للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الاثنين، 2 يونيو 2014

العالم ينفجر (الحلقة 2): "الذئاب" تتسابق على "الفرائس"



- I -
أشرنا في الحلقة الأولى أمس إلى أن فشل بوش الأبن في تحقيق مشروع النظام العالمي الجديد وعجز أوباما عن بلورة مشروع بديل، قد تركا أميركا، ومعها العالم، معلقين بخيط رفيع في الهواء، ماجعل "ذئاب مقاطعات "الامبراطورية الأميركية تشتم رائحة الدم وتبدأ البحث عن فرائسها الخاصة في محيطها الإقليمي المباشر.
هذه الواقعة أكدها زبغنيو بريزينسكي، في كتابه الأخير "رؤية استراتيجية"(*)، حين أشار (ص77) إلى "أن الأرجح أن  قادة قوى المرتبة الثانية في العالم، على غرار اليابان والهند وروسيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي، بدأوا بالفعل في تقدير تأثيرات التراجع الأميركي على مصالح كل منهم القومية. لا بل أكثر: هذه التأثيرات بدأت أصلاً في تشكيل أجندات التخطيط لدى الدول الكبرى الرئيسة، وحتى في إملاء سياساتها عليها".
آثار أقدام هذه الفرضية منتشرة في كل مكان تقريبا: فاليابان، مثلاً، التي تخشى بشدة من هيمنة الصين على البر الآسيوي، ربما تفكر الآن بإقامة علاقات وثيقة مع أوروبا. كما ان قادة اليابان والهند الحاليين ربما هم منهكون حالياً في دراسة آفاق تعاون سياسي وحتى عسكري بينهم كبوليصة تأمين في حال تعثرت أميركا وصعدت الصين. أما روسيا- بوتين، وعلى رغم أنها منهمكة في تفكير رغائبي (أو حتى في نزعة شماتة) حيال مستقبل الولايات المتحدة الغامض، إلا أنها توجه كل اهتمامها إلى الهيمنة على دول الاتحاد السوفيتي السابق كأهداف اولية لطموحاتها الجيو- استراتيجية الأعم.
نأتي الآن إلى الاتحاد الأوروبي. فشبه القارة هذه، تبدو متجاذبة في اتجاهات مختلفة بسبب عجزها عن تشكيل قوة سياسية وعسكرية متجانسة. فألمانيا وإيطاليا تيممان وجهيهما إلى روسيا لأهداف اقتصادية وتجارية. وفرنسا التي تغار من قوة الاقتصاد الألماني، تبحث عن موازن له مرة في أميركا ومرة أخرى في روسيا. ودول وسط أوروبا التي لاتشعر بالطمأنينة تحبذ اتحاداً أوروبياً أقوى لمجابهة روسيا. هذا في حين تجهد بريطانيا، كعادتها، لإقامة توازانات دقيقة في القارة الأوروبية، فيما تواصل الحفاظ على علاقات خاصة مع الولايات المتحدة "المنحدرة".
الإمر نفسه ينطبق على القوى الإقليمية. فالبرازيل تنشط لاقتطاع مناطق نفوذ لها في نصف الكرة الجنوبي. وجنوب إفريقيا ونيجيريا تتنافسان على مناطق السيطرة في القارة الإفريقية. أما في الشرق الأوسط، فالسباق على أشده بين كلٍ من تركيا وإيران وإسرائيل للسيطرة على (أو اقتسام) تركة النظام الإقليمي العربي المريض.
- II -
هذه المعطيات تعني شيئاً واحدا: ثمة مرحلة انتهت في النظام الدولي الراهن الذي أقامته الولايات المتحدة غداة انتصارها في الحرب العالمية الثانية، والكل يستعد الآن للانضمام إلى المرحلة السادسة من تغيرات السلطة العالمية.
لماذا المرحلة السادسة؟
 لأن العالم شهد قبلها في الفترة بين 1910 و2010 خمس مراحل في عمليات انتقال هذه السلطة. فعشية الحرب العالمية الأولى، كانت الامبرطوريتان البريطانية والفرنسية تسيطران عالمياً وكانتا متحالفتين مع روسيا القيصرية الضعيفة التي تعرضت إلى هزيمة على يد اليابان العام 1905. المعارضة لنظامهما العالمي جاءت من ألمانيا الصاعدة المتحالفة مع الامبراطوريتين المتهالكتين العثمانية والمجرية- النمساوية. وقد لعبت أميركا ذات الحيوية الصناعية آنذاك دوراً حاسماً في تحقيق فرنسا وبريطانيا النصر على ألمانيا.
في المرحلة الثانية، في حقبة مابين الحربين العالميتين، بدت بريطانيا مهيمنة عالمياً، لكن مع صعود مميز لأميركا. لكن في أوائل الثلاثينيات، كانت ألمانيا النازية وروسيا السوفيتية تتحركان بقوة لنسف النظام العالمي القائم. في المرحلة الثالثة تمزقت أوروبا شر تمزيق في الحرب العالمية الثانية، ما انتج حرباً باردة دامت أربعين عاماً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. في المرحلة الرابعة، أسفرت هزيمة الاتحاد السوفيتي عن حقبة قطبية انفرادية أميركية قصيرة، ثم ما لبثت أن بدأت منذ العام 2010 المرحلة الخامسة التي لاتزال فيها أميركا مهيمنة، لكن مع صعود كوكبة من القوى الجديدة، لآسيا فيها دور كبير.
والآن، يستعد العالم لولادة المرحلة السادسة، والتي سيكون فيها للتطورات الداخلية في كل  من الولايات المتحدة والصين الدور الأبرز والأهم في تحديد طبيعة النظام العالمي الجديد، ناهيك بمصير الحرب والسلام في العالم.
كيف.
(غدا نتابع)
(* ) Strategic review: America and the crisis of global power.
Zbigniew Brezinski. Basic books, 2012.

