التي تميّز بدقة بين التكتيكات العلنية وبين الاستراتيجية الضمنية. كان القادة يريدون أن يسمعوا من الرئيس الأميركي كلاماً واضحاً حول جملة معقدة من المسائل التي انفجرت مؤخراً الخلافات حولها بعنف بين الطرفين:
- من وقف الدعم الأميركي للإسلام السياسي المتمثّل بجماعة الأخوان المسلمين، وبالتالي العودة إلى التحالف التاريخي مع الإسلام في طبعته السعودية؛
- إلى عدم إضفاء الشرعية على النفوذ الإيراني الإقليمي، سواء في منطقة الخليج أو المشرق العربي،
- مروراً بحسم الموقف الأميركي المتردد من عملية إسقاط النظام السوري، والذي لايرى فيه السعوديون (التردد) سوى أدلة على أن واشنطن قد انحازت بالفعل إلى المصالح الاستراتيجية الإيرانية في المشرق العربي، وبالتالي وإلى الشيعة، في الصراع المذهبي الراهن الذي تقوده طهران والرياض.
- ثم هناك بالطبع  الشكوى السعودية من تواصل ضغوط بعض التيارات الأميركية عليها للقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية أوسع مدى، تحت شعار ضمان استقرار الكيان السياسي للمملكة. وكان فردريك ويري، الخبير في شؤون دول الخليج في مؤسسة كارنيغي، فصيحاً في التعبير عن هذه التيارات (في كتاب ومقالات صدرت له مؤخراً حول العلاقات الأميركية- السعودية) حين دعا علناً إلى ربط المظلة الأمنية الأميركية لدول الخليج بإدخال إصلاحات في كلٍ من النظام السياسي وقطاع الأمن فيه، لأن ذلك (على حد تعبيره)" أمر بالغ الأهمية لاستقرار المنطقة على المدى الطويل".
ويعتقد بعض المحللين أن قرار الملك عبد الله الأخير بتعيين أخيه غير الشقيق الأمير مقرن كولي لولي العهد قبل وصول أوباما إلى السعودية، كان رسالة واضحة إلى واشنطن بأن مسألة الخلافة في السلطة لن تسفر عن لا استقرار في المملكة.
تطمينات لا ضمانات
هل حصل السعوديون على مايريدون في هذه القضايا خلال قمة عبد الله- أوباما؟
فريدريك ويري لا يرى ذلك، وهو يعتبر أنه "ليس ثمة طريقة لطمأنة الخليجيين لأنهم يعتبرون النفوذ الإيراني خطراً وجودياً عليهم".
 أنطوني كوردسمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، يؤكد أيضاً هذا الأمر. قال (فايننشال تايمز- 30-3-2014): " كثير من الناس (يقصد بالطبع الحلفاء السعوديين) في المنطقة يشعرون أن الولايات المتحدة تتحوّل إلى إيران. من الصعب علينا نحن أن نفهم أسباب ذلك، لكن هناك بالفعل نظرية مؤامرة تقول أن الولايات المتحدة بدأت تتخلى عن العرب الخليجيين وتتحوَّل إلى إيران والشيعة. وفي هذه النقطة، يتعين أن يكون دورنا طمأنة السعوديين حيال استمرار كلٍ من الوجود الأميركي في الخليج ودعم واشنطن لمجلس التعاون الخليجي".
بكلمات أوضح، إدارة أوباما مستعدة لطمأنة الخلييجين لكن من دون ضمانات، لاحول تغيير توجهها  الخاص بالاستدارة إلى آسيا (Pivot ) (إلا بالطبع إذا ما اندلعت بالفعل حرب باردة جديدة بينها وبين روسيا بسبب أوكرانيا)، ولا في وقف السعي إلى إبرام صفقة مع إيران ، لمجرد معالجة القلق الذي تشعر به دول الخليج.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية: واشنطن تدرك أن السعودية وبقية السرب الخليجي غير قادرين على التخلي عن المظلة الأمنية الاميركية، ببساطة لأنه لا الصين ولا الاتحاد الأوروبي ولا حتى روسيا في مقدورها ضمان الأمن الخليجي كما تفعل الولايات المتحدة. ولذا، فهي مطمئنة إلى أنها قادرة على مواصلة سياستها الراهنة، الهادفة إلى لعب دور "مايسترو موازين القوى" بين الرياض وطهران وبين السنّة والشيعة، من دون أن تتعرض مواقعها الاستراتيجية الراهنة إلى أي خطر.
