للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

الجمعة، 6 يوليو 2012

نُذُرُ "عاصفة كاملة" في سورية



مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة( انترنت)

التاريخ يبحث عن بطل، أو أبطال، في بلاد الأمويين
نُذُرُ "عاصفة كاملة" في سورية

عناصر "العاصفة الكاملة" بدأت تتضح رويداً رويداً في سورية: استقطاب دولي- إقليمي حاد، يرافقه استقطاب داخلي أكثر حدة، ومعهما انسداد الأبواب تقريباً أمام أي تسويات خارجية- داخلية من شأنها إنقاذ البلاد من مصير الحرب الأهلية، أو من سيناريو "الدولة الفاشلة".
نبدأ مع الاستقطاب الدولي- الإقليمي.

مفاجأة الصين وروسيا
ليس ثمة مبالغة في شيء القول أن المحور الروسي- الصيني الذي تكوَّن سريعاً حول سوريا، كان بمثابة مفاجأة.
أجل. روسيا والصين كانت تنسّقان منذ فترة غير قصيرة بعض مواقفهما الدولية، كما أنهما عضوتان في معاهدة شنغهاي المُرشَّحة لأن تصبح في يوم ما (إذا ماحالفها الحظ وواتتها الظروف الملائمة) حلف الأطلسي الروسي- الصيني- الإيراني. علاوة على ذلك، اكتشفت موسكو وبكين مؤخراً قاسماً مشتركاً آخر بينهما: اندفاعهما لتحسين مواقعهما في النظام العالمي الجديد، بعد تعثّر مشروع جورج بوش لترسيخ أسس النظام أحادي القطبية، وتوجّه باراك أوباما إلى طرح نظام دولي متعدد الأقطاب مكانه (وإن بهيمنة أميركية كاسحة بالطبع).
لكن، وعلى رغم كل هذه العوامل المغذّية لتقاطع المصالح الروسية- الصينية، لم يكن أحد يتوقع أن تصل الأمور بهذين الطرفين إلى شهر سلاح التحدي على  هذا النحو في وجه الولايات المتحدة. فلا الصين، التي اندمجت تماماً في النظام الرأسمالي المتعولم، ترى مصلحة في خوض حرب باردة مع أميركا تؤدي إلى عرقلة نموها الاقتصادي السريع، ولاروسيا قادرة بامكاناتها المتواضعة قياساً بالقدرات الاقتصادية الأميركية على العودة إلى المشاريع الأمبراطورية السوفييتية الطموحة.
وإذا ماكان صحيحاً أن الرئيس الروسي بوتين يتحدث هذه الأيام عن إعادة تسليح روسيا ومواجهة الدرع الصاروخي الأميركي بمنظومة صواريخ جديدة ومتطورة، على أن يتم هذا التطوير للمجمّع العسكري الصناعي الروسي "استناداً إلى اقتصاد السوق" (على حد تعبيره في مقالة نشرتها صحف روسية مؤخراً)، إلا ان العديد من المراقبين يعتقدون ان ثمة مبالغات مقصودة في مثل هذا التوجُّه، تهدف في آن إلى تعبئة المشاعر القومية الروسية من جهة، وإلى إطلاق رسالة باتجاه واشنطن مفادها أن عليها التوقف عن التدخل في الشأن الداخلي الروسي (من خلال "هندسة" ربيع عربي فيها) إذا ما أرادت تجنُّب "الممانعة والمقاومة" الروسية في الشؤون الدولية، من جهة أخرى.

دور الجيو- استراتيجيا
لكن، وطالما أن الصورة في موسكو وبكين على هذا النحو المُلتبس، وطالما أن الأمور لم (ولن) تصل إلى مرحلة نشوب حرب باردة جديدة، فلماذا برزت إذاً لحظة الاستقطاب الحاد هذه، والتي تُغذي الآن استقطاباً إقليمياً أكثر حدة في الشرق الأوسط بين الدول العربية (الخليجية أساساً) وبين إيران؟
السبب الرئيس جيو- استراتيجي على الأرجح، ومن الطراز الرفيع كذلك.
فبكين وموسكو، اللتان كانتا تراقبان بدهشة مشوبة بمشاعر العجز التطورات المتلاحقة في بلاد الربيع العربي، شعرتا أن الولايات المتحدة باتت على قاب قوسين أو أدنى من إحكام قبضتها على منطقة الشرق الأوسط الحيوية استراتيجياً والتي تقبض بدروها على قارة أوراسيا من خناقها، من خلال تحالف مُستجد مع الإسلام السياسي العربي في حلّته الأخوانية . وهذا مشروع بدا واضحاً في مصر وليبيا وتونس واليمن، ولم يبق أمامه سوى اسقاط الحلقة السورية تمهيداً لجعل نظام الملالي في إيران يختنق بأنفاسه الداخلية.
وبالطبع، إذا ما نجحت الولايات المتحدة بالاستفراد بالمنطقة وبإعادة تشكيلها على هذا النحو، فسيتم ليس فقط طرد روسيا من آخر موقع لها في الشرق الأوسط بل أيضاً محاصرتها "إسلاميا" في عقر دارها (منطقتا القوقاز والفولغا)، وفي ضواحي الدار في كل المناطق الإسلامية السوفييتية السابقة.
أما بالنسبة إلى الصين، التي لديها كذلك مخاوف من تحريك الأقلية المسلمة لديها ومن تمديد الربيع العربي إلى عقر دارها هي أيضا، فإن نجاح التحالف الأميركي مع الإسلام السياسي سيجعلها تخسر أهم معارك "حرب الموارد" التي تخوضها مع الولايات المتحدة في كل أنحاء العالم: من الخليج العربي إلى إفريقيا وصولاً إلى أميركا اللاتنية وألاسكا، الأمر الذي سيضعها تحت رحمة السيطرة الأميركية المطلقة على امدادات النفط التي باتت شحيحة في العالم.
هذه بعض أسباب الاستقطاب الدولي الحاد الراهن حول سوريا، والتي تتكشّف عن كونها جزءاً من مجابهة جيو- استراتيجية كبرى على رقعة شطرنج عملاقة تمتد من جبال القوقاز إلى شواطيء الخليج، ومن بحر الصين الجنوبي إلى البحر المتوسط.
وعلى رغم أن شد الحبال هذا لن يتحوّل كما أسلفنا إلى حرب، أو حروب، باردة جديدة، إلا أن عجز الولايات المتحدة (حتى الآن على الأقل) عن تهدئة غضب الروس والصينيين من عدم اشراكهم في مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الموسّع، قد يطيل أمد المجابهة حول سوريا (وأيضاً حول إيران).

