للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الخميس، 16 يناير 2014

هل سورية موجودة في مؤتمر جنيف-2؟!



قبل أيام قليلة من انعقاد مؤتمر جنيف-2حول سورية، في حال انعقاده، لايزال السؤال معلقاً في الهواء حول المضمون الحقيقي لهذا المؤتمر: هل هو حقاً لحل الأزمة السورية، أم هو في الواقع منبر "مفيد" لتسوية الصراعات بين الدول الكبرى حول طبيعة النظام العالمي الجديد؟.
مبررات هذا السؤال واضحة: فالنظام السوري فقد منذ أشهر المبادرة الاستراتيجية حين سلّم كل أوراقه لروسيا وإيران مع حلفائها الشيعة في لبنان والعراق. والمعارضة المسلحة فقدت نفسها هي الاخرى، حين انغمست في حرب أهلية داخلية وباتت معتمدة كلياً في التمويل والتسليح على القوى الخارجية. وهذا، جنباً إلى جنب مع التبعثر الأسطوري للمعارضة السياسية  السورية في الخارج، أخرج الحرب في سورية من سياقها الداخلي ووضعها برمتها تقريباً في أحضان القوى الدولية والإقليمية. ومنذ ذلك الحين، بات قرار الحرب والسلام في بلاد الأمويين يمر في واشنطن وموسكو، ويتراقص على أبواب الرياض وطهران وأنقرة، وصولاً حتى إلى أقاصي الشرق الآسيوي في بلاد الهان (الصين).
جيمي كارتر، الرئيس الـ39 للولايات المتحدة، عبّر عن حقيقة التدويل والأقلمة (من إقليم) الكاملة للأزمة السورية بالقول أن "الحرب السورية باتت حرباً لاتُربح. ولأن القوى السورية ترفض بعضها البعض، فأن  مفاوضات مؤتمر جنيف -2 قد تفشل. ولذا، لامناص من منح الأولوية للحلول الخارجية، وبالتالي من قيام الدول الكبرى بفرض الحلول على السوريين".
وهذا ما رآه أيضاً خافييه سولانا، مسؤول الشؤون الأمنية والخارجية السابق في الاتحاد الأوروبي، الذي قال أن "نفض الغبار عن قرارات جنيف-1  بعد سنة من توقيعها خطوة إيجابية، لكنها عرضة إلى مخاطر جمة قد تطيح الكيان السوري نفسه وتفجر الوضع الإقليمي برمته. ولكي يتجنّب الغرب هذا المصير الذي يهدد مصالحه، يتعيّن عليه تصعيد مناوراته الدبلوماسية وجعل انهاء الصراع على رأس أولوياته بدل أن تكون الطموحات السياسية لدوله هي هذه الأولويات، كما الأمر الآن(... )".
جبهتان وصفقات
كلام واضح؟
بالتأكيد. لكنه يبدو أيضاً كلاماً رغائبياً إلى حد كبير. أو هو على الأقل ينتظر مآل الصفقات على جبهتين متلازمتين: جبهة العلاقات الأميركية- الروسية، وجبهة الحوارات الأميركية- الإيرانية.
على الجبهة الأولى، برزت متغيرات واضحة خلال الشهرين الماضيين. فقد تمكّنت واشنطن وموسكو فجأة من إبرام صفقة لم تخطر على بال، حين توافقتا على تفكيك الترسانة الكيمائية السورية "في أسرع وقت ممكن"، وبالتالي على وقف الضربة الجوية- الصاروخية الأميركية المقررة ضد النظام السوري. وهذا فتح الأبواب على مصراعيها أمام العاصمتين كي توصلان ما انقطع بينهما من مساومات حول الأزمة السورية العام 2012. وهكذا وّلدت صيغة مؤتمر جنيف- 2، وألمح كل من الوزيران لافروف وكيري أن أي طرف سوري يعارض حضور هذا المؤتمر "سيتعرض إلى عقوبات روسية وأميركية صارمة".
الوفاق الروسي الأميركي حيال سورية شمل أيضاً استعداد واشنطن لمنح موسكو الدور الأبرز في حل الأزمة السورية، هذا علاوة على الوفاق الأهم المتعلق بحربهما ضد منظمات التطرف الإسلامي التي اجتاحت المشرق العربي.
بيد أن فتح الأبواب لم يعن تبخر التباين في وجهات النظر حول طبيعة الحلول في سورية. وهنا دخلت على الخط معطيات الجبهة الثانية، أي الحوارات الأميركية- الأيرانية.
فقد كانت طهران، ومعها موسكو، تضغطان بقوة  لتحويل الاتفاق النووي الإيراني- الغربي إلى مدخل لاتفاقات إقليمية حول مسألة النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. موسكو تحمست لهذه الفكرة ليس لأنها تعتبر إيران حليفاً يعتد به (الشكوك حول النوايا بين البلدين تاريخية كما هي آنية وإديولوجية)، بل لأنها تعرف أن نفوذها على النظام السوري لايكتمل من دون ضوء أخضر إيراني.
بيد أنه لم يكن وارداً بالنسبة إلى واشنطن قبول مشاركة إيران في جنيف-2 لسببين مقنعين: الأول، أن إيران كانت ستسعى في حال حضورها المؤتمر إلى نسف مقررات جنيف واحد، لأنها تعتبر بقاء الأسد في السلطة (حتى إشعار آخر) ورقة ثمينة لايجب التفريط بها بسهولة.
والثاني، أن واشنطن ليست مستعدة لا الآن ولا بعد عقدين لاستبدال تحالفاتها السعودية والخليجية والتركية والإسرائيلية بحلف إقليمي منفرد مع إيران. كل ماتريده إدارة أوباما في هذه المرحلة هو سحب أميركا من جلجلة حروب "مبدأ كارتر" التي جعلها قوة إقليمية تدخلية في كل شؤون الشرق الأوسط، ووضعها في سفينة قيادة حربية قبالة الشواطيء المتوسطية لتدير من هناك كالمايسترو لعبة موازين القوى من بعيد.
الباحث الأميركي، الإيراني الأصل، راي تقية، أوضح هذه النقطة بالتحديد، حين شدّد على أن أميركا "في حاجة إلى صفقة نووية مع إيران، لكن ليس إلى وفاق (إقليمي) معها. وهو حذّر من أن إيران، كما الاتحاد السوفييتي قبلها، قد تحاول فهم اتفاقات الحد من التسلّح على أنها تأشيرة دخول إلى عملية توسيع النفوذ الإقليمي، خاصة في سورية إضافة إلى العراق".
من هنا جاء رفض كيري لمشاركة إيران في جنيف-2 قبل أن تعلن هذه الأخيرة أولاً موافقتها على قرارات جنيف-1 حول عملية انتقال السلطة، بما في ذلك تحديد مصير رئاسة الأسد. وهذا مايجعل الصراع حول سورية، سواء عبر مفاوضات جنيف-2 أو خارجها، صراعاً في الواقع على مستقبل الشرق الأوسط برمته وفقاً لموازين القوى الدولية والإقليمية الجديدة فيه.
إلى أين؟
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنه تعني، ببساطة، أن جنيف-2، في حال انعقاده كما أشرنا، سيكون في الواقع مجرد "استراحة محارب". فترة هدنة بين حربين. أو على الأقل منبراً تطرح فيه القوى الدولية والإقليمية المعنية شروطها وشروطها المضادة، ومطالبها الخاصة بالنفوذ في الإقليم الشرق أوسطي.
أما سورية نفسها، فستبقى بيدقاً في لعبة شطرنج دولية كبرى جديدة يفترض أن يولد من رحمها نظام دولي جديد، بدأت معالمه تتضح شيئاً فشيئاً في استراتيجية الاستدارة الأميركية شرقاً نحو آسيا (Pivot )، وفي التحالف (المؤقت) الصيني- الروسي لتقليم أظافر الزعامة الأميركية في العالم عبر كلٍ من سياستي "القضم التدريجي" الروسية الشهيرة و"الصبر التاريخي" الصينية الأشهر، وفي بروز مجموعتي العشرين والبريكس كبديل عن مجموعة  السبعة الكبار الغربية (مع روسيا لاحقا) التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وحين يبرز هذا النظام العالمي الجديد، الذي يجد الآن في جنيف-2 إحدى تمخضات ولادته، قد ينجلي المشهد عن خريطة شرق أوسط جديدة يحل فيها بريماكوف وكيري (أو من يخلفهما) مكان سايكس وبيكو، ويعاد رسم خرائط الدول من جديد، انطلاقاً من سورية أولاً ثم العراق.. أو العكس.
سعد محيو
(*) ينشر هذا المقال في موقع "سويس انفو" الالكتروني
_________________________________