دوافع الرياض
بالطبع، الرياض تدرك ماتدركه واشنطن. لكن، وطالما أن الأمر على هذا النحو، أي طالما أن المملكة تعرف أنها غير قادرة على الاستغناء عن خدمات الشرطي العالمي الأميركي، لماذا تنشر غسيل خلافاتها  على السطح مع واشنطن بشكل لم يسبق له مثيل طيلة ثمانية عقود؟
ثمة على الأرجح سببان: الأول سايكولوجي، والثاني سياسي.
السبب السايكولوجي يعود بالفعل إلى غضب حقيقي تشعر به النخبة الحاكمة السعودية بسبب ماتعتبره "خيانة" واشنطن لحلفائها التاريخيين في المنطقة، من بن علي إلى مبارك مروراً بالأسرة الحاكمة البحرينية، من دون أن يرف لها جفن. ولأن هذا الغضب ترافق مع القلق على تأثيرات هذه "الخيانة" على الأوضاع الداخلية، خرجت السياسة الخارجية السعودية للمرة الأولى عن قواعد الحيطة والحذر والنفس الطويل التي لطالما اشتهرت بها، واندفعت إلى ممارسة توجهات "انتفاضية" في طول المنطقة وعرضها.
أما السبب السياسي فهو أن المملكة، ومعها قوى إقليمية أخرى في المنطقة، تعتقد أنها قادرة، من خلال إبداء التعارض العلني مع السياسات الأميركية، على تعديل هذه السياسات، خاصة وأن ثمة قطاعات نافذة في الولايات المتحدة، على رأسها الحزب الجمهوري الذي قد يفوز بمجلس الشيوخ في الخريف المقبل ومنصب الرئاسة في العام 2016، ترفض جل توجهات إدارة أوباما وتعتبر أنها قد تقوّض الزعامة الاميركية في العالم.
هذان السببان، مضاف إليهما تعقُّد المشهد الداخلي في السعودية بسبب تقدم القادة الحاليين  بالسن، سيواصل تزخيم السياسة الخارجية السعودية ودفعها إلى مواصلة سياستها المستقلة الراهنة حيال مصر والبحرين وتونس وسورية وإيران بالتعارض مع واشنطن.
ماذا في وسع إدارة أوباما أن تفعل في ضوء "تمرد" الحلفاء عليها، من مصر إلى السعودية، على هذا النحو؟
بالضبط مافعله أوباما في الرياض: تقديم الوعود وتهدئة المخاوف، لكن ربما مع جرعة مادية محدودة لاحقاً قد تتمثل بمماشاة الرغبة السعودية بتعديل موازين القوى في سورية، لكن ليس إلى الدرجة التي تُغضب طهران أو تؤثر على مسيرة المفاوضات معها.
أما ملفات الإخوان وإيران ومصر، فسيكون عليها انتظار ما ستتمخض عنها أزمة أوكرانيا- أوروبا- روسيا، ومعها طبيعة النظام الدولي الجديد.

سعد محيو








الاثنين، 3 فبراير 2014

محضر قمة أوباما والملك السعودي عبد الله




- I -
يدخل الرئيس أوباما رواق قصر اليمامة في الرياض، يحف به من اليسار وزير خارجيته كيري ومن اليمين سوزان رايس رئيسة مجلس الأمن القومي، فيستقبله الملك عبد الله قعوداً ويبادره هاشاً قائلاً: أهلاً بك. كنا ننتظر هذه الزيارة الكريمة من "أمد طويل".