سوريا الساحة
ماذا يعني كل ذلك بالنسبة إلى سوريا؟
أمر واحد: احتمال تحوُّلها إلى ساحة حروب دولية- إقليمية بالواسطة، تماماً كما كان لبنان في   1975 - 1989 مع فارق كبير: "الساحة" السورية يمكن أن تصبح بسهولة ساحة حرب إقليمية واحدة وكبيرة.
والواقع أن معالم سيناريو "الساحة" هذا باتت جلية للغاية: سيل ضخم من الأموال والأسلحة الروسية والإيرانية إلى النظام السوري، يقابله سيل ضخم من الأموال والأسلحة الخليجية (والغربية؟) التي بدأت تتدفق علناً إلى بعض قوى المعارضة السورية، جنباً إلى جنب مع مجابهات سياسية ودبلوماسية تمتد من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إلى تركيا وإيران ودول الخليج والمغرب العربيين والعراق ولبنان، مروراً بأصغر قرى درعا وإدلب وريف دمشق.
هل نسينا شيئاً ما هنا؟
أجل. إسرائيل.
طيلة السنة الماضية، كانت تل أبيب تنتهج سياسية "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية، كما الحكومة اللبنانية، على رغم أن وزير الدفاع باراك كان من أنصار الإجهاز على النظام السوري.
لكن هذه السياسة، التي فرضها رئيس الوزراء نتنياهو بدافع رئيس هو مواصلة الاحتفاظ بمرتفعات الجولان الاستراتيجية الهادئة منذ 40 عاماً والتي تزوّد إسرائيل بربع احتياجاتها من المياه، قد تتغيّر في حال اكتمل عقد الصراع الدولي على سوريا.
لماذا؟
لأن هذا بالتحديد هو دور الدولة العبرية منذ تأسيسها العام 1948: في البداية حماية المصالح الغربية في الشرق الأوسط، ثم التحوّل لاحقاً إلى رأس حربة ضد النفوذ السوفييتي إبان الحرب الباردة (وهذا تتوّج في حرب 1967).
والآن، بدأت تتعالى الأصوات في تل أبيب داعية إلى تركيز الجهود على إسقاط النظام السوري كمدخل لإسقاط النظام الإيراني. وفي حال أقنع الأميركيون نتنياهوبهذا الخيار، سيكون الدخول الإسرائيلي على خط الأزمة الدولية حول سوريا قد دخل حيّز التنفيذ.


تحذيرات "عاصفية"
إنها حقاً "عاصفة كاملة" تلوح في الأفق. وفصول هذه العاصفة بدأت تتكامل مع التحولات التي شهدها الوضع الداخلي السوري في الآونة الأخيرة، ليس فقط على صعيد تآكل قدرة النظام على حسم الأمور عسكرياً وأمنياً لصالحه، بل أيضاً على مستوى المرحلة الجديدة التي دخلتها قوى المعارضة السورية.
فقد أكد مؤتمر القاهرة الأخير، الذي نظمته الجامعة العربية (وقوى دولية أخرى من وراء الستار) أن أطياف المعارضة السياسية السورية غير قادرة على توحيد مواقفها بسبب مزيج من غياب روح السياسة والتسويات عن بلاد الشام طيلة 40 عاماً، ومن مشاعر "الأنا" المتضخمة لدى العديد من قادتها.
صحيح أن مؤتمر القاهرة خرج بوثيقتي حد أدنى حول المرحلة الانتقالية والميثاق الوطني الجديد، إلا أن الصحيح أيضاً أن "الخناقات" العنيفة التي شهدها المؤتمر في الخارج فيما ألسنة الحرب المدمِّرة تمتد إلى كل مكان في الداخل، سيؤدي إلى ضعضعة أي شرعية شعبية يمكن أن تحوزها المعارضة السياسية، وإلى تعزيز كبير لشرعية المعارضة المسلحة.
وهذا مايحدث الآن بالفعل، وعلى قدم وساق أيضا.
فالمعارضة المسلحة بدأت تصبح كياناً مستقلاً، على مستوى التسلُّح والتمويل والقرار السياسي، وباتت تقريباً هي التي تملك الكلمة الأخيرة حول مآل الانتفاضة السورية ومسارها.
لكن مشكلة معارضة الداخل لا تقل خطورة عن مشكلة معارضة الخارج. فالجيش الحر، وعلى رغم الجهود الكبيرة التي يبذل ليكون المظلة لكل المسلحين، لايسيطر في الواقع سوى على جزء من المجموعات المسلحة التي يقال أن عددها ناهز الـ300 مجموعة تنتمي إلى مشارب إيديولوجية ومناطقية وإقليمية مختلفة.
وهكذا، حذَّر تقرير لمؤسسة دراسات الحرب Institute for the Study of War  (مقرها الولايات المتحدة)، مؤخراً من أن التدفقات المتنافسة من الأموال والأسلحة يلحق الضرر بوحدة قوى المعارضة. وأضاف:" إذا لم تصبح هذه موارد الدعم المتباينة هذه منظمة ومسؤولة، فإنها قد تساعد على إلحاق الهزيمة بالأسد لكنها ستدمّر سورية في خضم ذلك".
                                * * *
هل اتضحت الآن معالم "العاصفة الكاملة" السورية، في الخارج كما الداخل؟
يفترض ذلك.
والحل؟
التاريخ يبحث الآن عن بطل تاريخي، أو حتى أبطال، لإخراج سورية من هذا الجنون الموصوف، ولإعادة التوازن إلى العقل السياسي السوري.
وحين يكون التاريخ في حالة بحث، لايسعنا إلى أن نضع أدينا على قلوبنا ترقباً وأملاً، وجزعا.
______________________________________________________


دراسات أخرى عن المعارضة المسلحة السورية:
 1- Disorganized Like a Fox
http://www.understandingwar.org/publications/commentaries/disorganized-fox
2- The Urban-Rural Stalemate in Syria
http://www.understandingwar.org/press-media/webcast/urban-rural-stalemate-syria-cbs-news
                                        http://www.understandingwar.org/
_________________________________________________________


الخميس، 5 يوليو 2012

هل ظهر "جُسَيم الله" في سويسرا?



سعد محيو
يقوم كاهن مسيحي بطرد الجُسيم هيغز- بوزون Higgs-Boson من كنيسته.
يقول له الجُسيم: لاتستطيع ان تطردني أو تتخلّص مني.
يسأله الكاهن: لماذا؟
يرد الجُسيم: لأنه من دوني، لا أنت ولا الكون برمته ستكونان موجودين. فأنا الذي أعطي كل مكونات الذرات وكل الأشياء كتلتها.

                                لوحة خيالية لاصطدام الجسيمات في مسرعِّ سيرن(عن الانترنت)
هذه النكتة سرت كالنار في الهشيم أمس واليوم في العالم، بعد أن أعلن 6000 عالم من 34 دولة أنهم اكتشفوا أخيراً الجُسيم هيغز- بوزون، أو مايُطلق عليه "جُسيم الله" لأنه قد يكون مصدر كل الكتل التي تتكوّن منها المادة المعروفة في الكون، بعد بحث متصل دام نيفاً وخمسين سنة.

حين "يتكلّم هيغز
الاكتشاف تم في مقر المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في سويسرا، التي تدير مسرّعاً للجزيئيات هو الأضخم في العالم، يتضمن عمله دفع البروتونات والنيوترونات في المسرّع (طوله 17 ميلاً) في إتجاهات معاكسة بسرعة تقارب سرعة الضوء، وبطاقة تبلغ 7 تريليون فولت. وحين تصطدم هذه ببعضها البعض توّلد حرارة تفوق آلاف المرات حرارة الشمس بما يشبه "الانفجار العظيم"، الأمر الذي سيمكّن العلماء من "رؤية" الحياة الداخلية للذرات، وفي مقدمها "جُسيم الله" في التريليون الأول من  الثانية الاولى للحظة الخلق.
هيغز- بوزون، الذي تنبأ بوجوده الفيزيائي النظري بيتر هيغز العام 1964 (الذي انفجر بالبكاء حين أعلن عن الاكتشاف)، أساسي للغاية في الكون لأنه في غيابه لايوجد شيء. إذ يعتقد أن هذا الجُسيم يخلق نوعاً من حقل القوة الذي يخترق كل الفضاء ويضخ الكتلة Mass  إلى الجسيمات الأخرى، مايجعل من الممكن وجود المادة والجاذبية.
يقول جو ليكن، وهو فيزيائي نظري في سيرن،:" نعرف أن الجُسيم هيغز- بوزون هو مركز كل شيء، ولهذا يدعونه "هباءة الله". فهو "يتكلّم" مع كل الجسيمات بطريقة أساسية". وحين تتفاعل الجسيمات الأخرى التي تشكّل مادة الكون- البروتونات، النيوترونات، الإلكترونات، وغيرها- مع حقل الهيغز، تتحصّل على سمة تُعرف بـ"الكتلة". وبالتالي فهو كالماء الذي يسبح فيه كل الكون.