  


الأحد، 12 يناير 2014

شارون: حين يصبح السايكوباث بطلاً






ثمة نقطة يتيمة تقاطعت حولها تقييمات المحليين الغربيين حول شخصية أرئيل شارون وإرثه السياسي والإديولوجي: هذه الشخصية لخّصت خلال حياتها كل تاريخ إسرائيل الحديث، وجسدت كل طبائع الإسرائيليين المحدثين، أو على الأقل كل ماكانوا يطمحون أن يكونوه.

فشارون الذي نشأ، كما كل يهود في الدياسبورا كما في إسرائيل، في بيئة عائلية يشك فيها الجميع بالجميع، ويكره والد شارون الروسي الأصل كل اليهود القاطنين معه في مستوطنة قرب تل أبيب لأنهم لايحبون الموسيقى الكلاسيكية والمطالعة، ويعانون (على عكس عائلة شارون) من الفقر والعوز.
وشارون، مثله أيضاً مثل كل اليهود، كانت لديه منذ الصغر حين انضم إلى ميليشيا الهغانه الصهيونية هوس بأمر وحيد: مجابهة الخوف الذي يعشعش في أعماق كل يهودي منذ آلاف السنين. كيف؟ عبر التهور العسكري الذي أبداه شارون في كل حروب إسرائيل، وعبر ارتكاب الجرائم الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين منذ العام 1948 وصولاً إلى مذابح صبرا وشاتيلا العام 1983.
شارون المزارع- الجندي كان في الواقع مجرماً سايكوباثيا( كنا سنرى بعد قليل) وفق كل المعايير والمقاييس المتفق عليها في علوم النفس. ومع ذلك، احتفل به اليهود دوماً بوصفه بطلاً قومياً، ومثلاً أعلى يحتذى لـ"اليهودي الجديد" الذي أرادت الحركة الصهيونية خلقه عبر "الحديد والنار"، على حد تعبير جابوتينسكي، أستاذ شارون.
لكن، ماتفسير هذا الهوس اليهودي الإسرائيلي بهذا الجنون الشاروني السايكوباثي؟

جذور الشارونية
الباحث الإسرائيلي البارز إسرائيل شاحاك، وغيره الكثيرون، جهدوا لمعرفة دوافع هذا التطرف وجذوره ، فوجدوها في كل من الايديولوجيتين الصهيونية والدينية اليهودية المتطرفة.

