للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الخميس، 13 سبتمبر 2012

كيف كان النبي محمد سيرُد على تشويه صورته؟



- I -
كيف يمكن لفيلم سخيف، وتافه، وبائس، كذلك الذي عُرِض قبل أيام في الولايات المتحدة وعلى اليوتيوب تحت عنوان "محمد نبي الإسلام، أن تكون له كل هذه المضاعفات الكبرى الفكرية والثقافية، وربما حتى الاستراتيجية في العالم الإسلامي؟

ثورة العلم في العصر العباسي- اللوحة من غوغل- 

سنرجىء الحديث عن الأبعاد الاستراتيجية المحتملة، التي ترتبط أساساً بالعلاقات بين أنظمة الربيع العربي وبين الولايات المتحدة (التي لعبت، كما هو معروف، دور بيضة القبان في انتصار ثورات هذا الربيع)، إلى الغد. أما اليوم، قد يكون التحليل البارد والموضوعي ضرورياً لفهم دوافع ومبررات هذا الرد المُلتهب في مصر وليبيا وتونس وبقية الدول على هذا الفيلم.

- II -
أول مايتبادر إلى الذهن هنا هو أزمة الهوية الإسلامية، أو بالأحرى الخوف المَرَضِي على هذه الهوية، التي يعاني منها الملايين في العالم الإسلامي. فهؤلاء يشعرون بأن العصر الحديث (بكل مايتضمنه من عولمة اقتصادية، وثورة معلومات واتصالات، وتقينات التواصل الاجتماعي، وفضائيات من كل الأنواع والألوان)، يكاد ينسف كل مقومات ثقافاتهم التاريخية وعاداتهم الموروثة، ويفكك ماتبقى من تماسك اللحمة الاجتماعية في بلدانهم.
أوروبا مرّت بمثل هذه التجربة مع الثورة الصناعية الكبرى في القرن التاسع عشر، التي انتجت هي الأخرى ردات فعل دينية عنيفة، ترجمت نفسها في خاتمة المطاف في بروز حركات هوية دينية متعصبة أولاً ثم أحزاب مسيحية ديمقراطية.  وقبل هذه الثورة، كانت أوروبا تعيش قروناً وسطى غاية في الظلمة والعنف والاستبداد الديني، بسبب سيطرة الأصوليين العُصابيين على كل الفكر والثقافة والسياسة فيها تحت شعار الحفاظ على الهوية المسيحية. ولم تخرج القارة العجوز من هذا النفق إلا مع بزوغ عصر الأنوار في القرن السادس عشر، الذي بلور هوية أوروبية جديدة تم في إطارها "ترويض" الغرائز الدينية العصابية لصالح الحرية والتسامح والعقلانية.

- II-
العالم الإسلامي (مع استثناء تركيا واندونيسيا وماليزيا منه) يعيش الآن أزمة هوية طاحنة مماثلة. فهو يبحث عن صيغة توفِّق بين متطلبات العصر الحديث المتسارعة، وبين معطيات موروثه الثقافي والفكري الذي أمَّن له على مدى قرون مديدة التوازن النفسي المطلوب.
حتى الآن، لم يتم العثور على مثل هذه الصيغة السحرية. وهذا ما يجعل أجزاء واسعة من العالم الإسلامي أشبه بالمراهق العالق بين طفولة يسعى للخروج منها وبين نضج لايستطيع الدخول إليه. أو ربما هي أشبه ببرج المراقبة في المطار الذي يتلقى إشارات عديدة متضاربة من الطائرات، فسيُصاب مديروه بالشلل أو الانهيار، أو العصبية الفائقة.
هذه الحالة، التي تتسم عادة بعدم الثقة بالنفس، والقلق من المتغيرات المتسارعة في العالم، والخوف من تفكك الهوية، ربما تفسِّر أسباب ردات الفعل العنيفة في العالم الإسلامي هذه الأيام على أي انتاج يهاجم أو ينتقد أي رمز من رموز الإسلام، خاصة الرسول (صلعم). هذا في حين كان المسلمون طيلة حقبات ازدهار حضارتهم العظيمة منذ أيام الامويين والعباسيين، مروراً بالحقبة الصليبية، وإلى حين بروز الفكر الإسلامي الانغلاقي أولاً مع الإمام الغزالي (تهافت الفلاسفة) ثم مع ابن تيمية، يستهزأون بآلاف الأطنان من الكتب والمطبوعات التي كانت تُنشر في الغرب الأوروبي، والتي كانت تكيل أقذع الشتائم للنبي محمد وأشد التهم للإسلام (دين السيف والعنف والشبق الجنسي).
المسلمون قبل ألف سنة كانوا يفعلون ذلك لأن ثقتهم بحضارتهم وأنفسهم ودينهم كانت كاملة وناضجة. ونموذجهم آنذاك كانت قصة النبي محمد مع ذلك اليهودي في المدينة المنوّرة الذي كان يتقصّد رمي قمامته قرب باب منزله، فلا يقابل محمد ذلك سوى بابتسامة معبِّرة (هي رمز الثقة بالنفس وبالهوية). وحين غابت القمامة لثلاثة أيام متتالية، توجّه النبي إلى منزل اليهودي بنفسه قائلاً له أن غياب القمامة جعله يقلق على صحته، وعرض عليه أي مساعدة.
- III -
الآن، إذا ما اتفقنا، عزيزي القارىء، على صحة هذا التحليل، سنكون معاً في موقع يمكننا ليس فقط من تفهُّم أسباب ظواهر العنف المرافقة مع تفاهات الشتائم، بل أيضاً من تلمس طبيعة الحلول التي تحتاجها المجتمعات الإسلامية. وهذا لن يكون صعباً إذا ما استعنّا بتاريخ الحضارة الإسلامية (خاصة خلال الخلافة العباسية) التي تتلخّص في التالي: إطلاق حرية الفكر والاجتهاد، منح الأولوية للعلوم والتكنولوجيا (العرب هم الذين اخترعوا علوم الجبر والكيمياء والطب والتشريح وطوروا علم الفلك)، وإقامة نظام اقتصادي متطوِّر يستند إلى العدالة الاجتماعية.
وحين نفعل ذلك، لن تكون ردة فعل أي مسلم على توافه على غرار الرسومات الكاركاتورية الدنمركية والفيلم عن النبي، أكثر من تكرار تلك الابتسامة التي كانت ترتسم على وجه النبي، والتي كانت تلخّص برمشة عين كل فلسفة الحياة والوجود، وكل عظمة الحضارة الإسلامية.
* * *
ماذا الآن عن الأبعاد الاستراتيجية لأحداث بنغازي والقاهرة؟
                                                                        (غدا نتابع)