يُدرك أوباما لهجة العتب والشكوى الكامنة في هذه الكلمات، ويبدو أنه كان جاهزاً للرد عليها بما يلزم لأنه سارع إلى القول:" شكراً جلالة الملك. وأنا أيضاً كنت أود أن آتي قبل "وقت طويل" لأوضح الكثير من الأمور التي شكّلت التباسات في علاقاتنا التاريخية المديدة.
الملك عبد الله: لدينا مَثَل في بلادنا يقول: صديقك من صَدَقَك. وأقول لك بصراحة يا دولة الرئيس أن سياساتكم الأخيرة سارت على درب مخطيء، وهددت الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
الرئيس أوباما: ولكن يا جلالة الملك..
الملك عبد الله (بحدة): دعني أكمل رجاء. لعلكم بتوا تدركون الآن إلامَ أدى قراراكم بعدم توجيه ضربة عسكرية في سورية. فبشار الأسد يشعر بفائض قوة، وهو يستخدم سكوتكم عنه مقابل تسليمه الأسلحة الكيميائية لاستكمال حلوله الامنية الوحشية. هذا ناهيك عن أن "انسحابكم" من الأزمة السورية، ضاعف من حجم التدخل الإيراني في الشؤون العربية لأن طهران باتت واثقة من أن بلادكم أميركا في حالة انحدار شامل.
أوباما: دعني أوضح شيئا. نحن لم نتراجع في سورية. كل ما هناك أننا رأينا أن تجريد الأسد من أسلحته الكيميائية سيضعف مواقعه في الداخل والخارج لأن هذه أسلحة استراتيجية. هذا علاوة عن أننا لم نتراجع عن مطلب رحيل الأسد، ولم نبرم أي صفقة سرية من موسكو لأبقائه في السلطة إلى ما بعد انتهاء ولايته. وهذا كان واضحاً في مؤتمر جنيف 2، وأيضاً في بدء تزويدنا المعارضة المعتدلة في جنوب سورية بالأسلحة.
عبد الله: بيد أن كل هذه المواقف غير الحاسمة يا فخامة الرئيس أدت إلى تزايد قوة تحالف طهران- موسكو في سورية وباقي المنطقة، إلى درجة أن هذين الطرفين باتا واثقين من أن ما يقومان به الآن هو "ملء الفراغ" الذي تتركونه أنتم في المنطقة.
أوباما: نحن لا ولن ننسحب من الشرق الأوسط. لانستطيع ذلك لأسباب جوهرية تتعلق ليس فقط بحلفائنا وأصدقائنا والنفط وإسرائيل، بل أيضاً بمواقعنا الجيو- استراتيجية في قارة أوراسيا والتي تُعتبر منطقتكم بمثابة العنق فيها. كل ما هنالك أننا نعيد ترتيب أولوياتنا بعد حربي أفغانستان والعراق اللتين استنزفتا الخزينة الأميركية من دون طائل، بما يسمح لنا بالتركيز على البناء الاقتصادي- الاجتماعي الداخلي وعلى الاستدارة نحو منطقة شرق آسيا- الباسيفك التي تحوّلت إلى المركز الجديد للعالم بدل منطقة أوروبا- الأطلسي. وعلى أي حال كنت أنا وراء تصريح وزير الدفاع تشك هافل خلال زيارته الأخيرة للبحرين الذي قال فيه:" الجيش الأميركي سيبقى الأقوى في العالم ونحن سنفي بالتزاماتنا. الولايات المتحدة لاتتراجع. لاتتراجع من أي جزء في العالم".
- II -
عبد الله: ولكنم يا فخامة الرئيس تراجعتم بالفعل حين وقّعتم على الاتفاقية النووية المؤقتة مع إيران، وبدأتم برفع العقوبات عنها و..