أسئلة وجودية
الآن، وقد تأكد تقريباً أن هذا الجُسيم موجود بالفعل، ربما يكون الوقت قد حان لمحاولة الإجابة على بعض الأسئلة الوجودية الكبرى:
-       لماذا هناك فروقات بين المادة والمادة المضادة؟
-       هل هناك أبعاد أخرى في الكون غير الأبعاد الأربعة ، كما تقول نظرية الأوتار الفائقة التي تتحدث عن وجود 11 بعداً أو أكثر؟ (وبالتالي، هل هناك أكوان عدة موازية لأكواننا)
-       ما طبيعة المادة الداكنة والطاقة الداكنة؟
-       لماذا الجاذبية أضعف من القوى الثلاث الأساسية الأخرى في الطبيعة وهي الطاقة الكهرومغناطيسية، والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية القوية.
لن نكون نحن القراء العاديين غير المتخصصين في الفيزياء في وارد فهم  التفاصيل العلمية لهذه الأسئلة- المفاهيم. لكن، سيكون في وسعنا متابعة نتائجها النهائية، خاصة تلك التي تتعلق بنظريتين كلتيهما مشتقتان من  فيزياء الكم.
الاولى تقول أن الكون لايخرج إلى الشكل المحدد لوجوده، إلا إذا ما شاهده مراقب خارجي هو في حالتنا الراهنة الجنس البشري. بكلمات أوضح: الوعي البشري يلعب دوراً كبيراً في شكل الوجود، وهو ما تم إثباته في المختبرات حين تبّين أن فوتون الضوء يتصّرف كجزيء صلب إذا ما تمت مراقبته، وكموجة إذا لم يراقب. وهذا ما دفع زميل أينشتاين الفيزيائي جون ويلر إلى القول بأن الكون" هو مجرد "غيمة إحتمالات"، وأن الوعي الإنساني ، إضافة إلى تدخلات مادية خارجية أخرى، هو الذي يحدد أياً من هذه الإحتمالات سيتحّول إلى حقيقة.
الثانية تتحدث عن وجود لا كون واحد، بل عن نسخ لا متناهية من الأكوان المصفوفة بعضها إلى جانب بعض أو فوق بعضها البعض بدون أن يؤثر أحدها على الأخر، وإن كان الشبه كبير بينها.
مسّرع الجزئيات في جنيف سيكون قادراً على إضاءة بعض جوانب هذه الأسرار الغريبة خلال الأشهر القليلة المقبلة، بشرط أن يسير كل شيء على ما يرام، كما وعدنا العلماء الأوروبيون.

أين حجر الأساس؟
لكن، مهلا.
ربما يكون علماء سيرن حققوا بالفعل انجازاً علمياً ضخماً في مجال الفيزياء ماتحت الذرية، لكنهم لايعرفون بعد ممَ يتكوّن الجُسيم هيغز- بوزون، وهل هو مادة أم طاقة. وهذا ليس تفصيلاً بسيطا: إذ أن كل محاولات العلماء، من نيوتن إلى أينشتاين، لمحاولة العثور على "حجر أساس" مادي للكون، باءت بالفشل، حيث تبيّن أن الكون يتشكّل من حقول طاقة عملاقة تتفاعل في ما بينها في وحدة كاملة متسقة، لاوجود فيها للعناصر المادية الفردية المستقلة عن بعضها البعض.
الوجود، بكلمات أخرى، "فكرة " عملاقة" لا آلة عملاقة. و"جُسيم الله"، في حال تأكد نهائياً وجوده، قد يكون هو نفسه تأكيد لهذه الفرضية، لأن ماعثر عليه العلماء ليس الوجود المادي نفسه لهذا الجسيم، بل حقل طاقته الذي يتضمن الجزء في الكل والكل في الجزء.
كم كان الشاعر وليام بليك مُحقًا  حين قال:
كي تشاهد العالم في حبّة رمل،
والسماء مُجسَّدة في زهرة بريّة
إقبض على اللانهاية في راحة يدك
ومعها الأبدية في لحظة واحدة

 _______________________________________________________________

                                                                               

الأربعاء، 4 يوليو 2012

أسلحة الطاقة، الجزيئيات، ووحدات إمبراطورية "رومانية": هكذا ستُخاض حروب القرن 21




  



ما نوعية الحروب المستقبلية التي يعدها البنتاغون للعالم خلال السنوات القليلة المقبلة؟
إنها، ببساطة، تلك التي تبدأ بالعلم وتنتهي بالتكنولوجيا، أو ما يسمى الان بـ " الأسلحة الموجّهة بالطاقة ( القنابل الكهرومغناطيسية(E-bomb   ، سواء أكانت اللايزر، أو الموجات بالغة القصر، أو أشعة الجزيئيات.
هذه الأسلحة، كما يقول الخبير العسكري الأميركي دوغلاس بيزون، ( *)  " درامية ومدمِّرة وعميقة، إلى درجة انها ستغيّر الطريقة التي تشن فيها الحروب". وهي تتميز بالآتي:


n  السرعة الفائقة التي تمكنّها من الدوران حول الأرض أكثر من سبع مرات خلال ثانية واحدة. وهذا ما سيحيل كل أنواع الأسلحة الأخرى إلى متاحف التاريخ.
n  الدور الكبير الذي يمكن ان تلعبه ضد الثورات الشعبية. وهذا صحيح على الأخص بالنسبة إلى سلاح يدعى " النفي الفعال"   ( Active denial  ) . هذا السلاح، المستند إلى موجات الجزيئيات الدقيقة، يخترق جلد الثوار أو المتظاهرين في مساحة تبلغ 700 متر، ويجعلهم يشعرون بأن جسمهم كله يحترق، مع أن الحقيقة ليست كذلك، الأمر الذي يدفع الثائر إلى ترك كل شيء وإطلاق ساقيه للريح. البنتاغون يدعّي أن " النفي الفعال"  لايسبب أمراضاً سرطانية، لكنه لم يقدم دلائل حسية على ذلك.
n  القدرة على إسقاط الصواريخ البالستية التكتيكية مثل " سكود" ، كما الأمر مع سلاح اللايزر " كويل" الذي يمكن إطلاقه من طائرات بوينغ 747 المعدلّة.

