للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الاثنين، 16 يوليو 2012

الملكة السعودية: إما "المَلَكِية" الدستورية أو... ؟






- I -
تساءلنا بالأمس ("اليوم، غدا"، 15-6-2012): ماذا في وسع الجيل الجديد من النخب السعودية القيام به لانقاذ البلاد من "أخطر أيامها"؟.
ونسارع إلى القول اليوم: هذا الجيل قادر( أو يجب أن يكون قادراً) على فعل أمرين متلازمين أثنين:
الأـول، دفع الأطراف المعنية إلى التوقف عن إنكار الواقع الجديد.
والثاني، العمل، وبسرعة، على بلورة حلول وبرامج تاريخية ترد على التحديات التاريخية لهذا الواقع.
النقطة الأولى، أي إنكار الواقع، هو حالة سايكولوجية معروفة تصيب الأفراد كما الأمم والجماعات، تسببها صدفة عنيفة (كوفاة مفاجئة لحبيب أو قريب، أو انهيار مالي أو سياسي مفاجيء.. ألخ) تدفع المرء إلى إنكار وقوع الحدث والعيش في حياة خيالية لا أساس لها.
هذا مافعلته بعض أجنحة النخبة السعودية حين اندلع الربيع العربي. فهي رفضت بشدة في البداية قبول فكرة سقوط الرئيسين زين العابدين بن علي وحسني مبارك، وظلّت حتى اللحظة الأخيرة تداعب الأمل باستئناف العمل كالمعتاد معهما عبر ممارسة الضغوط على واشنطن.
وحين تبيّن أن هذا الجهد مجرد حرث في الماء، انتقلت إلى التحرُّك على محورين إثنين غير واقعيين هما أيضا: محاولة إقامة تحالف مَلَكِيات في المنطقة (ربما على غرار تحالف الملكيات الأوروبية ضد الثورة الفرنسية في القرن التاسع عشر) لوقف امتداد تداعيات الربيع إليها؛ ثم العمل على تحويل مجلس التعاون الخليجي إلى إتحاد خليجي.
بيد أن كل هذه الجهود كانت تقفز فوق حقيقتين إثنتين أفرزهما الربيع العربي: الأولى أن الموجة الثالثة من الديمقراطية وصلت أخيراً إلى الضفاف العربية، محمولة على أكتاف أكثر من مائة مليون شاب عربي (أو مايسمى "الطفرة الشبابية العربية") يطالبون بالخبز ويحلمون بالديمقراطية، وأن هذه الموجة لن تعرف عودة إلى الوراء. والحقيقة الثانية أن ثورات الربيع العربي تحدث في حضن النظام الدولي وبرعايته، بهدف دمج المنطقة العربية والإسلام السياسي مرة وإلى الأبد في منظومة العولمة وقواعد عملها المستندة إلى الديمقراطية، وسيادة القانون، وقوانين منظمة التجارة العالمية.
كتب الباحث توماس بارنيت،  أبرز محلل إستراتيجي في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في كتابه الأخير "خريطة البنتاغون الجديدة : الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين"، يقول: " العدو في النظام العالم الجديد ليس الأسلام ولا المكان، بل عدم الأرتباط بالعولمة الذي يعني العزلة، والحرمان ، والقمع، وعدم التعليم. وهذه كلها علامات خطر. وبالتالي ، إذا فشلت دولة ما في الانضمام الى العولمة، أو رفضت تدفقاتها الثقافية ، فإنها ستجد في نهاية المطاف القوات الأميركية على أراضيها .
بارنيت يميّز بين نوعين من الدول في العالم: الدول الفاعلة في العولمة، والدول "غير المتصلة بها. وهو يحدد هذه الأخيرة كالتالي:
1-أي  دولة أو منطقة لاتكون فاعلة او متصلة، إذا ما كانت لاتتفاعل مع مضمون التدفقات التي تتأتى من خلال إدماجها ما هو قومي بما هو إقتصاد عالمي، في مجال الأفكار، والمال، والاعلام.
2- أي دولة أو منطقة لاتكون فاعلة إذا لم تسع الى تنسيق "قواعد حكمها الداخلي" مع الحكم العالمي الصاعد للديموقراطية، وحكم القانون، والأسواق الحرة.