سعد محيو


الأحد، 1 يونيو 2014

العالم ينفجر، وهذه الأسباب (الحلقة الأولى)



- I -
فلنتوقف معاً أمام الظواهر العالمية التالية التي انفجرت كلها دفعة واحدة مؤخرا:
- الصعود الصاروخي لليمين المتطرف في أوروبا (كما أظهرت انتخابات البرلمان الأوروبي الأسبوع الماضي) وما سيفرزه ذلك من مضاعفات محتملة على مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، لأن هذا النوع من اليمين يرفض العولمة الأوروبية ويريد العودة إلى كنف الدولة القومية (في صيغتها الفاشية أو المتطرفة).
- تفاقم الصراعات القومية في شرق وجنوب آسيا. في الشرق في إطار الصدامات المتصاعدة بين الصين واليابان، حيث يسعى كل نظام فيهما إلى تعزيز وضعه الداخلي عبر استنفار المشاعر القومية المشبوبة والعنيفة ضد "الآخر" المجاور. وفي الجنوب، حيث يعني وصول التيار الهندوسي إلى السلطة حاملاً معه مشروع زواج الفلسفة الهندوكية مع الرأسمالية النيوليبرالية المنفلتة من عقالها، أن القومية الهندية المتطرفة هي من سيدير بلاد الفيلة من الآن وحتى مستقبل غير منظور. وهذا بالطبع ستكون له تأثيرات كبرى على كلٍ من توزنات القوى الآسيوية وعلى النظام العالمي.
- انفجار آخر للصراعات القومية في شرق آوروبا، بين قومية روسية منبعثة وبين قوميات أوكرانية وبلطيكية وشرق أوروبية ووسط آسيوية، كرد فعل من هؤلاء، بدعم واضح من الولايات المتحدة، على جهود موسكو لإحياء امبراطوريتها السوفيتيية.
- وأخيرا، دخول الصراعات القومية والمذهبية بين الامم الفارسية والتركية والعربية في مرحلة تاريخية جديدة- قديمة، هي في الواقع تكرار أو رجع صدى لتلك التي كانت متفاقمة إبان العهد العباسي في القرن العاشر الميلادي، والتي حسمها الأتراك لاحقاً لمصلحتهم طيلة نيف وأربعة قرون.
- II -