وهذا صحيح بالطبع.
لكن الصحيح أيضا أن وجود دولة إسرائيل نفسها، بقوتها العسكرية المتفوقة وأسلحتها النووية المتطورة وإقتصادها الحديث الناجح، دفع الجنون العنصري الى أقصاه. وهذا مبدأ معروف في علم النفس: حين يمتلك الضعيف والخائف قوة مفاجئة، يصاب بكل موبقات القوة، من مرض العظمة  الى انفصام الشخصية ، مروراً بكل لعنات السادية (تعذيب الاخرين) والماسوشية (تعذيب الذات).
 معظم يهود إسرائيل اليوم مرضى بهذه الموبقات، او على الاقل بمعظمها. ولذلك فهم عنيفون وعميان في آن. عنيفون، لأنهم يشعرون بقوتهم ويريدون الاستمتاع بممارسة هذه القوة حتى الثمالة، كما يفعل كل المرضى النفسيين "السايكوباث" (  psychopath ) المعادين للمجتمع. (يعّرف قاموس "هيريتاج" الاميركي السايكوباث بأنه: شخص يعاني من اضطراب حاد في شخصيته. وهذا  يتجلى أساسا في سلوكه المعادي للبشر او المجتمع). وهم عميان، لانهم لا يدركون أن هذه القوة نفسها ستكون السبب في دمارهم.
ولو لم يكن الامر على هذا النحو، أي لو لم يكن يهود إسرائيل قد أصبحوا بالفعل "سايكوباث" ، لكنا الان نسمع الكثير منهم يتساءلون: لماذا مّر 65 عاما على قيام دولتنا، التي كان يفترض ان تقّدم لنا السلام النهائي والامن الكامل، بدون أن يتحقق لا السلام ولا الامن ؟ وهل نحن مستعدون للعيش 60 سنة أخرى في  لجج الحروب والعنف؟
هذا النوع من الاسئلة لا يبدو وارداً هذه الايام. فمع طالع كل صباح، تزداد غالبية اليهود تطرفاً. ومع مغيب كل شمس، تتفاقم لديهم  تظاهرات جنون العظمة. وحين يأتي موعد النوم، تبقي هذه الغالبية أعينها مفتوحة تحّسبا للدفاع وتحفّزا للهجوم.
ولكي لا يبقى كلامنا هنا نظرياً أو قفزاً الى مبالغات لا أساس لها، لنتوقف قليلا أمام المعطيات الاتية :
1-   تأكيدات أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية المتكررة بأن هناك نحو 200 يهودي متطرف  يعدون العدة  لهجمات كاسحة يدمرون خلالها  المسجد الاقصى، إما بالطائرات أو السيارات المفخخة.
2-   لابل تتخوف هذه الأجهزة نفسها من احتمال قيام بعض المتطرفين اليهود بغارات جوية مدمّرة على مكة.
3-   الغليان المدهش الذي تشهده الدولة العبرية حالياً، حيث غلاة اليمينيين (الليكوديين القوميين)  يتصارعون مع مجانين اليمين (الاصوليين الدينيين) على أفضل وسيلة لتنفيذ التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.
وماذا أيضاً؟
هناك المعطيات الاضافية الاتية التي أوردها ماكسيم غيلان،الكاتب والصحافي والشاعر الاسرائيلي المعروف، في مقابلة  مع دروية " إيكزيكيوتيف إنتليجنس ريفيو" : 
يقول غيلان أن الشارونيين هم أهم ممثلي المتعصبين اليهود. لكن قادتهم في الوقت نفسه أهم إستراتيجيي إسرائيل، لانهم يمتلكون رؤى بعيدة.  في أوائل الثمانينيات، كان زعيمهم شارون يريد إحتلال دول النفط العربية، وكان سيفعل ذلك لولا ان الولايات المتحدة أقنعته بـ"الاكتفاء" بغزو لبنان. لكن حزبه كاديما عاد الان إلى الطموح القديم: إعادة رسم الخرائط في شمال إفريقيا وجنوب غربي آسيا وكل العالم العربي الاسلامي.
اما بالنسبة لخطة الفصل في الضفة التي وضعها شارون، فهي في الواقع غير موجودة. إذ أن الجيش الاسرائيلي سيبقى قرب غزة وفي بعض الضفة الغربية وعلى الحدود مع مصر في منطقة فيلادلفيا، وهو سيواصل ضغوطه من هناك لطرد الفلسطينيين. الخطة تستهدف فقط  تبرير إبتلاع الضفة وشطرها في الواقع الى نصفين.
 الليكوديون القدماء لايفهمون خطة شارون على حقيقتها بسبب عماهم الايديولوجي.  لكن حزب العمال الذي يفترض أنه يمثل معسكر السلام  يفهمها جيداً. فهو يعرف أنها لن تؤدي الى الاستقلال الفلسطيني،  بل الى دولة فلسطينية تسيطر عليها إسرائيل والإنجيليون الاميركيون المتعصبون. وهذا سيحقق لأسرائيل الاستقرار الامني والازدهار الاقتصادي، مع وضع الفلسطينيين في القفص.
ويوضح غيلان أنه في إسرائيل هناك مجتمع يتحكّم  الجيش (خاصة هيئة الاركان)  بمصائره السياسية والاقتصادية والدينية. في هذا الجيش توجد برأيه أخطر عصبة من الرجال على وجه الارض. ليس هناك على وجه البسيطة قادة وجنرالات متطورون للغاية ويمتلكون كميات هائلة من أسلحة الدمار الشامل، كما في إسرائيل. أنهم متطرفون للغاية، وقوميون متعصبون للغاية، وفق تعبيره.
هناك أنظمة مَرَضِية مجنونة اخرى في العالم. لكن ليس كما النظام الاسرائيلي. فهذا الاخير يعتبر "العالم كله ضدنا"، ويعلّم أطفاله أغنية تقول هذا الشيء بالذات. ليس ثمة دولة أخرى كإسرائيل تهدّد بتدمير العالم من خلال حرب نووية، او من خلال ارتكاب انتحار جماعي (عقدة الماسادا). نعم، الاسرائيليون يستطيعون تدمير العالم، او إشعال حرب عالمية تدمره، والمؤسسة العسكرية الاسرائيلية تمتلك الوسائل الضرورية لذلك.
كيف وصل الشارونيون الى هذا  الجنون والتعصب ؟ ليس فقط بسبب مرض العظمة – الاضطهاد ، بل لأنه منذ 50 عاما تم  خلق وضع عاش فيه المجتمع الاسرائيلي على المساعدات الخارجية. في البدء ، كان يهود العالم هم الذين يساعدون إسرائيل على تعزيز مواقعها، لكن خلال الاربعين سنة الماضية، كانت المساعدات تأتي أساساً ورسمياً من الولايات المتحدة في شكل مساعدات عسكرية يقال أن قيمتها 3،1 بليون دولار سنوياً. لكن الرقم الحقيقي يتراوح بين 16 الى 17 مليار دولار سنوياً. هذا خلق علاقة عضوية تقوم بموجبها إسرائيل باستلام الاموال لشراء الطائرات الدفاعية- الهجومية والتكنولوجيا والمعلومات الاستخبارية، ثم تستخدم  هذه الاموال لتمويل الشركات الاميركية الكبرى، عبر وسطاء في وزارة الدفاع  أصبحوا من أصحاب الملايين والمليارات.
الحرب الدائمة
هذه العلاقة تستند في بقائها على ضرورة وجود حرب دائمة. الاسلحة والتكنولوجيا العسكرية المتطورة تستدعي الحرب، وهي تفيد الجانبين الاسرائيلي والاميركي. والحال ان هيئة الاركان الاسرائيلية وقيادة الطيران لها مصلحة خاصة في إستمرار حال الحرب في الشرق الاوسط،، لان سلطتها وأرباحها ستتبخر في حال السلم.
المتعصبون الاسرائيليون في حال تحالف تام الان مع الفاشيين الجدد في واشنطن الذين يطلق عليهم إسم "المحافظين الجدد". وهو تحالف بين قيادتين متعصبتين وشرهتين مدعومتين بمعسكرين يضمان ملايين المجانين: الاصوليون المسيحيون في أميركا والاصوليون اليهود في إسرائيل؛ والصناعة الحربية والمؤسسة العسكرية في أميركا، والصناعة الحربية والجيش في إسرائيل .
" معطيات الجنون " التي أشار اليها ماكسيم غيلان، كانت لا تني تتراكم منذ ان تم اغتيال رئيس الوزراء الاسرائيلي رابين في العام 1995، على يد أصولي متعصب يدعى ييغال عمير. وهذا الاخير كان شاباً ترعرع في المؤسسات الدينية اليمينية المتطرفِة . وبعد اغتياله رابين  حظي بإستقبال الابطال، ليس فقط في اسرائيل بل أيضا بين بعض اليهود الاميركيين.
من الشخصيات التي تأثر بها عمير، الدكتور باروش غولدشين من مستعمرة كريات اربة الذي قتل 29 فلسطينياً في صلاة الفجر في كهف البطاركة في 25/2/1994.  كما تأثر بنوام لفنات الذي تتلمذ في المدرسة التلمودية التي تتخذ العنصرية مبدأ لها. ِ
ومنذ اغتيال رابين، ازدادت حدة  الخطاب المتطرف  في اسرائيل. ففي ندوة حول مكانة المرأة أمام 60 جنديا، قال الملازم أول غامليل بيريس ان الرجال اليهود يشكرون الله لأنه لم يخلقهم نساء.  وذكرت
 " نيويورك تايمز" ان احدى الجنديات الشابات، وهي ابنة حاخام اصلاحي،  تحدته قائلة: "ربما عليك ان تشكر الله الذي جعل الناس كما هم". فأجابها: " لا أعتبر الاصلاحيين والمحافظين يهوداِ " .
 وجرت حادثة مشابهة مع الحاخام ريشارد بلوك، تم خلالها التهجم على التيار الاصلاحي لأنه "جمع ملايين اليهود الذين يعتبرون أسوأ من النازيين" . كما ِنشر اعلان في الصحف المتدينة  في اسرائيل، صادر عن القادة المتدينين الاصوليين امثال الحاخام شالوم يوسف الياشيف والحاخام اوفاديا يوسف المرشد الروحي لحزب شاس، يشير الى ان التيارين الاصلاحي والمحافظ "يدمران  الديانة اليهودية  ويحاولان حرق الارض المقدسة ".  ويتابع الاعلان انه " لن يتم الاعتراف بهذين التيارين مهما كان وفقا للتوراة، كما يمنع منعا باتا التفاوض مع هؤلاء المخربين الذين يزيفون التوراة" .
وقد توغلت حالة عدم التسامح  في تركيبة الحياة الدينية المؤسساتية الخاضعة لسيطرة الدولةِ . ويقول الحاخام ميشال مارمور ، عميد جامعة الاتحاد العبري ومدير  معهد الديانة اليهودية في القدس،: "تشكل اليهودية اليوم في اسرائيل علامة تجارية مسجلةِ . الاسرائيليون الان باتوا يخافون كل ما هو مختلف، سواء أكان امتدادا مختلفا لليهودية ام عادات دينية أخرىِ. وعلى سبيل المثال،  25%  من المهاجرين الثمانمائة الف الذين دخلوا الى اسرائيل من الاتحاد السوفيتي السابق في العقد الأخير، لايعتبرون يهوداً، على الأقل في عرف لمؤسسة الدينية الاصولية ".ِ
لقد وصف الكاتب الاسرائيلي  صموئيل هالبرت هذه الظاهرة  بانها  "مشكلة أمنية قومية" ، ستؤدي الى تفاقم الانقسامات الداخلية الحادة  بين من يريدون إسرائيل دولة دينية أكثر، وبين من يريدون الانتماء إلى مزيج من العلمانية والطائفية التي صنعت منه إسرائيل في البداية.  
 ويعتقد المفكر البارز أحمد إقبال ان إسرائيل تقف بسبب هذه الانقسامات على شفير  حرب أهليةِ. فالخلاف (في رأيه) بين المتشددين والمحدثين معقد بعدد من العوامل الأثنية.  وثمة انقسامات أخرى بارزة تساهم في التفكك،  أبرزها الشرخ بين العسكرتاريا والرعاية الاجتماعية،  حيث بدأت الأولى تطغى على الثانية . لا بل يتحدث إقبال عن " انهيارات"  في السياسات الاسرائيلية برز حين قام يهودي، هو ييغال أمير،  بقتل يهودي آخر "باسم الرب" هو إسحق رابين. 
قد تتضمن أحكام إقبال بعض المبالغة. بيد أن ذلك لاينفي الحقيقة بأن إسرائيل تمر بالفعل في مرحلة انتقالية خطرة مرحلة يخشى فيها بعض المفكرين الاسرائيليين أن تشهد تآكل الديموقراطية الاسرائيلية،
 أو وقوع إسرائيل بين  براثن الفوضى السياسية والاضطرابات الأثنية .  
ويقول هنا المؤرخ الاسرائيلي  ديفيد أوهانا،  في دراسة بعنوان "آخر الأسرائيليين" أن 'الدولة العبرية تحّولت  إلى إقطاعات وجزر، كما وأن لحمها تقطع إرباً إربا، فكل مجموعة  باتت تتحدث بشيفرتها السرية الخاصة، وتسور الأراضي والمناطق الخاصة بها، وترفع شعار" ومن بعدي الطوفان" .ِ
وهذا توصيف دقيق إلى حد بعيدِ. فالأيديولوجيا الصهيونية، المستندة إلى مفهوم الأثرة و التضحية بالذات لصالح المجموع، وهنت وتراجعت، وبدأت تحل مكانها '" قبلية " جديدة تقوم الآن بنسف الوحدة الوطنية الاسرائيلية بشكل منهجي وعميق .  
تجليات هذا التطور واضحة في كل مكان: فالاسرائيليون باتوا منغلقين على '" قبائلهم الأثنية" والدينية  والمهنية. وهذا التطور يحدث وسط تفاقم خطير للتوترات في مجتمع مدهش في مدى تنوعه،  حيث 20 في المائة هم  من " الصابرة " (اليهود المولودون في اسرائيل)،  و20 في المائة من الاتحاد السوفياتي السابق،  و20 في المائة من العرب، و25 في المائة من يهود الدول العربية .
كيف يمكن للدولة العبرية ان تتجنب هذه الانفجارات الداخلية المحتملة؟
كالعادة ، عبر الحروب القادرة وحدها على إبقاء النسغ في نسيج المجتمع الإسرائيلي.
وهذه الحروب لها (حتى إشعار آخر) عنوان يتيم: الجنون السايكوباثي الذي جسده أرئيل شارون في أبهى صوره.

