للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 16 يوليو 2013

هل أخطأ حُكّام الخليج بشن "الثورة المضادة"؟


- I -
المحلل البريطاني مايكل بيل، ربما كان أحد قلة قليلة في الغرب والشرق حاولت التقاط الابعاد الاستراتيجية العميقة للدعم الكبير الذي قدمته السعودية والامارات والكويت لـ"الانقلاب الشعبي- العسكري" في مصر.
الأفكار الرئيسة  لبيل(فاينناشال تايمز- 15-7-2013):
أين أخطاً حكام الخليج؟ (الصورة من غوغل

- البيانات الخليجية عن "إرادة الشعب المصري" وعن "الاعتدال والتسامح"، كان يمكن أن تأتي مباشرة من كتاب ليبرالي امبريالي في واشنطن أو لندن. وهي تعكس استعادة الدول الخليحية للثقة بالنفس بعد أن هزتها أحداث الربيع العربي.
- المسؤولون في شبه الجزيرة العربية اغتنموا فرصة الإطاحة بمرسي كنقطة انطلاق لشن "ثورة مضادة" تستغل قلق الشعوب في الشرق الأوسط من الموت والدمار واللايقين الذي أثارته الاضطرابات السياسية. لكن تصوير دول الخليج لنفسها على أنها راعية الاستقرار والأمن الاقتصادي والكفاءة التكنولوجية، هي استراتيجية خطرة لانها تتركها عرضة إلى الاتهامات نفسها بالتدخل في شؤون الدول الأخرى وبالمعايير المزدوجة التي لطالما أتُهِمت بها الدول الغربية.
- مشكلة هذا التوجّه الخليجي هو أن الحكام أنفسهم ردوا على الربيع العربي بمزيج من العطايا المالية والقمع الذي تراوح بين الضرب العنيف للانتفاضة في البحرين وبين سجن النشطاء. كما أن هناك فجوة كبيرة داخل الخليج وخارجه حول ما يعنيه "التطرف والاعتدال"، ومؤسسات الحكم ذات الصدقية.
- وأخيرا، دول الخليج تحاول الآن إعادة رسم منطقة الشرق الاوسط على صورتها. لكن العديد من الدبلوماسيين يحذرون هذه الدول الآن من أن التدخل في شؤون الدول الأخرى على أسس إديولوجية، يحمل معه خطر زرع الكراهية لها في المنطقة. والأسوأ، أن ذلك قد يمتزج مع مغامرات امبريالية  (خليجية ) كارثية وسيئة الطالع.
- II -
أوردنا هذه الفقرات الطويلة من مقالة بيل، لأنها كانت بالفعل أول محاولة لاستشراف الابعاد الاستراتيجية للتوجهات الخليجية الراهنة إزاء دول الربيع العربي.
صحيح أن الأجواء الاحتفالية التي تسود الآن دوائر النخبة الحاكمة في الخليج، ستحجب أي تفكير منطقي حيال الانقلاب الشعبي- العسكري المصري ومابعده، لكن الأصح أن يبدأ صناع  القرار التفكير العلمي من الآن في تلك المنطقة بالغة الحساسية والأهمية الاستراتيجية، قبل أن تدهمها الاحداث بمفاجآت قد لاتخطر على بال.
وهذه بعض المعطيات والفرضيات التي قد تساعد على مثل هذا التفكير:
- فشل إسلام الإخوان المسلمين في مصر، لن يعنِ بالضرورة نجاح صيغ اسلام أولي الأمر الخليج. فأوراق فصل الربيع لاتزال وفيرة، كما أثبتت ذلك كلٌ من ثورة 30 حزيران/يونيو في مصر، وتمخضات الثورة الشعبية الراهنة في تونس، وحتى تمردات منطقة تقسيم في اسطنبول.
- الرسالة في كل هذه التطورات في مصر وتونس وغيرها جلية ومباشرة: الحداثة التكنولوجية والثقافية والاقتصادية باتت متجذرة في المنطقة، وهي بدأت تندفع حكماً بقوة الشارع نحو التعددية والشراكة، وصولاً في النهاية إلى الديمقراطية الناضجة، وإن بعد نكسات وتعرجات.
- لا بل فشل الإخوان في مصر لن يكون نهاية المطاف في مسيرة الانتقال إلى الديمقراطية، بل هو قد يؤدي على العكس إلى تعزيز زخمها، من خلال تحالف جديد بين شبان الطبقات الوسطى الليبراليين واليساريين والعلمانيين، وبين القوى الإسلامية الديمقراطية التي ستنبثق حكماً من بين ركام نظام الإخوان.
- وفوق هذا وذاك، المواقف الحاسمة والحادة التي اتخذتها دول الخليج الثلاث ضد جماعات الإخوان المسلمين والحركات العديدة المشابهة لها أو المنبثقة منها، دشَّنت مرحلة جديدة وخطيرة في المنطقة العربية برمتها ستكون بمثابة حرب أهلية  حقيقية باردة (وربما ساخنة) داخل المعسكر الإسلامي للمرة الأولى منذ ألف عام.
صحيح أن ظهور القاعدة والتنظيمات الجهادية في تسعينيات القرن العشرين، خلق شرخاً مهماً في المعسكر الإسلامي (وهو يتكرر الآن في سورية)، إلا أن هامشية هذه التنظيمات وعجزها عن جر التيارات الغالبية الرئيسة في المجتمعات الإسلامية إلى برامجها، لم يوفّر الظروف لأي حروب أهلية حقيقية.
اليوم الوضع مختلف للغاية. فالشرخ الآن موجود بين  الأنظمة الخليجية وبين حركات إسلامية تمتلك قواعد جماهيرية عريضة، وتحوز على أسلحة إديولوجية- سياسية فتاكة. ناهيك عن أنها قادرة على أن تحرّك سراً (كما كانت يفعل التنظيم السري للأخوان المصريين) مجموعات قد تمارس العنف ضد الدول الخليجية.
- III -
لكل هذه الأسباب، تحتاج "الثورة المضادة" الراهنة في الخليج إلى الكثير من التروي والتفكير والتعمق في أبعادها ومضاعفاتها القريبة والبعيدة، من جانب أصحاب القرار الخليجيين. وهذا أمر أكثر من ضروري، بسبب التغييرات الكاسحة الراهنة التي تحدث الأن ليس فقط في المنطقة الإسلامية، بل أيضاً (وربما أولاً وأساساً) على جبهة السياسات الخارجية الأميركية.
كيف؟
(غدا نتابع)

سعد محيو