ماذا تعني كل هذه التطورات؟
في مقالات لاحقة، سنتطرق إلى كل من هذه المعطيات الخطيرة على حدة. لكن الآن دعونا نمضي معاً في رحلتنا لنتعرف بعض أسباب هذه التفجرات التاريخية الفاقعة، إضافة إلى محاولة استطلاع أفاقها ومآلاتها.
أول ما يتبادر هنا إلى الذهن حول الأسباب هو بالطبع موقع الولايات المتحدة منها، بصفتها زعيمة النظام العالمي والدولة العظمى الوحيدة عالمياً راهنا. إذ لو كان الأمر مستتباً للامبراطورية الأميركية، لما انفجرت "الأطراف" على هذا النحو المتسارع، الذي يذكّر إلى حد كبير بتمردات وتشنجات مقاطعات الامبراطورية الرومانية في مراحلها الأخيرة.
نقطة البداية في أزمة الزعامة العالمية الأميركية الراهنة بدأت في عهد الرئيس جورج بوش الأبن، الذي فشل هو وفريقه في إقامة نظام عالمي جديد، استناداً إلى القطبية الأحادية التي أفرزها سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة لمصلحة أميركا. مشروع بوش كان يستند إلى تغيير أنظمة العراق وإيران وباقي دول الشرق الأوسط، ثم الانطلاق من هذه الهيمنة الكاملة على نفط الشرق الأوسط  وأنظمته وموقعه الجغرافي الاستراتيجي نحو إحكام القبضة على قارة أوراسيا التي قال المفكر الجفرافي ماكيندر قبل مئة عام أن من يحكم هذه
" الجزيرة العالمية" يسيطر على العالم. كما أن هذا المشروع تضمن أيضاً ضم النفط والغاز الروسي الضخم إلى هذه الترسانة، من خلال شراكات مع الشركات العملاقة الغربية.
بوش اعتقد أن حروبه الشرق أوسطية، من أفغانستان إلى العراق ولاحقاً سورية وإيران، كان يجب أن  تشبه إلى حد بعيد حروب أميركا ضد الهنود الحمر في الغرب الاميركي الذي كانت تسوده قبائل "بدائية"، مسقطاً بذلك كل معطيات حروب الهند الصينية، وبعدها حروب التحرير في العالم الثالث، وحقيقة بروز ظاهرة  اليقظة السياسية لدى شعوب العالم.
وهكذا، وحين تعثّر مشروع بوش في أفغانستان والعراق، تعثّر أيضاً مشروعه حول النظام العالمي الجديد. وهذا ما أوقع أميركا في مأزق حقيقي إزاء دورها العالمي: فلا هي قادرة على فرض نظامها الأحادي الجديد بالقوة، ولا في وسعها إقامة نظام تعددي بديل، لأنها لاتعتقد أن أياً من الدول الكبرى الأخرى "تستأهل" مثل هذا النظام بحكم الفجوة الكبرى الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية بينها وبين أميركا.
إدارة باراك أوباما، وعلى عكس كل التوقعات، لم تخرج أميركا من هذا المأزق على رغم كل خطب هذا الأخير البليغة حول التعددية والتضامن والتعاون الدوليين. كل مافعله أوباما في الواقع هو تأبيد هذه المأزق من خلال سحب أميركا من دائرة الحروب لكن من دون العمل على بناء هيكلية سلام دولي جديد. صحيح أن إدارة أوباما اعترفت ضمناً بالتوزع الجديد للسلطة العالمية، من خلال تأسيس مجموعة العشرين (التي تضم دول البريكس: البرازيل، روسيا، الهند، الصين وجنوب إفريقيا) العام 2008، إلا أنها لم تعط هذه المجموعة، التي يفترض أنها حلّت مكان مجموعة السبعة الكبار الغربية، أي صلاحيات او مسؤوليات على مستوى القرار الدولي السياسي وحتى الاقتصادي (عدا مساعدة العجوزات الأميركية).
وهذا ما ترك أميركا، ومعها العالم، معلقين بخيط رفيع في الهواء، ماجعل "مقاطعات"
الامبراطورية الأميركية تشتم رائحة الدم وتبدأ البحث عن فرائسها الخاصة في محيطها الإقليمي المباشر.
وهذا ماسنتطرق إليه في مقال الغد.

