للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سورية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 4 يونيو 2014

المواطن السوري بين وحشية الأسد ووحشية الحرب


- I -
ثمة حقيقة ليس في وسع لا المعارضة السورية ولا خصوم النظام السوري القفز فوقها: صحيح أن الانتخابات الرئاسية "التعددية" كانت "عاراً" ديمقراطياً وأخلاقيا، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن مأزق الخيارات المخيفة الذي يعيشها 22 مليون سوري بين وحشية الأسد أو وحشية الحرب الأهلية. بين الأمن داخل قفص الديكتاتورية الأمنية والعسكرية، وبين غابة اللاأمن خارج القفص.

هذا مادفع العديد من السوريين إلى الاقتراع لصالح تمديد رئاسة الأسد كي تصل إلى 21 سنة متصلة، إضافة بالطبع إلى اقتراع الأقليات العلوية والمسيحية له، التي تؤمن  بالفعل أن نظام الأسد هو ضمانتها في صراع البقاء الجديد.
أجل. النظام مارس التهديد والوعيد لحمل الناخبين إلى صناديق الاقتراع، إما عبر الترويج بأن من يرفض الانتخاب سيخسر وظيفته العامة أو حياته الخاصة. لكن أجل أيضا: كثرة من السوريين التي وقفت بقوة إلى جانب الانتفاضة قبل ثلاث سنوات، ربما باتت مستعدة الآن لقبول بقاء عائلة الأسد في السلطة، إذا ماكان ذلك سيعني انتهاء مأساة التهجير والقتل والتدمير.
ومن يستطيع أن يلوم المواطن السوري إن هو انحاز إلى هذا الخيار، فيما هو يرى بدائل النظام إما في داعش أو النصرة اللتين فتحتا على حسابهما حربهما الاهلية الخاصة، أو في معارضة إسلامية مسلحة "معتدلة" تعتاش على التنفس الاصطناعي المالي الخليجي، أو في معارضة سياسية خارجية "تعاني" التشرد في فنادق الخمسة نجوم في أوروبا وتركيا.
من يستطيع أن يلوم هذا المواطن، وهو يرى المجتمع الدولي وقد أدار ظهره لأخطر مأساة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية (وفق توصيف الأمم المتحدة)، على رغم الأسلحة الكيميائية، والبراميل المتفجرة، والتدمير المنهجي لأكثر من نصف البنيان السوري ومعه أكثر من مليون قتيل وجريح؟
"نظرية المؤامرة" المنتشرة على نطاق واسع الآن تقول ن إدارة أوباما تراجعت عن كل خطوطها الحمر في سورية، ليس لأنها لاتريد الانجرار إلى حروب جديدة في العالم الإسلامي، كما تقول، فيما هي تنسحب من أفغانستان وقبله العراق، بل بالدرجة الأولى لأن إسرائيل لاتزال تتمسك بما أعلنه رامي مخلوف منذ بداية الحرب الاهلية: "أمن إسرائيل من أمن النظام السوري الحالي".
لكن، وحتى لو كانت نظرية المؤامرة هذه غير صحيحة، إلا أن الوقائع تشير إلى أن الولايات المتحدة وبقية السرب الغربي "اقترعت" هي الأخرى إلى جانب خيار إشاحة النظر عن المأساة السورية المروعة، والتركيز بدلاً من ذلك على الأرباح الاستراتيجية التي قد تحصدها في حال استمرت الحرب، أو بالأحرى، الحروب الداخلية وحروب الآخرين على الأرض السورية.
كيف ؟
- II -

الإجابة تكمن في معادلة بسيطة: كل شهر يمر في هذه الحرب، يكلّف إيران ما بين 600 مليون إلى مليار دولار شهرياً (طهران تدفع رواتب كل موظفي الدولة السورية). وإذا ما أضفنا إلى ذلك التمويل الإيراني الكثيف لمقاتلي حزب الله اللبناني في سورية (خمسة آلاف كما يشاع) وميليشيات أبو الفضل العباس الشيعية العراقية والعناصر الشيعية الباكستانية(عشرة آلاف كما يقال)، فإن الكلفة الإيرانية السنوية قد تصل بالفعل إلى مايتراوح بين 15 إلى 20 مليار دولار. وهذا استنزاف مريع لبلد مثل إيران يعاني شبابه من 30 بالمئة من البطالة، فيما40 في المئة من السكان تحت خط الفقر ويحتاجون الدعم الحكومي المباشر في طعامهم اليومي. ولذلك، لم يكن غريباً أن يصف الغربيون حرب سورية بأنها "فيتنام أو أفغانستان الإيرانية".
إلى جانب إيران، هناك الورطة الروسية، الأخلاقية والدبلوماسية والمالية بل وحتى الاستراتيجية، في سورية. فموسكو تخسر كل يوم من رصيدها المعنوي العالمي، الذي راكمه الاتحاد السوفييتي السابق على مدى 70 عاماً بوصفه الأخ الحاني على العالم الثالث. وعلى رغم أن الرئيس بوتين يستمتع الآن بكونه لاعباً كبيراً على الشواطيء المتوسطية الدافئة بعد غياب روسي دام نيفاً وربع قرن، إلا أن الرضى الذاتي هو في الواقع وهم ذاتي، لأنه حتى لو بقي حليفه الأسد في السلطة، إلا أنه لن يبق هناك شيء اسمه سورية كدولة يرتع فيها النفوذ الروسي. لن يكون هناك سوى ملايين الأفواه الجائعة وملايين أخرى من المنازل والمدارس والمستشفيات والبنى التحتية التي ستحتاج إلى مئات مليارات الدولارات لإعادة بنائها.
ثم هناك أيضاً إسرائيل، التي تفيق كل صباح لترك يديها فرحاً وهي ترى سورية، ومعها "التوازن الاستراتيجي" الذي سعى إليه الرئيس حافظ الأسد يتمزقان إلى أشلاء، فيما خصمها حزب الله يغرق أكثر فأكثر في وحول مستنقعات ليس لها قرار.
- III -

لاأحد، إذا، في الغرب على عجلة من أمره لإنهاء المأساة السورية المروعة. لكن لا أحد أيضاً (غير ربما الرئيس الأسد نفسه وحاشيته) يعتقد أن الرئيس السوري في وسعه، بسبب، ذلك استعادة السيطرة على البلاد أو إعادة بناء نظامه حتى ولو معدلا. فالنظام انتهى منذ أمد غير قصير. وأنانيب التنفس الاصطناعي التي يمده بها النظام الإيراني، عرضة في أي لحظة إلى السحب، إما بفعل صفقة سرية أميركية- إيرانية، أو لأن إيران ستكون عما قريب بين خيار وقف دعم الأـسد (أو حتى ربما إغتياله) أو إفلاسها هي.
صور الأسد وقرينته أسمى، وهما يبتسمان خلال الاقتراع، ربما تعكس موازين القوى الراهنة في سورية بعد المكاسب على الأرض التي حققها النظام وحلفاؤه الإيرانيون. لكن هذه بالتأكيد ستكون لحظة عابرة. فالآتي بعد التمديد للأسد سيكون أعظم، لأن هذا التمديد عنى في الواقع تمديداً رسمياً للحروب فوق أرض سورية.
وإذا ما كان الأمر على هذا النحو بالنسبة إلى الأسد، فإنه سيكون على هذا النحو أيضاً للمواطنين السوريين حين تتغير موازين القوى (وهي ستتغير حتماً) وتصبح فرص مستقبل بديل خارج وحشية الأسد ووحشية الحرب أكثر وضوحا.

