للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الأربعاء، 21 يناير 2015

التغيير في السعودية كيف ومتى؟


التغيير في السعودية:  كيف ومتى؟
(محاضرة ألقاها سعد محيو في المؤتمر الـ13 لمؤسسة الفكر العربي- المغرب، 2-5; كانون الأول/ديسمبر 2014)
______________
اسمحوا لي، بداية، بطرفتين في شكل اعتذارين:
الأولى، مسألة الصوت، حيث أن أحد الزملاء الأعزاء المشاركين في هذا المؤتمر، أهداني بكل الجود والكرم الممكنين، رزمة كاملة وسخية من فيروسات الانفلونزا، فأثّر مشكوراً على صوتي.
والثاني، أن حديثي معكم سيكون صريحاً وواضحاً ومخلصاً، ولذا آمل وأرجو وأصلّي أن ينزل كلامي برداً وسلاماً، بقدر الامكان، على صدور البعض، خاصة صدر الاستاذ ضاحي خلفان.
وأخيراً، أود أن أوضح أني أتحدث هنا باسمي وعلى مسؤوليتي الخاصة وليس باسم مؤسسة كارنيغي.
_____________________________
ألبرت إينشتاين اعتاد أن يقول: أنت لاتستطيع أن تحل المشاكل الجديدة بوعي قديم.
لكن يبدو أن المملكة السعودية ودول الخليج لاتفعل الآن سوى ذلك، أي محاولة حل المشاكل الجديدة، وهي بالمناسبة مشاكل ضخمة وشائكة بالفعل، بنمط وعي قديم يستند أساساً إلى "شراء" الحلول، وإلى الاقتصار على المخارج الامنية البحتة.  الجديد الوحيد في هذه السلوكيات هي السياسا الهجومية الإقليمية التي تخوضها دول الخليج، خاصة السعودية ودولة الإمارات وقطر، من ليبيا ومصر إلى سورية والعراق ومن مالي إلى اليمن، والتي تذكّر إلى حد بعيد بالثورات المضادة التي قامت بها الملكيات الأوروبية المحافظة في القرن التاسع عشر.
على الصعيد الآني والفوري، يبدو هذا التوجّه منطقياً أو على الأقل واقعيا. ففي الميزان مسألة صراع البقاء وسط متغيرات دولية وإقليمية ومحلية مدوّخة، كما سنرى بعد قليل. وفي مثل هذه الحالة، أفضل دفاع هو الهجوم. أو هذا على الأقل ما يقوله الوعي القديم لدى النخب الخليجية الحاكمة، ويدفعها إلى تطبيق السياسات القديمة نفسها التي ثبت في السابق نجاعتها. أي: "شراء" الأمن بأموال النفط، ومقاومة التغيير في الخارج الإقليمي، وتجميد الإصلاحات في الداخل المحلي، وبناء منظومة التحالفات الإقليمية على هذا الأساس، من مشروع الاتحاد الخليجي المتعثر إلى تأسيس القيادة العسكرية المشتركة، مروراً بمشروع التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والأردن.
بيد أن سياسات الوعي القديم هذه لاتأخذ في الاعتبار، وعلى نحو خطر للغاية، المتغيرات الساحقة الجديدة في الساحات الدولية والإقليمية والمحلية:
المتغير الأول كان بالطبع مضاعفات أحداث 11 سبتمبر 2001 التي غيّرت الولايات المتحدة إلى غير مارجعة، بغض النظر عمن يقطن في البيت الأبيض. إذ هي أنهت عملياً التحالف الذي دام زهاء 70 عاماً بين الاسلام السعودي وواشنطن، والذي أبرمه الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت في البحيرات المرة في 14 شباط فبراير 1945 على متن البارجة الأميركية كوينسي. وكانت الحصيلة بدء بحث الولايات المتحدة عن "إسلام بديل" توجته لاحقاً بالصفقة مع جماعة الإخوان المسلمين منذ العام ،2005 ثم بخطابي أوباما الشهيرين في اسطنبول والقاهرة.
صحيح أن فشل تجربة الإخوان في الحكم في مصر وانحسارهم الطوعي في تونس، فرمل المشروع الأميركي الجديد، إلا أنه من المستبعد للغاية أن يعيد عقارب الساعة مجدداً إلى صباح 14 شباط فبراير 1945.