                                                                                سعد


الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

لماذا يسير قطارا أوباما ونتنياهو في اتجاهين مُعاكسين حيال إيران ؟




- I  -
هل قررت إدارة أوباما شد "طفل أميركا المُدلل"، إسرائيل، من أُذُنه، على رغم المخاطر الجمَّة التي قد تنتج عن ذلك على صعيد الأصوات اليهودية الحاسمة، خاصة في فلوريدا وأوهايو، في الانتخابات الأميركية الوشيكة؟
يبدو أن الأمر كذلك.


فالرئيس أوباما قرر عدم استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حين يحط الرحال في نيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحجة أن أوباما لن يكون في نيويورك في ذلك الوقت. قد يجتمع الرجلان إذا ما طار نتنياهو إلى واشنطن، لكن الرسالة وصلت: أوباما لن يرضخ إلى الضغوط الهائلة التي يبذلها هذا الأخير لاستخراج وعد منه بضرب إيران عسكرياً غداة الانتخابات الأميركية.
وقبل هذه الرسالة الواضحة، كان ثمة رسالتين حتى أكثر وضوحا: الأولى، كانت تصريح وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا الذي رفض فيه طلب إسرائيل بتحديد "خطوط حمراء" حيال إيران، قائلاً أنه "سيكون لدى الولايات المتحدة سنة على الأقل قبل ضرب بلاد الفرس، في حال قررت هذه الأخيرة التحوّل إلى قوة نووية عسكرية". والثانية، جاءت من وزيرة الخارجية كلينتون التي قالت أن بلادها ترفض تحديد مواعيد نهائية لعملية التفاوض مع إيران.
لكن، لماذا اتخذت إدارة أوباما هذا الموقف الصلب، على رغم حاجتها الماسة إلى الأصوات اليهودية في انتخابات رئاسية  صعبة للغاية، يبدو فيها المنافس الجمهوري الأقدر على جذب هذه الأصوات اليهودية عبر دعمه العلني لطلب إسرائيل توجيه ضربة عسكريةإلى إيران؟
- II -
هنا، مع هذا السؤال، نجد أنفسنا أمام اللوحة الكاملة للمصالح القومية والاستراتيجية المتضاربة هذه الأيام بين هذين الحليفين التاريخيين .
فالدولة العبرية تُطل على مسألة امتلاك إيران للقنبلة ليس على أنها "تهديد وجودي" لأمنها، كما تقول، (فهي تعلم أن طهران لن تستخدمها، إلا إذا قررت الانتحار والعودة إلى العصر الحجري)، بل لأنها تعتبرها بداية النهاية لهيمنتها الإقليمية والاستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط.
حسابات تل أبيب كالتالي: إيران النووية ستنضم إلى تركيا العثمانية الجديدة ومصر الإخوانية في المطالبة بحصص ضخمة في النظام الإقليمي الشرق أوسطي الجديد، الذي سيولد حتماً حيت يهدأ غبار الربيع العربي والصراعات الراهنة في المنطقة. ومع تراجع النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط بسبب كلٍ من حربي العراق وأفغانستان والأزمة الاقتصادية الاميركية الحادة، سيكون الوضع الاستراتيجي للدولة العبرية صعباً للغاية في هذا النظام الجديد، إلى درجة أنه قد يدفع الكثير من يهود إسرائيل إلى الهجرة والانضمام إلى أخوانهم يهود أميركا وأوروبا.
بيد أن حسابات الحقل الأميركي لاتتطابق مع حسابات البيدر الإسرائيلي. فإدارة أوباما ليست قلقة لا من القنبلة النووية الإيرانية (ولاحتى من مائة قنبلة) لأنها قادرة على مسح إيران برمتها من الوجود خلال عشرين دقيقة. ثم أنها واثقة كل الثقة (وهي على حق في ذلك) أن عملية الخنق الاقتصادي والسياسي التي تنفذها ضد إيران، ستعطي النتائج نفسها التي أفرزتها عملية الخنق المماثلة التي مارستها ضد موسكو السوفييتية وأدّت في خاتمة المطاف إلى انهيار الامبراطورية السوفيتية برمتها. ثم أن وجود إيران المشاغبة في حد ذاته، يمنح واشنطن كل الفرص لإحكام سيطرتها على الخليج العربي، ولمواصلة بيع صفقات أسلحة أميركية ضخمة لاتُستخدم، خاصة للسعودية والإمارات.
والأهم من هذا وذاك أن إدارة أوباما غير قادرة في هذه المرحلة على تمويل حرب إقليمية ستكون طاحنة حقاً ضد إيران. وهي تخشى على أي حال أن تصب مثل هذه الحرب في خانة دول البريكس (البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب إفريقيا) التي تسعى من الآن إلى وراثة الامبراطورية الأميركية عبر خلق نظام عالمي جديد.
- III -
هذان الموقفان المتضاربان، يجعلان السياستين الأميركية والإسرائيلية تبدوان في هذه المرحلة وكأنهما قطاران يسيران في اتجاهات متعاكسة، ربما للمرة الأولى منذ حرب السويس ضد مصر العام 1956.
وهذا لايتعلّق بالإدارة الديمقراطية الراهنة وحدها، بل قد يشمل أيضاً حتى إدارة الجمهوري ميت رومني في حال فوزه في الانتخابات. إذ أن هذا الأخير سيتنصّل سريعا على الأرجح، وإن بالتدريج، من تعهداته لنتيناهو، لأن أميركا تحكمها المؤسسات (والمنظمات السرية العملاقة) ذات الحسابات الباردة، لا الأفراد من ذوي الرؤوس الحامية، على رغم كل الظواهر التي تشي بعكس ذلك.
وهذا سيترك نتنياهو أمام خيارين أحلاهما مرٌّ: إما المغامرة بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، سواء قبل الانتخابات أو بعدها، بأمل جر الولايات المتحدة إلى مشروعه لتغيير موازين القوى وشيكة الولادة في الشرق الأوسط لصالحه، أو قبول الأمر الواقع الإقليمي الزاحف، والذي قد يحوّل إسرائيل إلى "دولة عادية" و"مسالمة" في الشرق الأوسط، الأمر الذي سيفقد الصهيونية أهم ورقة للحفاظ على تماسك لُحمة المجتمع اليهودي الإسرائيلي: حالة الحرب الدائمة.
* * *
لقد شدّت إدارة أوباما بالفعل طفلها المدلل من أذنه. بقي أن ننتظر الطريقة التي سيرد بها هذا الطفل الذي أفسدته عقود من الدلال الأميركي المُطلق. فالدلال بحد ذاته يُفسد. لكن الدلال المطلق فساد مطلق، وقد يجر أحياناً إلى سلوك جنوني مُطبق.