سعد محيو
(ملاحظة: غدا نتابع حلقات "العالم ينفجر)

  

الخميس، 20 مارس 2014

هل تُشعل معركة دمشق مجابهة إقليمية واسعة؟



- I -
ماذا يعني التصعيد الراهن على جبهة الجولان؟
دوائر حزب الله والنظام السوري تقول إن إسرائيل، التي يتهمانها بـ"التواطؤ" مع المعارضة المسلحة السورية (وهي بالطبع تهمة متبادلة بين النظام والمعارضة)، لجأت إلى التصعيد بعد المكاسب العسكرية التي حققها الجيش النظامي في يبرود القلمون ومنطقة الغوطة. وهذا تجسَّد في الغارات الجوية التي شنها الطيران الإسرائيلي فجر أمس على مواقع عسكرية سورية في المناطق المحررة من الجولان.
بيد أن إسرائيل ترى، على العكس، أن حزب الله هو الذي يبادر إلى التصعيد في الجولان، بهدف جر إسرائيل إلى الحرب. ويسوق المسؤولون الإسرائيليون هنا جملة عمليات نفذها حزب الله منذ أوائل شهر آذار/مارس الحالي في كل من الجولان والحدود السورية- الإسرائيلية.
 هدف الحزب؟  جر إسرائيل إلى المعركة في جنوب سورية، وفق ما نقلته "فاينناشال تايمز" عن بعض المسؤولين في تل أبيب.
لكن، وبغض النظر عمن الأوفر حظاً في تحمّل تهمة التصعيد، ثمة حقيقة لايمكن القفز فوقها: جبهة الجنوب السوري الممتدة من درعا إلى جولان مروراً بدمشق، تشهد بالفعل منذ الأشهر القليلة الماضية تزخيماً لم يسبق له مثيل، تجسّد أولاً في نجاح الجهود لتوحيد عشرات الفصائل المسلحة في إطار "جبهة ثوار سورية" التي يقال أنها باتت تضم ما بين 30 إلى 40 ألف مقاتل. كما تمثَّل، ثانياً، في تأكيد دوائر إعلامية أميركية وبريطانية أن الأجهزة الأمنية الغربية والخليجية والأردنية قطعت شأواً بعيداً في تدريب آلاف المقاتلين المعارضين، تمهيداً لتشكيل "الجيش الوطني الحر" بقيادة جمال معروف، وأنها قد تزودهم بأسلحة نوعية ضد الطائرات الحربية (أو على الأقل الهليوكوبتر) والدبابات (راجع  التفاصيل في موقع "اليوم، غدا"- 17 آذار/مارس 2014) لخوض معركة دمشق.
- II -
جبهة الجنوب، إذا، هي الرقعة الاستراتيجية التي تجري فوقها الاشتباكات والعمليات التكتيكية بين حزب الله وإسرائيل. كما أنها أيضاً الجبهة التي تشكّل الآن القلق الرئيس للنظام السوري والحزب معا. وهذا ماقد يعطي الاتهام لحزب الله بأنه يريد جر إسرائيل إلى المعركة بعض الصدقية. ولعل هذا مادفع إسرائيل إلى تجنب الرد على حزب الله في لبنان، واختارت أن ترد على مواقع داخل سورية.
علاوة على ذلك، سيكون من الأسهل على الحزب ودمشق خوض المعركة الكبرى المقبلة في الجنوب وهما يضعان الدولة العبرية في سلَّة المعارضة. كما يجب ألا نسقط من الاعتبار هنا أن معظم مناطق الجنوب، عدا الطرقات الاستراتيجية، هي الآن في قبضة المعارضة. وبالتالي، أي تورط إسرائيلي في الحرب سيكون في نهاية المطاف على حساب هذه الأخيرة.
قلق النظام السوري من تطورات الجنوب كان واضحاً في التحليل الأخير الذي نشره الخبير العسكري السوري الموالي للنظام سليم الحربا، والذي أورد فيه النقاط الرئيسة التالية (بعد أن أسقطنا منها اللغة الإديولوجية التعبوية):
- كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن المعركة الكبرى في الجنوب السوري لجهة درعا والذي اطلق عليها إسم “السهم” المنطلق من الأردن باتجاه القلب في دمشق، وبدأت حمى التصريحات والتلويحات والتهديدات والضربات الإعلامية الكثيفة حول تغيير موازين القوى. وقد صدر أمر عمليات من الولايات المتحدة إبان انعقاد الجولة الثانية لجنيف2، نتيجة الفشل في تحقيق الأهداف المرسومة بكليتيها التكتيكي والإستراتيجية. هذه الحمى في التصريحات والحديث المتكرر عن تسخين جبهة الجنوب، ما هي إلا محاولة لرفع المعنويات لدى "العصابات الإرهابية" التي بدأت تنهار نتيجة الضربات التي تتلقاها، ناهيك عن إعطاء فرصة أخيرة لوهج بني سعود بعد تغيير رئيس جهاز الأمن بندر بن سلطان بالتوازي مع إعطاء دور وظيفي للأردن قد يكون مقبوض الثمن سلفاً وبالتنسيق مع الكيان الإسرائيلي.
- من هنا نرى (والكلام لازال للخبير حربا) أن الجيش السوري ينفذ عملياته في المنطقة الجنوبية على إمتداد تواجد العصابات المسلحة في ريف درعا الشرقي والغربي وريف القنيطرة، ويمنعها من السيطرة على أي نقطة إستراتيجية يمكن أن تشكل مرتكزا لهذه المجاميع الإرهابية التي تأتي من الأردن، والتي تهدف إلى تشكيل جيش جديد بأسلحة متطورة وتدريب نوعي.
 -  الجيش السوري يوزِّع بنيته التكتيكية والإستراتيجية على المستوى القتالي والناري والشعبي على أنساق كبيرة جداً في الجبهة (الجنوبية) لصد أي عدوان قد يأتي من الأردن أو الجولان المحتل، وهو لايترك على المستوى الإستراتيجي أي مكان للغفلة أو للصدفة، حيث حوَّل المساحة الممتدة من الحدود الأردنية الى هضبة الجولان وصولاً الى دمشق الى “مثلث برمودا”. وبالتالي الجيش السوري إستعد لمثل هكذا مواجهة، كونه سيعمد الى تغيير قواعد الإشتباك التي قد تتطور الى مجابهة إقليمية وربما تتدحرج نحو العالمية أو الدولية الى ما لا تستطيع إسرائيل تحمله.
- III -
هذه النقطة الأخيرة التي أوردها الخبير السوري، أي احتمال تطور معركة الجنوب إلى حرب إقليمية، تضفي على التصعيد الأخير في الجولان والمناطق الحدودية السورية- الإسرائيلية الأخرى، بعدا استراتيجياً خاصاً. ولعل النظام السوري وحزب الله يبنيان حساباتهما الآن على الشكل التالي: إذا ما كانت الولايات المتحدة والدول الغربية والخليجية قررت فتح باب الجحيم عليهما إنطلاقاً من البوابات والنوافذ الأردنية، فلا أقل من أن يقوما هما أيضاً بتوسيع دائرة المجابهة كي تكون أيضاً إقليمية ودولية واسعة.
وإذا ما أضفنا إلى هذا السيناريو المضاعفات الكبرى المتوقعة على سورية من الصراع الروسي- الاميركي والأوروبي حول أوكرانيا، والتي بدأت تتحوّل إلى شكل من أشكال الحرب الباردة، فقد نصل إلى الاستنتاج بأن  شجرة الاشتباكات التكتيكية في الجولان، قد تخفي وراءها بالفعل غابة من الحسابات الاستراتيجية الجديدة للغاية، والخطرة للغاية.

سعد محيو


-

السبت، 15 مارس 2014

معركة دمشق باتت قريبة؟



طيلة الأشهر القليلة الماضية، كانت الأنباء تتواتر باستمرار عن قرب فتح جبهة العاصمة دمشق، إنطلاقاً من درعا والحدود الجنوبية لسورية مع الأردن التي يبلغ طولها نحو 375 كيلومتر.