اسلحة الطاقة
 خبراء وزارة الدفاع الأميركية يقولون أن التجارب على الأسلحة الموجّهة بالطاقة تجري على قدم وساق، وأن هناك الان بالفعل  سبعة أسلحة لايزر،  وسلاح " نفي فعال " واحد. ويضيفون أن الدول الأخرى لن تكون قادرة على اللحاق بسباق التسلح الجديد هذا قبل عقود.
إلى ذلك، يضيف الخبراء انه بعد نهاية الحرب الباردة، اكتشفت الولايات المتحدة ان غياب العدو الرئيس الوحيد عن ساحة المعركة ( الاتحاد السوفييتي) ، لم يعن تبخر التحديات التي  قد تبرز في أي مكان  بما في ذلك الداخل الاميركي ضد المصالح والزعامة الاميركية في العالم.
وهنا ولدت إستراتيجية الامن القومي الجديدة، والتي تطلبت في الدرجة الاولى بدء تغيير الجيش الاميركي من قوة نظامية الى وحدات إمبراطورية،  شبيهة الى حد ما بوحدات الحرس الامبراطوري الروماني التي كانت تتنقل في كل انحاء العالم لقمع تمردات "البرابرة ".
القوة الموضوعية
الجيش الاميركي بات يطلق على نفسه الان إسم " القوة الموضوعية "، ( للتمّيز  عن القوة الذاتية النظامية السابقة ) ، وهو يضع لنفسه الاهداف الاتية :
1-   العمل على نقل فرقة عسكرية اميركية الى أي مكان في العالم خلال 96 ساعة، لأن التحديات الامنية غير المتوقعة في العالم تتطلب مثل هذه السرعة. والنموذج هنا هو حرب أفغانستان.
2-   إتباع المرونة في التعاطي مع الانماط المختلفة من الحروب، حيث أن بعض  المجابهات تتطلب وحدات عسكرية كبيرة (العراق)، في ما تكفي مع  بعضها الاخر  الوحدات الصغيرة ( أفغانستان ، الصومال، الفيليبين  .. ألخ ) .
3-    بغض النظر عن طبيعة المهمة او المكان، يتعّين على وحدات الجيش الصغيرة التي ترسل بشكل روتيني الان الى ما وراء البحار، أن تتمتع بجهوزية  للتحرك في أي وقت، وإلى أي مكان.
4-   العمل على تطوير قدرات قوات الاحتياط الاميركية، كي تتمكن من مشاركة قوات الجيش في التدخل السريع في كل انحاء  العالم.
5-   وأخيرا، الحرص على خوض المعارك في إطار تحالفات عسكرية مع أصدقاء اميركا وحلفائها. فهذا لن يخفف فقط أعباء واكلاف التدخلات، بل سيسّهل أيضا على القوات الاميركية الحصول الى الشرعية الدولية الضرورية .

الامبراطورية تتكلم
في أي إطار يجب وضع هذا المشروع العسكري العالمي الطموح الذي تضعه الولايات المتحدة لنفسها ؟.
في إطار المفهوم الإمبراطوري بالطبع.
 ومع أن بعض  الأميركيين ما زالوا مترددين في وصف " القوة المفرطة " الأميركية على أنها إمبراطورية، إلا أن هذه التحفظات بدأن تنحسر بالتدريج لصالح ما يصفه محللون في واشنطن "حق الولايات المتحدة بأن تكون إمبراطورية عالمية ، بسبب قيمها ومبادئها إضافة الى قوتها" .
هذا، على سبيل المثال، ما يراه الجنرال وليان أودوم وروبرت دوجاريك ، مؤلفا كتاب "إمبراطورية اميركا غير المقصودة "، اللذان يشددان على أن الولايات المتحدة تهيمن على العالم بوسائل لم تعرفها الامبراطوريات السابقة أبدا. فالثقافة الاميركية تسيطر على كل مجالات الحياة في غالبية الدول. والقوة الاميركية هي قوة أكاديمية، وعلمية، واقتصادية، إضافة الى كونها عسكرية. وحقيقة أن الامبراطورية الاميركية برزت من دون قرار واع من جانب زعماء اميركا السياسيين، هو مايجعلها " إمبراطورية غير مقصودة "، لكنها في الوقت ذاته إمبراطورية "ضرورية" .
لا بل يقول محللون أميركيون آخرون أن الامبراطورية الاميركية ليست ضرورية وحسب ، بل لا غنى عنها أيضا. وهذه النقطة الأخيرة هي جوهر دراسة  نشرها المفكر الاميركي نيل فيرغوسون في دروية " فورين بوليسي  بعنوان " عالم من دون قوة  ".
فهو رسم صورة مخيفة عما  يمكن أن يحدث للعالم، إذا ما قررت الولايات المتحدة التخلي عن الزعامة  العالمية والعودة الى العزلة. وهو يرى ان البشرية ستعود حينذاك الى الحال الذي كانت عليه في القرنين التاسع والعاشر ميلادي، الذي شهد تراجع الامبراطوريات البيزنطية والاسلامية والصينية، وتفكك وتذرر العالم الى شظايا سياسية متحاربة  ومتقاتلة.
ويضيف (وهنا الأهم) ان السمة الرئيس لهذين القرنين، اللذين إنحسرت عنهما القوة الامبراطورية، هي غياب التوجهات العلمانية  وغلبة الصراعات الدينية على جداول الاعمال السياسية. ففي القرن التاسع، مزقّ الخلاف حول دور الايقونات في العبادة المسيحية الامبراطورية البيزنطية. وفي القرن الحادي عشر نشبت الحروب بين البابا وبين رأس الامبراطورية الجرمانية المقدسة حول من يحق له تعيين الاساقفة. وفي العالم الاسلامي حكم الأئمة ورجال الدين بشكل فعلي. وقد إنتهت هذه الحقبة  بحروب مقدسة غير عادية هي الحروب الصليبية  التي دشّنها الاوروبيون العام 1095.

الامتثال للقوة
الرسالة هنا واضحة: من دون هيمنة الامبراطورية الاميركية على العالم، وفي غياب أي بديل أو منافس جدّي  لهذه القوة المفرطة، سيغرق هذا العالم في ظلام قرون وسطى دامسة جديدة !.
ولتجنب هذا المصير ، سيكون على العالم الامتثال لأملاءات القوة الاميركية المفرطة، لا بل أيضا  الترحيب بالتدخلات الاميركية في كل مكان، بما في ذلك بالطبع التدخلات العسكرية.
والحال أن جميع فئات النخب الاميركية الحاكمة تبدو مقتنعة تماما بهذه الفكرة ، يستوي في ذلك الديموقراطيين كما الجمهوريين ، الليبراليين كما المحافظين، وحتى أيضا القوى اليسارية الاميركية المعادية للامبريالية التي ترى هي الاخرى ( كما في كتاب " الامبراطورية لنيغري) أن القوة الاميركية ليست لا إستعمارا جديدا ولا إمبريالية مستجدة ولا حتى طفرة قومية زائدة ، بل هي إمبراطورية من نوع جديد (عولمة) تدمج  العالم وتندمج به.
وبهذا المعنى، تصبح اميركا هي العالم، وتتحوّل قواتها الى فرق عسكرية في خدمة " إمبراطورية العولمة " في طبعتها الراهنة ، التي هي الوجه الآخر الحقيقي للأمركة.
قد يعجب هذا الكلام بعض أنصار العولمة ، وقد يثير غضب غالبية الاطراف  التي ترفض أن تكون " خدماً " في بلاط الامبراطورية الاميركية ( كما قال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ). لكن هذا لن يغّير من الأمر شيئا : القوة الاميركية المفرطة لن تقبل بأقل من الهمينة التامة على حديقتها العالمية الشاسعة. وبالتالي،   " الأف. بي. أي "  يجب أن ينظر أليها  من الان فصاعدا  على انها " أف. بي. أي " العالم ، وكذا الامر بالنسبة للجيش والمارينز وكل الفرق الامبراطورية الجديدة.
ومن لايعجبه ذلك، ستكون أسلحة اللايزر والجزيئيات والفرق الامبراطورية الرومانية جاهزة لاقناعه.
أو هذا على الأقل ما تلوِّح به روما القرن الحادي والعشرين؟

(* )Douglas Beason: E-bomb:  How America's new directed weapons will change the way future ways will be fought.