                                                                        سعد


الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

تظاهرة الرياض: أول غيث يقظة سياسية سعودية؟



- I -
من نصدِّق في السعودية؟
النظام الذي يقول أنه لايوجد معتقلون سياسيون في المملكة، وأنه في العام الماضي تمت محاكمة 5080 شخصاً من أصل 5700 أوقفوا بتهم أمنية (لا سياسية)؟ أم المعارضة التي تؤكد أن هناك عشرات آلاف المعتقلين السياسيين؟
تظاهرة الرياض- الصورة من غوغل- 



التظاهرات قد تكون أصدق أنباء من كتب البيانات. فالمحتجون الشجعان الخمسون، ومن بينهم لربما لأول مرة ثماني نساء، الذين وقفوا أمس الأول بصمت جليل ومُعبٍّر أمام مكتب المدعي العام في الرياض، تشي بأن المعارضة مُحقة. فكل هؤلاء قالوا أن أبناءهم وذويهم إما يرقدون في غياهب السجون منذ سنوات، أو أنه أجريت لهم "محاكمات سرية" من دون أن يسمح لأي منهم باختيار محاميه، ثم أعيدوا إلى السجن ليلبثوا هناك سنوات من دون النطق بالحكم.
ثم أن منظمة حقوق الإنسان الدولية "هيومن رايتس ووتش" أكدت في تقارير عدة مؤخراً أن الحكومة السعودية "تضاعف جهودها لمعاقبة كل من يتجرأ على المطالبة بالديمقراطية والاصلاحات الخاصة بحقوق الإنسان. وبدلاً من الاعتقالات التعسفية لفترات طويلة وحظر السفر، يتعيّن على السلطات السعودية أن تحترم الحقوق الأساسية للإنسان بما في ذلك حق التعبير والتنقُّل".