سعد محيو

الخميس، 22 مايو 2014

"حرب أهلية" تركية في أبوظبي..





مركز أبحاث عربي واعد.. أخيرا

ابو ظبي- سعد محيو
مفاجأة الوفد التركي كانت تامة.
فقد اعتقد أعضاء الوفد، الذي ضم نحو 14 باحثاً وأكاديمياً أنهم سيجدون في أبوظبي، حيث عُقد مؤتمر بعنوان "تركيا ومستقبل النموذج والدور" بدعوة من "مركز الإمارات للسياسات"، آذاناً تسمع وتُنصت لا ألسنة تناقش وتُجادل وتُواجه. وبالتالي، كان يكفي أن يطرح هؤلاء، أو معظمهم على الأقل، أفكاراً بديهية عن المعطيات التركية الراهنة والتاريخية كي ينتهي بالنسبة إليهم النقاش ويُغلق باب الاجتهاد.
بيد أن حسابات البيدر لم تتطابق مع معطيات الحقل. إذ تقدّم المشاركون العرب في المؤتمر، وجّلهم من دول الخليج، بمداخلات معمّقة وتحليلات موضوعية وأسئلة دقيقة، أدّت إلى بروز فجوة عميقة وواضحة في المستويات الأكاديمية والبحثية بين كلا الطرفين.
هذه المداخلات هي في الواقع التي أسفرت عن نجاح مشهود لهذا المؤتمر المُغلق، الذي توزَّعت أعماله على مسألة الشخصية والهوية التركيين وعلاقتها بالسياقات التاريخية لصعود التيار الإسلامي التركي، والتحولات الراهنة في المشهد الاستراتيجي والسياسي التركي( بما في ذلك مستقبل العلويين والأكراد الأتراك)، ومستقبل العلاقات التركية- الغربية، والدور التركي الإقليمي المحتمل بعد الربيع العربي، وأخيراً دور الاقتصاد والتنافس على خطوط الطاقة في السياسة الخارجية التركية.
"الانفجار"
معطيان إثنان ساهما في إسباغ سمة النجاح على المؤتمر.
الأول، نجاح إدارة المؤتمر في التقاط المسألة الرئيس لـ"القضية التركية" الراهنة، المتمثّلة في أزمة الهوية الطاحنة التي تعيشها تركيا هذه الأيام بين التيارات العلمانية والإسلامية والطائفية والإثنية، ثم دفع كل المشاركين إلى تركيز الانتباه عليها. وهذا أدى إلى محصلة مدهشة: تفجّر مايمكن ان يكون "حرباً أهلية باردة" بين المشاركين الأتراك الذين ينتمون إلى كل التيارات المتصارعة في بلاد الاناضول.
فقد انبرى، على سبيل المثال، ممثلو الأقلية العلوية، التي يقال أنها تضم مابين 10 إلى 12 في المئة من إجمالي الشعب التركي (74 مليون نسمة وفق إحصاء العام 2010 )، إلى التنديد بما وصفوه بالتمييز الذي يمارس ضدهم في البلاد، خاصة منذ أوائل ستينيات القرن العشرين، على رغم انهم كانوا من أشد أنصار الدولة التركية الحديثة. وبالطبع، كان بديهياً أن يبدي هؤلاء قلقاً أعمق إزاء الهوية التركية الجديدة التي يحاول حزب العدالة والتنمية الحاكم بلورتها، من خلال عقد قران الهوية العثمانية الإسلامية على الهوية القومية الكمالية.
وممثلو الأكراد كانوا أكثر حدة حتى من العلويين في إبداء الامتعاض من بطء حزب العدالة والتنمية في تلبية مطالبهم، على رغم صفقة السلام التي أبرموها معه منذ أكثر من سنة. وهنا أيضاً كانت إشكالية الهوية التركية تطرح بقوة، لأن جهود العدالة والتنمية لدمج الاكراد في إطار الهوية العثمانية الجديدة، تصطدم بممانعة مطلقة من القوميين العلمانيين الذين يرفضون أصلاً الاعتراف بالأكراد كعرق مستقل ويسمونهم "أتراك الجبال".