الثلاثاء، 3 يوليو 2012

المُعارضة المُسلحة السورية: "الأمر لي"


سعد محيو

هل تجاوزت الأحداث المعارضة السياسية السورية، على رغم الجهود الإقليمية- الدولية التي تُبذل حالياً بكثافة في مؤتمر القاهرة لكسو جسدها الهش ببعض العِظام؟.
يبدو أن الأمر كذلك. والسبب لايكمن فقط في العجز المدهش لقوى المعارضة السياسية السورية عن تجاوز صراعاتها الشخصية (الأنانية في الواقع) والإديولوجية وربما أيضاً المصلحية، بل أيضاً في الصعود السريع لنجم المعارضة المسلحة السورية.
فهذه المعارضة المسلحة مخلوق جديد يولد تحت أعيننا مباشرة هذه الأيام في الساحة السورية، وهو بدأ يدشّن بالفعل مرحلة مغايرة في التاريخ السوري الحديث. أنصارها يسمونها الثورة السورية ، فيما يسبغ عليها أعداؤها من سدنة النظام أوصاف "الأرهاب" و"الجماعات المسلحة الإجرامية" و"عملاء الخارج".


أهمية التسميات
التسميات مهمة بالطبع، على الأقل لأنها تُحدد مواقف الأطراف المتنازعة من مسألة التسويات أو الحلول السياسية. فحين يُقرر النظام أن المعارضة المسلحة "إرهابا"، تنعدم أي فرصة للحوار معها، ويصبح السيف أصدق أنباء من أي وساطات دولية- إقليمية أو محلية، بما فيها بالطبع تسوية مؤتمر جنيف الأخيرة التي يبدو أنها هي الأخرى ولدت ميتة.
وحين يقول أنصار المعارضة أنها ثورة شاملة، فربما يعنون كلهم (أو بعضهم) أن التسوية الوحيدة الممكنة هي تلك التي تعني إسقاط النظام الحالي بقضه وقضيضه.
لكن، ومهما كانت التسميات في هذه المرحلة، لم يعد في وسع أحد لا في النظام ولا في المعارضة السياسية الخارجية والداخلية، أن يقفز فوق الحقيقة بأن المعارضة المسلحة هزّت بقوة خلال الأسبوعين الماضيين الهيكل السياسي السوري بصفتها القوة الجديدة الصاعدة في مواجهة النظام، في وقت كان فيها المجلس الوطني السوري (في الخارج) وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير (في الداخل)، تعانيان من التآكل والضمور .
بالطبع، قد يكون من المبكّر القول أن المعارضة المسلحة  ستهمِّش بالكامل هاتين المعارضتين السياسيتين إلى درجة التفرّد بالنطق باسم الانتفاضة السورية. لكن، ليس من المبكر البتة الاستنتاج بأن اليد العليا من الآن فصاعداً ستكون لها، خاصة إذا ما تمكّنت من إفراز نخب قيادية متماسكة، وبرامج عمل واضحة حول مستقبل الوطن السوري، وأيضاً إذا ما نجحت (كما تحاول الآن) في توحيد المجموعات المسلحة في بوتقة تنظمية موحّدة، وصعَّدت عملياتها العسكرية النوعية كما يحدث الآن.
كتب ديفيد غاردنر(فايناشيال تايمز- 12 حزيران/يونيو): " اتضح في الأونة الأخيرة أن الجناح المسلّح من المعارضة السورية يتجه نحو التحوّل إلى ثورة منسّقة، فيما الجيش الرسمي يعاني من حال التعب والإرهاق وحتى انخفاض المعنويات".
وكتب مارك لاندر (نيويورك تايمز- 12 حزيران/يونيو): " الهجمات العنيفة الأخيرة لقوات الحكومة من الجو (عبر استخدام الحوامات)، جاءت على مايبدو رداً على تطور تكتيكات قوات المعارضة وأسلحتها، خاصة العتاد المضاد للدبابات الذي تلقته مؤخراً من تركيا، وكذلك رداً على تمكّن هذه القوات من السيطرة على مناطق شاسعة من سورية، كما أكدت ذلك الأمم المتحدة".
أي مضاعفات لهذه الولادة الجديدة، إذا جاز التعبير، على موازين القوى والصراع العام الراهن في سورية؟


قصة صعود
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. قبل ذلك، وقفة سريعة أمام التطويرات الأخيرة التي طرأت على طبيعة المعارضة المسلحة.

أولى هذه التطويرات برزت من خلال العمليات العسكرية واسعة النطاق التي قامت بها مجموعات المعارضة المسلحة مؤخراً من شمال سورية إلى جنوبها ووسطها، مروراً قبل أيام في قلب دمشق وريفها، والتي تشي بأن الأسلحة النوعية وصلت أخيراً إلى أيدي المعارضين كماً ويبدو نوعاً أيضا( الاسلحة المضادة للدبابات؛ أجهزة الاتصالات المتطورة الأميركية في الغالب، وحتى بعض الاسلحة المضادة للطائرات).
ثانيها، السيطرة الفعلية لقوات المعارضة على مساحات شاسعة من البلاد، ليس بسبب تفوّق هذه القوات على الجيش النظامي، بل لأن عديد العناصر المقاتلة في هذا الأخير المضمونة الولاء للنظام، غير كافية للحفاظ على السيطرة على المناطق التي تخضعها بالقوة.
كتب عمر العزم، استاذ التاريخ في جامعة أوهايو،: "تمتلك الحكومة السورية القدرة على استخدام القوة الكاسحة ضد معاقل المتمردين (كما حدث في بابا عمرو ومؤخراً في دوما)، لكنها غير قادرة على العمل في كل مكان في الوقت نفسه. يستطيعون التحرُّك وقمع منطقة بالدبابات، لكن حالما يغادرون تخرج هذه المنطقة عن سيطرتهم".
وهذا أمر طبيعي في الواقع. إذ يُقدّر أن هناك ما بين 30 ألفاً إلى 50 ألفاَ من الجنود والضباط المحترفين المضموني الولاء (لأسباب طائفية في الغالب) للنظام، يقومون منذ سنة وخمسة أشهر بعمليات عسكرية تغطي عملياً أكثر من 180 ألف كيلومتر مربع، فيما العديد من وحدات الجيش الأخرى قابعة في ثكناتها خوفاً من أن تقوم بالانشقاق عنه (انشق أمس الأول، الإثنين، 85 ضابطاً وجنديا). وهذا أدى، من جهة، إلى انهاك هذا القسم من الجيش المقاتل، وسهّل، من جهة ثانية، سيطرة المعارضين على مناطق واسعة وإن فقط من باب ملء الفراغ.
التطور الثالث تمثّل في تخلي المعارضين المسلحين عن استراتيجية الاحتفاظ بالأرض (كما فعلوا في حمص) وفي تبنيهم تكتيك حرب العصابات. وهذه كانت خطوة نوعية قد تكون لها مضاعفات خطيرة على مدى تماسك النظام، أو على الأقل على مدى قدرته على الصمود في مواجهة حرب أستنزاف مُنهكة في خضم معطيات ديمغرافية لاتصبّ في صالحه.
كي نتمثَّل وجه الخطورة في هذه المضاعفات، لنستمع إلى مايقوله جوزف هاليداي، الباحث في مؤسسة دراسات الحرب الأميركية، :" الجيش النظامي السوري يواجه الآن معضلة تشبه إلى حد بعيد معضلة الجيش الأميركي في العراق: فهو يملك قوة نارية متفوقة للغاية، لكنه مشلول ويفتقد إلى حرية الحركة بفعل حرب العصابات المتنقلة".