أوباما: هذا يا جلالة الملك مكسب لنا ولكم. فمن تراجع كان إيران وليس نحن، بعد أن كانت ترفض طيلة عشر سنوات أي مفاوضات معنا بصفتنا الشيطان الأكبر. ثم أن طهران لم تكن لتُقبل على التفاوض لولا أن حصارنا لها دفعها إلى شفير الانهيار الاقتصادي.
عبد الله: ولكنكم لم تحققوا أهم أمر في خضم المفاوضات مع إيران، ألا وهو إجبارها على لفظ ما ابتلعته من نفوذ في سورية ولبنان والعراق واليمن. كما أنكم أخفيتم عنا مفاوضاتكم السرية معها حتى علمنا بها في وقت متأخر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. بصراحة يا فخامة الرئيس نحن نشعر بالقلق من سياساتكم. لانريد الخوض في نظريات المؤامرة بينكم وبين إيران، لكن السوابق في إيران- غيت والعراق وأفغانستان لاتشجع أبداً على إبداء الثقة.
أوباما: أتفهم قلقكم. وأود هنا أن أشدد على أمرين: الأول أننا نلتزم بعدم إبرام أي اتفاق مع إيران قد يضر بمصالح حلفائنا وأصدقائنا في الشرق الأوسط. هذا غير وارد لا الآن ولاغدا. ثم أنه من السذاجة القول أن أميركا وإيران يمكن أن تتقاسما النفوذ في المنطقة، لأن الفارق بين امكاناتهما العسكرية والاقتصادية والإديولودجية يشبه المسافة بين الأرض والمريخ. والأمر الثاني أني أود تذكيركم بأن الصفقة التي أبرمتها أميركا في الصين في السبعينيات، استندت إلى معادلة تخلي الصين عن سياستها الخارجية القائمة على الثورة الماركسية العالمية مقابل قيامنا بدمجها في الاقتصاد العالمي. وإيران الصغيرة لن تكون أفضل من الصين العملاقة في هذا الصدد.
عبد الله: هل أبلغتم الإيرانيين أن عليهم التخلي عن سياستهم الخارجية القائمة على الثورة العالمية الإسلامية والتدخل في الشؤون العربية؟
اوباما. بالطبع. وهذا يشمل حتى معارضتهم للسلام الفلسطيني - الإسرائيلي الذي نعمل جاهدين الآن لإيجاد حل له حتى ولو تطلب الأمر الضغط على نتنياهو وعباس. لكن، حتى لو لم نُبلغ الإيرانيين بذلك، فهم يعرفون سلفاً ما أثمان الانضمام إلى الاقتصاد العالمي.
عبد الله: كلام جميل, لكننا لانرى شيئاً ملموساً منه. فإيران لاتزال تتدخل بكثافة في سورية والعراق ولبنان واليمن وحتى في السودان وتونس.. ثم: هل جئتم إلينا لأنكم أحرزتم تقدماً كبيراً في المفاوضات مع طهران؟
أوباما: انتظر وسوف تر.
عبد الله: فخامة الرئيس. اسمح لي أن أكون مطلق الصراحة معك. لقد شعرنا بانزعاج شديد حين تخليتم فجأة عن حليفين كبيرين لكم في المنطقة هما الرئيس مبارك والرئيس بن علي، وأدرتم الظهر للاتفاق الذي أبرمه والدنا عبد العزيز مع الرئيس روزفلت والقاضي بأن تتحالف أميركا مع الإسلام الذي تمثله مملكتنا. هذا الاتفاق دام أكثر من 60 عاما، لكنكم تنكرتم له حين دعمتهم علناً جماعات تدعي الإسلام مثل الإخوان المسلمين.
أوباما: نحن لم نتنكر لهذا الاتفاق الذي نعتقد أنه حقق نجاحات باهرة طيلة الحرب الباردة. كل ما هناك أننا أردنا أن نكافح الإرهاب والتطرف عبر تشجيع باقي الحركات الإسلامية على الانخراط في مندرجاته. وقد وعدنا الأخوان المسلمون منذ العام 2005 بأنهم مستعدون للقيام بهذه المهمة.
