للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 15 نوفمبر 2013

3 سقطات "تاريخية" لحزب الله


- I -
هنري كيسنجر سجّل في كتابه الأهم "الدبلوماسية" ملاحظة مثيرة للأهتمام في فلسفة التاريخ.
قال:" ليس هناك في التاريخ طرف ساخر أكثر من هذا التاريخ نفسه. فهو يجعل من بطل اليوم خائن الغد، ومن خائن الأمس بطل اليوم"
آثار أقدام الأمثلة على صحة هذه المقولة تكاد لانتهي: من تحوّل الفيتناميين من أبطال المقاومة ضد الأميركيين بالأمس القريب إلى "أصدقائهم وحلفائهم" الودودين اليوم، على رغم المليون قتيل الذين سقطوا وهو لايدرون أن أبناءهم وأحفادهم سيكونون غداً "خونة" ومرتدين.
وهذا أيضاً ما حدث لعشرات ملايين الأوروبيين الذين قاتلوا وقتلوا من أجل رفع رايات القومية الفرنسية أو الألمانية أو الإيطالية، فإذا بورثة جيناتهم اليوم يلعنون الفكر القومي صباح مساء ويعتبرونه أساس البلاء الأوروبي.
حزب الله في سورية: السقطة الكبرى(الصورة من غوغل

ويبدو أن هذه اللعنة التاريخية بدأت تحيق بحزب الله اللبناني، وبسرعة قياسية لم يسبق لها مثيل، وعلى كل الجبهات أيضا.
فهذا الحزب الذي نشأ وترعرع وازدهر بوصفه حزب المقاومة ضد إسرائيل، تحوّل بعد حرب 2006 إلى ما يشبه حرس الحدود مع الدولة العبرية. فلا عمليات المقاومة استؤنفت لتحرير مزارع شبعا والقرى السبع المحتلة، ولا ممانعة برزت لوجود قطاعات عسكرية كبيرة من حلف الأطلسي (الذي يتزعمه الشيطان الأكبر الأميركي) في جنوب لبنان وفق منطوق القرار 1701.
الجنوب انضم الآن إلى الجولان بصفته أهدأ الجبهات العربية مع إسرائيل. صحيح أن حزب الله لايزال يصف نفسه بأنه حزب المقاومة، عبر اعتبارها عمل ردع نظري لا فعل اشتباك فعلي، إلا أن هذا التوصيف فقد جل زخمه ومعناه اللذين راكمهما منذ العام 1982.
ومن الجنوب إلى سورية، كان حزب الله يخطو الخطوة القاتلة الثانية في سيرورة التدمير الذاتي. إذ أنه بقتاله واسع النطاق إلى جانب نظام قاتل لشبعه (باعتراف حتى بعض قادة الحزب أنفسهم)، كان "يخون" ليس فقط تعريفه الاستراتيجي لنفسه كتيار مقاومة ضد إسرائيل، بل أيضاً تحديده الإديولوجي لذاته كقوة كربلائية لنصرة المظلومين على الظالمين. هذا بالطبع علاوة على أن هذا الانغماس على هذا النحو الدموي في الصراع السوري، قد أطلق كل شياطين الفتنة الكبرى-2 بين السنّة والشيعة من عقالها. وهكذا، تحوّل الحزب بين ليلة وضحاها من بطل المنطقة العربية الذي ترفع راياته في قلب أروقة جامع الأزهر السنّي، إلى "خائن" الأمة وإلى (مايسميه الأصوليون السنّة الآن) "حزب اللات أو الشيطان".
ثم جاءت ضربة كبرى أخرى موجعة حين وقف السيد حسن نصر الله قبل أيام ليدافع بقوة عن أي صفقة محتملة بين إيران وأميركا. وهو فعل ذلك انطلاقاً من تحليل سياسي بارد للمصالح الإيرانية لاعلاقة له من قريب أو بعيد ببنية الحزب الإديولوجية ولا بالطبع بتاريخ مواقفه المقاومة والممانعة ضد الولايات المتحدة. وهكذا سقطت بالنسبة إليه صفة الشيطان الأكبر عن أميركا، وباتت ممانعة السعوديين والأتراك لأميركا هي الخيانة بعينها. لا بل أصبحت حتى ممانعة الإسرائيليين ضد أميركا هي أيضاً خيانة بحد ذاتها.
- II -

لماذا تدهورت وضعية حزب الله على هذا النحو المفجع؟ وإلى أين من هنا؟
الاسباب تبدو معقدة وعديدة، لكن أهمها هي الهشاشة الفائقة للبنية الاستقلالية للحزب (مالياً وإديولوجياً وسياسياً)، الأمر الذي جعله كرة تتقاذفها الأمواج الإقليمية العاتية، فلا يعرف على أي أرض يجب أن يقف ولا إلى أي ميناء يجب أن تيمم سفينته وجهها.
أما السؤال إلى أين، فيمكن أحالته إلى قواعد الحزب التي ربما بدأت تتساءل الآن عن معاني المقاومة والممانعة، والثورة الحسينية ضد الظلم والظالمين، وحتى عن الشيطان الأكبر.
إنها صيغة التاريخ الكيسنجري وقد ارتدت أكثر أرديته سخرية، وسوداوية.
سعد محيو
__________________________