للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الاثنين، 14 أكتوبر 2013

خفض المساعدات لمصر أم تخفيض الزعامة الأميركية للعالم؟


- I -
كل الدلائل الأولية تشير إلى أن تقليص المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، سيكون إجراء رمزياً ومؤقتا.
وهذا على الأقل من الجانب الأميركي، بانتظار رد فعل الجنرال عبد الفتاح السيسي على هذه الخطوة التي ستثير حتماً رد فعل غاضباً من جانب رأي عام مصري يشعر بحساسية شديدة من واشنطن، تكاد تقترب مما كان يشعر به أجداده إزاء سلطات الاحتلال البريطاني في النصف الأول من القرن العشرين.
فالمسؤولون الأميركيون كانوا حريصين، وهم يعلنون عن تعليق شحنات طائرات هليوكوبتر ودبابات بقيمة مئات ملايين الدولارات (من أصل 1،3 مليار دولار هي مجمل المساعدات العسكرية لمصر) على التشديد بأنهم لايريدون البتة قطع العلاقة الأمنية المستمرة مع المؤسسة العسكرية المصرية منذ أكثر من ثلاثة عقود. هذا علاوة على أن واشنطن ستواصل تقديم المساعدات العسكرية الخاصة بمكافحة الإرهاب وتنظيف سيناء من المتطرفين الإسلاميين، وصيانة معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية.
كل هذه تبريرات تبدو صحيحة ومعقولة. لكن الصحيح أيضاً أن خطوة خفض المساعدات "الرمزية والمؤقتة" هذه، تأتي في وقت تحوم فيه الشبهات لدى حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بأن هذه الأخيرة تتصرف منذ اندلاع ثورات الربيع العربي العام 2011 وكأنها تعتبر هذه المنطقة "وباء يجب تجنبه"، وأن أولوياتها القصوى تكمن في تنفيذ استراتيجية "الاستدارة نحو الشرق الآسيوي (Pivot strategy) والتركيز على "بناء الأمة الأميركية" في الداخل (على حد تعبير الرئيس أوباما).
تسلسل الأحداث جاء ليؤكد  هذه الشبهات: من تمنُّع واشنطن في البداية عن الاشتراك في عمليات حلف الأطلسي في لبييا، وبعدها في مالي، إلى تخبطها الكبير حيال التطورات السياسية في مصر واليمن والعراق وتونس، وصولاً أخيراً إلى ضرب عرض الحائط بالخطوط الحمر التي رسمها أوباما بنفسه في سورية، والتي اخترقها النظام السوري أكثر من 11 مرة قبل مجزرة الغوطة، باعتراف الوزير كيري نفسه.
فوق هذا وذاك، كانت "حرب" الموازنة وسقف الديون بين أوباما وتيار الشاي المتطرف في الحزب الجمهوري، تؤدي ليس فقط إلى شلل الحكومة الفيدرالية وتهديد استقرار الأسواق المالية الأميركية، بل أيضاً إلى حمل أوباما على إلغاء اشتراكه المقرر في القمة الآسيوية الهامة، على رغم استراتيجية الاستدارة شرقاً، وإلى زعزعة ثقة الصين (بوصفها أكبر مستثمر بالسندات والدولار الأميركي بأكثر من تريليون ونصف التريليون دولار) وبقية المنظومة الدولية بالزعامة الاقتصادية الأميركية للعالم.
الآن، إذ ا ماوضعنا كل هذه المعطيات في أنبوب اختبار واحد وهززناه، فعلام سنحصل؟
 على حصيلتين على الأرجح:  الاولى أن قطع المساعدات لها علاقة في جانب منها ما بالأزمة الاقتصادية الاميركية، على رغم أن هذا لم يرد بوضوح في تحليلات الصحف ومراكز الأبحاث الأميركية. وهي بالتالي قد تكون جزءاً من الحالة الانسحابية الاميركية في الشرق الأوسط جزءاً. والثانية ان حلفاء واسنطن الشرق أوسطيين ومنافسيها الدوليين ستعتبرون هذه السلوكيات الأميركية دليلاً واضحاً على وهن شديد يعتري الزعامة الأميركية للعالم، وسيتذكرون الافتتاحية الشهيرة لمجلة إيكونوميست، الرزينة عادة، قبل أسبوعين التي شنت فيها حملة عنيفة للمرة الأولى على الرئيس الأميركي أوباما والدول الأوروبية الأخرى، واتهمتهم باضعاف الغرب وضعضعة موقعه في العالم. كما توقعت أن تنشط روسيا والصين الآن لـ"ملء" الفراغ الذي يتركه الغرب في العالم.
صحيح أن الأيكونوميست اختتمت افتتاحيتها بالقول أن "الغرب ليس في انحدار لايرحم نحو التهميش. الأمر أبعد كثيراً من ذلك. فالاقتصاد الأميركي يستعيد عافيته والفورة في النفط والغاز الصخريين قوّضت الاوتوقراطيات التي تتغذى من الطاقة"، إلا أنها عادت إلى الشكوى من تدهور مصداقية الغرب وضعفه.
فهل يعني ذلك أنها تميل إلى الاطلالة على التراجع الغربي الراهن بوصفه انحساراً تاريخياً للزعامة الغربية في العالم؟
- II -
لايبدو أن الأمر كذلك.
لكن هنا ثمة ماقد يكون أدهى. فصورة التقهقر الغربي ستكون واضحة وفاقعة بالنسبة إلى  قوى كبرى أو صاعدة مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل والنمور الآسيوية، هذا ناهيك عن دول حليفة لأميركا كاليابان وكوريا الجنوبية واندونيسيا والسعودية التي لن تقرر على الأرجح الانتظار لمعرفة ما إذا كان التراجع الأميركي تكتيكياً أو استراتيجيا، مؤقتاً أو دائما، بل ستبدأ من الآن بالبحث عن حلفاء جدد في نظام عالمي جديد.
وإذا ماحدث ذلك، والأرجح أنه سيحدث إذا ما استمر التخبط الأميركي، فسنكون فعلاً أمام منعطف تاريخي كبير في النظام الدولي.
 لماذا؟
لأن التاريخ يعلمنا أنه يمكن للامبراطوريات الكبرى أن تنحدر وتبقى على قيد الحياة طويلا من دون أن تسقط، إذا لم يتوافر بديل لها. أما إذا ماتوافر هذا البديل، كما حدث مثلاً مع الامبراطوريات الرومانية والفارسية والعثمانية والبريطانية، فإن الانحدار سيعني حتما السقوط.

سعد محيو- بيروت
_________________________