- II -
في الواقع أن هذه "المضاعفة للجهود العقابية"،  تترافق منذ فترة غير قصيرة مع صعود نفوذ أجهزة الأمن والمخابرات السعودية إلى ذروته، ليس فقط بعد بروز ظاهرة الإرهاب القاعدي بل قبله بكثير، حيث باتت النخبة الحاكمة معتمدة أكثر من أي وقت مضى على أجهزة الأمن المتوسّعة. وهكذا بلغت موازنة الأجهزة الأمنية السعودية 5،5 بليون دولار في العام 2003، أي نحو ثلث موازنة الدفاع، ثم ازدادت بنسبة 50 في المئة العام 2004. أما في العام 2010 فليس من المعروف بعد الزيادات التي طرأت على هذه الموازنة بسبب استمرار طوق السرية التامة حولها، لكن كل المؤشرات تدل على أنها شهدت قفزات نوعية مماثلة.
صحيح أن الحرس الوطني والجيش، لازالا يحتفظان بسطوة واضحة، إلا أن أجهزة الأمن رأت دورها وأعدادها تتزايد بشكل هائل خاصة خلال العقد الماضي، مما زاد العلاقة تعقيداً وتشابكاً بين المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية. وهكذا، بات لقطاع الأمن مدارسه الخاصة، وكلياته الخاصة، وتعليمه العالي الخاص، والخدمات الاجتماعية التي تعطيه استقلالية ذاتية تساهم في زرع "ثقافة خاصة للأمن" تشكّل عقبة كبرى وحقيقية أمام أي إصلاح.
السلطة السياسية باتت بالفعل في العقود الثلاث الأخيرة، وإلى حد كبير نسبياً، في عهدة أجهزة المخابرات، أو بقيادتها، أو هي واقعة تحت تأثيرها. وهذه الأجهزة ما انفكت منذ ذلك الحين تلعب  دوراً يشبه دور النخب التوتاليتارية في أنظمة الحزب الواحد، والذي يستند إلى السيطرة السياسية على الدولة والقوات المسلحة من قِبَل نظام حزبي سلطوي واحد. القوات المسلحة هنا تدين بالولاء للنخبة التوتاليتارية (إقرأ هنا أجهزة المخابرات) لأنها تضع موارد اقتصادية كبرى بتصرفه، فيما تكون السيطرة السياسية للأجهزة السرّية التي تتغلغل في الجيش وتدير عملية تعيين الضباط أو ترقيتهم أو عزلهم.
علاوة على ذلك، لم تعد الأجهزة الأمنية تقصر نشاطاتها على الأمن أو السيطرة الأمنية، بل باتت تمدد "هيمنتها" من المجتمع السياسي إلى المجتمع المدني: إلى الإعلام والثقافة، والسينما والمسرح، والنقابات والاقتصاد، وتخلق ما يسميه أحد الباحثين "ثقافة الأمن" في المجتمعات العربية.
وهنا نستذكر مقولة أنطونيو غرامشي بأن "أي طبقة ترغب في السيطرة في ظل الظروف الحديثة، عليها أن تتحرّك إلى ما هو أبعد من مصالحها الاقتصادية الضيّقة لتمارس قيادة فكرية وأخلاقية، ولتبرم تحالفات وتسويات مع مختلف القوى لتشكّل الكتلة التاريخية".
ويقول أنصار الإصلاح الديموقراطي في الوطن العربي أن "الدور المركزي للشرطة السرية في كل بلد عربي، مع قدراته الخفية والأخطبوطية، أصبح الآن اكبر العوائق في وجه الإصلاح. ففي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، وفيما كان القادة العسكريون يخمدون ويخنقون الحياة الديموقراطية، أصبحت أجهزة الامن قانوناً بذاتها".
والحل؟

- III -
أنه يبدأ بضرورة المطالبة بوقف زحف الأجهزة الأمنية على كل مناحي الحياة السياسية والاجتماعية، وإدخال إصلاحات تركِّز على التالي:
أولاً، العمل على تغيير مفهوم "ثقافة الأمن" السائدة حالياً في السعودية وباقي منطقة الخليج عبر طرح السؤال التالي: من الفئات التي يجري ضمان أمنها حالياً وما نسبتها من عدد السكان، ومن الفئات الاجتماعية التي يحتاج أمنها إلى ضمانات؟ في الوقت الراهن، لاتزال ثقافة "الأمن الخشن"، (Hard Security)  أي الذي تُستخدم فيه أساليب قمعية وعنفية شديدة، هي المُهيمنة بسبب انسداد التطور الديموقراطي.
إصلاح الثقافة هنا يتطلب سد الفجوة الهائلة الحالية بين أمن الحكام والمحكومين، وبين أمن النظام والدولة، وبين أمن المواطن والمجتمع. وهذا يمكن أن يتم عبر الإعلاء من شأن ثقافة الأمن الإنساني" Human security " وموازنتها مع مفهوم "الأمن القومي او الوطني". هذه الثقافة تتطلب أن يكون المواطن او الفرد محور الأمن لا النظام أو الدولة، وتعتبر أن هذا أمر ضروري للغاية للحفاظ على الاستقرار الوطني والإقليمي والعالمي.
برز مفهوم الأمن الإنساني بعد نهاية الحرب الباردة، وكان حصيلة تقاطع جهود قامت بها الفروع العلمية التالية: دراسات التنمية، العلاقات الدولية، الدراسات الاستراتيجية، وحقوق الإنسان. وكان برنامج التنمية للامم المتحدة العام 1994 وتقرير حقوق الإنسان نقطة تحوّل في مجال الأمن الإنساني، حيث جادلا بأن "الحرية من العوز" و"الحرية من الخوف" لكل الناس هما الطريق الأنجع لمواجهة مشكلة اللاأمن العالمي. والأن، يُدرّس هذا المفهوم في الجامعات كجزء من العلاقات الدولية، والعولمة، ودراسات حقوق الإنسان، لكنه من أسف غائب عن العديد من الأقطار العربية.
تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2009 شدّد على أن الأمن الإنساني يوازي التنمية البشرية، وهو ضروري لمخاطبة العجوزات الثلاثة التي تقف حجر عثرة في طريق تحقيق القدرات الإنسانية في الوطن العربي، وهي عجوزات المعرفة، والحرية، واللامساواة بين الجنسين.
الخطوة الاولى، واللازبة، لتحقيق الأمن الإنساني هي فرض سيادة القانون بهدف ضمان حقوق وحريات الفرد، وحل الصراعات على السلطة بالطرق السلمية.
الآن، إذا ما استخدمنا المعايير المذكورة أعلاه (الأمن الإنساني، التحرر من الخوف، وقف إطلاق العنان لأجهزة المخابرات خارج نطاق القانون)، سنكتشف سريعاً أن المملكة السعودية تعاني من عجوزات في كل هذه المجالات. وتغطية هذه العجوزات بالاستناد إلى تبرير  مكافحة الإرهاب أو تطبيق الشريعة وفق ماتشتهي مصالح الحكَّام، لم يعد يقنع معظم المواطنين السعوديين.
الدليل؟
إنها المظاهرة الخمسينية الشجاعة في الرياض، وقبلها تظاهرة المعلمين العاطلين عن العمل في الرياض أيضاً العام 2011، واحتجاجات سكان جدة على فضيحة الفيضانات التي ضربت المدينة، وتظاهرة أقارب المعتقلين في شباط/فبراير وحزيران/يونية من العام الماضي، والتظاهرات المتواصلة في المنطقة الشرقية. هذا فضلاً عن "انتفاضة" آلاف الطالبات في جامعة أبها في آذار/مارس الماضي، وجهود بعض النساء المقدامات لكسر القيد القروسطي الذي يمنعهن من قيادة السيارات.
قد تبدو كل هذه التطورات حدثاً هامشياً في أي بلد في العالم. لكنها في القلعة السعودية المُغلقة بإحكام والسرّية بالكامل، تعتبر حدثاً جللا. إذ هي قد تكون أول غيث يقظة سياسية  لامفر منها، في بلد يعاني بحدة وألم من انفصام شخصية (شيزوفيرانيا) خانق بين منتهى العصرنة والحداثة وبين منتهى الجمود والانغلاق القروسطي.