                                        - II -

الآن، اذا ماطبقنا معايير بارنيت هذه (والتي دفعت بالمناسبة الولايات المتحدة إلى القيام حتى  الآن بأكثر من 140 تدخّل أو ضغط عسكري في المناطق "غير المتَّصلة" بقواعد العولمة)، ربما يكون في وسعنا فهم بعض أبعاد وخلفيات الربيع العربي الراهن.
وبالطبع، نفي أو إنكار هذا الواقع الدولي الجديد في المنطقة، لن يغيّر شيئاً من حقيقة وجوده، بل على العكس: قد يسرِّع في حدوث مفاعليه.
ننتقل الآن إلى النقطة الثانية التي أشرنا إليها في البداية: مايمكن لنخب الجيل الجديد السعودية أن تفعل.
الحاسم هنا بالطبع هو، كما ألمعنا، الاعتراف بالوقائع الجديدة كما هي، وبالتالي عدم المراهنة على أن من شأن سياسة خارجية سعودية هجومية، مثل تسعير الصراع الإقليمي مع إيران، أو إقامة أنماط جديدة من التحالفات الإقليمية، أو حتى إلقاء الثقل المالي السعودي للتأثير على مسار عمليات الانتقال إلى الديمقراطية في بقية الدول العربية، أن تُعفي المملكة من موجبات التغيرات الداخلية الكاسحة التي يفرضها "التحالف" الجديد بين الديمغرافيا الشبابية العربية وبين قوانين العولمة.
وحين يحدث مثل هذا الاعتراف، سيكون من المدهش اكتشاف مدى سهولة الخروج من مأزق "أخطر الأيام" الراهن هذا.
كيف؟
ببساطة عبر بلورة كتلة تاريخية جديدة تضم الأمراء الأصلاحيين إلى ممثلي الطبقات الوسطى والمثقفين ورجال الأعمال الليبراليين والهيئات النسائية ورجال الدين المتنورين، وتقوم بطرح برنامج إصلاحي جريء، تاريخي هو الأخر، يبدأ وينتهي بكلمتين إثنتين: المَلَكِية الدستورية.

- III -
هذا البرنامج يمكن أن يكون متدرجاً (على مدى خمس سنوات مثلا)، لكنه يجب أن يتّسم بالجدية المُطلقة، إنطلاقاً من الوعي بأن تطوير النظام السياسي بات يشكِّل الآن المدخل الوحيد لولوج باب الشرعية السياسية الجديدة في المملكة؛ تلك الشرعية التي تتسق وتتناغم مع كلٍ من مطالب الربيع العربي وقواعد العولمة.
من دون هذا البرنامج، ستكون الثورة لا الإصلاح هي البديل. لا بل ربما سيصبح وجود الكيان السياسي للمملكة نفسه على المحك، لأنه قد يعيد عقارب الساعة إلى ماقبل تأسيس هذا الكيان السياسي في أوائل القرن العشرين، خاصة في العلاقة بين نجد والحجاز، وبين نجد وبقية المناطق.
هنا، ثمة نقطة قد تصب بشكل هائل في صالح القوى الإصلاحية: كلٌ من أنصار المعارضة الأصولية المتطرفة (تلاوين القاعدة) وغلاة المحافظين في النظام السعودي، يرفضون الإصلاح: الأوائل، لأنهم يعتقدون أن هذا النظام غير قابل أو غير مستعد للتغيير وأن العنف هو السبيل الوحيد لاستيلاد الجديد؛ والأخيرون لأنهم  يرفضون أي مساس بالنظام السياسي، ويعتقدون أن تطبيق المفاهيم القديمة على المعطيات الجديدة للربيع العربي- الدولي الجديدة قد تنقذهم من "ضلال" الإصلاح.
ومثل هذا الاستقطاب الحاد (الحروب الأهلية لا تقوم إلى على الاستقطاب الحاد)، يمنح قوى الأصلاح ميزة تفاضلية ضخمة، لا بل فرصة تاريخية، كي تتقدم الصفوف بوصفها الطرف الوحيد القادر على الانقاذ، وعلى أن يكون القابلة القانونية التاريخية لاستيلاد الجديد الآتي لامحالة من دون دم، أو عنف، أو إعادة رسم خرائط.
الكرة الآن في ملعب هذه القوى.

                                                                                سعد






الأحد، 15 يوليو 2012

كيف ستُجابه المملكة السعودية "أخطر أيامها"؟







                                              - I -
قلنا بالامس ("اليوم، غدا" - 14-6-2012) أنه بات واضحاً أن الربيع العربي له قسمات إخوانية فاقعة في مصر وتونس والمغرب وسورية (والعد مستمر)، وأنه سيكون على القادة السعوديين قريباً مواجهة المقلب الآخر من التحدي الإخواني: الطبعة الليبرالية والديمقراطية المُفترضة من الإسلام.
فهل يؤدي ذلك إلى مجابهة جديدة بين جماعات الإخوان والمملكة، أم تنجح استراتيجية "شراء الخلافات نقداً" (ومعها شراء الوقت)؟ ثم: ما الخيارات امام النخبة السعودية هنا؟

                               تظاهرة للإخوان في القاهرة (غوغل)

سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن الأهم من طرح التساؤلات هو معرفة كيفية مقاربة قادة الرأي في المملكة السعودية لهذا التطور.
هنا، قد يزوّدنا المفكر والكاتب السعودي البارز جمال الخاشقجي ببعض "المعالم على الطريق" حيال المقاربة الراهنة، على الأقل بالنسبة إلى جانب من النخبة السياسية السعودية.
ففي مقال نشره في الزميلة "الحياة" (في 26-6-2012)، يرسم الخاشقجي اللوحة التالية للإخطار التي تحيق بالمللكة هذه الأيام والتي يعتبرها "الأخطر في تاريخها": الانقلابات "الناعمة" والهادئة" واللااستقرار في الجناحين الاستراتيجيين للسعودية، مصر وباكستان؛ احتمال انضمام السودان (وسريعا) إلى الربيع العربي؛ اشتعال سورية بما قد يفتح أبواب جهنم إقليمية؛ الأزمة الدستورية الخطيرة في الكويت؛ الأزمة المتواصلة في البحرين؛ تكالب "القاعدة" على اليمن؛ أوضاع لبنان والعراق والصومال المضطربة؛ هذا إضافة بالطبع إلى التهديد الجيو-سياسي الإيراني المقيم.
ويخرج الكاتب بخلاصة تدعو ولي العهد الجديد الأمير سلمان إلى اتباع سياسة خارجية هجومية للرد على هذه التحديات، تماماً كما فعلت المملكة (بقيادة الأمير سلمان أيضا) حين ردّت على تحديات حقبة الثمانينيات، التي كانت خطرة هي الأخرى، بشن الحرب على السوفيييت في أفغانستان.
هل هذه النصيحة في محلها؟

                                                - II -
أجل، من حيث الشكل المستند إلى الذاكرة التاريخية الحديثة. فالكاتب يتذكّر هنا على الأرجح السياسة الخارجية الهجومية الناجحة التي شنّتها المملكة ضد القومية العلمانية الصاعدة في الخمسينيات والستينيات والتي أدّت في النهاية (إضافة إلى عوامل إقليمية ودولية أخرى) إلى تقويض هذه القومية. كما يتذكّر (كما أشار) الهجمات الشيوعية (السوفييتية) في أفغانستان وفي اليمن الجنوبي الماركسي، و"اليسارية" في عراق صدام حسين وسورية حافظ الأسد، وإثيوبيا منغستو، فضلاً عن الثورة الشيعية في إيران.
لكن التشابه في الشكل لايستتبع التطابق في المضمون. فما جرى في هاتين الحقبتين، على خطورته، تم خارج كنف العرين السعودي لا داخله. على هامشه لا في قلبه. وهذا مكَّن المملكة آنذاك من زج سلاحها السري الأكبر في المعركة ومن ربح هذه المعركة في نهاية المطاف ضد هذه التلاوين من المخاطر: الإديولوجيا الإسلامية.
أما الأن، فالصراعات لاتجري بين إسلاميين وملحدين، أو بين إسلاميين وقوميين، بل في الدرجة الأولى بين إسلاميين وإسلاميين: بين الإخوان والسلفيين، وبين المحافظين والإصلاحيين، وبين الديمقراطيين والسلطويين، وبين الإسلاميين الليبراليين و"الرجعيين".
وبالتالي، السياسة الخارجية الهجومية هنا ستعني الانغماس في حرب أهلية إسلامية على الصعيدين الإديولوجي والسياسي غير مضمونة النتائج.
لماذا؟
لسببين رئيسيين:
الأول، أنه سيكون على المملكة في مثل هذا الهجوم أن تعتمد على الحركات السلفية. وهذا أمر لم يعد خياراً جذاباً، بعد أن تبيّن أن العديد من هذه الحركات بدأت تتسيس و"تفتح" على حسابها. كما باتت أيضاً تُستخدم من قِبَل كلٍ من أجهزة المخابرات الإقليمية والدولية ومن "القاعديين" و"القطبيين". هذه الحركات أصبحت إلى حد كبير سلاحاً ذا حدين.
والثاني، أن "الزواج غير المقدس" (كما يسميه الكاتب الأميركي جون كولي) بين الإسلام في طبعته السعودية وبين الغرب، تبدد هباء منثوراً غداة أحداث 11 سبتمبر، وحلّت مكانه الآن "أجندة حرية" أميركية ثابتة كانت هي في أساس قبول الغرب لصعود حركات الأخوان المسلمين إلى السلطة، وربما أيضاً في أساس نجاحات الربيع العربي (وإن ليس بالضرورة في إطلاق هذا الربيع).