سعد محيو



الخميس، 9 يناير 2014

الجنرال ديمبسي "يواجه" أمراء داعش في سورية


قبل نحو أسبوعين، كان البيت الأبيض يصدر بياناً مفاجئاً يدعو فيه بعض الدول العربية (في تلميح غير مباشر إلى السعودية وقطر) إلى وقف مد العناصر الإسلامية المتطرفة في سورية بالمال والسلاح.

وقبل ذلك بأشهر قليلة، وبالتحديد في 2 أيلول/سبتمبر 2013،  كان الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، يعلن أن وزارة الدفاع الاميركية "تدرس العمل مع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وأوروبا للمساعدة في بناء قوات معارضة معتدلة لمواجهة المتطرفين الإسلاميين في سورية والعراق".
أضاف ديمبسي، الذي كان يتحدث آنذاك خلال زيارة لكوريا الجنوبية،: "لدينا خبرة مذهلة في كسب شركاء وبناء تشكيلات للجيش والشرطة، لذلك دخلنا في نقاشات في شأن كيفية إيجاد سبيل للتعاون في مسألة تطوير معارضة معتدلة، وخصوصا من أجل التوصل إلى حل لبعض القضايا الإنسانية في شمال الأردن وجنوب تركيا". واشار إلى أن هذه الفكرة ستكون فعالة في حال عدم حضور الرئيس السوري بشار الأسد، بعد التوصل إلى حل لأزمة الأسلحة الكيميائية، مؤتمر جنيف- 2 لمحادثات السلام حول سوريا توصلا إلى تسوية سياسية للازمة. وتابع :" عندها يمكن أن تتاح الفرصة للدول ذات الآراء التي تتشابه معنا لتقديم مساهمات بطرق أخرى إذا ما طلب منها ذلك"، موضحا أن هذه الفكرة لم "تصل بعد الى مرحلة الخطة". وتابع: "أننا ننظر من الناحية العسكرية الآن، وأتحدث فقط كممثل للقوات المسلحة الأميركية، لكننا نبحث أيضا في كيفية مساعدة القوات المسلحة اللبنانية والأردنية وحلفاء أميركا من حلف شمال الاطلسي في تركيا وحتى العراقيين... نحاول تطبيق عوامل اقتصادية وأشكال أخرى من المساعدات للعمل على تطوير ما يمكن تعريفه بـالمعارضة المعتدلة".
آنذاك، علّق المحللون على تصريح ديمسبي المهم هذا بالقول إنه في حال رؤية هذه الخطة النور، فقد يشهد الصراع في كل من سورية والعراق تحولاً نوعياً على المستويات العسكرية والإديولوجية والسياسية.