                                                                             سعد    

الاثنين، 10 سبتمبر 2012

السعودية: محمد فهد القحطاني "بطلٌ بألف وجه"





- I -
في كتابه الجميل " بطل بألف وجه" (The Hero with thousand faces )، يكتشف الكاتب الأميركي الشهير جوزف كامبل، بعد أن يستطلع تاريخ البشرية بعمق، أن الأساطير لدى كل الشعوب واحدة أو لها مصدر واحد. وهي برموزها وأساطيرها، تعتبر البوابة الحقيقية لكلٍ من الحقيقة النهائية والنفس البشرية. ولذا، فهي بطل بألف وجه.

محمد فهد القحطاني - غوغل- 

وفي كتابها الموسوعي "الحرب المقدسة: الصليبيون وتأثيرهم على عالم اليوم"، تكتب كارين أرمسترونغ:" تُرى، لو لم يكن اليهود عبيداً في مصر، هل كان موسى سيصبح نبيا؟".
ما الذي ذكَّرنا الآن بكامبل وأرمسترونغ؟
إنه شخصية فكرية- سياسية سعودية سيكون لها حتماً تأثير كبير، ليس فقط على مستقبل مملكة السعوديين، بل حتى أيضاً على مآلات المنطقة ومصائرها بعد الربيع العربي: البروفسور د. محمد القحطاني.
فهذا الرجل جمع في شخصيته كل مقومات البطل بالمعنى الذي قصده كامبل: التحرُّر من "الأنا" (الإيغو) وتكريس الحياة لـ" تحرير مواطنيه من العبودية"؛ الشجاعة؛ التغلُّب على آفة الخوف (التي هي أسّ الأنا الأنانية)، وثقافة عالية تغذي كل هذه المقومات برؤية تكاد تكون إيمانية لمستقبل مغاير كلياً لوطنه، يستند إلى حقوق الإنسان وكرامته، والحرية، والديمقراطية.
النبي موسى، كما يقول المؤرخون، كان أميراً فرعونياً بالتبنِّي. لكنه خلع عنه رداء الإمارة وقَبِل أن يكون عبداً ثورياً، بهدف تغيير الأمر الواقع وبناء هوية جديدة له ولشعبه. والحال أن كل الأبطال في التاريخ فعلوا ذلك: رجال الدين المسيحيون في قرطبة الأندلسية الذين تقصّدوا رمي أنفسهم إلى التهلكة والاعدامات ليتسخلصوا الهوية الإسبانية من رحم الحكم الإسلامي؛ والفرسان المسلمون الذين قوّضوا بقوة إنكارهم لذواتهم أعتى امبراطورتين في العصر قبل الحديث؛ والشبان العرب الذين رووا بدمائهم أرض مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين (والآن سورية) كي يرووا وردة الربيع العربي.