                                                - III -
بالطبع، تستطيع ترسانة الأموال السعودية الضخمة أن تؤثّر على مسير ومسار عمليات الانتقال إلى الديمقراطية في العديد من الدول العربية، خاصة لجهة الحد من التعاون المحتمل بين هذه الثورات وبين الحركة الإصلاحية في المملكة وباقي أنحاء منطقة الخليج. لكنه سيكون في الغالب  تأثيراً محدوداً، ناهيك عن أنه لن ينجح في إسقاط الجاذبية الفكرية والثقافية والسياسية لهذه التجارب بالنسبة إلى المعسكر الإصلاحي السعودي والخليجي.
ماذا تعني كل هذه المعطيات؟
إنها تعني بوضوح أن السياسة الخارجية الهجومية، لن تكون كافية وحدها هذه المرة للرد على المخاطر الجسام التي تُحيق بالمملكة. الأمر ربما يحتاج إلى مقاربة فكرية- استراتيجية جديدة تتساوق وتتساوى فيها السياسة الخارجية مع التوجهات الداخلية.
وهذا يعيدنا إلى سؤالنا الألي: ما الخيارات السليمة والناجعة التي يمكن أن تتوافر للنخبة السعودية؟

                                                                                (غداً نتابع)
                                                                                     سعد




السبت، 14 يوليو 2012

السعودية والإخوان: "حرب" أم "سلام" (1)





                                                  سيد قطب في السجن (غوغل) 
     

- I -
ثلاثة أسئلة كبرى دفعة واحدة فرضتها زيارة أول رئيس من الإخوان المسلمين في أكبر دولة عربية إلى المملكة العربية السعودية:
الأول، هل ستتمكِّن المملكة من إحتواء خلافاتها الإديولوجية- السياسية مع جماعة الإخوان، وإن على قاعدة المصالح المتبادلة (الاقتصادية- التجارية للإخوان، والسياسية للرياض)؟
والثاني: حتى لو تمكّنت المملكة من ذلك مع الإخوان المصريين، ماذا عن بقية الإخوان في تونس والمغرب (وقريباً في سورية والأردن)، وأيضا (وربما هنا الأهم) مع "الإخوان" العثمانيين الجدد الذين تدفعهم إديولوجيتهم الصوفية- العلمانية المنتفحة إلى التحالف مع جماعات الإخوان، خاصة في سورية، لا مع الحركات السلفية على النمط الوهابي؟
والثالث، هل اتِّباع الرياض لسياسة خارجية هجومية نشطة، كما تحاول أن تفعل الآن مستخدمة عضلاتها المالية، سيمكّنها من تحصين مملكتها السياسية في الداخل ضد أعاصير الربيع العربي الكاسحة في الخارج، أم أن هذا المشروع برمته سيكون أشبه بفقاعة صابون تُطلق في قيظ الصيف؟
لنبدأ مع السؤال الأول:

- II -
يمكن القول الآن، وبعد يومين من انتهاء زيارة الرئيس محمد مرسي للمملكة، أن هذا الأخير استخدم كل مافي ترسانته السايكولوجية من تطمينات لتقديم أوراق اعتماد مقبولة إلى القادة السعوديين.
فهو أكد حتى قبل أن تطأ قدماه أرض السعودية أن مصر الإخوانية :"لاتنوي تصدير ثورات الربيع العربي" إلى الخليج العربي.
وهو قسّم "العمل الإسلامي" بين الإخوان وبين السعودية لصالح هذه الأخيرة (من حيث الشكل على الأقل)، حيّن "عيّنها" راعية الإسلام فيما مصر حاميته.
ثم أن ركّز على النقطة الرئيس التي تهم القيادة السعودية هذه الأيام: مسألة الاستقرار في كل من السعودية ومصر في آن. قال:" استقرار المنطقة يستلزم استقرار مصر واستقرار الخليج، وعلى رأس دول الخليج المملكة العربية السعودية".
بيد أن حُسن الكلام، على أهميته، لايعني بالضرورة حُسن الخواتيم.
 لماذا؟
أساساً بسبب التاريخ المُثقل بين الطرفين.
فجماعة الإخوان المسلمين منذ أن أسسّها حسن البنا العام 1928، كانت منظمة سياسية من ألفها إلى الياء. منظمة تعتبر أن الإديولوجيا الإسلامية بمثابة علاج سياسي للأمراض التي فتكت بالعالم الإسلامي طيلة القرون الماضية. وهي في خضم تبينها لهذا المبدأ، عمدت إلى دمج الفكر الغربي السياسي الحديث بالتقاليد الإسلامية، كما رضعت من ثقافة جيلين من الفكر السياسي الإسلامي في الحقبة الأخيرة من عهد الدولة العثمانية، لم تر بالتالي تناقضاّ بين الحكم الإسلامي وبين المباديء الجمهورية والبرلمانية (ولاحقاً الديمقراطية والتعددية).
في المقابل، كانت الطبعة السعودية من الإسلام تقوم على الفكر السلفي اللاسياسي، الذي يُعطي قيصر السعودي السلطة السياسية، ويخوِّل آل الشيخ وأتباعهم التصرُّف بما لله: السلطة الدينية وأحوال الآخرة، شريطة ألا يتدخلوا بشؤون الدنيا.

