للاشتراك في المدّونة، لطفاً ضع عنوانك الالكتروني هنا

ضع عنوان بريدك الالكتروني هنا

الجمعة، 3 أكتوبر، 2014

"الحل- الحلم": كونفيدرالية عربية- تركية- إيرانية- كردية- يهودية




I
توصّلنا في مقال الأمس إلى الخلاصة الآتية: حاضر المنطقة ومستقبلها القريب كناية عن مسار تفتيتي شامل، و"حروب جديدة" داخلية متواصلة، وغياب آفاق أي تسوية دولية أو إقليمية. وهذا مايعيدنا إلى السؤال الذي طرحناه في بداية هذه السلسلة: علامَ  ستستند حركة "انتفضوا" في ظل مثل هذه المعطيات المعقدة؟
عليها أن تستند إلى مجتمعاتها المدنية أولاً وأخيرا، عبر بلورة مشروعها الإقليمي الخاص القادر على وضعها في قلب التاريخ، بدل أن تكون مجرد كرة تتقاذفها امواج عاتية. وهي قادرة على ذلك.
فكرة هذا المشروع الإقليمي- الشعبي غاية في البساطة وهي تستند إلى التالي: التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط، وفي الصراعات حول النظام العالمي الجديد بين الدول الكبرى، ربطت مصائر شعوب المنطقة، من عرب وإيرانيين وأتراك وأكراد ويهود، بشكل وثيق ومحكم مع بعضها البعض ربما للمرة الأولى منذ انهيار الدولة العثمانية قبل نحو قرن.
هذا التطور الهائل، لا بل الزلزالي في الواقع، يحدث مباشرة أمام أعيننا الآن:
فالحلول للأزمات العربية، خاصة في العراق وسورية ولبنان وفلسطين (وحتى في اليمن)، لم تعد ممكنة من دون توافق تركي- إيراني. وهذا على مستوى الإيديولوجيا (العلاقات السنّية- الشيعية) كما على الصعيد الاستراتيجي (انتقال البلدين من الصراع على تقاسم النفوذ إلى تشاطر المصالح المشتركة والمسؤوليات).
لكن، إذا ماكانت النخب الحاكمة التركية والإيرانية تعتقد أنها تستطيع أن تلعب فوق جثة الرجل العربي المريض، من خلال التنافس على استلحاق أراضيه على طريقة سايكس بيكو ولكن "إسلامية" هذه المرة، فهي مخطئة تماما. لماذا؟ لأن الحرائق المشتعلة الآن في المنطقة العربية ستمتد إن آجلاً أم عاجلاً إلى داخل بلاديهما. إيران، المكوّنة من ستة أعراق، ستكون الضحية الثانية حتماً بعد الضحية العربية. وتركيا، مهما بلغت دولتها المركزية من قوة، لن تبقى، بأكرادها كثيفي العدد (مابين 15-20 مليونا) وعلوييها وسنييها، آمنة. محرقة التفتيت والتفجير ستطال الجميع.
الأكراد باتوا أيضاً في قلب الديناميكيات الجيو- استراتيجية التي تشابكت عناصرها في المنطقة. فمصير كيانهم الذاتي في شمال العراق بات مرتبطاً بمستقبل "غرب كردستان" في سورية، كما في مآل التسويات (أو الحروب) الخاصة بأكراد تركيا، ولاحقاً أكراد إيران الذين يخوضون منذ سنوات حرباً استقالية منخفضة الوتيرة وغير معلنة في مناطقهم .
أما العنصر الخامس في المنطقة، أي اليهود، فهم لن يبقوا طويلاً في الشرق الأوسط الجديد (أي الإسلامي) إلا إذا ما تحوّلوا إلى قوة إيجابية- اندماجية في الاتحاد. عدا ذلك ستجرفهم في نهاية المطاف الحروب الاهلية العربية ومتغيرات النظام الدولي، وسيتعرضون إلى ثاني أكبر دياسبورا في تاريخهم. الدولة الواحدة الفلسطينية- اليهودية الديمقراطية هي الحل الحقيقي النهائي للمسألة اليهودية، على الأقل في العالم الإسلامي، في إطار الكونفيدرالية الجديدة.
III