من هم؟
لكن، من هي هذه المعارضة المسلحة؟
الوجه البارز فيها هو بالطبع "الجيش السوري الحر"، الذي يتفق الجميع الأن على أنه صيغة تنظيمية فضفاضة للغاية تضم كلاً من العسكريين المنشقين عن الجيش والمدنيين المسلحين. عديد هذا التنظيم غير معروف وإن كانت المعلومات تشير إلى زيادات مطردة فيه، خاصة بعد ان بدأ يدفع رواتب للجنود والمقاتلين في بعض المناطق تتراوح بين 50 إلى 100 دولار شهريا.
لكن، إلى جانب هذا الجيش، هناك نحو 200 إلى 300 فصيل مسلّح يعمل كل منه بمفرده في مناطقه المحلية. ولم تبدأ الجهود سوى مؤخراً لإقامة مجالس عسكرية إقليمية تتواصل في ما بينها بشكل هرمي. ويبدو أن مثل هذه الجهود بدأت تثمر، على رغم أن ثمة حاجة إلى عمل كثيف أكثر في هذا الاتجاه.

تغيير المعادلات
نعود الآن إلى سؤالنا الأول لنقول أن المعارضة المسلحة بدأت تتحوّل بالفعل إلى ظاهرة ثابتة في الصراع الراهن في سورية. فهي تجاوزت عنق زجاجة ردات الفعل التي كانت عليها في الشهور الماضية، وانتقلت إلى الفعل شبه المنظّم، في شكل عمليات عسكرية (أضرب وأهرب أساسا) غاية في النوعية، كان آخرها أمس الأول المعارك التي دارت في قلب دمشق والتي دامت نيفاً و12 ساعة متصلة.
قد يقال هنا أن التعدد الكبير في صفوف المعارضة وعدم قدرتها على الاحتفاظ بسيطرة ذات ديمومة على الأرض، قد لايكون في مصلحتها على المديين المتوسط والبعيد. وهذا صحيح. لكن هذا التعدد أيضاً ليس في صالح النظام، الذي لم يستطع طيلة الفترة الماضية القضاء على الانتفاضات عبر خنق رأسها (كما فعل في حماه العام 1982). فالمعارضة لا رأس واحداً لها. وهذا ما يجعل الآن شعار "الجراحة العسكرية" التي يطرحها الرئيس بشار الأسد صعباً إن لم يكن مستحيلاً. فالجراحة يمكن أن تجري على جسم واحد، لا على مئات الأجسام التنظيمية  التي تستقطب مئات ألوف الناس.
ثم أن نجم المعارضة المسلحة في حالة صعود. لا بل يتوقع، في حال استمرار تدفق المنشقين والسلاح والمال عليها كما هو منتظر، أن تتضخم هذه المعارضة لتصبح جيشاً جرارا قد لايمتلك القوة النارية للجيش النظامي وقد لايكون قادراً على الزحف على دمشق لاسقاط النظام (كما فعل الثوار الليبيون)، لكن في مستطاعه تغيير قواعد اللعبة في البلاد، وتغيير موازين القوى السياسية- الاجتماعية في سورية.
جيفري وايت، وهو مسؤول سابق في وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية، يؤكد على هذه النقطة الأخيرة بالقول أن "الثوار لن يستطيعوا إخراج النظام من دمشق. لكن الضربات المتواصلة التي تتخذ شكل حرب العصابات على مواقع الجيش وقوافله، تزيد من حدة الاستنزاف لهذا الأخير وتفاقم عمليات الانشقاق عنه".
هذه النقطة الأخيرة، أي الانشقاقات، هي على الأرجح الهدف الأول والرئيس للمعارضة المسلحة. فهي تعي أنها غير قادرة على إلحاق الهزيمة بالجيش المقاتل، لكن في وسعها ضعضته بشدة إذا ما حملت الفرق والكتائب التي لايستخدمها النظام في القمع (خوفاً من انشقاقها) على الانضمام إلى صفوفها.
 هذا على الصعيد العسكري.
أما على  المستوى السياسي- الاجتماعي، قد تكون ثمة أبعاد أخرى. إذ لايجب أن ننسى هنا أن وجود بعض الضباط والجنود من الأقليات العلوية والمسيحية والدرزية في صفوف المعارضين المسلحين، لاينفي الحقيقة بأن الغالبية الكاسحة لهؤلاء الأخيرين هم من السنّة. وهذا يعني أنه مع التضخم المتوقع لقوى المعارضة المسلحة (يقال أن عدد الثوار بلغ الآن مائة ألف) والانشقاقات المتوقعة أيضاً عن الجيش النظامي، سيكون لدينا في الواقع بعد فترة قصيرة "جيشان" سوريان متواجهان، تدعمهما قوى دولية وإقليمية متواجهة ومتصارعة.
ولأن كلاً من النظام الحالي والمعارضة السياسية السوريين يرفضان أي حل وسط بينهما (الأول يتبنى الشعار الماروني اللبناني الشهير "ما لنا لنا، وما لكم لنا ولكم"، والثانية تتطلع إلى قلب النظام بالكامل)، لايبقى سوى الرهان على خروج قيادات من هذين "الجيشين" تعترف باستحالة تحقيق نصر كامل على الطرف الأخر، وتتحرك لانتاج توازن سياسي وطني جديد بين كل مقومات النسيج السوري، استناداً إلى وفاق دولي ربما تكون ولادته قريبة (لكن ليس قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية) بين أميركا وروسيا
داخل الطائفة العلوية، يبدو أن هذا التحرك بدأ بالفعل، كما أشارت قبل أيام نيويورك تايمز. يبقى أن يحد أمر مماثل في الطائفة السنّية. وإذا ما حدث ذلك، قد يكون العنف السوري المُعارض الراهن من قبيل "الضارة النافعة".

_______________________
تقارير أخرى عن الأزمة السورية:
1- تحليل لرولا خلف في "فايننشال تايمز": الرئيس بشار الأسد بات جزءاً من الماضي، ومسألة تغييره وتغيير النظام لم تعد سوى مسألة وقت:

2- مراسل البي. بي. سي إيان بانيل أمضى أسابيع في شمال سوريا مع الثوار، وأورد تقريراً أشار فيه إلى أن هؤلاء الأخيرين بدأوا يطوّرون تكتيكاتهم في حرب الغوار مع استلامهم أسلحة جديدة، لكن هدفهم الأول لايزال كما هو: شق الجيش السوري:

3- مجلة تايم نشرت تقريراً عن "الشبيحة". من هم؟ وماذا يفعلون:
                        _______________________________________


الاثنين، 2 يوليو 2012

إيران: من " الإسلام الجمهوري " إلى "جمهورية الكازينو"






سعد محيو
إيران من "الجمهورية الإسلامية" إلى "جمهورية الكازينو"؟
هذه ليست مزحة. فما يجري الآن في بلاد الخميني، لايقل عن كونه انقلاباً كاسحاً وفق كل المعايير: من أرض الحليب والعسل والمساواة التي وعدت بها الثورة الإسلامية، إلى أرض العوز والفروقات الطبقية الصارخة بين طبقتي الحكام والمحكومين.