- II -
محمد القحطاني ينتمي إلى هذه الفئة. فهو، وبحكم موقعه الأكاديمي والطبقي، يعتبر من أول المستفيدين من النظام السعودي. فهو يحمل درجة دكتوراه من جامعة إنديانا، ويشغل منصباً حكوميا كأستاذ يعلِّم الاقتصاد في مؤسسة الدراسات الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية، ويحظى بعائلة سعيدة من زوجة وأربع أطفال، هذا فضلاً عن كونه في ريعان الشباب (46 سنة).
بيد أنه وضع كل هذه الحياة المريحة على الرف، وقرر أن يكرّس كل حياته للحياة الصعبة والقروسطية لمواطنيه الذين يعاني نصفهم (النساء) من عبودية مطلقة حقيقية، فيما النصف الأخر محروم من أبسط حقوقه السياسية باسم الدين الذي تحتكر النخبة الحاكمة تفسيره وفق مصالحها؛ تلك النخبة التي لاتطل على السعوديين كمواطنين لهم حقوق المواطنة بل كرعايا يمكن شراء "الولاء" منهم بهبات الأكل والشرب و"الصدقات" الموسمية.  
القحطاني ظهر أمس على فضائية البي. بي. سي وأدهش الكل، بما في ذلك محاوريه من أنصار النظام، برباطة جأشه، وتماسك منطقه، وهدوء القوة الذي يتمتع به. وكل هذا لم يكن ليتوافر له لو أنه لا يؤمن بالمطلق ليس فقط بعدالة القضية التي قرر تضحية نفسه من أجلها، بل أيضاً بحتمية الانتصار في هذه المعركة. وهذه السمة الأخيرة هي القوة  الخفية الحقيقية التي جعلت المُصلحين ينتصرون في التاريخ، لأنهم رأوا النور في نهاية النفق وجعلوا شعوبهم يرونه أيضا.
قبل هذا الظهور التلفزيوني، كان القحطاني يقتحم أرض محرّمة على كل السعوديين، حين وصف علناً ولي العهد السابق الأمير نايف بأنه "مجرم" وطالب بعزله ومحاكمته بسبب مسؤوليته عن إساءة معاملة عشرات آلاف السجناء السياسيين. كما أنه عمم هو وزملاؤه قضية أمير سعودي إصلاحي خطفته المخابرات السعودية بعد تخديره في جنيف ونقلته إلى السعودية حيث وُضع في الإقامة الجبرية.
رسالة هذا الرجل إلى لنظام السعودي واضحة: مالم تتحقق إصلاحات جذرية في المملكة، فسيتم استبدال هذا النظام. صحيح أنه لايدعو إلى إسقاطه، لكنه يعتقد جازماً أن النظام سيُسقط نفسه بنفسه إذا ما واصل رفض الإصلاح والتحديث.
قال في مقابلة أخيرة له: "هل سنلوذ بالصمت؟ هذا النظام يستعبد شعبي. وإذا ماواصلنا سد أفواهنا فلن يتغيّر شيء. ثمة عشرات آلاف المعتقلين، ويجب أن نفعل شيئا من أجلهم" . وأضاف :الأمراء الحاكمون يغتنون باستمرار بالفساد وصفقات الأراضي، وهم يسيطرون على المحاكم والإعلام. وهذا يجب أن ينتهي.
- III -
القحطاني يُواجه الآن سلسلة طويلة من التهم التي تتراوح بين إثارة الفتن، رفض الولاء لـ"أولي الأمر"، وشتم المسؤولين، والتشكيك بإيمان العلماء والقضاة واتهامهم بوضع أنفسهم في خدمة السلطة، ووصف النظام السعودي بأنه دولة بوليسية تخرق باستمرار حقوق الإنسان، وتحريض المنظمات الدولية على النظام.
المثير هنا أن الرجل لم ينف أياً من التهم. وهذا ما جعل السلطات السعودية محرجة إلى آخر درجات الإحراج: فهي باتت مُدانة بدل أن تكون هي التي تُدين.
هل يمكن لمسيرة القحطاني الصعبة والمريرة أن تُكلل بالنجاح، فيما تصحير المجتمع المدني لايزال هو القانون الوحيد في البلاد؟
يمكن القول أن القحطاني سينجح حتى لو فشل. فرسالته الواضحة والقوية والتاريخية انطلقت وانقضى الأمر. وهي أضاءت للمواطنين ممرات النفق المظلم.
.. ثم لايجب ألا ننسى هنا أن البطل ليس له وجه واحد، بل ألف وجه.

                                                                                سعد  

الأحد، 9 سبتمبر 2012

منطقة الخليج على"لائحة الطعام " الدولية؟




عرض لكتاب بريجنسكي الجديد: "رؤية استراتيجية"( الحلقة 4 والأخيرة)

                 منطقة الخليج على "لائحة طعام"

                     الوليمة الدولية الجديدة؟

عرضنا في الحلقة الثالثة رؤية زبغنيو بريجينسكي في كتابه "رؤية استراتيجية" (*)إلى رؤيته لمصير الشرق الأوسط الكبير. في هذه الحلقة الرابعة والأخيرة سنتطرق إلى مستقبل منطقة الخليج العربي في ضوء انقلابات النظام الدولي


- I -
قبل التطرق إلى مستقبل الخليج، قد يكون من المفيد التذكير بأن بريجينسكي يحاول أن يتلمّس تأثيرات أنحدار أميركا وأفول زعامتها العالمية ليس الآن بل في مستقبل قريب ربما لايتجاوز العالم 2025، إلا بالطبع إذا ما حدث انهيار مالي أميركي مفاجيء على غرار الكساد الكبير العام 1929.

 - هنود في" شارع" العروبة في الشارقة - الصورة من غوغل 

بيد أن مثل "فترة السماح" الزمنية هذه ليست كبيرة في الواقع، لابل تكاد تكون رمشة عين بالنسبة إلى تاريخ الشعوب. ولذا، ما لم تبدأ دول الخليج العربي من الآن في التحضير لما يخبئه القرن الحادي والعشرين من مفاجأت ضخمة، ستجد نفسها سريعاً على لائحة طعام على مائدة الوليمة الدولية الكبرى التي توشك أن تبدأ.
بريجينسكي، من جهته، يتوقع أن يزداد الانكشاف الاستراتيجي لدول الخليج التي تدعمها وتحميها مباشرة الولايات المتحدة هذه الأيام، عبر أساطيلها وقواعدها الضخمة في مياه الخليج وأراضيه. يقول: "فيما تتراجع قوة الولايات المتحدة في هذه المنطقة، وفيما تواصل إيران بناء قدراتها العسكرية وتعزيز نفوذها في العراق(الذي كان قبل غزو 2003 الحاجز أمام التوسع الإيراني)، فأن اليد العليا ستكون للشكوك وانعدام مشاعر الأمن في كل من السعودية والكويت وقطر وعُمان ودولة الإمارات والبحرين. وهذه الدول قد تسعى إلى الحصول على حُماة أكثر فعالية لأمنها. الصين قد تكون مرشحاً واضحاً ومحتملاً للقيام بهذا الدور، الأمر الذي سيغيِّر بشكل دراماتيكي التشكيلة الجيو- سياسية للشرق الأوسط".
الأهم من ذلك، الكاتب يعتبر أن نفوذ أميركا مع القوى الإقليمية الأربع التي أقامت على أساسها صرح نظامها الإقليمي الشرق أوسطي قبل 35 سنة، وهي إيران والسعودية وتركيا ومصر (إضافة بالطبع إلى إسرائيل) يتضعضع لأسباب خاصة بكلٍ من هذه الدول. وبالتالي، موقف الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتدهور بوضوح. ومن شأن الانحدار والأفول الأميركي أن يضع حداً نهائياً لذا النفوذ".

