للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 25 أكتوبر، 2013

السعودية وأميركا-2: الملك عبد الله "في ثورة"، ولكن؟



- I -
لازلنا على أرض "الخناقة" السعودية- الأميركية. ولايزال السؤال هو السؤال: لماذا انفجرت الخلافات غير المسبوقة لافي تاريخ الدبلوماسية السعودية الأسطورية في مدى حذرها الباطني ولا في تاريخ التحالف القديم بين الرياض وواشنطن، على هذا النحو العنيف؟

المملك عيد الله وأوباما: نهاية الوفاق؟ (الصورة من غوغل


أشرنا في عدد الأمس من هذه الزاوية (اليوم، غدا-24-10-2013) إلى جملة عوامل فجّرت الغضب السعودي الحاد: من ازمة سورية والبحرين، إلى الانفتاح على إيران، وإن كان العامل الأهم، كما ألمعنا، هو ماتعتبره الرياض استمرار التحالف الخطر على أمن نظامها بين الأميركيين والإخوان المسلمين.
لكن، قد يكون هناك عامل آخر لم يأخذ حقه في التحليلات: شخصية الملك عبد الله نفسها، التي يبدو أنها تلعب بالفعل دوراً كبيراً في نقل الدبلوماسية السعودية من حالة الحذر التاريخي الشديد الذي يقترب من التقوقع، إلى وضعية المجابهة والجهر بكل مكنونات القلب حتى قبل العقل.
الملك له في هذا المجال صولات وجولات عدة. فهو صدم أحد مؤتمرات القمة العربية حين تصدى لحملات العقيد الراحل معمر القذافي ضد السعودية باتهامه بأنه وصل إلى السلطة على متن دبابة أميركية بإشراف السي. أي. آي. وحين تخلت واشنطن عن حليفيها "الأزليين" مبارك وبين علي، فاجأ عبد الله الجميع بتنديده علناً بما اعتبره " خيانة" للعقود بين الحلفاء، ووقف حتى اللحظة الأخيرة إلى جانب هذين الأخيرين في مواجهة واشنطن.
بالطبع، سلوكيات المملكة عموماً خلال السنتين الأخيرتين كانت أساساً جزءاً من الثورة المضادة التي شنّها معظم الملوك العرب المحافظون ضد ثورات الربيع العربي، تماما كنا فعل ملوك الحق المطلق الأوروبيون في القرن التاسع عشر حين تحالفوا (بعد مؤتمر فيينا 1815) ضد الحركات الثورية والتغييرية في كل القارة الأوروبية. وأيضاً تماماً كما فعلت المملكة نفسها في ستينيات وسبيعنيات القرن العشرين، حين شنت ثورة مضادة مماثلة ضد الحركة القومية العربية الثورية.
بيد أن المحابهة الراهنة للمملكة لها نكهة خاصة للغاية. نكهة شخصية في الواقع تطغى عليها بصمات الملك عبد الله، بما عُرِف عنه من شخصية واضحة ولاباطنية، ومن حساسية شديدة إزاء التنكر للوعود والمواثيق. هذا ناهيك عن أنه اشتهر أيضاً بنزعة قوية نحو عناصر الكرامة في الانتماء العربي.
- II -
كل هذه العوامل تلعب الآن على الأرجح دوراً مباشراً في إضفاء هذه الألوان القاتمة راهنا على العلاقات الأميركية - السعودية. وعلى رغم أن مواقف الملك تحظى بإعجاب شعبي عربي وسعودي، خاصة منها رفض عضوية مجلس الأمن والاستعداد لنقل "المعركة" حول سورية إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنها قد تفرض على المملكة في وقت قريب تحديات قد تكون خطيرة.
الأدلة؟
صحيفة "فايننشال تايمز" الرزينة ربما عبّرت عن أبرزها ، في افتتاحيتها أمس، حين انتقدت بشدة مواقف السعودية ليس فقط في مجلس الأمن بل حتى أيضاً إزاء مصر وسورية وإيران واعتبرتها "غير عقلانية ولا تأخذ في الاعتبار لا مسألة الاستقرار في مصر والمنطقة، ولا رفض الرأيان العامان الأميركي والأوروبي الانجرار إلى أي حرب جديدة في الشرق الأوسط". لا بل أكثر: اعتبرت الصحيفة هذه المواقف بمثابة "تدمير ذاتي" للسعودية.
- III -

حتى الآن، لايزال الأميركيون، وبحماسة أكبر الأوروبيون، يضعون الأزمة السعودية - الأميركية في إطار المشاكل القابلة للاحتواء بين الحلفاء والأصدقاء، خاصة وأنه لا الرياض ولاواشنطن في وارد إنهاء تحالف استراتيجي مديد عمره نيفاً و68 سنة.
بيد أن الخطر هنا يكمن في احتمال بروز تيار داخل الإدارة الأميركية قد يعتبر أن الوقت ربما حان لتشجيع تحولات في رأس هرم القيادة السعودية، خاصة وأن معركة الخلافة مستعرة داخل الأسرة السعودية الكبيرة على نحو حاد منذ أن بدأت الوعكات الصحية تضرب الملك عبد الله.
وإذا ماحدث أن كانت لهذا التيار الأميركي اليد العليا، قد ترتدي معركة الخلافة أبعادَ معقدة جديدة، خاصة وأن الحاجة باتت ماسة داخل المملكة لإعادة بناء وتركيب الأسرة السعودية على أسس جديدة وفقاً لـ"ديمغرافيا" الأبناء والأحفاد الكثر الصاعدين.
- IIII -

هل أجبنا على سؤالنا الأولي عن أسباب الحدة في الخلافات السعودية- الأميركية، وعن مآل هذه الخلافات؟
ليس بعد؟
حسنا. ربما يكون مفيداً حينها انتظار ماستفعله الرياض في سورية، من احتمال دعم الثوار هناك بما يتجاوز" الخطوط الحمر" الأميركية الخاصة بالمعارضة، وماستدفع إليه في مصر من تشجيع الفريق السيسي على شهر سيف التحدي هو الآخر في وجه واشنطن.
وإذا ماحدث ذلك، ستكون شخصية الملك عبد قد حوّلت الغضب السعودي إلى سياسة، الأمر الذي قد يستتبع تحوّل تكتيكات التيار الأميركي الداعي إلى التغيير في السعودية إلى استراتيجية.
وهذا منبع الخطر الحالي المحتمل في المملكة.

سعد محيو