للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الثلاثاء، 11 يونيو 2013

الشيعة والسنّة في لبنان: تكفير ثنائي ومذبحة واحدة


- I -
هل اكتمل نصاب الحرب الأهلية السنّية- الشيعية في لبنان؟ وإذا ماكان الأمر كذلك، فما طبيعة الحلّة الدموية التي سترتدي؟
الجواب على الشق الأول من السؤال هو نعم سريعة. والسبب يتبدى ليس فقط في الانخراط الكامل لحزب الله ولبعض الفصائل السنّية في لجج الحرب الأهلية السورية، ولا حتى في احتفالات الابتهاج الشيعي بسقوط القصير، بل أولاً وأساساً في التعبئة الإديولوجية والسايكولوجية التي سبقن المعارك العسكرية.
ولاعجب. فالحروب العسكرية تبدأ أولاً بكلمة وبـ"طلقة فكرية".
البداية الرئيس دشّنها حزب الله، حين أسبغ نعت "التكفيريين" على كل مقاتلي الانتفاضة السورية التي يناهز عددهم المئة ألف، وحين اعتبر نفسه في حرب شاملة ضدهم. وهكذا، أصبح "الآخر" بالنسبة له ليس جبهة النصرة وبعض الفصائل السلفية الصغيرة الأخرى التي تكفّر الشيعة  (ونسبة هؤلاء لاتتجاوز الـ10 في المئة)، بل إجمالي مقاتلي المعارضة.
هذا التعميم التكفيري، الذي عززته أجهزة إعلام الحزب بتكرار الصور المروّعة لجرائم ارتكبها  أفراد من المعارضة وهم يأكلون الأعضاء الداخلية لقتلى، أدى وظيفته على أكمل وجه وأقنع جمهور الشيعة بأن حرب كربلاء استؤنفت من جديد ضد "الظلمة السنّة" برمتهم. وهكذا أدى هذا التعميم إلى شبه إجماع كامل بين هذا الجمهور على ضرورة الاصطفاف وراء حرب الحزب في سورية باعتبار دفاعاً عن النفس.
"ذهبنا إليهم (في سورية) كي لايأتوا إلينا (في لبنان) لقتلنا". هذا ماكان الحزب يقوله للشيعة. وهذا مااقتنع به غالبية هؤلاء، على رغم أن هذا كان يجب أن يعني أيضاً منطقياً أنه يتوجب على الحزب أن يجتاح كذلك إسرائيل التي ستأتي فعلاً إلى معاقله لتدمر منازل الشيعة واللبنانيين إن عاجلاً أو آجلا.
- II -

التعبئة الشيعية إذا نجحت نجاحاً باهرا في استخدام شعار التكفير، الذي هو المقدمة البديهية لشرعية القتل. وهذا أيضاً مايحدث الآن في أوساط الشارع السني.
فشيوخ الوهابية السعوديين كانوا السباقين في تكفير حزب الله (فيما يهدد مجلس التعاون الخليجي الاقتصاص من جمهور الحزب في دول المجلس) وفي تسميته "حزب الشيطان" أو "حزب اللات". وبعدها كرّت السبحة:
فقد اعتذر الشيخ القرضاوي من الشيوخ الوهابيين لدفاعه عن الحزب العام 2006، وانضم إليهم في تكفيره ومعه مجمل الشيعة والعلويين. وأعتبرت جماعة الإخوان المسلمين في سورية أن "وطننا واقع تحت الغزو والاستباحة من أتباع ولي الفقيه ومن مقاتلين طائفيين لبنانيين وعراقيين"، ودعت السنّة إلى "الوقوف صفاً واحدا للدفاع عن العقيدة" واعتبار ذلك "أولوية الأولويات الشرعية والوطنية والسياسية". هذا في حين كان الشيخ داعي الإسلام الشهال، مؤسس التيار السلفي في لبنان يدعو " كل فرد سنّي وعائلة سنّية وجماعة سنّية إلى حمل السلاح استعداداً لمواجهة المرحلة المقبلة(ضد حزب الله").
والآن، وقد اكتملت ملامح التعبئة الإيديولوجية- السايكولوجية لدى الطرفين، إلى أين المسير؟
ستكفي شرارة هنا، وبعدها يندلع اللهيب الذي كان نائماً منذ ألف عام حين سقطت الخلافة الفاطمية العام 1171.
والشرارة قد تكون سيارة ملغومة في الضاحية الجنوبية الشيعة أو عملية انتحارية فيها ضد شخصية شيعية بارزة، يرد بعدها غلاة الشيعة بعمليات مماثلة في بيروت الغربية، فتتم "عرقنة" (من عراق) لبنان بسرعة قصوى. وعلى رغم أن أحداً لايتوقع (حتى الآن على الأقل) نشوب حرب خطوط التماس وفق نمط حرب 1975، إلا أن احتمال انقسام لبنان إلى خط تماس كبير بين جنوب شيعي وشمال سنّي، أمر وارد بقوة.
كذلك، لايستبعد أن تنتقل الشرارة إلى الجبل الدرزي، إذا مافشل وليد جنبلاط في إقناع حزب الله في تحييد منطقته عن الصراع (كما يحاول الآن)، بسبب حاجة الحزب الأمنية إليها لوصل مناطقه في الجنوب والضاحية جغرافياً بمواقعه في البقاع وصولاً إلى القصير وجبال العلويين. كما ليس عسيراً أن يتمدد اللهيب إلى الجبل المسيحي، إذا ما قرر حزب الله والعماد ميشال عون "تنظيفه" بقوة السلاح أو الترهيب من القوات اللبنانية.
علاوة على كل ذلك، لايجب أن ننسى الضغط الديموغرافي الكبير الذي يمارسه الآن مليون لاجيء سوري (معظمهم من السنّة)على الصيغة اللبنانية، وكذا الأمر بالنسبة إلىى صعود التيارات الأصولية السنّية في المخيمات الفلسطينية.
- III -

هل ثمة فرصة بعد لتجنّب هذا السيناريو الكارثي؟
التفكير الرغائبي قد يدفعنا إلى البحث عن إجابات إيجابية ما. لكن المستوى الهائل الذي وصلت إليه عمليات التعبئة والتكفير الثنائية بين الطرفين، إضافة إلى اندلاع الصدام الشيعي - السني في كل القوس الممتد من العراق وسورية إلى الخليج وإيران (وصولاً حتى إلى باكستان)، تشي من أسف بأن اليد العليا هي لمخاطر المذبحة المتبادلة.
إنه تاريخ الفتنة الكبرى بين السنّة والشيعة وهو يعيد إنتاج نفسه بلا كلل أو ملل!
سعد محيو