- III -
هذا الشرخ الإديولوجي- السياسي  بين الطرفين ظل نائماً عقوداً طويلة بفعل عاملين إثنين:
الأول، زواج المصلحة الذي أبرمه الإخوان والسعوديون غداة بروز حركة القومية العربية العلمانية واليسارية منذ مطلع الخمسينيات بقيادة جمال عبد الناصر، والذي دفعهم إلى شن حرب مشتركة ضدها وهم يرفعون رايات الإسلام السياسي. وهكذا، وجد قادة الإخوان المصريين ملاذاً آمناً وخزينة مالية وفيرة لهم في المملكة، فيما اكتشفت فيهم هذه الأخيرة كنزاً  أحسنت استخدامه في حربها العامة ضد القومية العربية العلمانية.
والثاني، نجاح الرياض في احتواء الإخوان المسلمين غداة هزيمة حرب 1967، من خلال تحالفها مع الأنظمة الجديدة التي برزت في مصر (حسني مبارك) وسوريا (حافظ الأسد) وتونس (زين العابدين بن علي) والأردن (الملك حسين) والتي جهدت لإبقاء حركات الإخوان داخل القفص.
الأخوان المسلمون لم يردّوا مباشرة حين انتقلت علاقتهم مع السعودية من التحالف إلى الاحتواء. لكن بعض أجنحتم كانت تفعل ماهي أكثر بكثير من الرد: اختراق السلفية الوهابية نفسها.
حدث هذا أساساً في أفغانستان، حين قام القائد الإخواني البارز عبد الله عزام وبعده أيمن الظواهري بجذب المقاتلين السلفيين السعوديين، وعلى رأسهم أسامة بن لادن، إلى إديولوجيا سيد قطب الجهادية، الأمر الذي خلق أزمة شرعية كبرى في المملكة طيلة حقبة التسعينيات أنحى فيها السعوديون باللائمة على "القطبيين والإخوانيين" كما أسموهم.
والآن، وبعد أن بات واضحاً أن الربيع العربي له قسمات إخوانية فاقعة في مصر وتونس والمغرب وسورية (والعد مستمر)، سيكون على القادة السعوديين مواجهة المقلب الآخر من التحدي الإخواني: الطبعة الليبرالية والديمقراطية المُفترضة من الإسلام.
فهل يؤدي ذلك إلى مجابهة جديدة بين جماعات الإخوان والمملكة، أم تنجح استراتيجية "شراء الخلافات نقداً" (ومعها شراء الوقت)؟

                                                                                          (غدا نتابع)

                                                                                                سعد  




الخميس، 12 يوليو 2012

مرسي في السعودية: "بَيٍعَة".. الربيع العربي









- I -
السعودية لاتريد للإخوان المسلمين المصريين أن ينجحوا في السلطة، لكنها لاتريدهم أيضاً أن يفشلوا.
والإخوان المصريون لا يريدون أن تحتفظ السعودية بنفوذها الكامل على الإسلام السياسي، لكنهم لايجرأون على تحويل هذه الرغبة إلى وقائع أو سياسة.
هذه قد تكون الصورة التقريبية للعلاقات المصرية- السعودية عشية زيارة الرئيس محمد مرسي إلى السعودية، في أول إطلالة خارجية له.

                                   الرئيس مرسي لدى وصوله إلى السعودية (انترنت)


أسباب هذه الصورة المعقّدة بين طرفي الإسلام السياسي هذين معروفة: فالمملكة الوهابية عارضت بشدة الثورة الشعبية المصرية ضد حليفها الموثوق حسني مبارك، ووصل بها الأمر إلى حد تهديد الولايات المتحدة بالحلول مكانها في عملية تقديم المساعدات المالية الضخمة للقاهرة. ثم أنها مارست بعد ذلك ضغوطاً دبلوماسية قوية على واشنطن، لحملها على عدم دفع الجيش المصري إلى الاستسلام لصوت ميدان التحرير.
بيد أن "فزعة" المملكة لصالح مبارك لم تملها فقط العلاقات المتينة معه، بل لخوفها أيضاً من أن يسفر وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة إلى ولادة عقد قران جديد بين الإسلام والديمقراطية، في وقت لاتزال فيه الرياض تعاني وتتحسّب من صعود الإسلام الليبرالي العثماني الجديد في اسطنبول، وفي إندونيسيا وماليزيا.
باختصار، تشعر المملكة بالخطر الإديولوجي يحيق بطبعتها الخاصة من الإسلام (القائمة على طاعة "أولي الأمر") من كل جانب: من تونس والمغرب (وليبيا الآن) إلى مصر وتركيا(وربما قريباً سورية والأردن)، وصولاً إلى البحرين التي لاتزال ثورتها منخفضة الوتيرة مستعرة بلاتوقف.