بيد أن شيئاً من هذا لم يتحقق، عدا المكاسب الجغرافية المحدودة التي حصدتها قوى المعارضة المسلحة، وبشكل متواصل أسبوعياً تقريباً، في منطقتي الجولان ودرعا ومؤخراً في السويداء. هذا في حين كان جل تركيز المعارضة والقوى الدولية والإقليمية المعارضة للنظام السوري الحالي، منصباً على الجبهة الشمالية المتاخمة للحدود التركية، لا الجبهة في الجنوب.
مؤشرات جديدة
لكن يبدو أن الأمور مقبلة على تغييرات كاسحة في الآتي من الأيام.
المؤشر؟ ثمة مؤشرات عدة لا واحدا:
المؤشر الأول: الانهيار شبه الكامل لأي فرصة للوفاق الأميركي- الروسي حول التسوية السياسية في سورية، في أعقاب كلٍ من فشل مؤتمر جنيف 2 الذي أنحى  المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي بلائمته (الفشل) على النظام السوري، وانفجار الأزمة الأوكرانية ومعها شبح عودة شكل من أشكال الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن.
ويجمع العديد من المحللين الغربيين على توقع قيام الولايات المتحدة الآن برمي بعض ثقلها وراء المعارضة المسلحة في جنوب سورية، من جهة بهدف تمديد خطوط المجابهة مع روسيا (التي يستنزفها، كما إيران، الدعم الكثيف للنظام السوري المُفلس) إلى الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى لتعديل موازين القوى في بلاد الشام إلى درجة تكفي لإقناع الرئيس بشار الأسد بالعودة إلى طاولة مفاوضات، لكن هذه المرة مع استعداد للتوصل إلى تسوية ما.
 المؤشر الثاني: تأكيد ديفيد أغناتيوس، الكاتب في صحيفة "واشنطن بوست" المُقرّب من دوائر البنتاغون، قيل أيام، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي. أي. آي) تدرب وتخرّج 250 عنصراً من المعارضة السورية شهرياً، يتوجهون بعدها إلى القتال في الجبهة الجنوبية. هذا في حين سرت أنباء غير مؤكدة بأن القوات الخاصة الأميركية تدرّب أيضاً العديد من كوادر المعارضة المسلحة السورية على الحرب ضد الإرهاب في قاعدة عسكرية خليجية.
وتشير تقارير نشرتها صحف أميركية عدة أن المعارضة السورية في الجنوب طالبت (وحصلت على) مدفع رشاشة ثقيلة ستمكّنها قريباً من إسقاط طائرات الهليوكوبتر، هذا في حين كان أغناتيوس يؤكد أن المملكة السعودية أرسلت بالفعل إلى الأردن صواريخ مضادة للطائرات، لكن هذه الدفعة لم تُسلَّم إلى المعارضة بانتظار الضوء الأخضر الأميركي.
المؤشر الثالث: القرارات التنظيمية الأخيرة التي اتخذها الإئتلاف الوطني السوري، والتي انتقلت بموجبها القيادة العسكرية للمعارضة من الحدود التركية إلى مدينة الرمثا على الحدود الأردنية، عبر تعيين عبد الإله البشير النعيمي قائداً والعقيد المنشق هيثم نفيسي (وهو أحد قادة جبهة ثوار سورية التي يتزعمها جمال معروف، النجم الصاعد في المعارضة المسلحة السورية) نائباً له.
هذه الخطوة التنظيمية، التي أسفرت عن تشكيل "غرفة عمليات" واحدة للجبهة الجنوبية بدعم من الأجهزة الأمنية الأميركية والاوروبية والعربية، بقيادة النعيمي، والتي ستنسِّق نشاطات نحو 30 ألف مسلح ينتمون إلى تنظيمات رئيسة، وينشطون في منطقة شاسعة تمتد من ضواحي دمشق شمالاً إلى الحدود الجنوبية لسورية ومرتفعات الجولان.
إلى دمشق
"يتم التحضير الآن لحملة عنيفة للغاية ضد النظام. الطرق نحو دمشق والمناطق المحاصرة ستُفتح قريبا. لقد تم إحراز الكثير من التقدم مؤخراً في جبهة الجنوب، وستسمعون قريباً عن المزيد من المناطق المحررة".
هكذا تحدث ليث حوران، الناطق باسم كتائب اليرموك، وهي إحدى الفرق العاملة في الجنوب. وهو رأي يبدو أن محللي صحيفة "فاينناشال تايمز" الرزينة يتبنونه. إذ ذكروا (6 مارس/ آذار الحالي) أن "مقاتلي المعارضة السوريين وداعميهم الدوليين يعدون العدة لهجوم على دمشق انطلاقاً من الجنوب، في ما يمكن أن يكون تحولاً دراماتيكياً في استراتيجيات الحرب السورية".
لقد بات واضحاً الآن أن الجهود الغربية والعربية لدعم المعارضة "المعتدلة"، تتركز الآن على بناء هيكلية واستراتيجية لـ"جبهة جنوبية" يُعاد تعريفها من جديد، ولها شبكة قوات تنتشر من الحدود الأردنية إلى الريف المحيط بدمشق. وبالتالي، لم يعد اهتمام هذه الجهود ينصب على من سيزوّد بالسلاح، بل على البنى التنظيمية والتخطيط العسكري.
ويقول هنا تشارلز ليستر، المتخصص في شؤون تنظيمات المعارضة السورية في مؤسسة بروكينغز، أن " ثمة إدراكاً في الولايات المتحدة والغرب بأن شمال سورية أصبح معقداً للغاية في هذه المرحلة، حيث أنه لم يعد محتملاً أن تسيطر القوى المعتدلة على المنطقة ضد المتطرفين أو أن تحقق مكاسب ضد نظام الأسد. وهذا أدى إلى فهم آخر بأن الجنوب مفتاح أكثر واقعية لتحقيق نجاحات عسكرية يقودها معتدلون".
يضيف أن دمشق تبعد 500 كيلومتر عن أقرب نقطة في جبهة الشمال، في ما لاتبعد دمشق سوى 120 كيلومتراً عن جبهة الجنوب. والهدف الرئيس من وراء الاندفاعة المتوقعة للمعارضة المسلحة نحو دمشق هو السيطرة على الطريقين الرئيسيين اللذين يربطان العاصمة بالجنوب على طول طوبوغرافيا مسطحة.
علاوة على ذلك، فتح جبهة الجنوب، سيخفف الضغط كثيراً على جبهة الشمال، الأمر الذي سيمكّن قوى المعارضة المعتدلة هناك من تصفية الحسابات مع "داعش" وبعض أجنحة جبهة النصرة.
كيف سيرد النظام السوري على هذه الخطط التي باتت علنية؟
الرد بدأ بالفعل. وهذا تجسد في انتقال حملة البراميل المتفجرة من حلب ومناطق الشمال إلى مناطق الجنوب. كما يجب ألا ننسى هنا أن النظام حشد منذ بداية الانتفاضة السورية قبل سنوات ثلاث زهاء 40 في المئة من وحداته المقاتلة في دمشق، لإدراكه أن بقاءه يعتمد أولاً وأخيراً على سيطرته على العاصمة.
وهذا ماسيجعل المعركة المقبلة في الجنوب- دمشق من أشرس المعارك وأقساها، وأيضاً من أكثرها قدرة على تغيير المعادلات وقلب الاستراتيجيات كافة.