عبد الله: ولكن أنظر ماذا يجري الآن في مصر، حيث يتحالف الأخوان مع الجماعات الإرهابية لتقويض الأمن والنظام هناك.
أوباما: نحن ندرس الوضع المصري بدقة. وسستمع منا قريباً شيئاً مهماً في هذا الخصوص، علماً أننا لا نؤيد الحلول الأمنية لمسألة الأخوان المصرييين لأنها قد تدفعم إلى الارهاب مجددا.
عبد الله: هم أصلاً إرهابيون أصلاً وفصلاً..
أوباما (مبتسما): الآن، وبعد كل هذه الأحاديث، هل نقول أننا وضعنا خلافاتنا السابقة وراءنا وسنستأنف العمل معاً كالمعتاد؟
- III -
عبد الله (يتنحنح قليلاً ثم يسوي مجلسه ويرنو ببصره بعيدا): نحن مستعدون لذلك، ونقدر تقديراً كبيراً زيارتكم لنا. كما أننا مستعدون لدعم مساعيكم الهادفة إلى إعادة بناء اقتصاداتكم. لكن بصراحة الأحداث في السنوات الثلاث الأخيرة وضعتنا في موقع غير مريح البتة بسبب سياساتكم التي نعتقد أنها مخطئة. الأمر الوحيد الذي قد يطمئنا هو خطوات ملموسة على الأرض، مثلاً عبر  التخلص من نظام الأسد، وتقليص النفوذ الإيراني في العراق، وعدم مفاحأتنا بعد الآن بمزيد من المفاوضات السرية مع الملالي، ووقف دعمكم لجماعات الإخوان التخريبية.
أوباما: أطمئنوا يا جلالة الملك. فنحن ملتزمون بكل ماتعهدنا به حيال أمنكم، ونتمنى منكم أن تواصلوا الجهود لتحقيق الاصلاحات في الداخل.
عبد الله(ضاحكاً) :  اهتموا انتم يا فخامة الرئيس بدهاليز واشنطن، ونحن سنهتم بشعاب مكة!
سعد محيو
* * *

( *) هذا الحوار الافتراضي قد يجري بين الرئيس والملك خلال قمتهما التي ذُكر أنها قد تعقد الشهر المقبل.

الجمعة، 31 يناير 2014

المرأة تقود "ثورة هادئة"، وتاريخية في المملكة السعودية




- I -
الضرورات الاقتصادية قد تبيح المحظورات الثقافية والإديولوجية في المملكة السعودية.
الضرورات هنا هي سعودة سوق العمل وتشجيع المواطنين على الانتقال من القطاع العام إلى القطاع الخاص. أما المحظورات فهي بالطبع تلك القيود الإديولوجية الفولاذية التي يضعها غلاة التيار السلفي المحافظ على حقوق المرأة وحرياتها.

هذا الخلل في "موازين القوى" بين الاقتصاد والاديولوجيا، بدأ يخلق مايمكن أن يكون "ثورة هادئة" في المجتمع السعودي، تتمثل في تدفق النساء على سوق العمل الخاص. النموذج الأبرز هنا كان انخراط النسوة في مهنة تحصيل الديون التي كانت حتى الأمس، كما غيرها من كل الاعمال ماعدا التعليم، حكراً على الرجال. وهن حققن فيها نجاحات باهرة. فقد تمكنت المحصلات من تحصيل 70 في المئة من الديون أكثر من زملائهن الرجال. وقد أوضحت إحداهن أن سر النجاح "يكمن في أن النساء قادرات على تهدئة غضب الرجال، لأنهن الأقدر على الإقناع من دون الحاجة إلى التهديد باللجوء إلى القضاء او الشرطة".
بيد أن الأمور لم تقتصر على تحصيل الديون. ففي غضون السنوات الست الأخيرة، تضاعفت تقريباً نسبة مشاركة المرأة السعودية في قوة العمل، من 9 في المئة إلى 16 في المئة، الأمر الذي خفض البطالة بين النساء بنسبة 30 في المئة. وهذا لم يكن ليحدث لولا تشجيع الحكومة السعودية التي تريد تخفيف أعباء القطاع العام وتقليص مخاطر اختلال التركيبة السكانية.