الصرخة الأخيرة التي حاولت إعادة إيران إلى عالم المُثُل الخمينية، انطلقت من حنجرة محمود أحمدي نجاد حين تسلّم صولجان سلطة الرئاسة في 3 آب/أغسطس 2005، ووعد الإيرانيين برفع مستوى معيشتهم، وتوزيع الثروة النفطية عليهم، ومكافحة الفساد.  
بيد أن أياً من هذا الحصرم  لم يتحَول إلى عنب. فالبؤساء إزدادوا بؤساً. والتضخم الفعلي تجاوز نسبة الـ 25 في المائة التي تتحدث عنها الحكومة. ونسبة الفقر المُطلق بين سكان المدن إرتفعت إلى 30 في المائة، والفساد بقي مستشرياً في معظم دوائر الدولة والإدارات. هذا في حين قفز عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 7 ملايين. وفي ظل الحصار الإقتصادي الدولي الراهن، ليس من المتوقع أن يغامر أحد بالإستثمار في إيران( بما في ذلك حتى في قطاع النفط)، ما يعني أن الإقتصاد قد ينتقل من سيء إلى أسوأ، مضاعفاً صعوبات الوضع المعيشي لغالبية المواطنين.
وجاءت العقوبات الأوروبية الأحد الماضي على صادرات النفط الإيرانية لتزيد الضغوط الهائلة على كلٍ من الاقتصاد والعملة الإيرانية. فقيمة الريال انخفضت بمعدل شاهق هو 50 % مقابل كل العملات الأجنبية خلال عام واحد، وسعر الخبر قفز 18 ضعفاً منذ رفع الدعم عنه العام 2010.
والآن، بعد أن شوّه التضخم والفساد عملية التنمية، بات الاقتصاد الإيراني يعتمد هذه الأيام على المضاربات، ويتحوّل إلى كازينو حقيقي يُحقق فيه النافذون وأتباعهم (المطلعون على المعطيات المتعلقة بتذبذب الريال) ثروات فورية طائلة، فيما يخسر العديد من المحكومين جنى أعمارهم بين ليلة وضحاها.
الرابحون من اقتصاد الكازينو يقتنون سريعاً سيارات "البورش" التي سُمح للموسرين باستيرادها، فيما الخاسرون ينضمون إلى صفوف الجائعين والعاطلين عن العمل. ويعلّق حسين راغفار، وهو اقتصادي في جامعة الزهراء بطهران، على هذه الظاهرة بالقول:" سيارات البورش هي أكبر دليل على أن بعض الناس يستفيدون من الأوضاع السيئة للاقتصاد. الكل في إيران أصبحوا مضاربين".

"إيران الخفية"
حسنا. إلى أين من هنا؟
"إيران الخفية" * ( Hidden Iran )  كتاب قيَم لراي تقيه ، الباحث الاميركي من أصل إيراني في "مجلس العلاقات الخارجية"، تتمحور فكرته الرئيسة حول مسألة واحدة: كيف تفسَر التنافسات الداخلية الإيرانية سلوكيات هذه الدولة في المجالين الإقليمي والدولي؟ .
يقول تقيه، في مقدمة كتابه: "هناك إيران خفية تختفي وراء إيران الظاهرة التي نرى إليها أو نسمع عنها. إيران تتنافس فيها الفصائل السياسية- الإيديولوجية المختلفة على السلطة والنفوذ والثروة، ويفقد خلالها السياسيون حظوة القيادة العليا ليعادوا الظهور بعدها يسنوات أقوى مما كانوا، ويقوم بموجبها المتشددون والبراغماتيون والإصلاحيون بموازنة بعضهم البعض داخل السلطة".
إنها نفسها لعبة الشطرنج التي يقال أن الفرس إخترعوها، لكن هذه المرة الرقعة الشطرنجية تشمل كل الوطن الإيراني بكل مقوماته ومؤسساته.
لكن إيران الخفية هذه قد لاتبقى "خفية" طويلا. إذ  أن تضعضع المُثُل الثورية الإسلامية شيء يمكن التسامح معه، وإن على مضض. لكن انقلاب هذه المُثُل- الحلم إلى كوابيس اقتصاد الكازينو، هو أمر قد لاتتساهل معه الأمة الإيرانية بسهولة. إذ هي لم تقم بثورتها الملايينية العام 1979 كي يغتني بضع أفراد على حساب هؤلاء الملايين.
* * *
خلال ندوة عقدت في واشنطن مؤخراً حول النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، اشترك فيها كاتب هذه السطور مع أحد مستشاري الإمام خامنئي، جرى الحوار التالي على طاولة عشاء على هامش المؤتمر:
قلت له" هل ماتفعلونه في إيران صائب؟
- ماذا تقصد؟
اقصد: ألم يكن أفضل لكم أن تركزوا على التنمية الداخلية، كما فعلت الصين، بدل الدخول في "سباق تسلح" وصراع على النفوذ الإقليمي مع دولة عظمى تساوي ميزانية أجهزة المخابرات فيها ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لديكم؟ ألم تتعظوا من تجربة الاتحاد السوفييتي الذي خاض غمار تجربة مماثلة لتجربتكم؟
- ثمة تيار في السلطة الإيرانية (وأنا منهم) يرى ماتقول. لكن، يبدو أن المجابهة مع الغرب خلقت مصالح خاصة بها في الداخل الإيراني بحيث بات من الصعب العودة إلى الخيار الذي تتحدث عنه.
بعد سنتين من هذا الحوار مع المسؤول الإيراني، أدركت ما كان يعنيه بحديثه عن "المصالح الخاصة". إنه كان يعني على الأرجح تحوّل الثورة الإسلامية إلى "جمهورية كازينو".
_________
(*)
HIDDEN IRAN: PARADOX AND POWER IN THE ISLAMIC REPUBLIC. RAY TAKERH. TIMES BOOKS, 2006
.

________________________________________________________

الأحد، 1 يوليو 2012

لماذا انفجر الصراع المفتوح بين السعودية وإيران؟






حرب باردة حقيقية في منطقة الخليج
لماذا المجابهة المفتوحة
 بين السعودية وإيران؟

سعد محيو
هل ثمة علاقة ما بين إندلاع مايمكن ان يكون "حرباً باردة" بين السعودية وإيران على ضفاف الخليج، وبين الربيع الديموقراطي في الشرق الأوسط؟
السؤال، للوهلة الاولى، قد يبدو غريبا. وهذا أمر متوقع: فالصراع بين البلدين كان مستعراً أصلاً، منذ ان انتقلت إيران من كونها الحليف الأكبر للولايات المتحدة في منطقة الخليج إلى عدوها الأكبر بعد انتصار الثورة الإسلامية فيها العام 1979. ومنذ ذلك الحين، انغمست الرياض وطهران في حمأة مجابهات تراوحت بين الحروب بالواسطة، كما حدث إبان الحرب العراقية- الإيرانية (198-=1988) التي دعمت فيها السعودية بقوة الرئيس صدام حسين، وبين "المجابهات الودية" في عهدي الرئيسين رفسنجاني ونجاد.




