للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 30 سبتمبر، 2014

"تفاصيل" المذبحة الكبرى الزاحفة بين السنّة والشيعة


-       - I
أشرنا في الحلقات السابقة إلى أن "التدويل" الراهن للصراعات السنّية- الشيعية، من خلال الحرب الاميركية الجديدة في الشرق الأوسط، سيؤدي حتماً إلى مذبحة كبرى تكون معها الفتنة الكبرى في التاريخ الإسلامي مجرد لعبة.
وهذا أمر ليس في علم الغيب، بل هم يحدث الآن وتحت أعيننا مباشرة:
-       فالحرب العلوية- الشيعية والسنّية في سورية أدّت خلال ثلاث سنوات فقط إلى مصرع 200 ألف سوري(والعد مستمر) ونحو مليون جريح أو مشوّه، و10 ملايين نازح ومشرّد، وتدمير شامل للبنى التحتية وهياكل الاقتصاد، والأخطر نسف ركائز البيئة الطبيعية وتلويث التربة والمياه والأجواء بمختلف أنواع الأسلحة المخصّبة بالكيماويات واليورانيوم وحتى بعوامل الحرب الجرثومية. ويتحدث سكان دمشق الأن عن ظهور حشرات غريبة وقاتلة داخل المدينة لم يروا مثيلاً لها من قبل.
-       والحرب السنّية- الشيعية في العراق أسفرت هي الأخرى عن مصرع زهاء 150 ألف عراقي منذ العام 2008 ، وتشريد أكثر من 4 ملايين مواطن، وإلحاق أضرار فادحة بالبيئة، خاصة الزراعية منها. والأهم أن الميليشيات الطائفية الشيعية والسنّية مارست عمليات تطهير عرقي في كل مكان تواجدت فيه، خاصة في بغداد والآن في المحافظات السنّية التي سيطرت عليها داعش، الأمر الذي يهدد بتأبيد الحروب الأهلية.
-       وفي اليمن، لاتفعل الصراعات والصدامات بين الحوثيين الشيعة وكلٍ من القاعدة وجماعة الإخوان المسلمين السنيتين، سوى دفع مؤسسة الدولة إلى الانهيار التام، في بلد هو الأفقر في العالم وسيتعرض قريباً إلى أضخم كارثة بيئية في تاريخه الحديث مع نضوب المياه في أراضيه.
-        وفي لبنان، وعلى رقم أن بلاد الأرز تجنّبت الانخراط في حرب أهلية سنّية- شيعية بفعل مروحة مختلطة من المصالح المحلية لحزب الله وتيار المستقبل وعوامل إقليمية ودولية، إلا أن احتمال تغلغل النصرة وداعش في بعض صفوف النازحين السوريين الذين يقال أن عددهم قارب المليونين (مع العمال السوريين دائمي الإقامة)، يضع لبنان في كل حين على فوهة بركان متفجر.
-       في السعودية والكويت وبقية دول الخليج، ستكون الصورة قاتمة بالنسبة إلى العلاقات السنّية- الشيعية إذا ما تأكدت الفرضية التي أشرنا إليها (في مقال سابق في هذا الموقع) من أن الصراعات الدولية بين الغرب وروسيا والصين لتحديد طبيعة النظام الدولي الجديد، ستجري فوق أرض هذه الصراعات، حيث سيدعم الأميركيون (في هذه المرحلة على الأقل) السنّة، فيما سيعزز الروس والصينيون الشيعة.
-       وأخيراً، قد تستنزف هذه المذبحة الجديدة ماتبقى من الاقتصاد الإيراني الذي أنهكته أصلاً حروب سورية ولبنان والعراق واليمن، ماقد يدفعه إلى ركوب جملة مخاطر خارجية للدفاع عن تماسكه الداخلي. كما أن هذه المذبحة، في حال انجرت تركيا لها (وهذا هو المرجح) قد تنسف كل طموحات "العثمانية الجديدة" للتحوّل إلى تاسع أكبر اقتصاد في العالم، وبالتالي لعودة تركيا كدولة كبرى.
-       - II

قد يقال هنا أن الحروب الأهلية لدى كل الشعوب ليست بالأمر المستجد. فالتاريخ البشري كناية عن سجل من الحروب والفظائع التي انفرد بها الجنس البشري والفئران في كونهم الأجناس الوحيدة من بين كل المخلوقات التي تخوض حروب الإبادة ضد بعضها البعض، والتي تدمّر خلالها البيئة الطبيعية الحاضنة للحياة.
لا بل قد يقال أيضاً أن الحروب الأهلية كانت في التاريخ القابلة القانونية لنشوء مجتمعات جديدة أكثر توحداً وتماسكاً، كما جرى على سبيل المثال في الحروب الأهلية الانكليزية والأميركية والروسية والصينية وغيرها.
قد يكون هذا صحيحاً في كل الدول والمناطق، لكنه لا ولن يصح في الشرق الأوسط الإسلامي.
لماذا؟ لسببين:
الأول، أن الشيعة والسنّة يتحاربون ويتنازعون منذ ألف عام، لكن لا السنّة نجحوا في محو الشيعة من الوجود، ولا الشيعة تمكنوا من إلحاق الهزيمة بالسنّة. الحصيلة الوحيدة للفتنة الكبرى وملحقاتها، كما يعترف الآن كبار المفكرين الإيرانيين والمصريين، هي تمكين الغرب من السيطرة أو الهيمنة على كل الجغرافيا الشرق أوسطية مع امتداداتها في جنوب ووسط آسيا.
والثاني، أن أحداً الآن لن يخرج كذلك فائزاً في الحرب الجديدة. وهذا ليس فقط لأن كل عناصر الشرق الأوسط الإسلامي، من العرب والإيرانيين والترك والأكراد والمسيحيين والدروز، سيكونون مجرد بيادق في لعبة شطرنج كبرى جديدة، بل أيضاً لأن ماحدث في التاريخ الماضي سيتكرر بحافيره في التاريخ الحاضر: لا السنّة سيتمكنون، مهما فعلوا، من إعادة الشيعة إلى قمقم القمع والحرمان، ولا الشيعة، مهما جنحوا، من تشييع مليار سنّي.
الشيء الوحيد الذي سيحدث هو ما اكتشفه الأميركيون، وفقاً للوموند،: الحروب السنية- الشيعية هي سلاح الدمار الشامل الأكثر مضاء للسيطرة على المنطقة وإخضاعها في النهاية إلى قواعد وشروط العولمة النيوليبرالية.
III

هل هذه المذبحة الزاحفة والانتحار المتبادل قدر لامفر منه؟ وهل بات الخيار الوحيد أمام الشرق الأوسط الإسلامي هو بين الانتحار الذاتي أو الانقراض الموضوعي؟
كلا. هناك مخرج من هذا النفق المظلم.
كيف؟
(غدا نتابع)
سعد محيو
للتواصل المباشر مع الكاتب:
Saad-mehio@hotmail.com