انطلاق التنفيذ
حسنا. يبدو أن هذه الخطة المفترضة وضعت بالفعل موضع التنفيذ، وأن هذا بدأ يغيّر بالفعل لوحة الصراع المسلح في منطقة الهلال الخصيب.
فقد توحّدت فجأة فصائل مسلحة سورية عدة، بما في ذلك ضمناً جبهة النصرة، وشنّت هجوماً شاملاً ومنظماً على كل مواقع تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" (داعش) من حلب وإدلب في الشمال إلى مدينة الرقة في الشرق. وقد أكدت دوائر إعلامية موثوقة في يوم واحد (فايننشال تايمز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست- 8 كانون الثاني/يناير 2014) أن الولايات المتحدة والسعودية (ولكن ليس قطر) تدعمان هذا الهجوم الذي أدى بالفعل إلى انحسار كبير في المدى الجغرافي لنفوذ داعش.
وفي الوقت نفسه، كانت الولايات المتحدة وروسيا (ولكن ليس السعودية) تقفان بقوة دبلوماسياً وعسكرياً إلى جانب الحكومة العراقية في معركتها لاستعادة مدينتي الفلوجة والرمادي في غرب العراق التي سيطر عليها "داعش".
إنها، إذا بالفعل، خطة الجنرال ديمبسي وقد شقت طريقها إلى التنفيذ، لكن، لماذا هذه الحرب المزدوجة الآن ضد داعش؟
خطايا داعش
الأسباب تبدو عديدة دولياً ومحليا.
فواشنطن وموسكو تعملان بتنسيق ودأب على وضع "الحرب العالمية" المنفلتة من عقالها في سورية في صندوق دبلوماسي أُطلق عليه اسم مؤتمر جنيف-2، بهدف منع هذه الحرب من التمدد إلى إقليم الشرق الأوسط كخطوة أولى، ثم لاحقاً لمحاولة إيجاد حل داخلي ما للأزمة السورية. وبالطبع، فإن سيطرة داعش، مع إديولوجيتها الإسلامية المتطرفة والرافضة لأي تسويات أو حلول دولية وإقليمية، على مناطق شاسعة من سورية، تقف حجر عثرة كبيراً أمام هذا الجهد.
وعلى الصعيد المحلي، كان تنظيم داعش، المنبثق من تنظيم القاعدة، قد نجح في استعداء كل حركات المعارضة السورية بلا استثناء، على رغم أن 85 في المئة من هذه الحركات تنتمي إلى الإديولوجيا الإسلامية المحافظة أو السلفية. وهو أنجز عملية الاستعداء هذه بسبب سلوكياته لا إيديولوجيته. فهو كان يرفض التعاون أو حتى الوساطة بينه وبين كل الفصائل، ويعطي الأولوية القصوى لبناء أسس الدولة الإسلامية، بدلاً من مقاتلة نظام الأسد في العراق أو نظام المالكي في العراق، ويعتبر نفسه الوحيد المؤهل لزعامة مثل هذه الدولة.
هذا ناهيك عن أنه فرض في كل مناطق سيطرته حكماً دينياً بالغ التطرف أشبه بحكم طالبان في أفغانستان، فمنع الغناء والرقص والموسيقى ودور السينما والتدخين والتعليم باللغات الاجنبية والسفور ولو الجزئي، وعمد إلى قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث وتنفيذ الاغتيالات، بما في ذلك اغتيال  الطبيب حسين سليمان المكنى بأبو ريان، قائد تنظيم أحرار الشام القوي، وهو الاغتيال الذي أطلق شرارة الهجوم على داعش.
أبو بكر البغدادي (إبراهيم عواد البدري)، زعيم داعش، هو الذي يقف وراء هذا المنحى المتطرف بسبب طموحه الجامح. فهو حين كان يتزعم تنظيم دولة العراق الإسلامية، أرسل في منتصف 2011 عناصر لتأسيس جبهة النصرة في الشام، ثم عمد العام 2013 إلى الإعلان عن دمج التنظيمين تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" على رغم أن جبهة النصرة رفضت الاندماج. هدف البغدادي: إقامة دول إسلامية في العراق وسورية ولبنان والأردن، تكون قاعدة لحركة جهاد عالمي تمهّد لإقامة دولة الخلافة.
وبالطبع، مع مثل هذا الطموح الكبير، لن يكون البغدادي في وارد التوصل إلى أي تسويات او حلول وسط مع الأفرقاء الإسلاميين الآخرين، على رغم التشابه أو حتى التقاطع معهم في ما يتعلق بالإديولوجيا ومسألة إقامة الدولة الإسلامية.
إلى أين؟
هذه العوامل الخارجية والداخلية، تقاطعت لتطرح مسألة الحرب ضد داعش على جدول أعمال القوى الإقليمية والدولية عشية مؤتمر جنيف-2.
لكن، ما التأثيرات المحتملة لهذا التطور على مآل المعارضة المسلحة السورية؟
الآراء تتباين هنا.
فثمة من يرى أن نظام الأسد سيفيد من هذا الشرخ الكبير في صفوف الإسلاميين الذي أودى حتى الآن بحياة أكثر من 400 مقاتل من الجانبين، خاصة وأن داعش قد تحاول الآن الانتقام لطردها من حلب والرقة بقية المناطق، عبر القيام بعمليات انتحارية ضد الثوار هذه المرة وليس ضد قوات الأسد.
بيد أن محللين آخرين يرون أن الأسد في الواقع سيكون الخاسر الأكبر من احتمال سيطرة عناصر إسلامية معتدلة على ساحة المعارضة، الأمر لأن ذلك سيعرّض إلى الخطر كل استراتيجيته لتصوير الصراع على أنه معركة بينه وبين التطرف والإرهاب الإسلاميين.
 ويعيد هنا المحللون إلى الأذهان أن النظام السوري هو الذي سهّل بروز المتطرفين الإسلاميين حين عمد في بداية الانتفاضة إلى إطلاق سراح المئات منهم من السجون، وحين سهّل وصول الأسلحة والامدادات إليهم من الدول المجاورة. (راجع هنا ورقة "سويس انفو" حول "لغز" حركات التطرف الإسلامي).
* * *
خطة الجنرال ديمبسي بدأت تتوالى فصولا. يبقى الانتظار لمعرفة التغييرات الكبرى التي ستطرأ من جراء ذلك على طبيعة الصراع في العراق وبلاد الشام.
وهي، المناسبة، تغييرات آتية لاريب فيها.

سعد محيو- بيروت
________________________

كادر

 15 ألف  مقاتل أجنبي
في سورية؟
تقدّر مصادر دبلوماسية غربية موثوقة في بيروت عدد المقاتلين الأجانب في سورية (سنّة وشيعة) بما يتراوح بين 10 إلى 15 آلاف مقاتل، وهو رقم يفوق كل الجهاديين الأجانب الذين تدفقوا على العراق وأفغانستان إبان الحرب فيهما.
وتوضح المصادر أن أغلبية المقاتلين الأجانب من السنّة يأتون من ليبيا وتونس والسعودية، وبدرجة أقل من العراق الأردن والكويت ودولة الإمارات وتشيشنيا وبعض الدول الأوروبية، وهو سيطروا في السابق على مساحات جغرافية كبيرة في شمال سورية وفرضوا فيها صيغتهم المتطرفة والمتشددة من الإسلام. هذا في حين يأتي المقاتلون الأجانب الشيعة من لبنان (حزب الله) والعراق وإيران وباكستان.
وتشير المصادر إلى سورية تحوّلت بالفعل خلال الأشهر القليلة الماضية إلى نقطة جذب هائلة للجهاديين المتشددين من كل أنحاء العالم، وأنه ينتظر أن تتضخم أعدادهم في الآتي من الأيام أكثر بكثير مما هي متضخمة الآن، في حال استمر الصراع.
_______________________


الثلاثاء، 7 يناير 2014

المالكي يدفع العراق إلى حافة "الانفجار النهائي"


استخدام رئيس الوزراء العراقي لكلٍ من ورقتي التطرف السنّي والتعصب الشيعي في آن، قد يسفر في نهاية المطاف عن انهيار الوطني العراقي نفسه.