أما ممثلو حزب العدالة والتنمية في المؤتمر، فقد خيّم على مداخلاتهم ونقاشاتهم القلق والتوتر الواضحين، ماعكس بجلاء طبيعة الأزمة العنيفة الراهنة التي يواجهها الحزب في الداخل التركي.
حين جاء الأمر لتقييم مستقبل النزعة العثمانية الجديدة ودورها في المنطقة العربية، كان واضحاً  أن كل الأطراف تقريباً تتفق على أن النكسات التي تعرّض إليها الإخوان المسلمون في مصر وبقية الدول العربية والذين دعمهم حزب العدالة والتنمية، فاقمت إلى حد كبير من أزمة الهوية في الداخل التركي، الأمر الذي أسفر عن تراجع واسع للحيوية الجيو- سياسية التركية السابقة في المنطقة العربية، وهي الحيوية التي دفعت آنذاك العديد من المراقبين (بمن فيهم كاتب هذه السطور) إلى الاستنتاج بأن الحقبة العثمانية عادت بالفعل إلى المنطقة وهي تتمنطق هذه المرة بمزايا القوة اللينة (Soft power ) لا بحراب فرق الانكشارية الشهيرة.
بيد أن بعض المشاركين نبّه إلى ضرورة عدم القفز إلى نتائج متسرعة، قوامها أن تركيا الأردوغانية ستواصل اتباع سياسة خارجية تهيمن عليها الإديولوجيا الإسلامية. وأعادوا إلى الأذهان أن جل تاريخ تركيا استند دوماً إلى عاملين إثنين: الأولوية القصوى للمصالح القومية والبراغماتية في حدودها القصوى أيضاً، بغض النظر عمن يحتل مقر "الباب العالي" سواء أكان إسلامياً عثمانية أو علمانياً كماليا أو إسلاماً أردوغانياً كما الأمر الآن. وبالتالي، توقع هؤلاء أن يغيّر أردوغان قريباً توجهاته إزاء الإخوان المسلمين العرب، بعد أن تحولواً من "كنز" للمصالح التركية إلى "عبء" عليها.
مركز واعد
هذا عن معطى النجاح الأول للمؤتمر. أما المعطى الثاني فهو يتعلّق بالعملية التخطيطية والتنظيمية للمؤتمر.
وهنا اتفق العديد من المشاركين، والذين ناهز عددهم الخمسون، على أمرين إثنين: الأول، أن مركز الإمارات للسياسات قدّم، رغم حداثة عهده (عمره أقل من سنة) نموذجاً راقياً لعمل مراكز الأبحاث على مستوى التخطيط، والتحضير، واختيار المحاور، والهيكلية التنظيمية، والأهم على مستوى الإدارة الدقيقة للجلسات والحوار. وفي حال واصل المركز نجاحاته على هذا النحو، فلامبالغة إذا ما قلنا أنه سيكون في غضون خمس سنوات في الصف الأول لأبرز مراكز الدراسات العربية.
الأمر الثاني هو الدور الأكاديمي والتنظيمي الراقي أيضاً الذي لعبته مديرة المركز د. ابتسام الكتبي، والذي نال هو الآخر اعتراف المشاركين وعرفانهم. وعلى رغم ان كاتب هذه السطور لم يعتد الإشادات الشخصية بأي كان، إلا أنه كان مدفوعاً على الأقل إلى الشعور بالفخر لأن تكون المرأة العربية قد وصلت إلى هذا المستوى من الإنجاز، عبر ممارسة "القوة الهادئة" في إدارة نقاشات المؤتمر، وعبر المقاربة العملية والموضوعية في توجيه هذه النقاشات إلى أهداف واضحة ومثمرة.
وهنا أيضا، كانت مفاجأة الوفد التركي في المؤتمر، الذي كان يظن على مايبدو أن المرأة العربية متأخرة للغاية عن ركب التطور، لاتقل حدة عن مفاجآته الأخرى إزاء المستوى الأكاديمي والبحثي العربي الخليجي الصاعد.
_______________