- II -

حصيلة خطيرة؟
بالتأكيد. لكن افتراض بريجينسكي أن الصين قد تكون هي البديل لأميركا في منطقة الخليج، وعلى رغم أنه خيار وارد، إلا أنه ليس خياراً سيتم بسلاسة وسلام.
فالنظام الدولي التعددي العتيد سيكون لانظاماً إلى حد بعيد، بسبب الصراعات العنيفة المتوقعة بين القوى الكبرى الجديدة والقديمة، الصين واليابان والهند وروسيا وبعض دول أوروبا، على وراثة التركة الأميركية. وبالنسبة إلى منطقة الخليج، هذا سيترجم نفسه صدامات قد تكون عنيفة بين الصين والهند، أولاً في جنوب آسيا ووسطها خاصة في أفغانستان وباكستان اللتين تعتبران مدخلاً إلى بوابات الخليج العربي، ثم لاحقاً في الخليج نفسه. وهذا سيجر معه صراعات دولية وإقليمية أخرى تشارك فيها بحماسة روسيا وإيران وإسرائيل وتركيا، فضلاً عن القوة الأميركية المُنحسرة.
بكلمات أوضح: منطقة الخليج، بثرواتها النفطية التي تحتاجها بشكل سيء الصين والهند الظمأيين للطاقة، وربما لاحقاً اليابان في حال تسلَّحت نووياً كما هو مُتوقع، وبموقعها الجغرافي الاستراتيجي في عنق قارة أوراسيا، ستكون أحدى ساحات الحرب الرئيسة لتقرير مصير النظام العالمي الجديد.
المخرج الوحيد من هذه الورطة الاستراتيجية الزاحفة يكمن في إعادة تنظيم البيت الخليجي، وبالسرعة القصوى، من خلال خطوتين متلازمتين:
الأولى، استراتيجية أمن قومي جديدة تستند إلى إعادة الاعتبار إلى مفهوم الأمن القومي العربي، بما يكفل زج الامكانات الديمغرافية لـ400 مليون عربي في خدمة حماية دول الخليج وكل الإقطار العربية، ما سيجعل منطقة الخليج شريكاً وضيفاً في الوليمة الكبرى وليس على لائحة طعامها.
لأول وهلة، قد تبدو هذه الفكرة مجرد تكرار مُمل للإديولوجيا الرومانسية العروبية. لكنها ليست كذلك. فحين يتعلّق الأمر بالأمن، يجب استحضار كل العناصر التي يمكنها توفيره، من الهوية القومية والتاريخ والثقافة والدين المشترك، إلى المصالح الاقتصادية والاستراتيجية المشتركة. وكل هذا يتوافر بحذافيره في حالة التكامل العربي.
كيف؟
تكفي هنا الإشارة إلى نقطة واحدة فقط كمؤشر على ذلك: عدد العمال الهنود في دولة الإمارات وحدها يبلغ نحو مليونين ونصف المليون نسمة، أي 36،46 في المئة من إجمالي السكان. وإذا أضفنا إليهم الباكتسانيين والبنغاليين والنيباليين، فقد تصل النسبة إلى نحو 65 في المئة.
هل يمكن أن يكون هناك أمن قومي حقيقي للإمارات في مثل هذه الظروف؟ وماذا إذا ما قررت الهند في مستقبل قريب استخدام ورقة هذه الجالية الضخمة، مدعومة بسلاح بحريتها المتسارع النمو والقوة، لفرض إرادتها القومية على الإمارات؟
وفي السعودية يبلغ عدد الهنود نحو المليونين. وهؤلاء أيضاً سيكونون في غد غير بعيد مادة دسمة للصراع على النفوذ، من بوابة حقوق الإنسان، والقوانين الدولية، والقانون الإنساني الدولي.
الخطوة الثانية التي يمكن أن تقوم بها دول الخليج، تنطلق من الخطوة الأولى (أي الاستراتيجية العربية الجديدة) وتتطور معها نحو بناء  صرح خليجي جديد، يستند إلى إصلاح الخلل الفادح في التركيبة السكانية عبر ضخ العنصر البشري العربي إلى هذه التركيبة، وفي الوقت نفسه تطوير إطار مايسمى "الديمقراطية القَبَلِية" المطبقة الآن في كل دول الخليج لتكون قادرة على أن تكون "شاملة للجميع" (inclusive ).
- III -
هل هذا تفكير طوباوي، أو حتى حالم؟
ربما.
لكن من يقرأ جيداً الانقلّابات الخطيرة التي تجري الآن على قدم وساق في النظام الدولي، والتي أجاد بريجينسكي في توضيح معالمها وأبعادها، سيدرك سريعاً أن الخيال الخلاّق مطلوب هذه الفترة وبإلحاح لدى كل من يشعر بالقلق على مصير الأرض الخليجية وعلى شعوبها الناطقة بالضاد، والتي تكاد تتحوّل بالكامل إلى جزر غارقة في بحر لجب من الأجانب متعددي المشارب والمصالح والانتماءات.