- I -
قد لايكون من المغالاة في شيء القول أن رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي قرر على مايبدو ممارسة أخطر وأسوأ لعبة في كل تاريخه السياسي: استخدام ورقة التطرف السنّي، بعد أن أوغل في استعمال التعصب المذهبي الشيعي، لأغراضه السياسية الآنية.

فالمالكي هو الذي سحب الجيش العراقي فجأة من الفلوجة، الأمر الذي سهّل إلى حد كبير على تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" (داعش) السيطرة على هذه المدينة التي لعبت مرتين الدور الأكبر في التصدي للاحتلال الاميركي. وبعد أن انتشرت داعش في الفلوجة، عاد المالكي عن قراره وأمر الجيش بالاستعداد لاقتحامها.
وفي هذه الأثناء، كان رئيس الوزراء يقطف سريعاً ثماراً دسمة: من الدعم الأميركي والروسي له بالسلاح والتغطية الدولية، إلى استنفار مشاعر الشيعة العراقيين (ومخاوفهم) من التطرف الأصولي السنّي، مروراً بمواصلة الإطباق على كل معارضيه السياسيين من شيعة وسنّة واكراد تحت شعار أولوية الحل الأمني في محافظة الأنبار.
بيد أن هذه الانجازات قد تثبت قريباً أنها قصيرة العمر، تماماً كما أثبتت سياسة الغزل التي مارستها أميركا وقوى إقليمية عدة أخرى مع غول التطرف الأصولي بأنها تكتيك قصير النظر ويُنذر بكوارث كبرى لاحقة.
وهذا ينطبق على العراق أكثر بكثير مما ينطبق على سورية، التي عمد فيها رئيسها بشار الأسد هو الآخر إلى تسهيل ولادة الوحش العنفي، بهدف تقديم نفسه للعالم على أنه فارس المعركة الاول ضد الإرهاب.
لكن، لماذا العراق؟
- II -
لأن هذا البلد مستهدف منذ زمن ليكون نقطة التفجير الرئيس للفتنة الكبرى- 2 بين السنّة والشيعة في الشرق الأوسط الإسلامي، تمهيداً لإقامة   دويلات جديدة على أسس مذهبية وطائفية وعرقية في المنطقة.
وهذا رأي أكده في 8 آذار/مارس الماضي المحلل البريطاني في "فايننشال تايمز" ديفيد غاردنر، حين ركَّز على النقاط التالية:
- التحالف الغربي، بدخوله العراق وتفكيكه، قلب موازين القوى في أكثر مناطق العالم التهابا، ليس لأنه أطاح نظام حسين، بل لأنه أوصل الأقلية الشيعية في داخل العالم الإسلامي (والتي هي أغلبية في العراق) إلى السلطة في قلب المنطقة العربية للمرة الأولى منذ سقوط الخلافة الفاطمية العام 1171.
- وهذا، إضافة إلى أنه أسفر عن حمام دم في العراق، أشعل مجدداً نزاعاً عمره ألف سنة بين السنّة والشيعة، امتد من المشرق العربي إلى شبه القارة الهندية.
- أحداث العراق غيَّرت بالفعل مقومات المنطقة، وهي كانت أخطر بكثير من مضاعفات حرب السويس العام ،1956 لأنها أعطت زخماً لكل ألوان وأنواع الحركات الإسلامية.
تحليل دقيق؟
أجل. لكن، المحلل الاستراتيجي يضيف إليه عاملاً آخر لايقل أهمية.
فأرض العراق في الواقع تعتبر رأس جسر ممتازاً ونموذجياً لتفجير العالم الأسلامي من داخله، لأنها كانت المسرح الرئيس للمأساة التاريخية لآل البيت على يد الأمويين. كما أنها كانت ساحة المعركة الرئيس بين العثمانيين والصفوفين طيلة قرنين من الزمن ( العراق آنذاك  كان يصبح صفوياً فارسياً في الشتاء، وسنّياً تركياً في الصيف! ) .
وأضاف: القسمة الدموية السنية – الشيعية انطلاقاً من العراق منذ غزوه العام 2003، حققت، وستحقق أكثر، جملة أهداف إستراتيجية غربية  دفعة واحدة. فهي شطرت الشرق الاوسط الكبير الى شطرين كبيرين متناحرين. وهي جعلت إيران في مواجهة ليس مع أميركا وحسب، بل (مجدداً ) أيضاً مع تركيا وباقي اطراف الغالبية السنّية في العالم الإسلامي. وبالطبع، حين تحاصر جمهورية الخميني على هذا النحو، لن يطول الوقت ( مجدداً أيضاً ) قبل ان تبدأ البحث في وقت ما عن حلفاء لها في الغرب. وهذا بالتحديد  ما فعله الصفويون طيلة القرنين 18 و19. وهذا مايبدو أن الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني يحاول أن يفعله الآن.
- III -
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية بالنسبة إلى مخاطر سياسات المالكي.
 فالسياسات الطائفية الفاقعة التي مارسها المالكي بعد الانسحاب الأميركي ، بدأت تؤتِ أكلها الآن: شعور كبير بالامتعاض والتهميش بين العرب السنّة، الأمر الذي يهدد بتحويل حركاتهم الاحتجاجية الراهنة إلى ثورة مسلحة مكتملة النمو، ستكون أخطر بكثير مما حدث العام 2003.
 كما أن التأخر في تحقيق مصالحة سياسية حقيقية، وتلبية حاجات السكان الاجتماعية والتنموية، وتسوية القضايا العالقة في مجالات النفط والأراضي المتنازع عليها، كل ذلك جعل "الحل الأمني" يفرض نفسه كمقاربة حكومية وحيدة للأزمات الراهنة. وإذا ماوضعنا في الاعتبار الخلل الديمغرافي- الطائفي الراهن في تركيبة قوات الجيش وأجهزة الأمن لغير صالح السنّة، فقد لايكون من الخطأ الاستنتاج بأن تفاقم الأوضاع في المحافظات السنيّة سيؤدي في نهاية المطاف إلى فشل النموذج العراقي الراهن لإعادة بناء الدولة- الأمة.
والآن، دخلت الحرب الأهلية السورية على خطوط الصدع العراقية الجديدة لتكون بمثابة الصاعق الذي قد يفجّر بلاد العباسيين مرة أخرى، وربما أخيرة. فحكومة المالكي، بسماحها بتحوُّل العراق إلى ممر للمساعدات الإيرانية للنظام السوري، خلقت الظروف الملائمة لتقاطع مصالح السنّة العراقيين مع ثورة السنّة السوريين. وهذا ما دفع العديد من العشائر السنيّة العراقية، ناهيك بالطبع بالحركات الإسلامية المتطرفة إلى رفع شعار: اليوم دمشق وغداً الزحف على بغداد.
رب متسائل هنا: كيف يمكن أن يكون انقسام العراق هو المدخل لتقسيم المشرق؟
 الصورة تبدو بسيطة وواضحة: الحرب الأهلية العراقية الجديدة، في حال نشوبها، ستؤدي إلى انفصال المحافظات السنيّة الأربع عن الكيان العراقي، وربما انضمامها إلى الأردن في إطار مملكة أردنية هاشمية جديدة. وهذا بات أمراً وارداً بعد أن أعاد الرئيس الأميركي أوباما نسبياً إحياء المحور التركي- الإسرائيلي- الأردني الشهير، الذي قد يتحوِّل في وقت قريب إلى الوكيل الحصري الإقليمي الجديد للباكس أميركانا في الشرق الأوسط.
هذه المملكة الهاشمية الجديدة ستقيم بالطبع علاقات وطيدة مع المحافظات السنيّة السورية، سواء في شكل فيدرالي أو تنسيقي، في حال انهارت الدولة السورية الراهنة. وحينها سيكون الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام قيام دولة علوية على الساحل السوري لها امتدادات شيعية في داخل لبنان، فضلاً عن تقسيم لبنان نفسه إلى دويلات طائفية مسيحية ودرزية وسنّية وشيعية.
هل تبدو هذه المحصلات مغالية في التشاؤم؟
ربما.
لكن التطورات التي تجري في المشرق العربي هذه الأيام، لاتوحي بشيء من التفاؤل.
وحين يكون الأمر على هذا النحو، لايعود من المفيد إطلاق نعوت التفاؤل أو التشاؤم على السيناريوهات المحتملة لما ستؤول إليه الأمور، بل تصبح المسـألة مجرد تحليل علمي لاحتمالات علمية.
والعراق الآن هو المدخل الأول والرئيس لهذا التحليل وتلك الاحتمالات، أساساً بسبب اللعبة الخطرة التي يمارسها الآن الرئيس المالكي عبر رمي أعواد الثقاب المشتعلة أمام براميل الإرهاب والمذهبية المدمّرة.