المتغّير الثاني هو بسط امبراطورية العولمة الرأسمالية النيو ليبرالية هيمنتها الكاملة على كل انحاء المعمورة، حاملة معها شروطاً لاتتطابق مع طبيعة الأنظمة السياسية- الإديولوجية الخليجية الراهنة، أبرزها فتح الأبواب والنوافذ أمام التدفقات الثقافية للعولمة، وحكم القانون والشفافية، والاهم تكييف المفاهيم الإسلامية مع متطلبات السوق الليبرالية اقتصادياً وديمقراطيا. وهذا التكيّف هو بالتحديد ماتفعله الآن الإسلامات التركية والماليزية والاندونيسية، وماقد يفعله الاسلام الإيراني إذا ما أبرم "صفقة نيكسونية" مع اميركا، وأيضاً ما تفعله الهندوكية في الهند والطاوية- الكونفوشيووية في الصين، ومافعلته قبلها المسيحية البروتستانتية في الغرب.
المتغيّر الثالث هو بروز ما أسماه المفكر اليميني بريجينسكي ثورة "الشارع السياسي" في العالم، وما أطلق عليه المفكران اليساريان نيغري وهارت "ثورة الجمهور" تيمناً بفكر الفيلسوف سبينوزا، وهي الثورة التي انزلت الجمهور العربي إلى الشوارع، وقد تعيدها إليها في كل لحظة تشعر فيها أن مطالبها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لم تتحقق، خاصة في مصر التي تتراقص الأن على شفا "كارثة إنسانية" وفق تعبير فايننشال تايمز.
إلى جانب هذه المتغيرات الكبرى، هناك متغيرات أخرى لاتقل خطورة تتجسد في أزمات الماء والطعام، وتآكل البيئة الطبيعية، وتغيُّر المناخ، والضغوطات الديمغرافية الهائلة مع الطفرة في أعداد الشباب، والعجوزات في البنية الاقتصادية.  وهذه المعطيات تتقاطع مع التهديدات التقليدية المتمثلة في انفجار العديد من الدول العربية، وتفاقم الصراعات الإقليمية في شكل صراع سني- شيعي، وصعود العنف الأصولي، ومخاطر انتشار الأسلحة النووية. كل هذه العوامل تفرض ضغوطاً شديدة  وغير مسبوقة على طبيعة العقد الاجتماعي الراهن في كل الدول العربية، لكن خاصة في دول الخليج.
الآن، إذا مااعترفنا بأن طبيعة المشاكل والتحديات تغيّرت بشكل راديكالي وجذري، نأتي إلى السؤال: أي وعي جديد يجب أن يبرز ليطرح الحلول لهذه المشاكل الجديدة؟
إذا ماكنا نتحدث عن دول الخليج، لكونها الآن في قمرة قيادة المنطقة العربية، فإن أول مايجب أن نعترف به هو أن التغيير الإصلاحي يجب أن يتم على أيدي النخب الحاكمة نفسها، على عكس ماقد يجري في العديد من الدول العربية. لماذا؟ لأن هذه النخب تعتبر جزءاً عضوياً (وفق المفهوم الغرامشي) من البنية القبلية- الاجتماعية الخليجية. وهي حازت من هذا الموقع على شرعية تاريخية تمتد أحياناً إلى قرون عدة، ثم جاءت ثروات النفط لتعزز هذه الشرعية الاجتماعية بالعصبية المالية.
وبالتالي، الصراع في منطقة الخليج الآن ليس بين نخب جديدة تسعى إلى السلطة والثروة وبين نخب قديمة حاكمة، بل في داخل هذه النخب نفسها وفي مدى قدرتها على التأقلم مع المتغيرات. فالبديل هنا لرفض التغيير والتطوير والإصلاح هو تغيير الخرائط، وليس تغيير أنظمة الحكم، تماماً كما يحدث حالياً في سورية.
ثورة الوعي التي يجب أن تحدث من داخل النخب الحاكمة، يُفترض أن تواكب التغيرات الخارجية الكاسحة بسلسلة بسلسلة انتقالات ندّعي بتواضع أنها على النحو الآتي:
أولاً، الانتقال التدريجي من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية، ومن شرعية "الرعايا"، بقيادة عصبية دينية لاتاريخانية، إلى شرعية المواطنة الشاملة وحكم القانون والشفافية والدولة المدنية الحديثة. وهذه كلها، أو معظمها، باتت من شروط العولمة.