سعد محيو


الاثنين، 2 ديسمبر 2013

من سيُنقذ ملايين السوريين من "جهنم والجهنميين"؟


- I -
سؤال غير بريء: لماذا لايبذل الإعلام العربي والدولي سوى اهتمام خافت وضئيل للغاية بالوضع الإنساني المرعب في سورية؟
سنحاول الإجابة على هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة سريعة أولاً أمام مايجري وراء دخان العمليات العسكرية للجيشين الحر والنظامي وجيوش الميليشيات الأخرى، والمداولات السياسية حول مصير سورية في أفخم فنادق جنيف واسطنبول وباريس وموسكو، والصراعات الإقليمية حول الحصص والأدوار والأحجام في "الجثة السورية":
- الحرب (وفق تقرير أخير للأمم المتحدة) قذفت أكثر من 8 ملايين سوري إلى ماتحت خط الفقر، نصفهم في حالة فقر مدقع للغاية. هذا في حين أن نحو نصف سكان سورية أصبحوا إما مهجرين أو نازحين.
- البطالة بلغت 50 في المئة، والمتسولون باتوا مشهداً ثابتاً في دمشق وباقي المدن السورية، فيما الاقتصاد السوري خسر خلال سنتين إثنتين أكثر من 100 مليار دولار.
- لكن الأخطر من هذا وذاك، أن الأزمة أسفرت عن ولادة "طبقة" جديدة من أثرياء الحرب تضم خليطاً من أرباب السلطة ورجال الأعمال وبعض اللصوص في تيارات المعارضة. وهذه النخبة "باتت هي العقبة الكبرى أمام أي حل سياسي وسلمي في البلاد"، كما جاء في تقرير لـ"فايننشال تايمز"(1-12- )2013، التي نسبت أيضاً إلى  رجل أعمال موالٍ للحكومة قوله: " إذا ماقسمت الناس بين من يريد وقف القتال وبين من لايريد ذلك لأنه مستفيد منه، أعتقد أن الأغلبية ستكون من الصنف الأول".
أرباح هذه النخبة، التي تتأتى من التهريب والفساد واستيراد المواد الغذائية والطبية والمازوت المهرّب تبلغ ملايين الدولارات في اليوم، يتقاسمها أركان هذه النخبة الرئيسيين بـ"العدل والقسطاس"، ويحولون معظم هذه الأموال إما إلى مصارف موسكو أو إلى فريق ثالث في المصارف اللبنانية.
النظام السوري، كنظام وحكومة، يقتطع نسبة كبيرة من هذه الأرباح لتمويل آلته العسكرية، فيما تتكفل إيران وإلى حد أقل بكثير روسيا والصين بدفع رواتب أكثر من ستة ملايين موظف رسمي سوري.
أما في جبهة تيارات المعارضة المتنوّعة للغاية، فقد برز في بعض صفوفها متربحون من شتى الأنواع: مهربون، وفارضو جزية، وقاطعو طرق، و"مستقطِعو" أموال المساعدات المالية والعينية السعودية والقطرية.
ويلخّص رجل أعمال دمشقي الوضع بالكلمات الآتية:" سورية الآن هي أرض الفرص لرعاة البقر واللصوص والمجرمين".
- II -
نعود الآن إلى سؤالنا الأولي: لماذا تختفي هذه الصورة اللاإنسانية واللاأخلاقية، إلا لماماً، من أجهزة الإعلام بمختلف صنوفها؟ وكيف يمكن لملايين العرب ومليارات البشر أن يقفزوا فوق أنين مئات آلاف الأطفال وعويل النساء وجوع الرجال، ليهتموا فقط بتقدم الجيش النظامي نحو قرية في الغوطة أو في هجوم مضاد للجيش الحر في ريف حلب، أو في دور أو لادور بشار الأسد في مستقبل بلاد محطّمة الأضلاع ومكسرة الأجنحة؟
سورية هي الآن جهنم حقيقية لشعبها، ومرتعاً للصوص والمجرمين والقتلة. لكن الإعلام لايحكي لنا سوى عن قصص المصالح الإقليمية والدولية، والمناورات الدبلوماسية "الذكية"، ومشاريع التسوية التي لاتأتِ أبدا.
سيبادر البعض هنا إلى القول: ليس في هذا الأمر لامؤامرة ولاتخطيط مقصود. فما نرى الآن ليس سوى تكرار لتاريخ بشري هو كناية كله عن سجل حروب إجرامية، وتأريخ أكثر إجراماً لهذا السجل. إنه الوعي البشري نفسه وهو لايزال غير قادر على مغادرة عقلية الكهف القائمة على زوج الخوف- العدوانية في الصراع من أجل البقاء، في حين أن التطور التكنولوجي- العلمي نسف كل أسس الصراع على الماء والكلأ وباقي مقومات البقاء.
تحليل صحيح.
لكن الصحيح أيضاً أن هذا السجل الإجرامي المتصل للتاريخ البشري تضمّن الكثير والكثير من مراحل الانقطاع، التي وُلدت فيها القيم والمباديء الإنسانية السامية، من شريعة حمورابي في العام 1790 ق. م إلى الأم تيريزا في القرن العشرين، مروراً بالبوذية والطاوية والكم الكبير من الفلاسفة والأنبياء الذين بشروا بوحدة الوجود والكائنات وبسمو النفس البشرية.
أين أنصار مراحل الانقطاع الأخلاقية - الروحية هذه من مأساة الشعب السوري الرهيبة؟
لن نذهب بعيداً إلى مراكز المجتمع الدولي، لأن الأمل فيها مفقود. ولو لم يكن الأمر على هذا النحو، لما كان إعلام هذا المجتمع قد فرض حظراً حقيقياً على صور هذه المأساة، لأن أصحاب القرار السياسي والاقتصادي فيه قرروا أشاحة وجوههم عنه تبعاً لمصالحهم "القومية". (كما جرى في رواندا والعراق ولبنان وكمبوديا، والعد مستمر).
شكوانا هي برسم "الإخوة" العرب، مواطنين ونخباً، الذين إن لم تحركهم هذه الكارثة الإنسانية، فكان يفترض على الأقل أن يشعروا بوخز ضمير وهم يسمعون نداء استغاثة طفل سوري بلغتهم العربية، أو دعاء أم باكية بلغة القرآن، أو حتى مشاعر قرابة ولو بعيدة من 10 ملايين مواطن سوري قُذِفَ بهم إلى جهنم بلا شفقة أو رحمة.
هل نسمع أحداً يهمس بأن مثل هذا الكلام "لاسياسي"، و"مثالي"، وبالتالي لن يقدّم أو يؤخّر في شيء على أرض الواقع؟
إذا ماكان نسمع صحيحاً، فينبغي على من يقوله أن يعلن استقالته أيضاً من أي أمل بأن تخرج البشرية من جهنمها الراهنة، وأن يقبل بأن انقراض هذا العرق الذكي من المخلوقات آتٍ لامحالة.
لكننا نحن نرفض هذه الاستقالة وذاك الخنوع. فإذا ما كان الخيار الذي تفرضه علينا الآن أمنّا "غايا" ( بيئة كوكب الأرض الحي) هو إما التطور إلى بشر أكثر أخلاقية ووعياً صافياً ولاأنانية أو الموت والانقراض، فإننا نختار التطور.
ونقطة البداية تبدأ من هنا، من سورية، التي يجب أن تتكاتف الآن كل حناجر وأيدي أنصار الحياة  الواحدة والوعي الصافي ووحدة الوجود في المنطقة العربية للدعوة إلى إخراج شعبنا السوري من جهنم، ومن كل القوى الجهنمية المتقاتلة التي تقتات الآن على أكباد أطفاله.
يا أنصار الحياة، اتحدوا وتحرّكوا لكشف النقاب عن وجه جهنم والجهنميين في سورية.