هذه بعض المعطيات الموضوعية التي يمكن تسند على أساسها المجتمعات المدنية للعناصر الخمسة مشروعها الإقليمي الجديد. لكن هذه المرة مثل هذا المشروع لن يأتي من فوق، كمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير الأميركي- الإسرائيلي أو المشروع المتوسطي الأوروبي، بل سينبع (أو يجب أن ينبع)، من تحت، أي من الشعوب ومن مجتمعاتها المدنية. وهذا يمكن في البداية أن يأخذ شكل اتحاد كونفيدرالي، مثلاً تحت مسمى اتحاد الشرق الإسلامي- المسيحي- اليهودي.(*).
II
في ظل هكذا اتحاد، الذي يجب أن يكون ديمقراطياً من ألفه إلى الياء، ستجد كل العناصر حلولاً لمشاكلها بشكل إعجازي. ونقول إعجازي من دون أن نسقط في المبالغة. وهاكم بعض المعطيات التي تؤكد ذلك:
- المشكلة الكردية، التي باتت حجر رحى كل التمخضات الجغرافية والخرائطية (من خريطة) في المنطقة ستجد حلولاً سريعة لها، لأن الأكراد ستكون لهم مصالح ضخمة في هكذا المشروع: الحكم الذاتي في تركيا وإيران وسورية والعراق في إطار الكونفيدرالية، والتواصل بين مناطقهم، والاعتراف بقوميتهم في كل الدول الإقليمية المعنية، والمصالح الاقتصادية الضخمة التي سيجنونها من سوق أوسطي واحد.
- والعرب سيخرجون من نفقين مظلمين إثنين في آن من خلال هذا الاتحاد: النفق الاول موت الدولة- الأمة في كل البلدان تقريباً وعجز التوجهات العروبية والإسلامية عن تقديم بدائل كيانية قابلة للحياة. والنفق الثاني الحروب الأهلية التي قد تستمر لديهم مائة سنة (كما توقع رئيس هيئة الأركان الاسترالي السابق) في غياب المشروع الإقليمي.
والأتراك سيجدون في النهاية هويتهم الضائعة التي لفظتها أوروبا بوحشية، لكن هذه المرة ليس  في صيغة "العثمانية الجديدة" التي هي في الواقع طفرة قومية تركية زائدة وأن كانت بتلوين إسلامي، بل في صيغة اتحاد إقليمي حضاري يعترف بالمساواة والاحترام لباقي العناصر الأربعة الأخرى.
والإيرانيون، الذين يفترض أنهم أدركوا الآن أن مشروعهم الإقليمي، وبسبب نزعته الطائفية الشيعية وهوسه بعودة الإمام المهدي لهم (وليس لكل البشرية)، وأيضاً بسبب عدم توضيح موقع العناصر الأربعة الاخرى في هذا المشروع وتراقص الاقتصاد الإيراني على حافة السقوط بسبب الأكلاف الباهظة لهذا الأخير، محكوم عليه بالفشل أو هو فشل فعلا.
ومن أيضا؟
هناك بالطبع المسيحيون والدروز العرب الذين إما سيختارون كيانات فيدرالية خاصة بهم داخل هذا الكيان الفيدرالي الإقليمي الكبير، أو ينحازون إلى فكرة كونهم طليعة القوى الحديثة المطالبة بتعزيز الديمقراطية والمساواة في المواطنة للجميع.
* * *
هل هذا المشروع قابل للتنفيذ، أم أنه مجرد حلم ليلة صيف؟
إذا كان في مقدور أحد أن يقدم لشعوب المنطقة مخرجاً غير هذا، سنكون سعداء بطيه سريعا. لكن، إذا ما غاب هذا البديل، فدعونا على الأقل نناقش هذه الفكرة، بشرط أن نتذكر أنه حين طرح آباء الاتحاد الأوروبي فكرة الوحدة الجمركية في صناعة الحديد والصلب بين العدوتين التاريخيتين ألمانيا وفرنسا كمدخل لتوحيد القارة، ضحك الكثيرون من هذا الاقتراح ملء الأشداق بصفته هو أيضاً حلم ليلة صيف.
____________
(* ) طرح الزميل أنيس نقاش فكرة إقامة "كونفردرالية مشرقية" في ورقة قدمها إلى حلقة نقاشية عقدها المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق في بيروت في 23- 9-2014. وقد قلت للزميل خلال الندوة أني "اشتغل على هذا الخط نفسه"، لكن لم يتسن لي  الوقت لأقول له أني لا أوافق على أن إيران، ولا بالطبع النظامين السوري والعراقي، كما يعتقد هم المؤهلين لقيادة مثل هذا المشروع التاريخي.

سعد محيو