- II -
في المقابل، ربما كان الإخوان المسلمون المصريون يتمنون لو أنهم قادرون على إشعال ثورة شعبية في السعودية، تستعيد بموجبها مصر دورها الاستراتيجي كمركز أول للإسلام السياسي في الشرق الأوسط والعالم، كما كانت في عهد حسن البنا. لكن التمنيات شيء والوقائع شيء آخر.
فالأخوان في السلطة في حاجة ماحقة إلى البترودولار السعودي لمساعدتهم على تخطي الأزمات الاقتصادية- الاجتماعية الأسطورية في بلادهم. إذ يعيش أكثر من نصف الـ85 مليون مصري تحت خط الفقر، الكثير منهم يعتاشون على تحويلات 1،65 مليون عامل مصري في السعودية. كما يشكِّل عشرات الملايين جيشاً لجباً من العاطلين عن العمل، الذين يمممون وجههم يومياً نحو منطقة الخليج بحثاً عن وظائف.
فضلاً عن ذلك، وفّرت السعودية خلال هذه السنة لمصر الجائعة للسيولة 500 مليون دولار لدعم الموازنة، وقرضاً بقيمة مليار دولار على مدى ثماني سنوات لإسناد احتياطي العملة الصعبة في مصر.

- III -
ماذا تعني هذه المعطيات؟
إنها تعني، ببساطة، أنه سيكون على الطرف الإخواني المصري العض على جرح طموحاته الإسلامية القيادية والتوضؤ بالماء الوهّابي، إذا ما أراد الوصول إلى المحفظة السعودية. كما سيكون عليه مغازلة السلفييين المصريين على نحو أكثر حرارة، لأرضاء داعميهم السعوديين.
وإذا مافعل، والأرجح أنه سيفعل، سيكون السعوديون قد ضربوا عصفورين بحجر دولاري واحد: "اشتروا" الثورة المصرية في حلّتها الإخوانية، من جهة، ودفعوا "نقداً" ثمن وقف الإخوان لمد الربيع العربي إلى السعودية وبقية أنحاء منطقة الخليج، من جهة أخرى.
صفقة ناجحة؟
حتما. ولكن للسعوديين فقط. إذ سيجد الإخوان المصريون أنفسهم الآن أمام المهمة صعبة، إن لم يكن المستحيلة، وهي أن يفسِّروا للمصريين أسباب تنازلهم السريع عن الدور القيادي الإقليمي المصري، وأيضاً أن يبرروا لقواعدهم التي لاتزال تنزل إلى ميدان التحرير وللقوى الإصلاحية والإسلامية الخليجية، دوافع إدارة الظهر على هذا النحو الصارخ لثورات الربيع العربي.
لكن، هل كان أمام الرئيس مرسي والإخوان خيار آخر غير هذه القفزة "الاستسلامية"، بعد أن وصلوا إلى السلطة مع كل ماتفرضه من وقائع وموجبات؟. ألا تبيح الضرورات هنا (إقرأ الاقتصاد) المحظورات (إقرأ إدارة الظهر للثورة والحرية)؟
أجل، ثمة خيار أخر. كان في وسعهم على الأقل عدم الاستعجال على هذا النحو، وانتظار من قد يصرخ أولاً: الخائف السعودي أم القَلِق المصري. كان في وسعهم أيضاً أن يعقدوا صفقة أفضل عبر الاستثمار في المستقبل المغاير الآتي حتماً، لا في الحاضر الزائل حتما.
لكن يبدو، من أسف، أن البراغماتية الإخوانية الشهيرة لاحدود لتطرفها الشديد. وهذه نزعة تتساوى في خطرها مع المثالية المتطرفة. فكلاهما يكلفان أصحابهما الأثمان الباهظة.
هذه الأثمان قد لاتأتي اليوم، لكنها ستأتي حتماً غداً او بعد غد. 
                                                                                                                                                                                                                   سعد

      __________________________________________________





الأربعاء، 11 يوليو 2012

فيتنام وأميركا: سخرية التاريخ


هيلاري في هانوي.. والتاريخ في الثلاجة
هؤلاء الفيتناميون "الخونة"



- I -
هيلاري كلينتون بدت أكثر من سعيدة وهي تُلمح إلى "شبه تحالف"  استراتيجي (في مواجهة الصين) وأكثر من تحالف تجاري بين أميركا وفيتنام.
وهي على حق، كما سنرى بعد قليل.