وتقول "فايننشال تايمز" أنه في حين أن غالبية العاملات السعوديات لازلن يعملن في قطاع التعليم، إلا ان أعداداً متزايدة منهن بدأن يتجاهلن  التهديدات من غلاة المحافظين الدينيين، ويعملن مكان الرجال في مهن مثل البيع بالمفرق على صناديق الدفع في المتاجر الكبرى.
- II -
هذه الانجازات لاتعني أن العقبات أزيلت من طريق مشاركة المرأة في العمل، إذ لايزال منع النساء من قيادة السيارات يشكّل عقبة كأداء أمام تدفق النساء على العمل، خاصة وأن خدمات النقل العام محدودة في المملكة.
بيد أن تحدي النسوة لهذه العقبات يؤشر على أنهن مساعدات للإقدام على أي تضحية كي يستطعن زيادة الدخل الأسري، من ناحية، والشعور بالوجود والتمكين، من ناحية أخرى. وهذا التطور الاجتماعي- الاقتصادي يتقاطع الآن مع تطور سياسي سابق، حين تم في أوائل العام 20منح النساء خُمس مقاعد مجلس الشوري، في قرار اعتبر "ثوريا"، وإن بالمعنى التاريخي وحسب.
فهو دل على المسافة الزمنية التي قطعتها الدولة السعودية في حركتها الاعتراضية "الموسمية" على احتكار المؤسسة السلفية المتزمتة السيطرة على المجتمع السعودي فكرياً وثقافياً واجتماعياً.
ففي عهد الملك فيصل، كان مجرد التفكير بتعليم البنات، كجزء من مسار تحديث الدولة والمجتمع، يؤدي إلى ثورة ارتدادية سلفية،  كما حدث حين توافد 800 رجل من القصيم على الرياض اعتراضاً على فتح مدارس للبنات، وأعلنوا هدر دم من يعلم الإناث ووصفوا هذه الخطوة بأنها "مصيبة عظيمة وطامة كبرى، وأن ظاهرها الرحمة وباطنها البلاء ونهايتها السفور والفجور، وأن تعليمها حرام ومن يعلّمها فاسق فاجر يدّلها على طريق الحرام".
البنات الآن يتعلمن. ووزارة التربية والتعليم هي التي تُشرف على تعليمهن، لا التيار الديني المتشدد الذي عيّن نفسه "حارس الفضيلة". وهذا يعني أن الدولة قادرة بالفعل، إن هي أرادت، على كبح جماح هذا التيار، من دون أن يؤثر ذلك بقليل أو كثير على تحالف "الأمير والشيخ" الذي قامت على أساسه مملكة السعوديين. ولا ننسى، على أي حال، أن الملك عبد العزيز جرّد سيف الدولة ضد حلفائه الوهابيين حين تمرد هؤلاء على سلطته، فأدى ذلك إلى تعزيز الدولة بدل أضعافها.
القرار، إذاً، يعتبر ثورياً بوصفه فقط جزءاً من عملية صراع مع فئة من رجال الدين تعتبر أن من حقها فرض فهمها الخاص للدين على المجتمع كما الدولة، وعرقلة كل/وأي إصلاحات تحديثية تضفي الطابع الإنساني (لا الشيطاني) على المرأة، وتفسح في المجال واسعاً أمام بروز مجتمع مدني ودولة حديثة.
بيد أن هذه "الثورية"، على أهميتها في إطار مايسمى ب"خصوصية" الكيان السعودي، لم تعد كافية او ليست في الواقع ثورية كثيراً.