ثانياً، الانتقال إلى ثورة روحانية في الإسلام، تمكّن "الاسلام العربي" المُنفتح والمتسامح تاريخياً، والذي تعبّر عنه بشكل رائع الآيات المكّية في القرآن الكريم، من التنافس مع إسلامات تركيا وإيران والإخوان المسلمين والسلفيين الجهاديين وغير الجهاديين. من دون مثل هذه الثورة، سيخسر كل العرب المعركة الكبرى الراهنة لتحديد طبيعة الإسلام الذي سيكون جزءاً من النظام العالمي المتعولم الجديد.
ثالثا، إعادة الاعتبار للهوية العربية، بصفتها أنجع لحمة في داخل المجتمعات العربية التعددية وبين الدول العربية. لكن ليس أي عروبة، بل تلك التي تفيد من كوارث العروبة "الرومانسية" السابقة التي انجبت معظم الديكتاتوريات في المنطقة. عروبة تشبك مجدداً الهوية العربية بالحرية وحقوق الانسان والديمقراطية والتعددية والاعتراف بالهويات القومية الأخرى، وتبث الروح مجددا في جسد النظام الاقليمي العربي المتهالك، أنظمة وشعوبا.
رابعا، الانتقال من منطق "شراء" التحالفات مع الدول العربية الإخرى، كما يُطرح الآن من خلال فكرة التحالف الخليجي مع مصر والمغرب والإردن، إلى منطق الاتحاد والتكامل الحقيقييين لكل الدول العربية. وهذا في إطار برامج محددة لاطلاق طاقات الانتاج والزراعة والصناعة والعلوم والتكنولوجيا، الكفيلة وحدها بمجابهة العاصفة الكاملة من عجوزات الغذاء والماء وانقلابات البيئة والتي تهدد خلال سنوات قليلة بكارثة إنسانية هائلة في المنطقة العربية.
خامساً، وأخيرا، الانتقال العربي إلى مرحلة المبادرات التاريخية الكبرى، من خلال الدعوة إلى وقف الحروب القاتلة بين مكونات الشرق الأوسط التاريخية، والعمل، بدلاً من ذلك، حتى على إقامة كونفيدرالية عربية- تركية- إيرانية- كردية- يهودية على نمط الاتحادين الاوروبي أو السويسري . هذا في الوقت  نفسه الذي يجري فيه العمل على تنويع العلاقات الدولية للمنطقة العربية بما يواكب المتغيرات السريعة في النظام العالمي، خاصة منها تلك المتعلقة بصعود الشرق الآسيوي ومجموعتي العشرين والبريكس إلى قمرة القيادة العالمية.
***
هل هذه الاقتراحات مجرد أضغاث أحلام في ليلة صيف ساخنة؟
أجل!
لكن المفارقة هنا أنه من دون هذه الاحلام، سيعاين العرب (وهم يعانون بالفعل الآن) كابوساً أو حتى كوابيس متصلة قد لاتخطر على بال. فالمنطقة تعيش حالياً في مرحلة شبيهة للغاية بمرحلة الحرب العالمية الأولى التي انهار بعدها الباكس العثماني ونظامه الإقليمي الشرق أوسطي الذي دام نيفاً وأربعة قرون، لتحل مكانه الحروب والفوضى وتقاسم المنطقة العربية بالعدل والقسطاس بين الدول الكبرى.
الآن، كما يقول برنارد لويس في كتابه "الشرق الأوسط (وهذه المرة نحن نؤيده على رغم اختلافنا الكبير مع أفكاره): للمرة الأولى منذ قرنين، يبدو مصير شعوب الشرق الأوسط في يدها. وهي يمكن أن نختار الفوضى والتجزؤ على طريقة يوغوسلافيا أو الصومال، أو الالتقاء والتوحد والتعاون في سلام.
___________
لدينا ملاحظة أخيرة: في غياب الوعي العربي الجديد الذي يجب أن يُطلق مشروعاً حضارياً شاملاً، سيكون العرب على لائحة طعام المأدبة الدولية- الإقليمية الكبرى الراهنة. وعلى رغم أن تركيا وإيران واليهود يبدون حتى الآن على لائحة الضيوف، إلا أن الامر قد لايستمر طويلا. ففي غياب النظام الإقليمي الجديد التعاوني والمسالم، الكل سيكون وقوداً لجهنم المتفجرة الآن في
طول الشرق الأوسط وعرضه، والتي قد تدوم سنوات وحتى عقودا.
________