   

الخميس، 15 مايو 2014

من سورية إلى أوكرانيا: أين "نهاية التاريخ "؟ (الحلقة8 والأخيرة): العالم في مرحلة "اللاقطبية"


الخبراء الأميركيون والاوروبيون يلخصّون طبيعة الاختلافات بين النظام العالمي الجديد والقديم على النحو التالي:
الإختلاف الأول ان أطراف هذا المثلث أكثر سيولة وأقل جموداً من المثلث القديم . فأي عمل يقوم به طرف من أطراف المثلث الأميركي- الأوروبي- الصيني، لن يثير بالضرورة رد فعل معارضاً بعنف من الطرفين الآخرين . كما انه لايوجد تحالف إستراتيجي بين طرفين ضد الطرف الثالث. وعلى عكس المثلث القديم الذي لم يكن فيه للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إتصالات مع المجتمع السوفييتي، المثلث الجديد تفاعلي إلى حد بعيد.
بكلمات أوضح: هذا ليس مثلثاً يستند إلى الحصيلة صفر لتحالف طرفين ضد الطرف الثالث ، بل هو مثلث يقوم على حصيلة إيجابية تشمل بعض المصالح المشتركة بين الأطراف الثلاثة.
الأختلاف الثاني أن هم الامن القومي لايهيمن على هذا المثلث كما كان الامر إبان الحرب الباردة . وعلى رغم انه (الهم) يلعب دوراً مهماً في العلاقات الصينية- الاميركية ، خاصة في إطار تايوان، إلا ان روابط واشنطن وبكين عميقة بشكل إستثنائي وتعمل على مستويات عدة تتضمن علاقات مهمة بين المجتمعين. الأمن القومي ليس البتة سمة من سمات العلاقات الاوروبية- الصينية التي تستند إلى التجارة والتفاعل الثقافي المتزيد.
الأختلاف الثالث يكمن في التباينات المهمة بين الأطراف الثلاثة. فللولايات المتحدة واوروبا بالتأكيد خلافاتهما حول الشرق الأوسط، وسلسلة الأتفاقات الدولية، ودور الأمم المتحدة في العالم، وحظر الأسلحة على الصين. وأوروبا والصين تتنازعان حول التجارة وحقوق الأنسان وإنتشار الأسلحة وحرية المجتمع المدني. وكل هذه العوامل تسفر عن سيولة وتحولات عميقة في تركيبة المثلث الجديد، حيث تتقاطع المصالح مرة وتتباين مرة اخرى.
لهذه الأسباب وغيرها، يمتلك المثلث الجديد ديناميكياات مختلفة عن تلك التي هيمنت على الشؤون العالمية منذ بدء الأنفتاح الأميركي على الصين العام 1971. وعلى الرغم من ان التوترات قائمة، إلا انه لايتوقع ان تتطور إلى تنافسات كتلك التي ميزّت علاقات  المثلث القديم، خاصة وان أضلاع المثلث متفقة على القضية الأهم : تدبير مسألة إندماج الصين في النظام العالمي بطريقة سلسة وسلمية. وكما هو معروف تاريخياً، القوى الصاعدة، بما في ذلك أوروبا واميركا، عمدت غالباً إلى زعزعة النظام العالمي بشكل خطير. وسيتعين الان على أطراف المثلث الأسترايتجي الجديد ان تضمن بان التاريخ لن يكرر نفسه . لكن، هل تنجح؟
شكوك الصين
الصين واثقة من رغبة أوروبا في إدماجها على قدم المساواة في النظام العالمي. لكنها تكن شكوكاً عميقة بأن الولايات المكتحدة لا تفهم سوى معنى واحداً لهذا الإدماج: الرضوخ الصيني لكل إملاءات الزعامة الاميركية في آسيا العالم. وهذا ماقد ترفضه الصين بقوة في العقدين المقبلين.