سعد محيو








الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

هل وقع أوباما في فخ جديد، روسي هذه المرة؟



في كتابه الأخير بعنوان "الهاوي"  (The Amateur) ينقل الكاتب الأميركي البارز إدوارد كلين عن الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قوله:" باراك أوباما غير كفؤ وغير قادر على القيام بواجبات البيت الأبيض. أنه هاوٍ ولايعرف كيف يكون رئيساً، كما لايعرف كيف يعمل العالم".
كلمات قاسية؟
ربما كان الأمر كذلك قبل أشهر قليلة. لكن مواقف أوباما من تطورات الأزمة السورية الراهنة، جاءت لتؤكد كلمات كلينتون حرفاً بحرف. فهذا الرئيس أثبت أنه يستيقظ متردداً وينام متقلّبا. يتخذ قراراً "حاسماً" في الصباح، ويغيّره بـ"حسم" في المساء. وهذا جعله وجعل إدارته تتخبط خبط عشواء في كل خطوة قامت بها حيال الأزمة السورية. كما جعل الدولة العظمى الوحيدة في العالم تبدو أشبه بكرة تتقاذفها دول كبرى ومتوسطة وصغرى على حد سواء.
فصول المسرحية 
نقطة البداية في هذه المسرحية الأوبامية، التي تجرأت صحيفة "فايننشال تايمز" المتطرفة في رزانتها وتحفظها على وصفها بأنها باتت "كوميدية"، كانت في لحس الرئيس الأميركي تهديده السنة الماضية بمعاقبة النظام السوري "في حال تجاوزه الخط الأحمر الكيميائي"، رغم اعترافه مؤخراً (على لسان وزير الخارجية كيري ) أن  النظام استخدم الأسلحة الكيميائية 11 مرة ضد شعبه، وأن مجرزة الغوطة لم تكن سوى الحلقة الأخيرة في ذلك.
ثم توالت بعد ذلك فصول المسرحية: من قرار الرئيس أوباما توجيه ضربة عسكرية سريعة للنظام السوري وقيامه بحشد الأساطيل الأميركية في شرق المتوسط استعداداً لذلك، إلى قراره في ربع الساعة الأخير من الموعد المحدد للضربة التراجع وإحالة الأمر إلى الكونغرس. هذا على رغم أن أوباما كان يعلم سلفاً أنه سيواجه معارضة شديدة من مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وأنه قد يتعرض إلى هزيمة سياسية نكراء قد تجعله أول رئيس أميركي في التاريخ يتحول إلى "بطة عرجاء" قبل ثلاث سنوات كاملة من انتهاء عهده.
.. والفصل الأخير
وجاء الفصل الأخير الآن، حين وافق أوباما على وضع كل بيضه في سلة روسيا وسورية، بعد أن وضعها في سلة الكونغرس، من خلال موافقته على اقتراح موسكو بوضع الأسلحة الكيميائية السورية في عهدة الأسرة الدولية.
بيد أن أصغر طالب في أصغر فصل مدرسي يعرف أن مسألة تخلي النظام السوري عن أسلحته الكيميائية في مقابل وقف الضربة العسكرية الأميركية، ليس وارداً في الواقع، أو هو على الأقل يتطلب فترة زمنية مديدة. فهذه الأسلحة موزعة على 60 موقعاً في كل أنحاء سورية. ولكي يتمكن المراقبون الدوليون من وضع يدهم عليها، سيتطلب ذلك وقفاً شاملاً لاطلاق النار في البلاد. وهذا أمر يتطلب بدوره تسوية سياسية، أو في الحد الأدنى بدايات لهذه التسوية، على الصعيدين الدولي والمحلي السوري.
علاوة على ذلك، وزير الخارجية السوري وليد المعلم كان مبهماً في تعليقه على الاقتراح الروسي. فهو قال أن النظام "يرحب بهذا الاقتراح"، لكنه لم يقل أنه يوافق عليه. والفرق كبير بالطبع بين الترحيب والموافقة.
كل هذا يعني أن أوباما سمح لنفسه أن يقع في فخ روسي- سوري جديد، يبدو أن هدفه الوحيد هو إجهاض التعبئة الاميركية الراهنة للحرب، وليس تحقيق "اختراق " في الأزمة السورية كما أعلن أوباما.
والحال أن هذا الهدف بدأ يتحقق بالفعل. فمجلس الشيوخ أرجأ فوراً خطوة التصويت على القرار الإجرائي المتعلق بمناقشة طلب الإدارة تخويلها توجيه ضربة عسكرية إلى سورية. وبالتأكيد، لن يتأخر مجلس النواب، الذي تعارض غالبيته أصلاً هذه الضربة، القيام بإجراء مماثل. وكل هذا سيؤدي إلى إفقاد الولايات المتحدة ورقة الضغط العسكري الثمينة، التي كانت هي أصلاً وراء مسارعة موسكو المدهشة إلى تلقف دعوة كيري لنزع السلاح الكيميائي "خلال أسبوع".
إلى أين؟
حسنا. إلى أين الآن من هنا على الصعيدين الأميركي- الدولي والسوري؟
على الصعيد الأميركي- الدولي، سيتركز كل اللغط من الآن فصاعداً (والذي ينتظر له أن يكون صاخباً) حول مصير الزعامة الأميركية للعالم.
هنا، كانت مجلة الأيكونومسيت دقيقة للغاية حين سجّلت في افتتاحيتها لهذا الأسبوع النقاط التالية:
- فيما كان الشرق الأوسط يتحدث عن تقلّص الزعامة الأميركية للعالم، كان أحد أبرز مساعدي أوباما يقول أن الضربة العسكرية المفترضة "ستكون قوية فقط إلى الدرجة التي لن تعرضنا إلى السخرية(... )".
- التطورات الراهنة في سورية ستحدد وتعيد تعريف موقع الولايات المتحدة(ومعها الغرب) في العالم. فمع التحديات التي تفرضها روسيا وإيران، ومعهما الوزن المتزايد للصين كقوة اقتصادية وحكم سلطوي، ستكون هذه التطورات مؤشراً على مدى "إيمان الغرب" بنفسه.
- العالم بأسره يراقب مايجري الآن في أميركا حيال سورية. والأصدقاء كما الخصوم سيشكلون سلوكهم وفق محصلات اللحظة الراهنة. ولذا كان من الحيوي لأميركا أن تعمل الآن. بيد أن سلوكيات أوباما، سواء إزاء الكونغرس والرأي العام الأميركي والعالمي، لا تصب في هذه الخانة.
بالطبع، من المبكر الآن رصد السلوكيات الجديدة لروسيا والصين (وربما لأوروبا أيضاً) بعد التخبطات الأميركية الراهنة حيال سورية، خاصة وأن الرئيس الذي سيخلف اوباما لن يكون بالضرورة متردداً أو ضعيفاً مثله. لكن مايمكن قوله وبثقة أن هذه الدول الكبرى اشتمت رائحة الدم في هذه التخبطات، وستكون من الآن فصاعداً أكثر استعداداً لتحدي الزعامة الأميركية للعالم.
وماينطبق على الدول الكبرى، يسحب نفسه أيضاً على القوى الإقليمية التي ستبدأ هي الأخرى إعادة النظر في حساباتها وفي تحالفاتها الدولية، وستكون أكثر استعداداً للقيام بمغامرات في محيطها الأقليمي المباشر بهدف جس نبض التموضعات الجديدة في النظام الدولي.
هذا على الصعيد الدولي. أما في الداخل السوري، فستكون الصورة أكثر تعقيدا.
إذ في حال نجح النظام في تجنّب الضربة الأميركية، سيبذل بعدها قصارى جهده لإجهاض التحرك الدولي لنزع سلاحه الكيميائي، حتى ولو صدر قرار في هذا الشأن من مجلس الأمن الدولي. وهو هنا سيستعين، كما يقول خبير عربي بالشؤون الشرق أوسطية، بالخبرة الإيرانية المديدة في مجال التسويف والمماطلة النوويين.
هذا لايعني أن احتمال موافقة النظام السوري المبدئية على نزع سلاحه الكيميائي، لن يكون لها مضاعفات داخلية، حتى ولو أدرجت في خانة المناورة الملموسة والمحسوسة. إذ أن هذه الخطوة في حد ذاتها تعتبر تنازلاً استراتيجياً كبيراً من قِبَل النظام وتمس مباشرة مفهوم السيادة والاستقلال، الأمر الذي قد يخلق شقوقاً في جدار نظام كان متماسكاً حتى الآن.
هذا علاوة على أن أوباما "المتقلٍّب"، لايستبعد أن ينقلب مجددا على موقفه الأخيرة حيال الاقتراح الكيميائي الروسي، خاصة إذا ما أدرك (ولو متأخراً) أنه وقع في فخ جديد. هذا بالطبع إلا إذا ما كانت الدبلوماسية السرية الألمانية، التي تنشط الآن للوساطة بين روسيا وإيران وبين الولايات المتحدة، قد قطعت شوطاً من النجاح على الطريق نحو تسوية تتضمن إما تنازل بشار الأسد عن السلطة قبل انتهاء ولايته العام 2014، أو تبرئته من تهمة استخدام الأسلحة الكيميائية وتحميل شقيقه ماهر هذه المسؤولية.
على أي حال، يبدو واضحاً أن الأزمة السورية لم تدخل مرحلة جديدة مختلفة كلياً عن تلك التي كانت قبل مجزرة الغوطة الكيميائية وحسب، بل هي أدخلت العالم كله أيضاً في مرحلة جديدة . مرحلة قد يعاد النظر فيها في طبيعة الزعامة الأميركية، وحتى في معنى النظام الدولي نفسه.