سعد محيو
__________________________________







الأحد، 5 يناير 2014

ماجد الماجد: سعودي أم إيراني أم أميركي..؟(الحلقة 2)




تساءلنا في مقال الأمس: إذا ما كان من "حق" القوى الغربية والأجنبية أن تلعب ورقة الإسلام المتطرف على هذا النحو، طالما أن النظام العالمي ليس بأي حال منظومة أخلاقية أو جمعية خيرية، فهل ينطبق الأمر نفسه أيضاً على القوى الإقليمية الإسلامية؟

- I -
لنوضح ما نقصد بالتحديد، نود أن نشير إلى حقيقة لا أحد يمكن أن يجادل في صحتها: المنظمات الإسلامية المتطرفة، في شتى أشكالها، لا تمت بأي صلة إلى التيار الأسلامي العام الذي يشكّل الأغلبية الكاسحة من الأمتين العربية والإسلامية.
لماذا يستهوي العنف اليافعين؟(الصورة من غوغل

صحيح أن شعاراته تستقطب بعض الشبان اليافعين الذين يميلون بسبب هرموناتهم النشطة إلى العنف (تماماً كما كان اليسار المتطرف في الستينينات يستميل الجيل اليافع نفسه)؛ وصحيح أن فكرة انتهاج طريق قصير إلى الجنة وتناول الغداء مع النبي محمد (صلعم) من خلال الاستشهاد تستولي على قلوب الشبان فاقدي الأمل في هذه الحياة الدنيا، إلا أن هؤلاء قلة قليلة لايمكن في يوم من الأيام أن تتحوّل إلى حركة جماهيرية واسعة.
الدلائل على هذه الفرضية مبعثرة في كل مكان: فالقاعدة "مخلوقة" منذ نيف وثلاثة عقود، ومع ذلك لا هي ولا أي من فروعها تتجاوز أعدادها حفنة آلاف في كل الدول. علاوة على ذلك، ما يجري الآن في سورية والعراق، حيث تقاتل المنظمات الإسلامية غير المتطرفة والعشائر حركة "الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام" بضراوة شديدة، دليل آخر ليس على مدى عزلة المتطرفين، بل الأهم على أنهم في الواقع نبتة خارجية، على الأقل بالنسبة إلى قياداتهم التي تتمتع بالدعم المالي وشهوة السلطة والإمارة.
- II -
هذا الخارج، كما ألمعنا أمس، كان الولايات المتحدة مع اندلاع حرب أفغانستان ضد السوفييت العام 1979. وعلى رغم أن أجهزة المخابرات الأميركية لاتزال تستخدم بعض أجنحة هذه المنظمات لخدمة أجندات معينة، إلا أن حجر الرحى في هذه الاستخدامات انتقل إلى القوى الإقليمية الرئيسة في الشرق الاوسط (سورية، إيران، العراق، السعودية، تركيا، مصر وإسرائيل) وبات جزءاً لايتجزأ من سياستها الخارجية في تعاطيها مع الدول الأخرى.
ويجب الاعتراف هنا أنه ليس ثمة في الواقع دولة إقليمية واحدة بريئة من الصفقات الفاوستية (الجهنمية) مع تيارات التطرف هذه. تماماً كما أن الولايات المتحدة لم تكن، ولم تزل، غير بريئة من جعل المتطرفين يعتقدون أنهم قادرون على السيطرة على العالم، من خلال تسهيل نصرهم في أفغانستان على الاتحاد السوفييتي، أـساساً عبر تزويدهم بالصواريخ المضادة للطائرات والدبابات، ربما لتحويل مقولة برتراند لويس وزميله صموئيل هانتينغتون بأن الإسلام هو العدو الجديد للغرب إلى حقيقة واقعة.
- III -

لكن، ماذا يعني أن تحذو القوى الإقليمية حذو الولايات المتحدة في إطلاق عفريت التعصب والتطرف من قمقمه؟
الكثير، الكثير.
فهو يشي بأن كل الشعارات الإديولوجية الإسلاموية لهذه القوى، مجرد أوراق توت لإخفاء أجنداتها القومية أو الاستخبارية أو التوسعية التي لاعلاقة لها من قريب أو بعيد بالأخلاقيات الدينية أو اللاهوتية.
وهو يعني، أيضاً، أن الاسلام، أو على الأقل اسم الإسلام، قد وُضٍعَ قيد الاستخدام كسلاح سياسي. وهذا مالايجعل هذه القوى الإقليمية"الإسلامية" لا تختلف بشيء عن القوى الدولية "المسيحية" التي تستخدم الإسلام هي الأخرى كسلاح من هذا النوع، تارة ضد الشيوعية وطوراً ضد القومية العربية العلمانية، ومراراً لخدمة الأجندة الإسرائيلية الهادفة إلى تفتيت الشرق الأوسط الإسلامي.
بيد أن الأهم أن إطلاق العفريت يطلق عفريتاً أشهد هولاً بكثير: الحرب المذهبية الطاحنة بين السنّة والشيعة التي أدّت مرتين إلى انهيار الحضارة الإسلامية (مرة حين مهدت لغزوات المغول والصليبيين، ومرة أخرى مع الحروب العثمانية- الصفوية التي سهَّلت الاجتياحات الاستعمارية الأوروبية).
هنا يكمن الخطر الأكبر الذي تفرزه استخدامات القوى الإقليمية للتطرف الأصولي على أنواعه، والذي بدأ يحيل الوضع في المنطقة إلى جهنم حقيقية، كما يتبدى بوضوح في الكارثة الإنسانية الكبرى التي تجري في سورية هذه الأيام، والتي جرت (واستؤنفت الآن) في العراق، وبدأت تتمدد إلى لبنان.
كيف يمكن الخروج من هذه الـ"جهنم"؟
عبر معبر واحد: تشكيل كتلة تاريخية تقدمية جديدة في الشرق الأوسط الإسلامي، تستطيع أن تنظر مباشرة في عيون القوى الإقليمية المعنية لتقول لها: نحن نعرف كيف تستخدمون الإسلام والتطرف لأغراضكم السياسية والاستخبارية، ونحن نرفض أن تدمروا كل إرث الجضارة الإسلامية العريقة على هذا النحو اللاأخلاقي.
لكن، ومالم تولد هذه الكتلة سريعاً، ستواصل القوى الإقليمية غيّها اللاحضاري، وسنواصل نحن شعوب المنطقة الولوج أكثر إلى جحيم لانهاية له من العنف والتعصب والتطرف. وكل هذه، كما هي معروف، هي السمات المميزة لأمراض السايكوباث (Psychopath ) النفسية الإجرامية!
سعد محيو
للاتصال المباشر بالكاتب:
saad-mehio@hotmail.com
هاتف: 00961-70873533