حتى الان، بكين لاتزال تكبح جماح غضبها من هذا الجموح الاميركي، لأنها تضع الاولوية لتطورها الأقتصادي. لكنها بعد حين قد تجد ان مصالحها الإقتصادية نفسها ستتطلب منها رفع ألوية المعارضة السياسية والأستراتيجية لواشنطن. وإذا ما حدث ذلك، لن يبقى المثلث مثلثاً. إنه سينقلب إلى ثنائيات أو رباعيات أو حتى خماسيات في عالم جديد متعدد الأقطاب كذلك الذي تنبأ به هنري كيسينجر.
الاجتهاد الثالث
نأتي الآن إلى الإجتهاد الثالث.
ثمة إجماع الآن بين المحللين على أن الحيوية الجديدة التي تبديها القوى الدولية والإقليمية في هذه المرحلة،  لم تكن لتحدث لولا وجود فراغ في السياسة الخارجية الأميركية مكّنها من حرية الحركة.
وثمة إجماع آخر على أن سبب الغياب الأميركي مزدوج: حروب العراق وأفغانستان التي فرملت المشروع الطموح للمحافظين الجدد في إعادة رسم خرائط العالم؛ ودخول الأدارة الأميركية في حال من الشلل في السياسة الخارجية بسبب حاجتها إلى التركيز على الإصلاحت الداخلية (أو مايسميه الرئيس أوباما "بناء الأمة الأميركية").
لكن ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، وهو مركز الأبحاث ااذي يعتبر الصانع الأهم لكل من الرؤساء والسياسات الخارجية الأميركية، له تفسير إضافي: حرية حركة القوى الأقليمية نبعت من تقييد حركة أميركا، بسبب نهاية عهد القطبية الأحادية وبداية عهد ما يسميه " اللاقطبية العالمية"
يقول: "القرن الماضي بدأ متعدد الأقطاب، ولكن بعد حربين عالميتين وعدد من النزاعات، أصبح  ثنائي القطبية. ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، دخل النظام العالمي مرحلة الأحادية القطبية (الأميركية). أما الآن، فالنفوذ العالمي موزّع ومشّتت، الأمر الذي يشكل بداية المرحلة اللاقطبية" .
وما سمات هذه اللاقطبية؟
إنها ثلاث:
- الأولى، فقدان الدولة- الأمة لإحتكارها للسلطة ولعلويتها كحجر الزاوية في النظام العالمي، بفعل التحديات التي تواجهها على الصعد كافة، من الأعلى عن طريق المنظمات المحلية والدولية، ومن الأسفل بواسطة الميليشيات والمنظمات غير الحكومية والشركات الكبرى.
-  الثانية، بروز عدد متزايد من اللاعبين المؤثرين اقليمياً ودولياً، مثل الصين والهند واليابان وروسيا والإتحاد الأوروبي والبرازيل وجنوب إفريقيا، ووراءهم مباشرة قوى إقليمية من الدرجة الثانية كتركيا وإيران وباكستان وإسرائيل والأرجنتين.. الخ.
- الثالثة، العولمة التي زادت من حجم وسرعة وأهمية التدفقات العابرة للحدود، من البريد الالكتروني إلى غازات الدفيئة والفيروسات، مروراً بالأسلحة والهجرات البشرية. العولمة تدفع إلى اللاقطبية عبر مدخلين: تنفيذ العديد من التبادلات عن طريق جهات غير حكومية وخارج سيطرة الحكومات، و تعاظم قدرات هذه الجهات كالشركات المصدرة للنفط والشبكات الارهابية والأنظمة المتطرفة.
كل هذه العوامل مجتمعة تقود إلى طاحونة اللاقطبية. وهذه الطاحونة تقود بدورها إلى الفوضى العالمية الراهنة.