فمشاركة المرأة في الشورى جاءت على إيقاع الشروط السلفية الخاصة بمواصلة فرض "الحجر الصحي" على المرأة وعلى مسألة خروجها من تحت الأرض ومن التهميش المريع. وهكذا فالعضوات المعينات سيدخلن ويخرجن من قاعة المجلس وكأنهم أشباح بلا أرواح، الأمر الذي يفقد هكذا قرار أي نكهة ديمقراطية قد تكون له، خاصة وأن مجلس الشوري نفسه لايتمتع بأي صلاحيات وله مجرد دور استشاري تماماً كما كان في عهد الملك عبد العزيز قبل نحو 90 سنة.
وهذا يعني أن استخدام المرأة لمنبر المجلس للمطالبة بحقوقها الإنسانية والاجتماعية والسياسية، سيقابل في الشارع الذي يسيطر عليه المطوّع بردود فعل أعنف من ذي قبل، لا بل أيضاً بمحاولات لاجهاض حقوق سابقة حصلت عليها المرأة.
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية حول ضعف "ثورية" القرار، تتعلّق بالمرأة والرجل السعوديين معاً هذه المرة وبعلاقتهما بالدولة.
فقد وصلت وتائر التحديث المادي والتعليمي والإعلامي (الفضائي) في المملكة مرحلة لم يعد ممكناً معاً موازنتها أو استيعابها بالأيديولوجيا السلفية المغلقة، التي تعود بأصولها ومرجعيتها إلى ظروف واجتهادات القرن الثالث عشر ميلادي، أو على الأقل إلى أوائل القرن العشرين. والخيار هنا بين أحد أمرين:
إما أن تقوم الدولة بتوحيد المجتمع المنقسم إلى مذاهب وقبائل ومناطق متناحرة (بفعل العقائد التكفيرية والتفسيقية)، على أسس التعددية والانفتاح والانتماء الوطني، فتخلق بذلك ثقافة المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات أمام مؤسسات دولة القانون.
أو تتعرّض الدولة، ومعها الكيان نفسه، إلى خطر التفسخ، لأنها لن تكون قادرة بعد حين على الإيحاء بأنها تلعب دور "الوسيط" مع السلفية القروسطية التي فشلت فشلاً ذريعاً في بناء انتماء وطني توحيدي حقيقي في البلاد. وهذا أمر بات ينتمي إلى المستقبل القريب لا البعيد بحفز من التغيرات الهائلة التي حدثت في العالم والشرق الأوسط غداة أحداث 11 سبتمبر 2001 وتطورات الربيع العربي.
قد يقال هنا أن الدولة غير قادرة على فك عرى تحالفها التاريخي مع "الشيخ"، لأن ذلك قد ينسف أحد ركيزتي شرعية "الأمير". بيد أن هذا أصبح قولاً مردوداً الآن، لأن "الخصوصية السعودية" تستطيع التحالف مع صيغة سلفية معتدلة وأكثر انفتاحاً وعصرية. فالسلفية، كما هو معروف، متعددة المنابع والاجتهادات والألوان، وهي ليست حكراً لا على غلاة المؤسسة السلفية المهيمنة راهناً ولا بالطبع على السلفيين الجهاديين.
هذا علاوة عن أن الإسلام المعتدل والمنفتح في السعودية بالذات، بات مطلباً إقليمياً ودولياً، لما لهذه الدولة من تأثير ضخم على باقي مجريات الأحداث في العالم الإسلامي برمته.
- III -
عودة إلى المرأة السعودية لنقول أن التطورات الاقتصادية والسياسية والتعليمية في المملكة، بدأت تدفع سهم التاريخ في  اتجاهها.
وفي حال استمر تقدم المرأة السعودية، وإن ببطء، على هذه الجبهات، فلن يكون من المغالاة في شيء القول أن تطور الدولة والمجتمع السعوديين نحو التحديث السياسي وصولاً في خاتمة المطاف نحو الدستورية الديمقراطية، سيكون بقيادة المرأة، أو على الأقل بحفز من مسيرتها نحو التحرر.
ولاعجب. فالمرأة التي تهز سرير الطفل بيمينها قادرة على هز العالم بيسارها، كما كان يردد نابليون بونابرت.


سعد محيو