بيد أن العلاقات تدهورت مع وصول الرئيس أحمدي نجاد إلى السلطة، بعد ان ارتدت السلطة الإيرانية حلّة إيديولوجية دينية كاملة، فردت عليها مملكة السعوديين بالمثل. وهكذا تبلورت حرب باردة حقيقية بين الطرفين على النمط الأميركي - السوفييتي، تضمّنت العدة الكاملة لمثل هذه الحرب: الجواسيس ضد الجواسيس؛ حملات التضليل الإعلامي؛ الصدامات بين القوى التابعة لهما (في لبنان والعراق، والآن في سوريا)؛ اتهامات سياسية متبادلة وحادة؛ وتراقص على حافة صدامات لايستبعد البعض ان تصل حتى إلى المستوى العسكري.
وعلى الصعيد الإديولوجي، كانت الحرب الباردة لاتقل حدّة وعنفاً. فقد لاحقت المخابرات السعودية "المبشّرين الشيعة" الإيرانيين في المغرب وأبلغت السلطات في الرباط عنهم، فأدى هذا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية المغربية- الإيرانية. كما وصلت المجابهات إلى إندونيسيا حيث يتسابق الطرفان السعودي والإيراني الآن على كسب قلوب وعقول المواطنين الإندونيسيين، عبر ضخ مئات ملايين الدولارات في المجتمع المدني الإندونيسي للترويج للصيغتين السنيّة والشيعية للإسلام.
بيد أن نقطة الصدام التي دفعت الحرب الباردة إلى السطح، كانت الانتفاضة الشعبية في البحرين. إذ كانت الثورة الشعبية في بلاد القرامطة انطلقت مع غياب ملحوظ للشعارات الطائفية ومع تركيز على الإصلاحات الدستورية. لكن، حين أوحت بعض جهات في السلطات البحرينية أنها على وشك الرضوخ للعديد من مطالب المُنتفضين، على غرار ماحدث في تونس ومصر، تدخلت قوات درع الجزيرة  فتحوّلت الانتفاضة الشعبية بين ليلة وضحاها إلى عراك إقليمي علني وعنيف بين الرياض وطهران.
وقبل البحرين، كانت السعودية ترى أصابع إيرانية واضحة في الثورة الشعبية اليمنية، خاصة في أوساط الحوثيين، فتحرّكت للإمساك بمفاصل الوضع هناك لمنع التمدد الإيراني، عبر توثيق العلاقات المالية مع العديد من القبائل اليمنية ولعب دور الوسيط بين الرئيس السابق علي صالح والمعارضة.
ثم هناك بالطبع لبنان، الذي ترتدي فيه المجابهة بين تياري 8 و14 آذار/مارس، طابع الصراع الصريح والمباشر بين السعودية وإيران، منذ أن نجح حزب الله في إطاحة حكومة سعد الحريري الموالية للرياض.
ويبقى الانتظار لمعرفة كيف ستكون خواتيم هذا التنافس السعودي- الإيراني في سوريا، التي  تحوّلت هي الأخرى إلى نقطة صدام كبرى بين الطرفين تستخدم فيها كل أنواع الأسلحة، بسبب الدور المحوري الذي تلعبه بلاد الشام في استراتيجيات الشرق الأوسط.

لماذا الآن؟
 هذه المعطيات تشي أن السعودية وإيران كان لديهما منذ ثلاثة عقود كل الأسباب والمبررات كي تنغمسا حتى الثمالة في حمأة حرب باردة. بيد أن السؤال هنا هو: لماذا قرر الطرفان في هذه المرحلة بالذات تحويل الصراع الخفي بينهما إلى صراع علني، وأن يستخدما كل أسلحة الحرب الباردة الإعلامية والسياسية والاستخارية دفعة واحدة؟
نترك الإجابة للكاتبين الأميركيين بيل سبيندر ومارغريت كوكر ("وول ستريت جورنال"- 16 نيسان/إريل 2011)
قالا: " إذا ماكانت إيران والسعودية تريان نفسيهما تردان على تهديدات خارجية، إلا أن العديد من المحلليين والدبلوماسيين، وأنصار الديموقراطية، يرون مشهداً أكثر تعقيدا. فهم يقولون أن تصعيد التوترات الإقليمية له دافع آخر لدى الطرفين: الخوف من الديموقراطية.
فقبل وقت طويل من اندلاع الاحتجاجات التي أطاحت برئيسين في العالم العربي، خاض النظام الإيراني معارك شوارع طاحنة ضد المتظاهرين والمحتجين الإيرانيين المطالبين بالحرية قبل نحو السنتين. ومع أن السلطات الإيرانية إدّعت ان الثورات العربية هي نسخة عن ثورتها هي العام 1979، إلى أن أنصار الثورة الخضراء المعارضين نجحوا في الالتحام مع الثورات العربية وقاموا بأكثر تظاهرات لهم منذ أكثر من سنة.
السعودية، من جهتها، تحرّكت بسرعة لتجنّب وصول مد الثورات المدنية إليها، فنثرت فوق المجتمع السعودي أكثر من 230 مليار دولار، وأبقت عينها ساهرة على المنطقة الشرقية الغنية بالنفط التي تتواجد فيها أقلية شيعية ولكن نشطة، وأتبعت ذلك بحملات إعلامية واسعة النطاق لتؤكد أن النظام السعودي محصّن ضد الثورات على النمطين التونسي والمصري والليبي، وأخيراً السوري.
لكن، يبدو أن الخطوة الأهم التي اتخذها النظامان السعودي والإيراني معاً هو تغيير النقاش: من الحرية والثورات الديموقراطية، إلى الصدامات الإقليمية والصراعات الطائفية السنّية- الشيعية.
لكن، هل ينجح هذا التكتيك  في تجنيب النظامين رياح التغيير العاتية في الشرق الأوسط؟

.. ولكن؟
ربما، في حال استمر تصعيد الحرب البادرة وتحولّت في بعض الأحيان إلى حروب صغيرة أو كبيرة ساخنة.
لكن حتى مع ذلك، فإن الصراع الإقليمي لن يوقف عجلة التغيير ولو أخّره بعض الوقت. فالقرار بتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط والانتقال من مرحلة الاعتماد على استقرار الأنظمة السلطوية إلى الاعتماد على استقرار المجتمعات المدنية (عبر الديموقراطية وحكم القانون)، هو قرار دولي اتخذ على أعلى المستويات، وتشارك فيه ليس كل أو معظم الدول الكبرى وحسب، بل أيضاً قوى العولمة المتمثّلة في الشركات متعددة الجنسيات التي تريد ان ترى سوقاً شرق أوسطياُ واحداً له 750 مليون مستهلك. وهذا لايكون إلا بإعادة تنظيم المنطقة على أسس ديموقراطية وليبرالية جديدة.
وتبعاً لذلك، الحرب الباردة بين السعودية وإيران، قد تثبت في نهاية المطاف أنها ليست أكثر من سحاب صيف عابرة، دخلت خطأ المجال الجوي لربيع شرق أوسطي عابق بالتحولات والتغيرات المتواصلة، أو أنها زوبعة في فنجان واحد فيما المنطقة تموج بآلاف الفناجين الداخلية المُتمخِضة والمُتفجِّرة.