سعد محيو
(*) نشر هذا المقال أمس في موقع سويس أنفو





الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

تمحضات "إيرانية ترافق "الانقلابات الأميركية" ضد الأسد



- I -
ثمة تمخضات "خفية" تجري على هامش عاصفة الضربة العسكرية الأميركية ضد النظام السوري، والتي يبدو واضحاً الآن أنها تأجلت ولم تلغ.
أبرز هذه التمخضات هي تلك التي تجري في الداخل الإيراني حيال سورية، من جهة، والاتصالات"تحت الطاولة" وفوقها بين إيران والولايات المتحدة، من جهة ثانية. وكلا هذين التطورين وثيقي الصلة ببعضهما البعض.
ففي الداخل الإيراني، يجب التوقف ملياً أمام الموقف الخطير الذي اتخذه أية الله هاشمي رفسنجاني، الرئيس السابق وأحد الأعمدة الرئيس للنظام الإيراني، حين قال (في شريط فيديو مسجّل تمت إذاعته لنفي الرواية الرسمية عن عدم دقته):" بارك الله شعب سورية الذي تعرَّض إلى هجوم بأسلحة كيمائية على يد حكومته نفسها، والذي يتعيّن عليه الآن أن يتوقع غزواً أجنبيا". كما أدان رفنسجاني انتهاكات حقوق الإنسان في سورية، وبدا وكأنه يدعم التمرد الشعبي ضد الرئيس بشار الأسد.
ويقول المحلل السياسي الإيراني صادق زيبا كلام أن تصريح رفسنجاني هذا "لايعبِّر عن آراء ملايين المواطنين الإيرانيين وحسب، بل هو أيضاً لسان حال مسؤولين كبار مثل الرئيس الجديد حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف" اللذين رحبا من أعماق قلبيهما به سرا".
هذا الرأي أيدته صحيفة فايننشال تايمز النافذة، لكنه لم تربطه بالمواقف الإنسانية بل في التوجهات الاستراتيجية، إذ قالت أن الرئيس روحاني وحكومته لايريدان مواصلة دعم نظام الرئيس الأسد مالياً وعسكرياً بلا شروط، لأنهما يعتبران ذلك عقبة أمام جهودهما لكسر الطريق المسدود في المحادثات مع الدول الست الكبرى حول الملف النووي الإيراني. وهذا ماقد يفسّر اللهجة غير التصعيدية الإيرانية حيال احتمالات الضربة العسكرية الأميركية لسورية.
ويقول هنا استاذ إيراني للعلاقات الدولية، طلب عدم ذكر اسمه،:" إيران لم تعد تريد وضع كل بيضها في سلة (الرئيس) الأسد، وقد بات من المصلحة الفضلى لحكومة روحاني البحث عن بديل له". ويضيف إلى ذلك مهرزاد بوروجيردي، مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة سيراكوز:" المسألة الآن هي كالتالي: إذا ماتدهورت أوضاع الرئيس الأسد في ساحات المعارك، فمتى ستتخلى عنه طهران؟ إذا ماظهرت أدلة جديدة على أن جيش الاسد استخدم بالفعل الأسلحة الكيميائية، فهذا سيرفع إلى حد كبير الأكلاف السياسية لدعم إيران له".
- II -
هذه التطورات على الصعيد الداخلي الإيراني ترتبط بشكل وثيق، كما أشرنا، باتصالات ماتحت الطاولة بين إيران والولايات المتحدة، والتي يبدو أن سلطان عمان قابوس ونائب الأمين العام للأمم المتحدة جيفري فيلاتمان، اللذان زارا طهران موخراً، يقومان فيها حالياً بدور ساعي البريد بين الطرفين.
 سورية باتت عنصراً رئيساً في هذا الحوار غير المباشر الأميركي- الإيراني، حيث تبدو واشنطن حريصة ألا تؤدي أي ضربة عسكرية لسورية إلى ضرب آفاق هذا الحوار، وحيث تبدي أيضاً حكومة روحاني الحرص نفسه عبر النأي بنفسها بقدر الإمكان عن بعض ممارسات النظام السوري.
لا بل ذهبت مصادر أبعد من ذلك بكثير، حين نقلت عن محللين أميركيين وإيرانيين قولهم أن إيران ربما ترحّب ضمناً بأي ضربة عسكرية أميركية محدودة لسورية، لأن ذلك سيجعل من الأزمة السورية مشكلة أميركية، بعد أن بقيت طيلة نحو سنتين ونصف السنة مشكلة ضخمة (مالية وعسكرية وإديولوجية) لطهران إلى درجة أن البعض بات يصفها بأنها "فيتنام إيران"".
ويضيف المحللون أن إضعاف النظام السوري قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تحويل نقمة العقبة السورية أمام الحوار الإيراني - الأميركي إلى نعمة، من خلال بروز تحالف بين الطرفين ضد المنظمات الجهادية السنّية المتطرفة في سورية (وبالتالي في العراق) أسوة بما حدث بينهما في أفغانستان العام 2001.
وهذا أيضاً ما يراه كريم ساجادبور، خبير الشؤون الإيرانية في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، الذي يقول:" تخوض إيران والولايات المتحدة الآن حرباً بالواسطة في سورية لن يخرج منها أحد رابحا. وإذا، أو حين، يسقط الأسد، سيبرز أمام كلا الطرفين عدو مشترك هم الجهاديون المتطرفون السنّة".
- III -
ماذا تعني كل هذه التطورات؟
أمراً واحدا:
الضربة العسكرية التي لم تتم والتي كان مقرراً أن تستمر يومين إلى ثلاثة، تحولت الآن إلى "عاصفة كاملة" جديدة، وبدأت تغيّر الكثير من ملامح الصراع في الشرق الأوسط ..حتى قبل أن تبدأ.


سعد محيو  

الاثنين، 2 سبتمبر 2013

إسرائيل حول القرار الأميركي بضرب سورية: الأمر لي!




الآن وقد أرجأ الرئيس الأميركي أوباما الضربة العسكرية لسورية وأحال الأمر إلى الكونغرس الأميركي، بات القرار في يد إسرائيل كلياً بسبب سيطرتها المالية - السياسية المطلقة على الكونغرس بمجلسيه، خاصة منه مجلس النواب.
مدونة "اليوم، غدا" كانت قد نشرت في 22 آب/اغسطس الماضي مقالاً أشارت فيه بوضوح إلى أن قرار الضربة العسكرية هو فعلاً في يد إسرائيل.
نعيد هنا نشر هذا المقال كاملا:
_______________
كارثة الغوطة: أوباما بانتظار "القرار" الإسرائيلي
http://smehio.blogspot.com/2013/08/blog-post_22.html?spref=tw
Regards,
saad
- I -
أربعة احتمالات قد تفسِّر إقدام النظام السوري على استخدام أسلحة دمار شامل في الغوطة، سواء كان ذلك من خلال غاز السارين، أو مادة الكلورين الصناعية الكيميائية، أو مزيج من القذائف التقليدية والكيميائية.
الأول، أنه كان مصراً على اجتياح الغوطتين بأي ثمن، لاستكمال خططه الخاصة بإحكام السيطرة على العاصمة دمشق. وبما أنه ووجه طيلة الأشهر الماضية بمقاومة ضارية منعته من تحقيق أهدافه، لجأ إلى هذه الأسلحة الفتاكة التي أودت خلال دقائق بحياة المئات.
الثاني، أن النظام لم يكُ ليُقدم على هذه الخطوة لولا ثقته بأن المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، لن تتدخل بقوة رداً على هذا التصعيد. وهو بنى هذه الثقة على فشل واشنطن في منع الانقلاب العسكري في مصر ضد الإخوان المسلمين، وعلى الشلل الدولي إزاء اللااستقرار في ليبيا وتونس واليمن، هذا علاوة بالطبع على الحصانة التي توفرها له روسيا والصين في مجلس الأمن.
الثالث، أن النظام أراد إطلاق رسالة واضحة إلى كل السوريين القاطنين في المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة، مفادها أنه لن يتوانى عن قتلهم بالمبيدات الكيميائية، إذا ماواصلوا لعب دور الحاضنة لهذه القوات أو حتى وقفوا على الحياد.
والاحتمال الرابع والأخير هو أن قيادة النظام فقدت قدرة السيطرة والإدارة في مراتب الجيش، أو في الميليشيات الطائفية التابعة له، فقامت فصائل منها باستخدام اسلحة الدمار الشامل من تلقاء نفسها.
- II
أحد هذه الاحتمالات، أو كلها أو معظمها، قد تفسّر لماذا يمكن للنظام أن يجرؤ على ارتكاب هذه المذبحة (التي يصنِّفها القانون الدولي في باب الجرائم ضد الانسانية)،  فيما فريق من 20 خبيراً دولياً في الأسلحة الكيميائية موجودون في دمشق على بعد خمس دقائق بالسيارة من الغوطة.
فهل تنجح رهانات النظام ويحقق أهدافها الداخلية في إرهاب السوريين، من دون أن يواجه أي عقاب دولي في الخارج؟
إذا ما انطلقنا من التوجهات الراهنة للإدارة الأميركية، سنرد سريعاً بـ"نعم". إذ أن هذه الإدارة "تقاتل" قتالاً شرساً منذ أكثر من سنتين ضد كل المطالبات لها بالتدخل لوقف المذبحة السورية. وهي كانت لاتزال على موقفها، حتى بعد أن أكدت كل معلومات مؤسساتها الأمنية والدبلوماسية أن رفضها دعم قوى المعارضة السورية المعتدلة، أدى إلى ارتفاع عدد المقاتلين الجهاديين الأجانب في سورية إلى أكثر من 20 ألف مقاتل. وهذا عدد قادر (في إطار حروب العصابات والعمليات الأرهابية) على تدمير استقرار كل منطقة الشرق الأوسط، ومعها العديد من أوجه الأمن الدولي.
لكن، إذا ماتأكد في مقبل الأيام أن النظام السوري استخدم بالفعل شكلاً من أشكال الأسلحة الكيميائية، فستكون إدارة أوباما في وضع حرج للغاية، ليس لأنها ستكون مضطرة إلى لحس تهديدات الرئيس الأميركي السنة الماضية حول عدم تجاوز الخط الاحمر الكيميائي (إذ هي لحسته ثلاث مرات في السابق)، بل لأن السكوت عنه قد يعرّض أمن إسرائيل إلى الخطر.
كيف؟ لماذا؟
لأن إدارة الظهر الدولية لهذا الأمر، سيشجع العديد من الحركات الجهادية، خاصة منها التي تضع إسرائيل على جدول أعمال استهدافاتها، على العمل للحصول على أسلحة كيميائية لاستخدامها ضد الدولة العبرية.
وهذا قد يخلق واقعاً جديداً وخطراً في موازين القوى الشرق أوسطية، لاتستطيع إسرائيل القبول به أو العيش وفق قواعده.
ولذا كان مثيراً أن يكون العنوان الرئيس لصحيفة هآرتس الإسرائيلية اليوم هو:" إسرائيل تأمل حفز أوباما على العمل، من خلال تأكيد استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية".
- III -