من على حق؟
نأتي الآن إلى سؤالنا الأول: من هذه الإجتهادات الثلاثة الأقرب إلى الحقيقة؟
كفة المنطق تميل بقوة لصالح نظرية هاس في "اللاقطبية". وهذا لسبب مقنع: السلطة العالمية الحقيقية في عصر العولمة تبدو في كل مكان ولا مكان في آن. إنها أشبه بشبح " متشّرد " لا منزل واحد له "يسكنه"، أو هو كتيار كهربائي تعرف بوجوده فقط حين يلسعك.
وهذا مايجعل السلطة العالمية الراهنة شديدة الشبه بـ"الحقيقة الافتراضية" التي خلقتها ثورة المعلومات في عوالم العقول الالكترونية. بالطبع، لهذه السلطة رأس وجسم وقاعدة. لها قوانيها وقواعد عملها ومؤسساتها. فأميركا هي رأس هذه السلطة حتى إشعار آخر. إنها الامبراطورية الجديدة التي تحكم روما الجديدة. اما الجسم والقاعدة فهما على التوالي: الشبكات والمؤسسات العملاقة التي تنتجها الشركات متعددة الجنسيات، ثم  "كل"  شعوب العالم.
والكل هنا تعني الكل: أي شعوب العالم الأول كما الثاني كما الثالث والرابع، بعد أن أسقط عصر إمبراطورية العولمة التمايزات الخارجية بين الدول ونقلها الى داخل كل دولة.
وهكذا، بات بالامكان الحديث عن عالم ثان او ثالث في الداخل الاميركي والاوروبي والياباني ( حيث 20 في المائة ينتجون ويحكمون و80 في المائة يفقرون ويهمشون، كما أشار مؤلفو " فخ العولمة " الالمان). كما بات بالمستطاع العثور على عالم اول داخل الدول الفقيرة حيث النخب فاحشة الغنى مندمجة بالسوق العالمي كليا بشتى تجلياته الثقافية والاقتصادية والترفيهية.
بيد أن كل هذه التطورات لاتلغي أمرين إثنين:
الأول، أن اللاقطبية ستعني في لحظة ما، أو في مرحلة ما، تفاقم المنافسات والصراعات بين الدول الكبرى القديمة والجديدة، من أميركا وأوروبا واليابان والصين إلى روسيا والبرازيل وبقية النمور الأسيوية، بعد أن أصبحت كل هذه الدول رأسمالية. أي أن الصراع سيكون بين مختلف أصناف الرأسماليات الأساسية في العالم، في شكل تنافس على الأسواق والرساميل والموارد الطبيعية وخطوط التجارة البرية والبحرية. وهذا مادفع العديد من المحللين الأوروبيين إلى تشبيه الوضع الدولي الراهن بذلك الذي كان قائماً عشية الحرب العالمية الأولى.
الأمر الثاني، أنه حتى لو تمكنت القوى الكبرى الجديدة والناشئة من تعديل وتحسين النظام الدولي الراهن بالطرق السلمية أو بسلاسة (وهذه مسألة تبدو صعبة بسبب توحش الرأسمالية)، إلا أن هذا لن ينقذ الجنس البشري من ثلاثة أخطار داهمة تهدد وجوده نفسه:
الخطر الأول، والأهم، ظاهرة تغيّر المناخ.
والخطر الثاني، الديكتاتورية الزاحفة للعولمة الرأسمالية في مجالات العلم والتكنولوجيا كافة والتي تهدد، كما يرى فرانسيس فوكوياما نفسه صاحب نظرية نهاية التاريخ، باستيلاد أخطر استبداد وتقسيم طبقي- عرقي في التاريخ، والتي ستحوّل قطاعات شاسعة من العالم الثالث، التي تعتبر خارج نطاق قوس العولمة، إلى ساحة دمار وأوبئة وحروب وصراعات دموية لاتنقطع.
(انتهى)
سعد محيو