السبت، 4 يناير 2014

ماجد الماجد: سعودي أم إيراني أم أميركي..؟



أميركا بدأت استخدام الإسلام كسلاح سياسي منذ العام 1945. لكن حرب أفغانستان العام 1979 كرّست استخدام كل القوى الإقليمية لهذا السلاح. وهي لاتزال تفعل حتى الآن.

- I -
ماجد الماجد، أمير "كتائب عبد الله عزام" الذي اعتُقل قبل أيام في بيروت، قد يكون النموذج الساطع والأمثل لكيفية استخدام مختلف أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية للإسلام المتطرف كسلاح سياسي وتكتيكي.
فهذا المواطن السعودي المولود في الرياض العام 1973، مطلوب من السلطات السعودية بتهمة الإرهاب منذ سنوات. ومع ذلك تتهم طهران المخابرات السعودية بأنها جنّدته منذ أن "اخترعت" تنظيم "فتح الإسلام" الذي خاض معركة مخيم نهر البارد.

والسعودية ترد على إيران بتذكيرها بأن السيد حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني، حذّر العام 2007، حين كان الماجد يقود المعارك ضد الجيش اللبناني، من أن اقتحام مخيم نهر البارد هو "خط أحمر". وهذا دليل برأي الرياض على أن الماجد تابع للمخابرات الإيرانية والسورية.
الولايات المتحدة، من جهتها، وضعت كتائب عبد الله عزام على لائحة الإرهاب، واعتبرته من أخطر الفصائل التابعة لتنظيم القاعدة. ومع ذلك، لم تضع زعيمه الماجد على لائحة الإرهاب.
لماذا؟
وحين اندلعت الانتفاضة الشعبية في سورية، عمد النظام إلى إطلاق سراح مئات الإسلاميين من السجون وسهّل أمر إعادة تنظيمهم وتسليحهم، بعد أن كان قد استخدمهم في وقت سابق ضد الاحتلال الأميركي للعراق. الهدف: تحويل الصراع إلى معركة بينه وبين الإرهاب. من أبرز من حظي بحرية الحركة بين سورية ولبنان بمعرفة وإشراف المخابرات السورية كان ماجد الماجد.
- II -

كيف يمكن لهذا الرجل أن يكون في كل مكان؟ وهل يُعقل وأن ينتمي، أو يكون على علاقة، مع كل أجهزة الاستخبارات هذه في آن؟
في خضم محاولة الإجابة على هذا السؤال، ستتفكك أمامنا لعبة الشطرنج الكبرى التي تمارس في العالم الإسلامي منذ نيف و35 عاماً، والتي يُستخدم فيها الأصوليون الإسلاميون المتطرفون كبيادق وسلاح سياسي.
صحيح أن الولايات المتحدة أبرمت منذ العام ، 1945حين التقى الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز على متن البارجة الأميركية كوينسي العام، حلفاً مع السعودية ضد الشيوعية ثم مع الإخوان المسلمين ضد الحركة الناصرية، إلا أن الأمر كان يجب أن ينتظر حتى 25 كانون الأول/ ديسمبر العام 1975 حين غزا الجيش الأربعين السوفيتيي بلاد الأقغان، كي تبدأ واشنطن ألعابها الدموية مع التطرف الإسلامي الذي أُطلق عليه في الغرب (قبل الشرق) اسم "الإسلام الجهادي".
آنذاك، وُلد تنظيم القاعدة بإشراف "السي.أي. آي" (ويقال حتى أن اسم القاعدة وّلد في واشنطن باسم ترميزي هو Base )، واستمر هذا الإشراف حتى هزيمة القوات السوفيتية بعد عشر سنوات، كما يكشف عن ذلك بجلاء كتاب جون كولي الشهير "الحرب غير المقدسة" ( Unholy war).
هذا التطور أثبت أنه حدث جلل بالفعل. فمنذ ذلك الحين، دأبت إيران والسعودية ومصر (أيام الرئيس السادات) والعراق ( في عهد صدام حسين) وسورية على استخدام التنظيمات المتطرفة الموجودة أو تلك التي تخترعها أجهزة المخابرات المختلفة لتنفيذ أهداف خاصة ومحددة. لم يكن هذا في يوم ما تحالفاً استراتيجياً أو إديولوجياً بين هذه الدول وبين التنظيمات المتطرفة، بل كان مجرد لعبة استخبارية أمنية جهنمية يعتبر فيها كل طرف أنه يستخدم الآخر.
وهذا ما جعل الحركات المتطرفة تشبه إلى حد بعيد الجزيئيات في علم فيزياء الكم (Quantum physics ). فهي يمكن أن تكون موجودة في مكانين او أكثر في الوقت نفسه، وهي لاتبرز، كما الجزيئيات أيضاً، إلا بعد أن يلاحظها (أو "يفكّر") بها أحد. وهكذا، كان أمراً طبيعياً أن تكون القاعدة موجودة في طهران والرياض في الوقت نفسه، وأن تكون التنظيمات المشتقة منها كفتح الإسلام تابعة لإيران وسورية أمس وللسعودية اليوم.
إنها لعبة الأواني المستطرقة ذاتها، لكنها أثبتت أنها أشبه برمي عيدان ثقاب امشتعلة قرب براميل بارود مكشوفة، كما أدركت الولايات المتحدة جيداً في أحداث 11 سبتمبر 2001، وكما تكتشف الآن كل الدول الإقليمية، من النظام السوري (الذي لايزال يمارس اللعبة إياها برعايته لـ"الإرهابيين") إلى طهران والرياض، من دون أن ننسى بالطبع إسرائيل.
- III -
الآن، إذا ما كان من "حق" القوى الغربية والأجنبية أن تلعب ورقة الإسلام المتطرف على هذا النحو، طالما أن النظام العالمي ليس بأي حال منظومة أخلاقية أو جمعية خيرية، فهل ينطبق الأمر نفسه أيضاً على القوى الإقليمية الإسلامية؟
(غدا نتابع)
سعد محيو
_______
للتواصل مباشرة مع الكاتب:
saad-mehio@hotmail.com