لكن قبل ذلك، فلنتذكر شيئاً أخر: رئيس الورزاء الفيتامي السابق فان فن خاي، خرح من أول لقاء مع رئيس أميركي في واشنطن منذ نهاية  "الحرب الفيتنامية " ( كما يسميها الأميركيون ) او " الحرب الأميركية "  ( كما يصفها الفيتناميون )، ليعلن بأنه : " لا رغبة لدينا الان بالحديث عن إقامة قواعد عسكرية أميركية فوق أراضينا " ( ... ).
لا رغبة لدينا الان ؟ هل هذا يعني أن هذه الرغبة قد تولد غداً ؟. ما هذا الذي  يحدث ؟. هل دفعت فيتنام مليوني قتيل ، وخمسة ملايين جريح ،  ومئات مليارات الدولارات ،  لاخراج القوات الأميركية من الباب، كي تعيدهم بعد ثلاثة عقود من الشباك ؟.

- II -
المحللون الواقعيون لديهم الجواب السريع والقاطع : هذا من طباع الامور. ففيتنام اليوم  ليست فيتنام هوشي مينه والجنرال جياب. إنها الان إقتصاد قبل أن تكون وطن. وهو إقتصاد ليبرالي إلى حد بعيد:  فقد  أعيدت الملكية الخاصة للأراضي للفلاحين، وتم  "تحرير" القطاع الخاص والتجارة، وفتحت البلاد على مصراعيها امام المستثمرين  الاجانب،  في خضم إستعدادات هانوي للأنضمام إلى درة تاج النظام الرأسمالي العالمي: منظمة التجارة العالمية . إضافة ، 60 % من الشعب الفيتنامي ( 80 مليون نسمة ) ولدوا بعد نهاية الحرب الفيتنامية العام 1975 ، ويودون بشدة الأنفتاح على العالم والعولمة عبر البوابة الاميركية .
منطق واقعي؟ أجل . لكنه منطق عبثي أيضاً. ويكفي لأثبات ذلك تخّيل أن ملايين ضحايا الحرب الفيتناميين يراقبون الان ما يجري من وراء  كواليس في عالمهم الأرواحي : ماذا سيقولون ؟ ألن يندموا  لأنهم " إستشهدوا " دفاعاً عن أفكار سرعان ما  سيغيّرها تغّير الزمن ؟ ألن يشعروا أن هنري كيسنجر كان على حق حين قال ان " الخيانة مسألة تواريخ ؟.
   
       - III -                              

بالطبع، لا نقصد هنا لا رفض التقارب الاميركي- الفيتنامي ، ولا حتى نقد توجهات فيتنام الأصلاحية الليبرالية. كل ما في الامر أن احتمال التعاون العسكري بين الطرفين، أثار  في الذهن القليل من التوتر والكثير من التفكير حول معنى التاريخ وفلسفته، أو حتى ما إذا كان ثمة معنى ما للتاريخ.
 أول من تطرق إلى هذا الجانب من فلسفة التاريخ كان المؤرخ الأيطالي الكبير بي. كروس . قال : " كل التاريخ الذي نعرف هو " تاريخ معاصر" . بمعنى أن هذا التاريخ  يستند أساساً إلى رؤية الماضي عبر عيون الحاضر ومشكلاته ".  وقبل كروس ، كان ثمة مؤرخ آخر هو كارل بيكر يصل إلى إستنتاجات أخطر : " حقائق التاريخ لاتوجد بالنسبة إلى أي مؤرخ ، إلا حين يخلقها " ! .
الفيتناميون لايفعلون الأن إلى ما قاله كروس وبيكر: إنهم  يرون ماضيهم النضالي ضد اميركا عبر نظارات حاضر مصالحهم الأقتصادية معها ، فيعيدون بذلك  خلق حقائق الماضي لحل مشكلات الحاضر. وهذا أمر لا يلامون عليه :  إذ  أنيد الموتى الأبطال مثل هوشي مينه وجياب، لا تستطيع الأمساك بيد الشبان الفيتناميين الاحياء الساعين إلى العمل والبحبوحة والرخاء الأقتصادي .
لكن ، ومع ذلك ، يبقى السؤال التاريخي الكبير سؤالاً كبيراً معلقاً في الهواء : هل كان ثمة  ضرورة أصلاً  للحرب الفيتنامية ، إذا  ما كانت المحصلة في النهاية ستعني إستبدال السيطرة الاميركية  المباشرة  بالهيمنة الاميركية غير المباشرة ؟.
أي هدف ،  أو معنى ،  سيكون حينذاك للتاريخ ؟.
هل عرفنا الآن لماذا هيلاري على حق حين شعرت بالسعادة؟

                                                                                         ( سعد )