                                                                                سعد

(*) Zbigniew Brezeninski: Strategic Vision- America and the crisis of global power.Basic books, New York 2012.208 pages










السبت، 8 سبتمبر 2012

كتاب بريجنسكي-3: الشرق الأوسط قوس الثورات والازمات


عرض لكتاب بريجنسكي الجديد: "رؤية استراتيجية"(3)
الشرق الأوسط برميل بارود.. وشبابه "بروليتاريا القرن 21 "


عرضنا في الحلقة الثانية رؤية زبغنيو بريجينسكي في كتابه "رؤية استراتيجية" (*) للمشهد الدولي في مرحلة الانحدار الأميركي المحتملة التي يتوقعها قبل العام 2025، أو إذا ما حصل انهيار مالي وكساد اقتصادي مفاجئين في أميركا. وفي هذه الحلقة سنتطرق إلى رؤيته لمصير الشرق الأوسط الكبير.

- I -
من بين كل مناطق العالم، يرسم بريجنسكي لوحة غير زاهية البتة للشرق الأوسط الكبير الذي يضم، إضافة إلى المنطقة العربية وإيران، باكستان وأفغانستان وآسيا الوسطى.


فهو يورد تقريراً دولياً العام 2007 يشير إلى أن "طفرة الشباب" (youth bulges ) كانت حاضرة في 80 في المئة من النزاعات الأهلية في العالم في الفترة بين 1970 و1999. كما أنه من الجدير بالملاحظة أن الشرق الأوسط والعالم الإسلامي الأوسع يتضمن أعلى معدلات من بين كل دول العالم في نسبة الشباب. فالعراق وأفغانستان وفلسطين والسعودية وباكستان، كلها لديها أعداداً ضخمة من الشباب الذين يميلون إلى التمرد والتشدد، ولاتستطيع اقتصادات دولهم استيعابها.
يقول بريجينسكي:" في هذه المنطقة الممتدة من شرق مصر إلى غرب الصين، تحتوي اليقظة السياسية المتزايدة (التي يعتبرها هو، إلى جانب توزُّع السلطة العالمية، أهم التطورات التي طرأت على النظام العالمي في السنوات الأخيرة)، على أقوى الاحتمالات للتحوّل إلى انتفاضات عنيفة. فنسبة الشباب، التي يمكن أن نُطلق عليهم وصف "بروليتاريا القرن الحادي والعشرين"، هي برميل بارود ديمغرافي حقيقي".

- II -
ثم يتطرق الكاتب إلى علاقة أميركا بالشرق الأوسط الكبير خلال المستقبل القريب، فيقول أنه بالإضافة إلى العمل غير المنجز في أفغانستان والعراق، تواصل أميركا مواجهة منطقة شاسعة ومضطربة وكثيفة السكان تمتد من شرق السويس إلى غرب الصين، حيث تتركز فيها ثلاث معضلات جيو- سياسية كبرى: صعود الأصولية الإسلامية في باكستان النووية، واحتمال نشوب صدام مسلح مع إيران، وإمكانية أن يولّد فشل الولايات المتحدة في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية إلى توليد عداء شعبي إسلامي واسع النطاق لها في الشرق الأوسط المستيقظ سياسيا. وفي هذه الأثناء، تستمر عزلة أميركا الاستراتيجية في هذه المنطقة الحساسة. صحيح أن روسيا والصين والهند تساند الولايات المتحدة في حربها ضد الأصولية في أفغانستان، لكن هذه الدول تعي في الوقت نفسه الدور الكبير الذي يمكن أن تلعبه هذه المنطقة في تقليص نفوذ الزعامة الأميركية العالمية. ولذا، فهي تدعمها ضد الأصولية، لكنها سعيدة لغرقها في وحول هذه المنطقة ومستنقعاتها.

- III -
هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقبل أهمية، وهي أن نشوب حرب كبيرة تمتد من أفغانستان إلى باكستان، أو اندلاع صدام أميركي- إيراني في منطقة الخليج، أو حتى تجدد العداوات بين الإسرائيليين والفلسطينيين وباقي العرب، قد يجر أميركا مجدداً إلى نزاعات إقليمية من دون أي ضوء في آخر النفق. فالعداوة الإسلامية للولايات المتحدة قد تكتسح العالم الإسلامي ككل الذي يشكّل 25 في المئة من سكان العالم. ومن شأن هذا أن يقوِّض كل فرص أميركا في مواصلة ممارسة الدور العالمي الذي تأمل، كما كانت تفعل طيلة العقدين الماضيين.
بريجنسكي يتوقع مصيراً أسود لأفغانستان بعد الانسحاب الاميركي، لأنها ستقع فريسة الصراعات بين الصين والهند وباكستان وإيران وروسيا وأميركا، ويطرح علامات استفهام كبرى أيضاً حول مصير الدولة الباكستانية وما إذا كانت ستسقط في يد الأصولية الإسلامية المتطرفة أو في حضن عسكريتاريا قومية متطرفة. ولايستبعد الكاتب نشوب حرب بين إيران وإسرائيل، لكنه يشير إلى أن لبنان وفلسطين هما اللذان سيدفعان الأثمان الباهظة لمثل هذه الحرب. أما إذا ما انضمت أميركا إلى الهجوم الإسرائيلي على إيران، فإنها ستشعل كل المشاعر الإسلامية في العالم ضدها. وحينها سيكون مصير إسرائيل نفسه على المحك.
باختصار، لن يعدو الشرق الأوسط الكبير خلال العقد المقبل على الأقل كونه قوس أزمات عنيفة من كل الأنواع. وفي حال انحدرت أميركا، فالأرجح أن يتحوّل إلى ساحة الصراع الرئيس في الفوضى العالمية التي ستضرب كل قارة أوراسيا.
ماذا الأن عن مستقبل الخليج العربي في إطار هذه اللوحة الدولية؟

                                                                                (غداً نتابع)
                                                                                   سعد

(*) Zbigniew Brezeninski: Strategic Vision- America and the crisis of global power.Basic books, New York 2012.208 pages