خلاصة غريبة، أليس كذلك؟
بالتأكيد. وهي تدل على الدرك الذي وصلت إليه العلاقات الدولية، حيث لاترى الدول الكبرى من المأساة المروعة لمئات الأطفال والنساء والشبان القتلى  في الغوطة، سوى المخاطر التي "قد" تحدق بأمن إسرائيل، وسلامة إسرائيل، وازدهار إسرائيل.

سعد محيو






السبت، 31 أغسطس 2013

هل تتفكك سورية بعد الضربة الأميركية؟


- I -
يتوقع محللون أن تكون للضربة العسكرية الأميركية المتوقعة ضد سورية خلال الساعات القليلة المقبلة، تأثيرات ومضاعفات كبرى على الوضع الإقليمي في الشرق الأوسط
المحللون بنوا خلاصتهم هذه على معطيين إثنين:
الأول، أن الضربة العسكرية، على رغم محدوديتها الزمنية والعملانية، قد تسرّع في تفكك سورية إلى دويلات أو مناطق نفوذ طائفية- إقليمية، حيث سيسعى كل طرف من الأطراف المتنازعة إلى إحكام سيطرته أكثر على مناطق نفوذه الراهنة، عبر تصعيد أعمال العنف إلى الدرجات القصوى.
والثانية، أن هذه الضربة ستؤدي حتماً إلى ضعضعة النظام السوري، أو على الأقل إرباكه. وهذا ما ستحاول جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام وباقي الفصائل الجهادية الإفادة منه لمحاولة قلب موازين القوى لصالحها.
وبالتالي، ستتحرك القوى الإقليمية الداعمة للنظام، من إيران وحزب الله إلى بعض القوى الشيعية في العراق ودول أخرى لإدخال المزيد من المقاتلين والعتاد إلى سورية بهدف تصحيح الخلل المحتمل في موازين القوى. وفي الوقت نفسه، سيزداد الرئيس الأسد تصلباً، لعلمه أن الضربة الأميركية لن تشبه بشيء الحرب الصاروخية- الجوية ضد صربيا إبان حرب كوسوفو التي دامت أكثر من 80 يوماً، وسيعمد إلى رمي قفاز التحدي في وجه الرئيس الأميركي أوباما.
بيد أن المحللين يعربون عن اعتقادهم بأن الأسد لن يرد على الضربة الأميركية لا ضد إسرائيل ولا ضد المواقع الأميركية، بل سيحاول تقديم نفسه غداة الهجوم على أنه "بطل الصمود والتصدي"، وسيرفع لواء الحسم العنيف مجدداً ضد المعارضة المسلحة.
- II -

كل هذه المحصلات المحتملة للضربة العسكرية الأميركية، من تفسخ سورية إلى تفاقم الحروب المذهبية والإثنية فيها، ستكون واردة بقوة في حال لم تكن الولايات المتحدة والقوى الإقليمية الحليفة لها في المنطقة استراتيجية واضحة للعمل على إضعاف التنظيمات الجهادية السورية، في الوقت نفسه الذي تضعف فيه النظام السوري.
فهل الأمر على هذا النحو؟
مصادر دبلوماسية أوروبية تستبعد ذلك. وتقول أن ثمة فرضية مثيرة ستفرضها الضربة العسكرية، وهي أنها (الضربة) ستكون استراتيجية ومن الطراز الأول، على رغم أنها توصف أميركياً وبأنها تكتيكية ومحدودة ولن تكون أكثر من رسالة تحذير وإنذار إلى الرئيس الأسد.
الأدلة على هذه الفرضية؟
إنهاعديدة برأي المصادر. لكن بعضها واضح والآخر ضمني، يكمن في مايُسمى في العلوم العسكرية "المضاعفات غير المقصودة".
على الصعيد الواضح، يتجلى ذلك في وجود توجًّه قوي لدى القوى الغربية لتوجيه ضربات أيضاً إلى الجماعات الجهادية الأصولية في سورية، والتي تنشط أيضاً في العراق، جنباً إلى جنب مع ضرب النظام. وهذا بالتحديد ما اتضح في مؤشرين إثنين:
الأول، الاجتماع الموسّع الذي عقده القادة العسكريون من دول غربية وشرق أوسطية في عمّان، والذي وضع على رأس جدول أعماله خططاً لإضعاف المنظمات المتطرفة في سورية، في الوقت نفسه الذي يتم البحث فيه في المضاعفات المحتملة للضربة العسكرية الغربية ضد سورية على دور الجوار ( العراق، الأردن، تركيا ولبنان).
والثاني، هو التحذير الذي أطلقته مؤسسة دراسات الحرب الأميركية ( ISW) وثيقة الصلة بالبنتاغون، من أن الاكتفاء بتوجيه ما أسمته "ضربة تكتيكية" للنظام السوري من دون استراتيجية واضحة المعالم، ستكون من دون جدوى وقد تؤدي إلى عكس المرجو منها. وهذه الاستراتيجية، برأيها، يجب أن تتضمن إلحاق الهزيمة بكلٍ من المنظمات المسلحة المتطرفة في سورية لصالح المنظمات المعتدلة والعلمانية، وبالنظام في آن. أي، بكلمات أوضح: المطلوب تغيير كل المشهد السوري الراهن قبل التوجه إلى حل على نمط دايتون البلقاني في جنيف-2.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة وحلفاءها، سيكونون مضطرين بعد الضربة العسكرية إلى الأخذ برأي مؤسسة دراسات الحرب هذا، كحصيلة موضوعية للعمل العسكري، لأن الغرب لا يستطيع أن  يسمح بتحويل الضعف الذي سيطرأ على النظام بعد الضربة إلى قوة لهذه المنظمات.
- III -
ماذا الآن عن المؤشرات الضمنية للبعد الاستراتيجي الكامن في الضربة؟.
ينبغي هنا القول، أـولاً، أنه إذا كان من الصحيح أن النظام السوري لن يسقط بعد هذه الضربة، إلا أنه سيهتز ليس فقط بسبب الخسائر العسكرية التي سيمنى بها، بل أيضاً لأن الضربة الصاروخية ستغل يد النظام في مجال استخدام أسلحة الدمار الشامل (بما في ذلك صواريخ سكود).
بيد أن الأهم أن الضربة المتوقعة ستدشن نهاية "النأي بالنفس" التي مارسها الرئيس الأميركي أوباما عن الأزمة السورية (وباقي أزمات الشرق الأوسط في الواقع)، على رغم الأهوال الإنسانية الهائلة التي أفرزتها هذه الأزمة. فدخول الحمام السوري، ليس كما الخروج منه، كما يقول المثل الشعبي العربي.
هذا الدخول سيعني اموراً عدة على الجانبين الأميركي والسوري.
فهو سيعني، أولاً، أن سياسة اوباما الخاصة بالاستدارة شرقاً نحو آسيا- المحيط الهاديء والصين، بعيداً عن الشرق الأوسط، ستشهد تعديلات أساسية عليها. إذ لن يكون بمقدور أوباما، حتى ولو أراد، بعد الضربة الجوية- الصاروخية أن يتنصل مما  قد يجري في سورية لاحقاً، بل سيكون لزاماً عليه المتابعة الدقيقة لمحصلات مابعد الضربة، وإلا فأن مخاوف مؤسسة دراسات الحرب الأميركية من النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي للضربة، ستصبح نبوءة ذاتية التحقق. وفي هذه الحالة، سيكون تفكك سورية وانفجارها النهائي محتمين.
سعد محيو