الثلاثاء، 10 يوليو 2012

لماذا تراجع "الإسلام هو الحل"؟





- I -
- كتلة أحمد جبريل غير الدينية تتقدم الصفوف في انتخابات ليبيا، على حساب القوى الإسلامية.
- الإخوان المسلمون في مصر يخسرون خلال أشهر قليلة نصف الأصوات: من عشرة ملايين صوت في الانتخابات التشريعية إلى خمسة ملايين في الانتخابات الرئاسية، دفعة واحدة.
- حزب العدالة والتنمية في المغرب بدأ يفقد بريقه، بعد أن تبيّن مدى صعوبة تحقيق وعوده بانتشال البلاد من أزماتها الاقتصادية- الاجتماعية.
- وأخيراً، حركة حماس في غزة لم تستطع طيلة أربع سنوات تقديم نموذج مغرٍ لـ"الإسلام هو الحل". العكس كان صحيحا.



                           -II-

هذه بعض خلاصات السنة الأولى من الربيع العربي. وهي كلها، كما هو واضح، تشي بحصيلة واحدة: المنطقة العربية ليست شيكاً مفتوحاً على بياض لصالح الإخوان المسلمين وباقي الحركات الدينية. لابل ليست شيكاً على الإطلاق لأي كان. إنها تحوّلت بالأحرى (وخلال شهور قليلة من نسائم الحرية) إلى محكمة عملاقة تُسائل الجميع عما فعلت أيديهم، وتُعاقب كل من يكذب، أو ينكث بوعده، أو يخالف شرع الشعب وسلطته.
حين طُلِبَ من المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف، تفسير النكسات الانتخابية الكبرى التي مُنِي بها الإخوان، رد بوضوح وصراحة: السبب أخطاء الجماعة في البرلمان. هكذا وبكل بساطة. فعاكف لم يتحدث لا عن الإسلام هو الحل، ولا عن الإديولوجيا، ولا عن عقوبات الله، بل عن مشاكل اقتصادية وسياسية محددة عجز البرلمانيون الإسلاميون عن حلّها أو حتى التطرق إليها.
وهذا يعني أن الإسلام السياسي الذي خرج حديثاً من تحت الأرض وانتقل من تكايا المساجد إلى كواليس السلطة، بات مُجبراً أن يضع جانباً الإديولوجيا الدينية التي خدمته طويلاً وهو في صفوف المعارضة، وأن يجابه الواقع كما هو: واقع يُطالب بحلول دنيوية للمشاكل الدنيوية. الأخرة لم تعد حلاً ولامخرجاً من مشاكل الحياة الدنيا.
وبالاستتباع، هذا يعني أيضاً أن المجال سيكون المجال مفتوحاً على مصراعيه أمام القوى العلمانية واليسارية والليبرالية كي تنمو وتكبر وتتقدم الصفوف، بعد أن أخرجها الربيع العربي من مأزقها الكبير بين فكي كماشة الاستبداد السلطوى والاستبداد الأصولي.
لكن، هنا أيضاً، لن تكون المنطقة شيكاً على بياض للعلمانيين. فما لم ينجح هؤلاء في بلورة كتلة تاريخية جديدة تمتلك برامج نهضوية واضحة لإخراج المنطقة من وهدتها التاريخية، ستكون لها المحكمة العملاقة بالمرصاد.
- III -
تريدون دليلاً على وجود هذه المحكمة؟
حسناً. أمر بسيط. دققوا في طبيعة الانتخابات المصرية الأخيرة، فتجدون سريعاً أن لا محمد مرسي ولا أحمد شفيق تمتعا بأي رائحة من روائح الجاذبية الكاريزمية، بل هما جذبا الأصوات  استناداً فقط إلى مارآه المصريون عبرهما من معالم مستقبل مصر. إنهم رأوا البرامج لا الاشخاص. وهذا ما أسقط بشطحة قلم ثانية جملة فراعنة عن عروشهم (الشطحة الأولى كانت اسقاط الفرعون الأول مبارك).
أجل: المنطقة العربية انقلبت بالفعل رأساً على عقب خلال أشهر قليلة. أجل: هذه المنطقة قد تشهد في قادم الأيام صراعات مريرة بين الإسلاميين والعلمانيين، وبين الإسلاميين والإسلاميين، وبين العلمانيين والعلمانيين. لكن هذه لن تكون الفوضى غير الخلاّقة.
 لماذا؟
لأن كل القوى السياسية المتصارعة ستكون من الآن فصاعداً خاضعة إلى مرجعية جديدة ستحدد هي مصيرها بالكامل: سلطة الشعب والمجتمع المدني. سلطة صندوق الاقتراع والإرادة الشعبية.
وما نكسات الإسلاميين الراهنة (والسريعة) سوى "معالم على هذا الطريق".
________________________________________________________