للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الخميس، 11 يوليو 2013

بعد فشل الإخوان:هل انتصر "إسلام" السعودية والإمارات؟


- I -
هل كانت المملكة السعودية (والإمارات والكويت) في حاجة إلى صب 12 مليار دولار، كي تحتفل بسقوط حكم الاخوان المسلمين في مصر؟
الكثيرون يردون سريعاً بنعم. فالخطبْ كان كبيراً بالنسبة إلى الرياض حين وصل الإخوان إلى السلطة. وهو لم يقل عن كونه تحدياً لكل الأسس الرئيسة التي قام عليها نظام الحكم فيها: الطاعة لأولي الأمر، والفصل بين ما هو لقيصر (أمور الدنيا للأسرة الحاكمة) وبين ما هو لله (أمور الآخرة لـ"أسرة" رجال الدين)، ورفض تزويج الإسلام للديمقراطية.
الأخوان، بأسلامهم السياسي، شكلوا تهديداً موضوعياً لهذه الصيغة التي أقام فوقها الملك عبد العزيز كل صرح مملكته. لكن، مع ذلك، كان هناك ماهو أخطر: الدعم الكامل الذي قدمته الولايات المتحدة لجماعة الإخوان، في إطار استراتيجية جديدة لتصفية التطرف الإسلامي على يد إسلاميين، من جهة، ولتعميم تجربة الإسلام الليبرالي في المنطقة العربية، من جهة أخرى.
وهذا كان بمثابة إنقلاب حقيقي في تاريخ المنطقة، لأنه عملياً نسف تحالفاً دام نيفاً وسبعين عاماً بين الإسلام السعودي والولايات المتحدة، كان أبرم إبان الحرب العالمية الثانية على متن بارجة حربية بين الملك عبد العزيز والرئيس الأميركي روزفلت.
لكل هذه الاسباب نفهم لماذا كانت السعودية أول دولة في العالم تسارع إلى دعم "الإنقلاب الشعبي- العسكري" على الرئيس مرسي وجماعة الإخوان؛ ولماذا فُتِحت خزائن السعودية والإمارات والكويت على مصراعيها لتثبيت أقدام هذا الإنقلاب. هذا علماً (وهنا نرد على سؤالنا الأولي) أن دول الخليج الثلاث لم تكن في حاجة لدعم العمل الراهن على تدمير جماعة الإخوان، إذ أن هذه الأخيرة دمّرت نفسها بنفسها خلال سنة واحدة فقط في السلطة، بسبب سلسلة أخطاء وخطايا استراتيجية وسياسية متصلة ارتكبتها عن وعي وعن لاوعي.
- II -
هل يعني كل ذلك أن الأمور ستستبب الآن مجددا للإسلام السعودي؟
ليس بالضرورة، لثلاثة أسباب:
الأول، أن المجتمعات العربية، كما دلّ على ذلك تدفق 30 مليون مصري إلى الشوارع ضد شعارات الإخوان الدينية، دخلت مرحلة حداثة لم يعد بامكانها التراجع عنها. الحداثة هنا، بقيمها الليبرالية، وأدواتها التكنولوجية، ومعاييرها العلمية، باتت نمط حياة لاتستطيع الحركات السلفية أو الأصولية تغييره لا بسهولة ولا بصعوبة. وهذا يعني ان بديل الإخوان لن يكون حلفاء السعودية من السلفيين الوهابيين، بل صيغاً جديدة من التحالفات بين القوى الحديثة والتقليدية، خاصة في حال تراجع الإخوان عن نهج المجابهة الراهنة، وسلكوا الطريق الأردوغاني.
الثاني، أن فشل الإخوان في السلطة، لن يعني بالضرورة لا فشل تجربة الخُطبة (ومن ثم الزواج) بين الإسلام والديمقراطية، ولا بين الإسلام والحداثة. صحيح أن المنطقة قد تشهد عما قريب طفرة في مظاهر الإسلام المتطرف رداً على الإنقلاب المصري (كما حدث غداة الإنقلاب الجزائري في اوائل التسعينيات)، إلا أنها قد تشهد أيضاً صعوداً آخر لقوى إسلامية ديمقراطية تفيد جيداً من دروس الفشل الإخواني في مصر.
والثالث، والأخير، أن أحداث مصر لم ولن تعنِ نهاية ظواهر ميدان التحرير (والأن ميدان تقسيم في تركيا). فسلطة الشارع العربي، من القاهرة إلى تونس، وجدت لتبقى. وهي إذ واجهت حكم الإخوان اليوم، فهي ستواجه غداً كل سلطة عسكرية أو دينية أو مدنية قد تقف في طريق نمو ديمقراطية أكثر نضجاً ومشاركة ومساءلة.
والخلاصة؟
- III -

إنها واضحة: فشل إسلام الإخوان في مصر، لن يعنِ بالضرورة نجاح صيغ الإسلام الأخرى في منطقة الخليج. فأوراق فصل الربيع لاتزال وفيرة، كما أثبتت ذلك ثورة 30 حزيران/يونيو في مصر، وتمخضات الثورة الشعبية الراهنة في تونس، وحتى تمردات منطقة تقسيم في اسطنبول.
الرسالة في كل هذه التطورات جلية ومباشرة: الحداثة التكنولوجية والثقافية والاقتصادية باتت متجذرة في المنطقة، وهي بدأت تندفع حكماً بقوة الشارع نحو التعددية والشراكة، وصولاً في النهاية إلى الديمقراطية الناضجة.
وفشل الإخوان في مصر لن يكون نهاية المطاف في هذه المسيرة، بل هو قد يؤدي على العكس إلى تعزيز زخمها، من خلال تحالف جديد بين شبان الطبقات الوسطى الليبراليين واليساريين والعلمانيين، وبين القوى الإسلامية الديمقراطية التي ستنبثق حكماً من بين ركام نظام الإخوان.

سعد محيو