                         ______________________________

الثلاثاء، 27 أغسطس 2013

ماذا بعد الضربة الصاروخية- الجوية لسورية؟


ما كان متوقعاً، بات مؤكدا: الضربة العسكرية الأميركية- الاوروبية لسورية ستتم خلال الأيام القليلة المقبلة، وربما تأتي مباشرة بعد نشر التقرير المنتظر لأجهزة المخابرات الأميركية حول الهجوم الكيميائي على الغوطة.
 سيناريو هذه الضربة بات واضحا: قصف بصواريخ كروز "توماهوك"  بعيدة المدى من السفن الحربية الأميركية التي تقف الآن في شرق المتوسط قبالة الساحل السوري، وربما أيضاً من سفن بريطانية وفرنسية ومن القواعد العسكرية البريطانية والأطلسية في كل من قبرص اليونانية وتركيا.
القصف سيستهدف بالدرجة الأولى الدفاعات الجوية والمطارات العسكرية السورية، وقد يشمل أيضاً مقرات تحكم وقيادة عسكرية ومدنية سورية، بما في ذلك ربما بعض القصور الرئاسية.
 هدف الهجوم، الذي قد لا يستمر أكثر من يومين، سيقتصر على "معاقبة" النظام السوري بعد ادانته رسمياً في واشنطن وعواصم القرار الأوروبي الثلاث باريس ولندن وبرلين باستخدام الأسلحة الكيميائية في غوطتي دمشق، ولن يتضمن العمل لا على تغيير النظام ولا قلب المعادلات العسكرية الراهنة على الأرض بشكل جذري.
عناصر جانبية
بيد أن المحللين يعتقدون أن هدف هذه العملية العسكرية قد يتضمن عناصر جانبية أخرى، خاصة بعد أن بدا واضحاً أن ثمة توجًّهاً لدى القوى الغربية لتوجيه ضربات أيضاً إلى الجماعات الجهادية الأصولية في سورية، والتي تنشط أيضاً في العراق، جنباً إلى جنب مع ضرب النظام. وهذا بالتحديد ما برز واضحاً في مؤشرين إثنين:
الأول، الاجتماع الموسّع الذي عقده أمس (وقد يستمر اليوم) القادة العسكريون من دول غربية وشرق أوسطية في عمّان، والذي وضع على رأس جدول أعماله خططاً لإضعاف المنظمات المتطرفة في سورية، في الوقت نفسه الذي يتم البحث فيه في المضاعفات المحتملة للضربة العسكرية الغربية ضد سورية على دور الجوار ( العراق، الأردن، تركيا ولبنان).
والثاني، هو التحذير الذي أطلقته مؤسسة دراسات الحرب الأميركية ( ISW) وثيقة الصلة بالبنتاغون، من أن الاكتفاء بتوجيه ما أسمته "ضربة تكتيكية" للنظام السوري من دون استراتيجية واضحة المعالم، ستكون من دون جدوى وقد تؤدي إلى عكس المرجو منها.
النقاط الرئيس في دراسة المؤسسة:
- السفن الحربية الأميركية في شرق المتوسط باتت مستعدة لقصف سورية بصواريخ توماهاك بعيدة المدى. مثل هذا الهجوم  سيتسبب بدرجات متباينة من الأضرار لقدرة النظام السوري على استخدام المزيد من الأسلحة الكيميائية، أو مواصلة عملياته ضد المعارضة بشكل فعال.
-  الضربة لن تتمكن من إزالة القدرات العسكرية أو الكيميائية للنظام، ولن تُسبب أكثر من خفض مؤقت في عملياته العسكرية.
- بيد أن مثل هذا الهجوم سيكون عديم الفعالية، ما لم يكن جزءاً من جهد متسق لتحقيق أهداف استراتيجية عليا أميركية، في مقدمها إلحاق الهزيمة بالمنظمات المسلحة المتطرفة في سورية، لصالح المنظمات المعتدلة والعلمانية التي يجب مساعدتها لمجابهة المتطرفين الجهاديين.
-  العمليات العسكرية المحدودة بصواريخ توما هوك لن تحقق وحدها مثل هذه الأهداف.
 وتوضح مصادر دبلوماسية أن الولايات المتحدة وحلفاءها، سيكونون مضطرين بعد الضربة العسكرية إلى الأخذ برأي مؤسسة دراسات الحرب هذا، الذي تؤيده أطراف عديدة في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيين، كما لدى القوى الإقليمية الشرق أوسطية الحليفة لأميركا.
وهذه الخطوة، أي إضعاف المنظمات المتطرفة، سيصبح على أي حال حتمياً، لأن الغرب لن يسمح بتحويل الضعف الذي سيطرأ على النظام بعد الضربة إلى قوة لهذه المنظمات.
النظام.. يرد
كيف قد يرد النظام السوري على هذا الهجوم؟
الأرجح أن الجواب سيكون كالمعتاد، كما مع الهجمات الإسرائيلية عليه،: سنرد في الزمان والمكان المناسبين. وهما، كما هو معروف زمان ومكان لا يأتيان أبدا مثلما كان الحال طيلة ثلاثين سنة.
وهذا الأمر بات مؤكدا بعد أن أعلنت روسيا صراحة أنها "لن تقاتل مع أحد في سورية"، وبعد أن نأت إيران بنفسها عملياً عن مسألة الأسلحة الكيميائية.
وبالتالي، سيكون النظام وحيداً هذه المرة دولياً وإقليميا، ولن يكون أمامه سوى لعق الضربات واستيعابها، ثم أطلاق الأبواق الإعلامية التي تتحدث عن الصمود والتصدي، وأيضاً عن "الحرب الصليببة" عليه.
مضاعفات أهم
صحيح أن النظام لن يسقط بعد هذه الضربة، لكنه سيهتز بعنف ليس فقط بسبب الخسائر العسكرية التي سيمنى بها، بل أيضاً لأن الضربة الصاروخية ستغل يد النظام في مجال استخدام أسلحة الدمار الشامل (بما في ذلك صواريخ سكود).
بيد أن الأهم أن الضربة المتوقعة ستدشن نهاية "النأي بالنفس" التي مارسها الرئيس الأميركي أوباما عن الأزمة السورية (وباقي أزمات الشرق الأوسط في الواقع)، على رغم الأهوال الإنسانية الهائلة التي أفرزتها هذه الأزمة. فدخول الحمام السوري، ليس كما الخروج منه، كما يقول المثل الشعبي العربي.
هذا الدخول سيعني اموراً عدة على الجانبين الأميركي والسوري.
فهو سيعني، أولاً، أن سياسة اوباما الخاصة بالاستدارة شرقاً نحو آسيا- المحيط الهاديء والصين، بعيداً عن الشرق الأوسط، ستشهد تعديلات أساسية عليها. إذ لن يكون بمقدور أوباما، حتى ولو أراد، بعد الضربة الجوية- الصاروخية أن يتنصل مما يجري في سورية، بل سيكون لزاماً عليه المتابعة الدقيقة لمحصلات مابعد الضربة، وإلا فأن مخاوف مؤسسة دراسات الحرب الأميركية من النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي للضربة، ستصبح نبوءة ذاتية التحقق.
علاوة على ذلك، ستؤدي الضربة، كما أشرنا، إلى ضعضفة النظام السوري وتقوية شوكة المنظمات الجهادية، التي باتت تلعب في الآونة الأخيرة الدور الرئيس في العمليات العسكرية. ولذلك، ستجد إدارة أوباما نفسها ملزمة بتقوية المعارضة المعتدلة السورية. وهذا قد يتعزز إلى حد بعيد إذا ماعمدت الولايات المتحدة إلى قصف تجمعات  جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام، في خضم توجيه الضربة العقابية للنظام السوري.
أما على الصعيد الداخلي السوري، فيتوقع أن تدخل الأزمة بعد الضربة مرحلة جديدة تتساوى فيها موازين القوى الدولية والإقليمية بين الولايات المتحدة وحليفاتها وبين روسيا وإيران وحليفاتهما، الأمر الذي يجعل من مسألة الحل السياسي الدولي للأزمة احتمالاً وارداً. هذا ناهيك عن أن الضربة ستؤدي إلى التدويل العسكري والدبلوماسي الكامل للأزمة السورية.
وهذه النقطة الأخيرة قد تكون المحصلة الأهم للضربة المرتقبة.


سعد محيو